تسجيل الدخول

المحاضرة 14 - حقيقة الأسباب والموقف الشرعي منها

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبة في الله، كنت وعدتكم بأن نتحدث عن حقيقة الأسباب، والموقف الشرعي منها، وكيف يدخل الشرك في تلك الأسباب. فسنأخذ بإذن الله الحديث عن التمائم، عن الرقى، ثم سنتحدث عن التبرك وما يفعل عند القبور، وسنتحدث عن الجن وكيف يدخل الشرك في التعامل مع الجن، سنتحدث عن النجوم وكيف يدخل الشرك في النظر في النجوم والتعامل مع النجوم، نتحدث بمشيئة الله عن الطيور وكيف يمكن أن يدخل الشرك في مع هذه الطيور، سنتناول هذه الأمور في أربع حلقات بإذن الله كما وعدتكم سابقاً.

لكن دخلنا في توحيد الأسماء والصفات، لم نستكمل ولم نتحدث عن هذه القضايا، فاليوم نأخذ أربع حلقات بمشيئة الله متوالية، كلها تتحدث عن كيفية دخول الشرك في هذه الأسباب. أبدأ معكم أيها الأحبة في الله في الحديث عن حقيقة الأسباب والموقف الشرعي منهم، نأخذ هذا المثال قبل أن نتحدث عن حقيقة الأسباب. لو أخذنا هذه الورقة مثلاً وكان هذا عندنا يعتبر نار، ثم أتينا بالنار إلى الورقة فاحترقت الورقة، السؤال إليكم الآن: هل الورقة احترقت عند ملاقاة النار لها؟ أو الورقة احترقت بسبب أن النار لاقتها، وكل نار تقترب من ورقة لابد من إحراقها؟ نعيد السؤال: هل الآن النار مجرد علامة على حصول الاحتراق؟ أم أن النار محرقة بذاتها، فلابد أي نار تقابل ورقة لابد أن تحرقها؟ الأول أم الثاني؟

هل النار مجرد علامة لحصول الاحتراق؟ أم أن النار محرقة بذاتها، وكل نار تقابل الورقة لابد أن تحرقها؟ الأول أم الثاني؟ لو اخترتم الرأي الأول وهو اختيار خاطئ، سيذهب بكم هذا إلى مذهب الجبرية، إلى مذهب الأشعرية نظرية الكسب الاشعري؛ وهو أن النار مجرد علامة لحصول الاحتراق، وليس في النار خاصية الإحراق، وهذا مناف للعقل ومناف للشرع، عندما يقال إن الأسباب مجرد علامات لحصول نتائجها ومسبباتها فهذا كلام خاطئ ليس بصحيح. ولو اخترتم الثاني قلتم هو الرأي الثاني هو الرأي الصواب لذهبتم إلى مذهب المعتزلة الذين يرون أن الأسباب مؤثرة بذاتها، وأن الإنسان خالق لفعله.

ماذا تلاحظون؟ في الرأي الأول نفوا حكم الحكمة وعظموا قدرة الله، وأن الله قادر أن يحرق الأشياء من غير سبب، عظموا قضية القدرة عندهم، الله يحرق الورقة بالماء يحرق، فعظموا قضية القدرة، لكنهم غفلوا عن قضية الحكمة والخصائص التي جعلها الله سبحانه وتعالى في الأشياء. فالماء الله عز وجل جعل فيه خاصية الإرواء، من حكمته جل جلاله جعل الماء يروي، وجعل الأكل والطعام يشبع، وجعل النار تحرق، وهكذا من أمور الأرض أو أمور السماء، من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة، جعل الله لكل شيء سبباً وفق حكمة. هؤلاء أهل الرأي الأول نفوا الحكمة، ضعفاء في قضية تعظيم حكمة الله، لكنهم معظمون لقدرة الله جل جلاله، وانه يأتي بالأشياء من غير اسبابها. وهذا صحيح عظم القدرة لكنهم ضعفوا في جانب الحكمة أو اهملوها.

القسم الثاني عظموا جانب الحكمة، وأن الله سبحانه وتعالى من حكمته جعل لكل شيء سبباً، ثم غفلوا عن قضية القدرة، وجعلوا الأسباب خلاص تعمل الآن بذاتها، من أن يكون لقدرة الله سبحانه وتعالى أي تدخل في هذه الأسباب، فعظموا الحكمة وأهملوا القدرة. الرأي الأول خاطئ والرأي الثاني خاطئ، ما الرأي الصواب؟ الرأي الصواب أن نعمل الصفتين لله جل جلاله، أن نؤمن بصفة الحكمة وصفة القدرة. فمن حكمة الله أن جعل لكل شيء سبباً؛ مثلاً نريد الزرع، يأتينا الزرع لابد أن يكون هناك في بذرة في الأرض، ثم يأتي عليها الماء، يخرج النبات. البذر والماء سبب لخروج الزرع، والمطر حتى يتكون مطر الله سبحانه وتعالى قد جعل له أسباباً، تتراكم السحب ثم بعد ذلك من تراكمها ينزل المطر. امور الدنيا النجاح لابد له من الاستذكار، التجارة والكسب لابد من السعي والحركة، فجعل الله لكل شيء سبباً. أمور الآخرة تريد الجنة؟ التوحيد، الإيمان، والعمل الصالح. من أراد النار عياذاً بالله عليه بالشرك والكفر، فجعل الله عز وجل لكل شيء سبباً بمقتضى حكمته.

ومن مقتضى قدرته سبحانه وتعالى أنه يأتي بالشيء من غير سبب أو من غير سببه، قد يأتي الله سبحانه وتعالى ليظهر كمال قدرته لخلقه، يأتي بالشيء من غير سببه، فيرزق من غير سعي وحركة، يرزق الولد من غير نكاح كما فعل مع مريم عليها السلام؛ رزقها بالولد من غير زواج، ورزقها كذلك الطعام من غير سعي منها ولا حركة، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً. والله عز وجل من كمال قدرته أنه قد يبطل مفعول السبب فلا يؤثر، فالسكين سبب للقطع، فالله سبحانه وتعالى قد ينزع عنها هذه الخاصية خاصية القطع فلا تقطع، ينزع الله عز وجل عن النار خاصية الإحراق فلا تحرق، هذا من كمال قدرته كما فعل مع إبراهيم عليه السلام؛ نار إبراهيم كانت عليه برداً وسلاماً، سكين إبراهيم وضعها على رقبته وحز بها فلم تقطع، فقال الله عز وجل له: قد صدقت الرؤيا، يعني الرؤيا امتثلتها وقد قمت بالواجب عليك فيها، فهذا من كمال قدرته.

ثم نعود إلى السؤال الذي سألناه: هل النار مجرد علامة على حصول الاحتراق؟ لا، النار محرقة بوجود خاصية الإحراق فيها، لكن إحراقها بإذن الله. هنا جمعنا بين الحكمة والقدرة، النار محرقة لأن الله سبحانه وتعالى من حكمته جعل فيها خاصية الإحراق، لكنها تحرق بإذن الله، فإذا الله سبحانه وتعالى أراد لها أن تحرق، ازال عنها الموانع توفرت فيها الشروط، فحدث الاحتراق، والله سبحانه وتعالى لم يرد أنها تحرق فإنها لا تحرق. فمن مقتضى حكمة الله جعل لكل شيء سبباً، ومن مقتضى قدرة الله أنه قد يبطل مفعول السبب، قد يأتي بالشيء من غير سبب. فهذه حقيقة الأسباب والموقف الشرعي من هذه الأسباب سنتحدث عنها بعد هذا الفاصل بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

خلق الله الإنسان مدنياً بطبعه، يألف ويؤلف، وتكون العلاقات بين الناس يترتب عليه تأثير بعضهم ببعض، لذا قالوا: الصاحب ساحب، ومن جالس جانس وصار من جنس صاحبه، وقديما قال الشاعر عن الصاحب: لا تسأل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي. وكثيرا ما يدور في أذهان المربين المخلصين مجموعة من الأسئلة المتعلقة بأصدقاء الولد، مع من يمشي يا ترى؟ من هو صاحبه؟ من هو جليسه؟ ماذا يفعلون الآن؟ في أي شيء يشتركون؟

فقد ينشأ الولد باراً طائعاً حسن الخلق، فينقلب على أثر الصحبة والعلاقات عاقاً عاصياً سيء الطبع فاحش اللسان، لذا كان لزاما على المربي أن يتفحص علاقات أبنائه وبناته، وألا يغفل عنها بحال، وأن يؤسس في نفوس أولاده معنى العلاقة، وعلى أي أساس تقوم، وكيف يختارون أصدقاءهم، فليست القضية مجرد ألفة وصحبة، وإنما قضية دين وإيمان عليها تنعقد المصائر يوم القيامة، فكل العلاقات والصداقات والزمالات الناشئة في الدنيا ستنقلب عداوة في الآخرة إلا ما كان منها مبنياً على تقوى من الله ورضوان.

قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. فإذا رأى المربي صحبة خير دل عليها وشجعها ورعاها ودفعها إلى الطاعة، وإذا رأى صحبة شر حذر منها وبين لأولاده سوء عواقبها وقبح نتائجها، وذلك كله من طرف خفي لئلا يشعر الولد أنه مساق لا رأي له ولا اختيار. وإذا لاحظ المربي اتجاه الأبناء والبنات نحو تكوين صداقات عبر وسائل التواصل الحديثة، فمن الحسن توجيه هذه العلاقات للدعوة إلى الله، والتواصي بالحق والصبر، والتزود من المعرفة، واكتساب المهارات الجميلة، ونشر العلم النافع كرفع مقال جميل وتشجيع كاتب متميز وغير ذلك، فإن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.

حياكم الله أيها الأحبة، بعد أن عرفنا حقيقة الأسباب وأن الأسباب مؤثرة لكن تأثيرها بإذن الله، فما هو الواجب علينا تجاه هذه الأسباب؟ ما الموقف الشرعي من هذه الأسباب؟ لابد أن نعرف أن الأسباب تنقسم إلى قسمين، هناك أسباب حقيقية وهناك أسباب وهمية.

الأسباب الحقيقية هي الأسباب التي ثبتت سببيتها بالكتاب، ثبتت سببيتها بالشرع أو بالتجربة. الله سبحانه وتعالى بين أن هذا سببه: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]، فجعل العمل الصالح... وإذا أطلق العمل الصالح يدخل فيه الإيمان، وإذا أطلق الإيمان دون أن يقترن بالعمل الصالح دخل فيه العمل الصالح. الله سبحانه وتعالى جعل الجنة سببها الإيمان والعمل الصالح، هذا بالشرع، ثبت بالشرع.

وهناك أسباب كثيرة من أمور الدنيا ومن أمور الآخرة ثبتت سببيتها بالشرع أو بالتجربة، يعني الناس جربوه، اخترعوا أدوية وهذه الأدوية اسباب للعلاج ونحو ذلك، بشرط في امور التجربة أن يكون التأثير ظاهراً لا خفياً، يعرفه عامة الناس أو يعرفه أهل الاختصاص، أما إذا كان أمراً خفياً فالإنسان يبتعد عن هذه الأمور، لماذا؟ لانها تقترب من الاسباب الوهمية.

ما هي الاسباب الوهمية؟ الاسباب الوهمية هي التي ثبت في الشرع أنها ليست بسبب للمقصود. على سبيل المثال: الإنسان يريد مغفرة الله جل جلاله، ثبت في الشرع أن طلب المغفرة من الله عبادة الله جل جلاله... أما الذبح عند القبور فهذا سبب وهمي، ثبت في الشرع أن هذا سبب وهمي، وأن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات من أجل أن يطلبوا لك العون من الله سبحانه وتعالى والمغفرة من الله، هذه أسباب وهمية، فهذا نص الشرع على وهميتها.

وهذه الاسباب إذا كان لها تعلق بالعبادة، وقد نص الشرع على أنها ليست أسباباً، فتعلق الإنسان بها قد يدخله في الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، فإن ظن أن تلك الأسباب الوهمية هي بذاتها تنفعه وتضره فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن ظن أن تلك الأسباب مجرد أسباب، لكن لكونه تعامل معها بأبواب العبادات، لكنه كان يظنها سبباً فعبد الله مخلصاً لله عند القبور، فهذا يدخل في الشرك الأصغر لأنه ممكن أن يؤدي إلى الشرك الأكبر.

فهذه الأسباب الوهمية ينبغي للانسان أن يحذر منها لاسيما ما كان له تعلق بامور دينه، يبتعد عن هذه الأسباب أو فيها تعلق بها يظن أنها تجلب النفع وتدفع الضر أو أنها تشفي من المرض أو تدفع العين أو تعالج من المس أو السحر، هذه الاسباب الوهمية يحذر الإنسان منها كل الحذر.

وهناك أسباب وهمية هي من قبيل الجنون والحمق، مثلاً الإنسان يريد أن يكون تاجراً فيجلس يحلم أحلام يقظة، أو مثلاً يريد أن يكون ناجحاً في دراسته فيستلقي على ظهره يقول: أنا ناجح، أنا ناجح، أنا ناجح، وهكذا يردد، ثم لا يعمل شيئاً ولا يأتي بالأسباب، وأنا أريد أن أكون غني، أنا غني، هذه أسباب وهمية هي من قبيل السخف والحمق والجنون، ينبغي للإنسان أن يبتعد عنها.

أريد أن نضع قاعدة تساعدنا في هذه القضية: أولاً: ألا نجعل شيئاً سببا لشيء إلا بدليل، حتى نهرب من الأسباب الوهمية. الأمر الثاني: تأكدنا أن هذا الشيء سبب سبب حقيقي، والسبب الحقيقي أيضاً نسينا في تقسيمه أن هناك أسباب حقيقية جائزة أجازها الشرع، وهناك أسباب محرمة، مثال الربا لزيادة المال لكنه سبب محرم، الغش سبب لإنجاح التجارة ونحو ذلك لكنه سبب محرم، لابد أن يكون السبب الحقيقي سبباً جائزاً.

إذا تأكدنا أن هذا سبب حقيقي فيجب علينا أن نعتقد أنه سبب مؤثر، لكن تأثيره مرتبط بإذن الله، بالتالي لا نعتمد على هذه الأسباب بقلوبنا، نحذر من ذلك، نحذر كل الحذر أن نعلق قلوبنا بتلك الأسباب من الأدوية، من البشر، من السعي والحركة، من النجوم، من الطيور؛ أي شيء ثبت أنه سبب حقيقي في أمر من الأمور، لا نعلق قلبنا بذلك السبب، نتعامل مع ذلك السبب بالأبدان، باليد، بالأشياء، لكن لا نعلق قلوبنا بها.

نتعامل معها بأبداننا وفق حكمة الله جل جلاله لأنه جعل لكل شيء سبباً، فنأتي بالأسباب ونستفرغ الوسع والطاقة في الاتيان بالأسباب، ونأتي بالأسباب قدر الاستطاعة على وجه الدقة والاتقان، هذا لماذا؟ لأن هذا وفق مقتضى حكمة الله جل جلاله، فنحن نسعى من أجل هذا الأمر، لكننا في الوقت ذاته لا نعلق قلوبنا بتلك الأسباب، بل نعلق قلوبنا برب الأسباب. اعتماد القلب يكون على الله جل جلاله، لأن الله عز وجل هو القادر على أن ينجح ذلك السبب، ولأن الله سبحانه وتعالى هو القادر على أن يبطل مفعول ذلك السبب، فلذلك لا نعلق قلوبنا بالاسباب، نعلق قلوبنا برب الاسباب.

ثم ما الفائدة إذا علقت قلبك برب الأسباب؟ الله عز وجل يبارك لك في تلك الأسباب اليسيرة التي قمت بها فتنتج أكبر مما تظنه وتتوقعه، الله سبحانه وتعالى يفتح عليك أسباباً أخرى غير التي أنت تتعامل معها، أمور كثيرة يضاعفها الله سبحانه وتعالى، ولذلك تعليق القلب بالله سبحانه وتعالى عند التعامل مع الأسباب هذا في غاية الأهمية. نتعامل مع الأسباب بأبداننا ونأتي بها على وجه الدقة والاتقان والإحسان، لكن قلوبنا تكون معلقة برب الأسباب سبحانه وتعالى.

نتحدث أيها الأحبة في الله عن التمائم، التمائم سميت بهذا الاسم وهي جمع تميمة، لأن الإنسان يعلقها، التميمة كل ما يعلق، يعلق في الرقبة، يعلق في المعصم، العضد، يعلق في يوضع يربط في الوسط، يوضع في الرجل في في القدم أيضاً، قد يوجد في البيت، قد يوضع في السيارة، كل ما يعلق من أجل أن يتم الله عز وجل على الإنسان مقصوده من النجاح، من دفع ضر، من جلب نفع.

التميمة: كل ما يعلقه الإنسان من أجل جلب نفع أو دفع ضر. وسمي تميمة؛ لأن الإنسان يريد أن يتم مقصوده بتعليق ذلك المعلق. التمائم قد تكون إما من خيوط، أو من حرز، أو من صدف، أو من حديد، أو من يعني أشكال معينة، جلود، أوراق، كتابات، يلفها الإنسان ثم يعلقها. من أجل ماذا؟ أن تجذب له النفع، تجلب له سعادة، راحة نفسية، طمأنينة داخلية، خلو من القلق، الهم، الغم. تجلب له رزق، أو تدفع عنه ضر، يعني مرض، عين، سحر، مس من الجن، تجعل مثلاً تدفع عنه شرور البشر. فيضع هذه التميمة من أجل ذلك.

هذه التمائم يا إخوان، هذه أسباب. الشرع بين أنها أسباب وهمية. هذه الخيوط، هذه الحدائد، الحديد، أنواع الحديد، هذا النحاس ونحو ذلك، بين الشرع أنها من الأسباب الوهمية، لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً لصاحبها لمعلقها. هي تنفع، هي تصلح منه طعام، تصلح منه، أسف، تصلح منه يعني صحناً للطعام، أما أنك تجعلها وسائل للشفاء وجلب المنافع ونحو ذلك، هذه كلها من الأسباب الوهمية. ثبتت وهميتها بالشرع، وثبتت وهميتها بالتجربة، أن هذه أمور لم تثبت طبياً، والأطباء ينكرونها ويقولون هذه لا يمكن أن تكون. ناخذ فاصل، ثم نعود ونكمل معكم الحديث عن التمائم بمشيئة الله.

حياكم الله أيها الأحبة في الله، وصلنا عند التمائم، وأن كل ما يعلق من أجل جلب نفع أو دفع ضر، يعلق في الإنسان أو يعلق على دابته أو في منزله. هذه التمائم ورد فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث يرويه عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، وضعها يبحث هذه الحلقة اللي من الصفر، هذه تذهب عنه يعني التنميل، تذهب عنه الوهن الذي أصاب عضده. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذه؟» قال: من الواحنة. قال صلى الله عليه وسلم له: «انزعها؛ فانها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً».

هذا الرجل علق هذه، والآن يعني التمائم أنواعها كثيرة جداً، ويضعونها في العضد من أجل يعني أن تزيل عنهم هذا الوهن وهذا التنميل الذي يقع. هذا النبي صلى الله عليه وسلم قال له: انزعها، أمره بنزعها. هذا دلالة على أن لبسها محرم تحريما مغلظاً. ولا ما يكون هذا الأمر؟ انزعها. ثم قال: «فانها لا تزيدك إلا وهناً». مبين أنها سبب للضر الدنيوي. ثم قال له: «فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً». بين أنها سبب للضر الأخروي. فهذه التمائم بجميع أشكالها ينبغي للإنسان أن يحذرها.

اليوم في عصرنا الحاضر صنعت تمائم، أسميها تمائم حضارية، تمائم زمان، على شكل جزمة، على شكل كذا، على أشكال يعني سيئة. وهكذا كثير من الناس يستحي أن يعلقهم، أو إذا علقها تكون بشكل مخفي جداً. أما في عصرنا الحاضر صنعت تمائم الآن جديدة، هذه التمائم يكتبون عليها بور، يعني تمائم الطاقة، توضع في الساعد، توضع في يعني مثل يعني بأشكال جميلة، وأما بشكل يعني نحيف جداً، أو بشكل كذا مزخرفة. هذه تمائم، هذه تمائم، لا يجوز للإنسان أن يلبسها حتى لو كان شكلها جميل، لكنها تميمة. هو وضعت من أجل يقولون الطاقة، تجلب لك طاقة إيجابية، أن تجلب لك نفع، تدفع عنك ضر، إذاً هي تمائم، هي علقت من أجل جلب نفع أو دفع ضر، فهي تمائم.

لا نغفل يا إخوان، لا نغفل في مثل هذه القضايا، ويدخل علينا الشرك إذا البس يعني شكل جميل. العجيب في الأمر أنه لو جاءتنا جاءتنا هذه تمائم من أهلها الأصليين، يعني جاءتنا من الهند مثلاً، جاءتنا من اليابان، جاءتنا من الصين، وهم أهل هذه التمائم التي تتعلق بالطاقة، وهي أصلاً لها يعني آثار دينية، هي من ديانة الطاوية، لو جاءتنا مباشرة منهم ما قبلناها، لكن لما ذهبت إلى أمريكا وصنعت هناك، وأتتنا من جهة أمريكا، إلى أمريكا، بعيداً عن الخرافات، هذا غير صحيح، هذا غير صحيح. هذه التمائم لا يجوز للإنسان أن يلبسها.

والعجيب أيضاً أن بعض التمائم طورت وروج لها في الصيدليات، وسميت أساور مثلاً ابن سينا، هذه الأساور يعني يلبسها الإنسان يظن أنها يعني تجلب له نفع أو تدفع عنه ضر، لم تثبت يعني طبياً، لكن لما وضعت بالشكل الجميل وأنها كذا ووضعت في الصيدليات، على الناس. مرة من المرات كنت أجلس بجوار شخص وهو يضع أسوارة من أساورة ابن سينا، وكنت متردد أكلمه ولا أكلمه؟ أكلمه، لا أكلمه؟ وهو جالس بجانبي، فلما تأخر قلت: سبحان الله، ما تأخر هذا الوقت إلا إن شاء الله إني أكلمه. هو أول مرة أراه أنا، فجلست معه فسألته، قال: والله ما تأخرت إلا من أجل أن تسألني وأنا شعرت أنك طالب علم، فأريد أن أسألك، إيش رأيك في هذا؟

فقلت له يعني ما الذي دعاك أن تلبسه؟ هل صرفه لك طبيب؟ قال: لا، أمي أصرت على أن تلبسه، فلما لبسته، فأنا يعني أنا كنت أعรู้ أنها أصلاً لا تنفع ولا تضر وأنها غير صحيحة، أمي عندما لبستها شافت، أنا وقع في أنها ممكن تكون سبب للشفاء. هذا من الابتلاء يا إخوان، هذا من الابتلاء، أنه قد يبتلى الإنسان الذي يعرف أن هذا لا تنفعه ولا تضر، لأنه وهم توهم، شفاه الله سبحانه. ارتبط هذا الشفاء بلبسه لهذه الأسوار، فظن أنها تنفع أو تضر، هي لا تنفع ولا تضر ولم تثبت في الطب.

ثم أريد أن نختم يعني هذا اللقاء بأن التمائم على قسمين: التمائم التي من غير القرآن، هذه كلها لا تجوز، التمائم التي من غير القرآن لا تجوز قولا واحداً، وهي محرمة، وهي نوع من الشرك الأصغر، إذا كان الإنسان يظن أنها مجرد سبب. أما إذا اعتقد أن التمائم بذاتها تنفع وتضر فهذا شرك أكبر.

الإشكالية في التمائم التي يكون فيها قرآن، أو من القرآن، مثلاً تكتب سورة يس، تكتب آية الكرسي، تكتب المعوذات، ثم تلف، ثم توضع في حقيبة، ثم يلبسها الإنسان، أو هكذا من هذه النواحي. ما حكم ذلك؟ هذه وقع فيها خلاف من أهل العلم. من يقول: يجوز؛ إذا كانت من القرآن من كلام الله فالانسان علقها فهذا جائز. وهناك من أهل العلم قال: لا يجوز البتة، لا يجوز حتى لو كانت من القرآن. وسبب المنع قالوا: لأن النص أن الرقى والتمائم والتولة شرك، الرقى جاءت حديث استثنى الرقى التي من القرآن، أما التمائم لم يأتينا نص يستثني التمائم التي من القرآن، فيبقى التمائم على عمومها، أن التمائم بجميع أشكالها محرمة، فيبقى النص على عمومه لعدم وجود مخصص له، فقالوا: التمائم كلها محرمة حتى لو كانت من القرآن لعموم النص.

الأمر الثاني قالوا: سداً للذريعة؛ لأن الإنسان الذي يعلق سورة القرآن، الله أعلم، قد يكون في تلك الآيات اضافات نجوم، أشياء تتعلق باستعانة بجن، فيها أسماء، فيها تحريف، ما يدري الإنسان ما الذي في تلك داخل تلك الآيات. فسداً لذريعة الشرك، وأن يعلق المعلق أشياء يظنها من القرآن وهي ليست من القرآن. فمنعوا ذلك أيضاً، وقالوا أيضاً: لمن علمتها، لو تأكدنا أنها كلها قرآن، فإنها ستمتهن غالباً. هذا الذي يعلق يصعب عليه أن يتخلص منها، فقد يدخل بها أماكن النجاسات، يدخل بها دورات المياه، قد يدخل بها في. قالوا أيضاً لمنع الامتهان.

ثم ردوا على الذين يقولون يجوز، قالوا: ما أدلتكم على الجواز؟ قالوا: فعل بعض الصحابة فذكروا فعل عبد الله بن عمرو، قالوا: كان يعلق بعض الصحف في رقاب الصبيان. وقل لهم: إنما كان يعلقها من أجل أن يحفظوها لا من أجل أن تحفظهم. كان يعلق بعض آيات من القرآن في رقاب الأطفال عندما كان يعلمهم تلك الآيات من القرآن. فنخلص ونقول يا إخوان: التمائم الراجح أنها حتى التي من القرآن لا تجوز، فالتمائم لا تجوز، يبتعد الإنسان عنها.

أيضاً يا إخوان، نريد أن نتحدث عن سبب آخر نختم به، وهو يتعلق بالرقى. الرقى على قسمين: الرقى وهي القراءة على المريض، سواء قراءة مباشرة تضع يدك عليه ثم تقرأ آيات من القرآن، أو كان يعني تقرأ له في ماء ثم يشربه، أو تكتب هذه الرقية في صحن مثلاً بزعفران ثم يمحى بماء ثم يشربه المريض. الرقى التي ليس فيها شرك، وتكون مثلاً بايات من القرآن، أحاديث وأدعية طيبة، تكون بكلام نافع، بدعاء نافع، هذه الرقى التي ليس فيها شرك يجوز استخدامها. والرقى التي يكون فيها شرك، الرقى الشركية، الرقى الجاهلية، الرقى التي فيها كلمات غير مفهومة، التي يكون فيها أسماء جن، هذه الرقى يبتعد الإنسان عنها، فهذه رقى شركية.

بإذن الله سبحانه وتعالى، في الحلقة القادمة نكمل الحديث عن الأسباب، ولنا عودة مرة أخرى مع الرقى في العلاج من الجن، العلاج من المس، ونحو ذلك. سنعود لزيادة إيضاح في مسألة الرقية. استودعكم الله، وإلى لقاء قادم في حلقة قادمة بمشيئة الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.