ايها الاحبه في الله، باب الأسماء والصفات هذا الباب هو المعرف بالله سبحانه وتعالى، نعرف ربنا جل جلاله من هو الله سبحانه وتعالى الذي نعبده، الذي يعرف بذلك، وهذا الباب باب الأسماء والصفات، ولذلك باب الأسماء والصفات من ألذ الأبواب في أبواب العقيدة، عندما يتعلم الإنسان أن الله سبحانه وتعالى سميع بصير عليم قدير لطيف خبير سلام مؤمن مهيمن عزيز جبار متكبر، عندما يعرف الإنسان ربه جل جلاله يزداد إيمانه، تزداد عبوديته لله، يزداد خوفه من الله، يزداد تعظيمه لله، يزداد حبه لله.
وهكذا، لكن دخول الفرق الكلامية التي تحدثنا نبذة موجزة عنها في الحلقة الماضية، واليوم سنعرف بالجهمية والمعتزله على وجه التفصيل، دخول هذه الفرق في باب الأسماء والصفات جعل أن كثيرا من الناس ينفرون من تعلم باب الأسماء والصفات خوفا من الضلال، مع أنه باب الأسماء والصفات هو المعرف بالله سبحانه وتعالى وهو الدافع لتعظيم الله، لكن هؤلاء جعلوا باب الأسماء والصفات من أخطر الأبواب التي يتعلمها الإنسان.
أريد أن أخبركم بشيء، هؤلاء الذين ضلوا في باب الأسماء والصفات من الجعد بن درهم، جهم بن صفوان وغيرهم، الأصل في ضلالهم، الأصل في ضلالهم وسوسة، إنسان موسوس، فأتى بكلام يعتبر هو من باب الوسوسة، لو كان هناك شخص قرأ عليه أو إنسان بدأ يجلس معه جلسات نفسية لذهب ما به، لأن هذه أمور أصلا ما يقولها إلا موسوس مريض نفسي.
على سبيل المثال، الجعد بن درهم، الجعد بن درهم هو الذي أسس علم الكلام، وهو المؤسس الحقيقي فرقة الجهمية، وإنما نسبت الجهمية لجهم بن صفوان رغم أنه ليس هو المؤسس، المؤسس هو الجعد بن درهم، لكن نسبت لجهم بن صفوان لأنه هو الذي أظهرها وأشهرها، وإلا أول من ابتلي بالضلال في باب الأسماء والصفات هو الجعد بن درهم، وكان سبب ابتلائه هو وسوسة، لكنه ما رفض معالجة الوسوسة، رفض أن يعالج، واعتبر الوسوسة والمرض النفسي الذي وقع فيه اعتبر هو اليقين الذي يمكن أن يقتل ويضحى بحياته من أجل ذلك، كيف ذلك؟
بدأ يقرا في كتاب الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، كلم الله موسى، من الذي تكلم؟ الله كلم موسى. ما الذي وقع في ذهنه وهجم على خاطره؟ الذي وقع في ذهنه أنه إذا تكلم الله إذا كلامه سيكون ككلام المخلوق، استغفر الله، وبدأ يوسوس، قال لا، لم يكلم الله موسى تكليما، طيب الله يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] قال لا يمكن لأنه وقع في نفسه الكلام إذا سيكون هناك لسان، سيكون هناك حنجرة، سيكون، استغفر الله، وبدأ.
نسي الجعد بن درهم قول الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، الله تكلم لكنه ليس كمثله شيء، فكلام الله ليس ككلام المخلوقين، هذا كان يعالج الوسوسة التي عنده، المفروض تذهب الوسوسة، لكنه رفض العلاج الشرعي بليس كمثله شيء، وتوجه يبحث عن علاج من خلال الفلسفة، من خلال المنطق، من خلال علم الكلام، بدأ يعالج وسوسته، قال الله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]، قال الله يحب، مباشرة جاء في ذهنه المحبة الرقة، استغفر الله، لم يتخذ الله إبراهيم خليلا، يا رجل استغفر الله.
هذا طيب، سيقول قائل هذا مريض نفسي، ولماذا تابعه كثير من الناس إلى العصر الحاضر؟ نقول أول من تابعه واحد جهم بن صفوان، بعد ذلك أخذ المعتزلة هذا الكلام الوسوسة وظن أنه الصواب، ثم بعد ذلك أسس هذا الكلام ثم تبعه أناس، المصيبة الكبرى أن الجعد بن درهم لما كان إنسان مثقف على ثقافة عالية لجعد بن درهم، وكان عنده لغات وكان، وكان مربي، كان مربي لمروان بن محمد أحد خلفاء بني أمية آخر خلفاء بني أمية، كان مربي، وكان الخلفاء يأتون بالناس المثقفين على ثقافة عالية يربون أبناءهم، فالناس يظنون أن هذا إنسان مثقف، وهذا إنسان على حضارة، وهذا الإنسان يعرف لغة اليونان، وهذا الإنسان كذا، لا يمكن أن يكون موسوس، ثم جاء بهذا الكلام وجاء بهذه الوسوسة وجعلها قواعد عقلية، هذا هو الجعد بن درهم.
أخذ جهم بن صفوان هذا الكلام، طبعا الجعد بن درهم قتل عام 118 هجرية على يد خالد بن عبد الله القسري عندما أتي به في يوم أضحى بعد أن استتابه وسجنه، نصحه جلس مع علماء ما في فائدة، فجاء يوم قيل له تتوب؟ كلم الله موسى تكليما؟ قال لا، اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال لا، الله يقول في القرآن ذلك، قال لا، قال خالد بن عبد الله القسري: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، وضحى بالجعد بن الدرهم، قال فاني مضح بالعد بن الدرهم.
تلقف هذه المقالة الوسوسة، تلقف هذه الوسوسة جهم بن صفوان، وبدأ الآن ينظر لها وأنها ليست وسوسة وأنها علم، ثم بعد ذلك أتى بعلم الكلام وأتى بهذا، فتأسست فرقة الجهمية، هذه فرقة الجهمية، الجهمية وإن كان ضلالهم في باب الأسماء والصفات هو المشهور وهم أول من قال بأن الله سبحانه وتعالى في كل مكان وأنه ليس مستويا على العرش بل الله عز وجل في كل مكان، وهذا سيؤسس قضايا الحلول، قضايا وحدة الوجود، قضايا الاتحاد فيما بعد.
قالوا بأن القرآن مخلوق، وتلقف هذه المقالة المعتزلة وأسسوها وقالوا ونادوا بها بكل قوة، هذه ليس ضلال فقط باب الأسماء والصفات حتى في باب الإيمان، في باب الإيمان ضلالهم ضلال سيء جدا، يعتبرون الإيمان مجرد المعرفة القلبية بالله، من عرف الله بقلبه فهو مؤمن حتى لو لم يصدق القلب، مجرد المعرفة التي تحتمل تصديق وتكذيب يعني، لكنها معرفة قلبية ما يصدق القلب بها، قالوا هذا هو الإيمان، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، ومن جهل الله بقلبه فهو كافر، فضلوا ضلال عجيب، يعتبرون ولاة الغلاة في باب الإارجاء.
في باب الإيمان، في مسائل القضاء والقدر جمعوا بين يعني عجيبتين، أنكروا أن يكون الله يعلم أعمال العباد من الأزل، فانكروا علم الله السابق، المفترض أنكروا علم الله السابق، يتوجهون إلى ماذا؟ إلى نفس القدر، لا أنكروا علم الله السابق وقالوا بالجبر، وقالوا الإنسان مجبور على أفعاله، فجمعوا بين امرين يعني ما يمكن الجمع بينهما، انكار العلم السابق والقول بالجبر، وقولهم بالجبر قول عجيب، قالوا الإنسان كالريشة في مهب الريح، فجبر خالصة، جبرية غالية جدا عند هؤلاء الجهمية.
أما في اليوم مسائل اليوم الآخر فقالوا بفناء الجنة والنار، هذه فرقة، فرقة ذابت الآن في الفرق الكلامية الأخرى وليس لهم وجود ولا يوجد لهم كتب، لكن من الكتب التي تحدثت عنهم كتاب الإمام أحمد الرد على الجهمية والزنادقة، وكتاب التنبيه والرد لأبي الحسين الملطي، تحدثت عن هذه الفرقة بشيء من التفصيل، من أراد التوسع يقرا تلك الكتب، ناخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بمشيئة الله.
فارق كبير بين من يسافر لنزهة سياحية أو لمشاهدة مباراة وبين من يسافر لطلب العلم، فالرحلة لطلب العلم موصلة إلى سعادة الأبد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة».
وبالرحلة يتفقه في دين الله، ويجالس العلماء، وينوع المشايخ، ويقارن بين المناهج، ويجدد نشاطه، ويزيد خبراته، قال الشعبي: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه رايت أن سفره لا يضيع.
وهل من شيء أشرف من العلم يرحل في طلبه؟ وقد رحل موسى عليه السلام في ذلك رحلة شاقة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]، ورحل الصحابه والعلماء من بعدهم في طلب العلم المسافات حتى سافر بعضهم شهرا في طلب حديث واحد، وقطع بعضهم في طلبه أكثر من خمسة آلاف كيلو سيرا على قدميه.
إن عجزت عن الرحلة في طلب العلم فلا أقل من التعلم عبر الشبكات والشاشات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا».
حياكم الله ايها الاحبه في الله، انتهينا من فرقة الجهمية واندثرت، لكن اندثرت كاسم لكن أفكارها تلقفتها فرقة المعتزلة، ما معنى المعتزلة؟ المعتزلة سموا بهذا الاسم لقيامهم بالاعتزال، اعتزال مجلس الحسن البصري.
كان واصل بن عطا من جلساء الحسن البصري في أثناء الجلسة وهو يحدثهم، جاء سائل يسأل وقال هناك من يقول بأن مرتكب الكبيرة كافر، وهناك من يقول بأن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، فما قولكم؟ أطرق الحسن البصري يرتب الجواب، فإذا بواسل بن عطا يتقدم عليه في الجواب ويقول أما أنا فأقول مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن وليس بكافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، منزلة الإيمان ومنزلة الكفر.
ثم قام مباشرة وجلس الأسطوانة في آخر المسجد وجلس هناك، ثم تبعه بعض الأفراد، من هؤلاء الأفراد الذين تبعوه عمرو بن عبيد، وبدأ يقرر هذا المذهب، فقال الحسن البصري: اعتزلنا واصل، اعتزلنا واصل، فسموا معتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن البصري واعتزالهم بعد ذلك قول أهل السنة والجماعة قول المسلمين في مرتكب الكبيرة بيانهم بهذا المذهب الباطل.
طيب هل هم ما عندهم هذا المذهب؟ طبعا هذه جعلوها ضمن اصولهم الخمسة في الحكم على مرتكبه الكبيرة أنه لا مؤمن ولا كافر في منزلة بين المنزلتين، لكن هم كذلك عندهم في مسائل الإيمان، عندهم انحراف المعتزلة في مسائل الإيمان كالخوارج مع فرق يسير في تسمية مرتكب الكبيرة في الدنيا وإلا هم مثلهم تماما، يقولون إن الإيمان قول وعمل لكنه كل لا يتجزا، شيء واحد لا يتجزا فإذا ذهب بعضه ذهب كله، فقالوا مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد في النار ولا ليس له شفاعة ولا يخرج يعني من النار.
فقولهم وقول الخوارج في مرتكبه الكبيرة في الآخرة شيء واحد أنه في النار خالدا فيها، أما في الدنيا فالخوارج يسمونه مرتكب الكبيرة كافر، المعتزلة يقول ما نسمي كافر، نقول فاسق، نقول لا مؤمن ولا كافر في منزلة بين المنزلتين، هذا قولهم في الإيمان.
قولهم في الأسماء والصفات، الجهمية ينكرون الأسماء والصفات كلها ما عدا الأسماء التي يرون أنها لا يصح إطلاقها على المخلوق، فقالوا هذه الأسماء مثل قادر خالق، قالوا هذه الأسماء يجوز أن تطلق على الخالق سبحانه وتعالى، ولا هذا هؤلاء الجهمية، أما المعتزلة فانكروا جميع، أما المعتزلة فأثبتوا الأسماء لكنها مجردة عن الصفات، أنكروا الصفات وأثبتوا الأسماء ونفوا عنها ما تتضمنه من الصفات، فقال الله عز وجل سميع لكن بلا سمع، بصير بلا بصر، فانكروا الصفات، يرون أن اثبات الصفات يعني التشبيه.
أيضا قالوا بخلق القرآن، أيضا نفوا رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، في القضاء والقدر هم مختلفون عن الجهمية، ينكرون يثبتون العلم والكتابة، لأنهم يرون أن العلم السابق والكتابة السابقة إنكارها، إنكاره كفر، فيثبتون العلم السابق والكتابة السابقة، لكنهم ينكرون المشيئة والخلق، ينكرون المشيئة والخلق وهم يسمون قدرية لأنهم نازعوا الله سبحانه وتعالى في قدره، وقالوا الإنسان خالق لفعله، فسموا قدرية من هذه الناحية.
في مسائل اليوم الآخر ينكرون الشفاعة لمرتكبي الكبيرة، وبالنسبة للصراط والميزان يعملون عقولهم في الصراط والميزان، بمعنى يعملون الرأي فينكرون الصراط الحقيقي والميزان الحقيقي و يقومون بتاويله.
فرقة المعتزلة بعد ذلك تطورت حتى وصل عندها أصول خمسة، يرون أن هذه الأصول الخمسة هي الضابط في كون الإنسان معتزلي وليس معتزليا، الأصل الأول التوحيد ويقصدون بالتوحيد نفي الصفات، الأصل الثاني العدل ويقصدون بالعدل نفي القدر السابق، نفي المشيئة ونفي الخلق، الأصل الثالث الوعد والوعيد ويقصدون به نفي الشفاعة عن مرتكب الكبيرة يوم القيامة، الأصل الرابع المنزلة بين المنزلتين في تسمية يعني مرتكب الكبيرة في الدنيا، الأصل الخامس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي معناه عندهم الخروج بالسيف على الحاكم إذا وقع في الظلم أو وقع في الذنوب والمعاصي وهكذا، لكن المعتزلة في الغالب ينظرون ولا يخرجون، والذي يخرج يخرج الخوارج، المعتزلة يقومون بالتنظير والخوارج هم الذين ينفذون.
نخلص من هذا الكلام عن الفرق الكلامية أن أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات يثبتون ذلك من غير يعني يثبتون من غير تمثيل، وينزهون الله سبحانه وتعالى من غير تعطيل.
الجهمية ما مذهبهم في باب الأسماء والصفات؟ ينكرون جميع الأسماء والصفات فرارا من التشبيه، يعتقدون أن كل اسم أو صفة يصح أن تطلق على المخلوق قالوا لا يصح أن تطلق على الخالق، فإن هذا فيه تشبيه، فهم يقولون أنهم يفرون من التشبيه فيقعون في إنكار أسماء الله عز وجل وصفاته.
المعتزلة قالوا إثبات الأسماء ليس فيه تشبيه، وأما إثبات الصفات فيه تشبيه، جاءت الفرق الأخرى الكلابية الأشعرية الماتريدية قالوا لا، إثبات الأسماء ليس فيه تشبيه، إثبات الصفات التي يسمون الصفات العقلية ليس فيها تشبيه، لكن قالوا التشبيه إنما يكون في الصفات الفعلية.
أما أهل السنة والجماعة فيقولون التشابه ينقسم إلى قسمين، هناك التشابه المطلق وهناك مطلق التشابه، التشابه المطلق يعني الاشتراك فيما يجب ويجوز ويمتنع، فيجب لأحدهما ما يجب للأخر، يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، يمتنع على أحدهما ما يمتنع على الآخر، قالوا هذا التمثيل وهذا لا يجوز.
ومن مثل الله سبحانه وتعالى بخلقه فقد كفر، لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. فالتشابه المطلق منكر عند أهل السنة والجماعة، أما مطلق التشابه وهو الاشتراك في الألفاظ؛ السمع السمع الاشتراك في الألفاظ والمعنى الكلي من اللفظ، وهذا المعنى الكلي من اللفظ موجود في الأذهان، الاشتراك في الألفاظ والمعاني الكلية للألفاظ الموجودة في الأذهان هذا هو القدر المشترك.
أما عند التقييد والإضافة والتخصيص فلا اشتراك البتة، فإذا قيل: سمع الله، فسمع الله يليق بالله لا يماثل سمع المخلوق، وسمع المخلوق يليق بالمخلوق لا يماثل سمع الله. فعند الإضافة والتقييد والتخصيص كل لكل منهما ما يخصه وما يليق بذاته، لكن إذا قطعنا السمع كلمة السمع عن الإضافة والتقييد والتخصيص صار كلمة ذهنية في الذهن، السمع هو إدراك المسموعات، هنا الاشتراك، وهذا القدر المشترك هو الذي به نعلم ونتعرف على الله سبحانه وتعالى.
قال الله عز وجل داعيا لنا أن نتعلم أسمائه وصفاته، أن نتعلم الأسماء والصفات وندعوه بها، قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. لله الأسماء الحسنى فادعوه بها؛ يعني تعلموا هذه الأسماء الحسنى التي هي لله وادعوا الله سبحانه وتعالى بها، فقولوا مثلا: يا رحمن ارحمني، يا رحيم اغفر لي، يا غفار اغفر لي، يا جبار، يا منتقم انتقم من أعدائك، وهكذا فادعوه بها.
وذروا اتركوا ودعوا الذين يلحدون في أسمائه، يلحدون في الأسماء الإلحاد الميل والعدول عن الحق الواجب في أسماء الله عز وجل في هذه الأسماء فيميلون بتحريف أو تكييف أو تمثيل أو تعطيل، وسنتحدث عن الإلحاد أيضا بشيء من التفصيل. قال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]. وقال الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيَّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110]. فأثبت الله سبحانه وتعالى لنفسه الأسماء الحسنى ودعانا لتعلمها وأن ندعوه بها وأن نتعبد لله سبحانه وتعالى بمعرفتها.
العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقربا إلى تعالى وشكرا على انعامه بنعمه الولد، وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة. وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاه». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية؛ بالضأن ما أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، ويتقى فيها من العيوب ما يتقى في الأضحية؛ العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيله.
ووقت ذبح العقيقة يبدا من تمام انفصال المولود فلا تصح عقيقه قبله، وتستحب العقيقه في اليوم السابع فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين. ويوم الولاده يحسب من السبعه ولا تحسب الليله إن ولد ليله بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينه بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق راسه». والعقيقه يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد فكيف ما فعل فجائز، ويجوز أن يخرج اللحم نيئا أو مطبوخا، والطبخ افضل فهو زياده في الاحسان وشكر النعمه.
الأدلة كثيرة جدا التي فيها حث لنا على تعلم أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى وأن ندعوه بها، ومن تلك الأدلة أيضا التي فيها أن نعلم أن أسماء الله سبحانه وتعالى ليس له فيها مثيل، قال الله عز وجل: ﴿رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ رب السماوات هذا الربوبية ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] هذا توحيد الأسماء والصفات؛ يعني الله عز وجل ليس له سمي في أسمائه وصفاته، ليس له مناظر، ليس له نظير ولا مثيل.
أيضا رسولنا صلى الله عليه وسلم يحثنا على تعلم أسماء الله الحسنى يقول صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» متفق عليه. من أحصاها؛ يعني من تعلم هذه الأسماء وعرف معانيها وتعبد لله بمقتضاها هذا دخل الجنة. إذا هذا الباب باب عظيم؛ باب الأسماء والصفات، باب يلج فيه الإنسان إلى جنة الله سبحانه وتعالى وإلى معرفة الله.
أيضا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء العجيب الذي فيه إثبات اسماء لله عز وجل وصفات، قال صلى الله عليه وسلم: «ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضائك، أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحا».
هذا الحديث العظيم يحتاج إلى شرح وإلى كلام طويل فيه، ولعله يكون في مناسبة أخرى بإذن الله نعيد الكلام عنه. الذي يهمنا في هذا المكان أنه قال: «اللهم إني أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك»؛ يعني كل اسم سميت به نفسك، سواء كان هذا الاسم أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به. إذا أنت لك الأسماء، هذه الأسماء بعضها علمتنا إياها في القرآن، وبعضها جعلته استأثرت به في علم الغيب عندك. فلله عز وجل اسماء كثيرة، منها تسعة وتسعون اسما، حتى الذي في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسما، لكن ضمن هذه الأسماء التسعة وتسعين اسما إذا أتى الإنسان بها ظل يتعلم ذلك فوفق للتسعة وتسعين اسما هذه كانت سببا لدخوله الجنة.
من الأسماء التي لله سبحانه وتعالى ثابتة؛ الأول والآخر والظاهر والباطن، قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء».
ينبغي للانسان أن يحذر في باب الأسماء من الإلحاد في هذا الباب. ما معنى الإلحاد في اسماء الله؟ دائما تحدثنا عن هذه لكن لا باس من تكراره حتى تثبت. الإلحاد في اللغة هو الميل والعدول، سمي اللحد لحدا لأن الإنسان يميل عن اصل الحفره فيذهب اتجاه اليمين أو اتجاه اليسار، ومنه قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]. الإلحاد في الأسماء والصفات هو الميل بالأسماء عما يجب اعتقاده فيها، أما الاستقامة أن تكون مستقيما في باب اسماء الله وصفاته أن تثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، هذه هي منهج الاستقامة.
نأخذ فيما تبقى من هذه الحلقة أنواع الإلحاد في الأسماء والصفات. النوع الأول من أنواع الإلحاد: انكار شيء من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات؛ الجهمية أنكروا جميع الأسماء وما دلت عليه من الصفات، كإنكار المعتزلة ذلك، وهذا قد سبقهم في ذلك أهل الجاهلية قيل لهم وما الرحمن ينكرون اسم الله سبحانه وتعالى الرحمن، أو المعتزلة يثبتون الأسماء لكن ينكرون ما تتضمنه من الصفات فيقولون: إن الله رحيم بلا رحمه، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا. هذا نوع من انواع الالحاد؛ انكار شيء من اسماء الله أو انكار ما تتضمنه تلك الأسماء من الصفات.
النوع الثاني من انواع الالحاد في الاسماء: أن يسمى الله سبحانه وتعالى بما لم يسمي به نفسه. باب الاسماء عندنا باب توقيفي، لا نسمي الله سبحانه وتعالى إلا باسم ثبت له في الكتاب والسنة، فلا يجوز للإنسان أن يأتي فيسمي الله سبحانه وتعالى باسماء ليست في الكتاب والسنة؛ مثلا يأتي النصارى يسمون الله الاب، يأتي مثلا الفلاسفة يسمون الله العله الفاعلة. فيسمون الله سبحانه وتعالى بما لم يسمي به نفسه وهذا نوع من انواع الالحاد.
النوع الثالث: أن يعتقد أن تلك الأسماء دالة على أوصاف المخلوقين فيجعلها دالة على التمثيل؛ ما سمى الله سبحانه وتعالى به نفسه من الأسماء يعتقد أن تلك الأسماء مماثلة لأسماء المخلوقين وأنها مثل أسماء المخلوقين، هذا إلحاد. من اعتقد أن اسماء الله سبحانه وتعالى دالة على تمثيل الله بخلقه فقد أخرجها عن مدلولها ومال بها عن الاستقامة وجعل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم دالا على الكفر، لأن تمثيل الله بخلقه كفر لكونه تكذيبا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
قال نعيم بن حماد الخزاعي رحمه الله: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه.
النوع الرابع: أن يشتق اسماء أصنام أو للبشر من اسماء الله تعالى ويقصدون أنها تتضمن تلك المعاني التي أطلقت على الله؛ كاشتقاق اللات اسم للأصنام من الإاله، واسم العزة من العزيز، ومناة من المنان. فهذه أسماء لله سبحانه وتعالى مختصة به لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، وقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [طه: 8]. فكما أن العبادة هي خاصة بالله سبحانه وتعالى فكذلك هذه أسماؤه الحسنى خاصة به، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص به الله سبحانه وتعالى ميل بها عما يجب فيها.
إذا يمكن أن نقول أن أنواع الإلحاد في الأسماء والصفات نلخصها كالتالي: أولا انكار شيء من اسماء الله، ثانيا تسمية الله بما لم يسمي به نفسه، ثالثا اعتقاد أن الأسماء دالة على التمثيل، رابعا اشتقاق اسماء للاصنام من اسماء الله تعالى. هذا كله نوع من انواع الالحاد. الإلحاد ايها الاحبه في الله بجميع انواعه محرم لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]. وهذه الآية تهديد صريح للذين يلحدون ويميلون في أسماء الله سبحانه وتعالى.
نعود ونقول أيها الأحبة في الله أن باب الأسماء والصفات من اعظم ابواب العقيدة، لأن أعظم شيء في عقيدتنا هو أن نعرف الله سبحانه وتعالى، أن نعرف ربنا سبحانه وتعالى، وما هو اعظم شيء تعرف به ربك جل جلاله؟ تعرف أسمائه، تعرف صفاته. أعجب يا إخوان بعض الطلبة وأجرت هذه التجربة على الطلاب ما زالوا في أول جامعة، أول فصل لهم، قلت لهم: اريد منكم أن تعرفوني بالله سبحانه وتعالى الذي نحن نعبده المسلمون، من هو هذا الله؟ تعجبت من بطء استجابتهم في التعريف بالله؛ عندهم ضعف في التعبير عن الله مع أنه يستطيعون يعبر عن الله مباشرة بالثلاثة الأمور بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ثم أثناء الحوار قلت لهم: اريد منكم أن تقربوا لي هذا الإاله، هل هو مثل السماء، مثل الأرض، مثل الشمس، مثل القمر؟ وجدت اجابات متأخرة وتبابطا في الجواب مع أن الله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
فنحتاج أيها الأحبة في الله إلى مدارسة باب الأسماء والصفات لنعرف ربنا سبحانه وتعالى، ومعرفتنا بربنا سبحانه وتعالى هي سبيل لاستقامتنا على العبودية الخالصة لله حبا وخوفا ورجاء. أسال الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم من المخلصين لله في عبادته، العالمين بالله سبحانه وتعالى العارفين له جل جلاله. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.
د. أبو زيد مكي القبي