يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان وتريد سهلا عقيدتنا الصحيحة فطرة، تنفي الشكوك بواضح البرهان. بالعلم كالأزهار في البستان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نسألك علما نافعا، وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ولسانا ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلة حجة علينا يا رب العالمين. اليوم بمشيئة الله سنتحدث عن موضوع التبرك وما يفعل عند القبور، نبدأ نوصل قضية التبرك. التبرك ما معناه؟ التبرك معناه طالبوا البركة، والبركة يعني الخير والنماء والكثرة. فالإنسان مثلا يطلب من الله أن يبارك له في ماله أن يكثره، ويطرح فيه الخير، فيصبح يعني تصبح المئة كأنها ألف، هذه من البركة.
يطرح الله عز وجل البركة في عمره، البركة في ماله، البركة في ولده، البركة. فهذا التبرك هو طلب الخير والبركة والنماء والكثرة. الأشياء المراد البركة فيها، التبرك يا إخوان على قسمين: تبرك من الله، يعني أن تطلب من الله البركة. والتبرك طلب البركة من الله على قسمين، أما طلب البركة من الله بالدعاء مباشرة، يدعو الإنسان: اللهم بارك لي في مالي، اللهم بارك.
فطلب البركة من الله؛ لأن الله هو المبارك، هو الذي ينمي الشيء، هو الذي يكثره، هو الذي يوفق فيه، هذا عبادة من أجل العبادات، والدعاء عبادة، ومن الدعاء الدعاء بالبركة، هذه عبادة من أجل العبادات. وهناك طلب طلب للبركة من الله، لكن بفعل أسباب الله عز وجل، بفعل أسباب. هذه الأسباب تنقسم إلى قسمين: أسباب ثابتة في الشرع، يعني الله عز وجل جعل فيها البركة.
وهناك أسباب ثابتة بركتها بالشرع بالكتاب والسنة؛ من مأكولات أو مشروبات أو أماكن أو أزمنة، هذه ثبتت سببيتها بالشرع. مثال: مأكولات الحبة السوداء العسل، هذه يعني ثابتة بركتها بالكتاب والسنة. المشروبات مثلا ماء زمزم اه ثبت السببية بالشرع. الأاماكن الحرمين مثلا، الصلاة في الحرمين هذي ثابتة أنها أماكن فيها بركة. الأزمنة مثل ليلة القدر، مثل العشر الأواخر من رمضان، مثل العشر الأوائل من ذي الحجة. هذه أزمنة مباركة، بمعنى أن الله عز وجل يبارك هذا العمل الذي قام الإنسان فيه، يجعل له أجور لسنوات عديدة وطويلة، مثل قيام ليلة القدر جعل الله عز وجل أنها خير من ألف شهر، هذي بركة. وهكذا طلب البركة من الله بأسباب ثابتة في الشرع.
هذه العبادة أيضا من العبادات، وطلب البركة من الله بأسباب ليست ثابتة في الكتاب ولا في السنة أنها سبب للبركة، هنا يدخل الإنسان في الابتداع، ويدخل الإنسان في الأسباب الوهمية التي تحدثنا عنها. وهذه الأسباب منها ما قد يوقع الإنسان في الشرك الأكبر؛ يعني الذبح للموتى، والنذر لهم، الاستعاذة بهم، الاستغاثة بهم،ها يأتي الإنسان إلى قبر هذا الميت من أماكن بعيدة، ويظهر له التعظيم والخضوع والذل، ويبكي بين يدي صاحب القبر، يبكي بين يديه. يشكو إليه ذنوبه، يشكو إليه فقره، يشكو إليه أنه لم يرزق بولد، يشكو إليه حاله ويقول: أنا أقصد سبب سبب من أجل أن يشفع لي عند الله، هذا شرك أكبر، وهذا فعل الجاهلية: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3].
هذا ما ما فيه شك، هذا هذه الأسباب انتبه الإنسان إليها. وهناك أسباب يعني هي بدعة ولكنها لا تصل للشرك الأكبر، إنما هي شرك أصغر، وهو أن يأتي الإنسان إلى قبر القبر ثم يدعو الله هناك، لكن يظن أن هذه بقعة مباركة مثل المسجد الحرام، مثل المسجد النبوي، يظن تلك البقعة مباركة حتى لو صلى هناك قبل الله صلاته، قبل الله دعاءه، بارك الله له في في في ذلك الأمر وكان له أجر عظيم، هذه من الأسباب البدعية التي توقع في الشرك الأكبر وهي شرك أصغر.
وهناك تبرك لكن يكون من غير الله، يطلب البركة من غير الله، لا لكونه يظن أنها سبب، لا، يظن أنها تبارك الأشياء بذاتها، هذا الشرك الأكبر، فالبركة لا تكون إلا من الله سبحانه وتعالى. مما ورد في السنة حديث أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر. وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم. لماذا ينوطون؟ يعلقون. لماذا يعلق المشركون أسلحتهم بتلك السدرة؟ يظنون أن السدرة تبارك أسلحتهم بذاتها. فإذا ضرب الإنسان بها بعد ذلك قطعته وقتلت، وكانت تلك السيرة تسمى ذات أنواط. يقول: فمررنا بسدرة يعني ذات أنواط مثل تلك، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال إنكم قوم تجهلون، لا تركبن سنن من كان قبلكم». موسى وقومه بعد أن نجاهم الله سبحانه وتعالى، نجاهم الله وكانت آية عظيمة في نجاتهم، انفلق البحرين وخرج آخر واحد منهم، وتكامل دخول آخر واحد من جيش فرعون ثم أطبق الله عليهم البحر فأهلكهم، هؤلاء نجوا ينجون فيقولون يعني اجعل لنا يعني طلبوا أن يكون لهم إله، طلبوا أن يكون لهم عجل، طلبوا كذا، فطلبوا أن يكون لهم إله كما يعني لأولئك أناس لهم آلهة.
فتذكر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء عندما الآن يعني فتحت مكة ومتوجهين إلى حنين ثم يقول: اجعل لنا ذات أنواط، كم لهم ذات أنواط؟ قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: «انكم قوم تجهلون». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السنن»، يعني أنتم ستتبعون من سنن من كان قبلكم من اليهود والنصارى، فتقعون في الشرك كما وقعوا أولئك في الشرك. فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من هذا الأمر، وبين أن هذا التبرك طلب البركة من أشياء لم تثبت أنها من الشرع أن أن هذا الأمر من الشرك بالله سبحانه وتعالى. وقلنا إنه يتراوح بين الشرك الأكبر والشرك الاصغر، إذا اعتقد أنها تبارك بذاتها هذا شرك أكبر، إذا اعتقد أنها سبب فهذا شرك أصغر، فاحذر الإنسان من ذلك كل الحذر.
ناخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله. خلق الله الإنسان مدنيا بطبعه يألف ويؤلف، وتكون العلاقات بين الناس يترتب عليه تأثير بعضهم ببعض، لذا قالوا: الصاحب ساحب ومن جالس جانس وصار من جنس صاحبه، وقديما قال الشاعر عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي.
وكثيرا ما يدور في أذهان المربين المخلصين مجموعة من الأسئلة المتعلقة بأصدقاء الولد: مع من يمشي يا ترى؟ من هو صاحبه؟ من هو جليسه؟ ماذا يفعلون الآن؟ في أي شيء يشتركون؟ فقد ينشأ الولد بارا طائعا حسن الخلق، فينقلب على أثر الصحبة والعلاقات عاقا عاصيا سيء الطبع فاحش اللسان. لذا كان لزاما على المربي أن يتفحص علاقات أبنائه وبناته وألا يغفل عنها بحال، وأن يؤسس في نفوس أولاده معنى العلاقة، وعلى أي أساس تقوم، وكيف يختارون أصدقاءهم، فليست القضية مجرد ألف وصحبة، وإنما قضية دين وإيمان عليها تنعقد المصائر يوم القيامة. فكل العلاقات والصداقات والزمالات الناشئة في الدنيا ستنقلب عداوة في الآخرة إلا ما كان منها مبنيا على تقوى من الله ورضوان.
قال تعالى: وإذا رأى المربي صحبته خير دل عليها وشجعها ورعاها ودفعها إلى الطاعة، وإذا رأى صحبة شر حذر منها وبين أولاده سوء عواقبها وقبح نتائجها. وذلك كله من طرف خفي بأن لا يشعر الولد أنه مساق لا رأي له ولا اختيار. فاذا لاحظ المربي اتجاه الابناء والبنات نحو تكوين صداقات عبر وسائل التواصل الحديثة، فمن الحسن توجيه هذه العلاقات للدعوة إلى الله والتواصي بالحق والصبر والتزود من المعرفة واكتساب المهارات الجميلة ونشر العلم النافع كرفع مقال جميل وتشجيع كاتب ميز وغير ذلك، فإن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
حياكم الله أيها الأحبة في الله. اخذنا قاعدة في التبرك، الآن نريد أن ننظر إلى ماذا يحصل عند القبور؟ هناك أناس يتبركون، يطلبون البركة بذهابهم إلى تلك القبور فيتمسحون بأعتابها أسوارها، يتمسحون بترابها، يتمرغون في تلك التربة، يتعبدون لله هناك، ومنهم من يصرف أشياء أخرى، لماذا فعلوا ذلك؟ لو أتينا الأصل يعني قضية تعظيم القبور لوجدناها أيضا بدأت من قوم نوح. ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل: وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا. ودٌّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونصر، هذه اسماء رجال صالحين من قوم نوح، عباد كانوا يعني فيهم الصلاح وفيهم العلم، لما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم -يعني عندهم فتور في العبادة ومهد كالنشاط- أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها، كانوا يجلسون في المجالس أو في أماكن العبادة اجعلوا فيها أنصابا، ضعوا لها تماثيل، هذا يمثل صورة ود، هذا هذا، وسموها باسمائهم. فعلوا، ولم تعبد، إنما كان إذا دخل الإنسان تذكر ود وسواع ويغوث وكيف كانوا عباد، وكيف كانوا كذا، فكان الإنسان ينشط، كان هذا هو الهدف، تفاعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك الذين وضعوا تلك الانصاب من أجل التذكر ونسي العلم عبدت. ظنوا أن من سبقهم كان يتوجه إليهم بالعبادة، فإذا توجهوا إليهم بالعبادة ظنوا أن ود وسواع ويغوث يشفعون لهم عند الله، فيعطيهم الله سبحانه وتعالى ما أرادوا من أمور النفع أو أمور دفع الضر. قال ابن القيم رحمه الله قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
هذا يا إخوان هو اصل القصة، هؤلاء الناس يقولون: هؤلاء مثلا أناس صالحين ولهم مكانة عند الله ولهم جاه عند الله. طيب ممتاز، لهم ذلك ولهم مكانة ولهم جاه عند الله. وقالوا: ونحن أناس مذنبون مقصرون غافلون، فإذا اردنا أن نتوجه إلى الله مباشرة مع ذنوبنا وتقصيرنا لن يتقبل الله سبحانه وتعالى منا، ماذا نصنع؟ قالوا: نذهب إلى قبور الصالحين فنعبد الله عندها فيتقبل الله سبحانه وتعالى عبادة؛ لأن هذه تعتبر وسيلة توسل إلى الله بالصلاة عند تلك عند قبور الصالحين فيقبل الله منا صلاتنا. اه إذا صارت هكذا عبادة الله عند قبورهم.
لكن يا إخوان ما المصيبة؟ طبعا هذا ممنوع شرعا والشرع منعه حماية لجناب التوحيد لئلا يقع الناس بعد ذلك في الشرك الأكبر. وهذا ما وقع هذا ما وقع من الناس، هذا الذي وقع من الناس. ما الذي حصل من الناس؟ أنهم عندما توجهوا إلى قبور الصالحين عبدوا الله عندها، ثم حدث لهم مثلا استجابة دعاء؛ لأن الإنسان عند القبر هناك بكى وتضرع إلى الله مخلصا لله، فأجاب الله دعاءه، ما الذي ظن؟ أن الله إنما أجاب دعاءه بسبب أنه دعاه عند ذلك القبر. يأتي المرة الأخرى يدعو يدعو يدعو ما يستجيب، ماذا يصنع؟ يتوجه إلى صاحب القبر فيدعوه، يذبح له، ينذر له، يستعيذ به، فيقع في الشرك الأكبر الصريح. ثم الأمر قد يكون في البداية شرك ألوهية، دون الربوبية، يقول: أنا اعتقد أن هذا لا ينفع ولا يضر، وأنه ميت في قبره، لكن لو جاء مكانه فإنا أسأل الله سبحانه وتعالى مغفرة الذنوب، فادخل على الله بجاه فلان وبمكانته، فيعني إنما أذبح له وأنذر له فمن أجل أن يشفع لي عند الله، فيقع طبعا في الشرك الألوهية. هذا الذبح هذا النذر هذا الدعاء هذا الاستغاثة بهذا الشكل، هذا تعظيم وهذا حب وهذا خوف وهذا كذا، فلا شك أن هذا شرك أكبر، لكنه في الألوهية، وهو ناج الآن من الربوبية، لكنه خلاص هي مشت عندهم فوقع في الشرك الأكبر.
لكن المصيبة أنه بعد ذلك قد يتطور الأمر عنده فيظن أن الله سبحانه وتعالى قد أقبره وهو في قبره أن يتصرف في امور الكون فيجلب النفع ويدفع الضر، وتبدأ الشبه فيقول: أنا أساله مما أقبره الله عليه، ومما أقبره الله عز وجل عليه أنه يشفي المرضى، وأنه يغفر الذنوب، وأنه يستر -أعوذ بالله- فمن يبقى لله شيء؟ الربوبية والألوهية والأسماء والصفات وعلم الغيب والعلم كلها جعلها لمن؟ لهذا الميت! فوقع في الشرك من جميع الجوانب: شرك في الألوهية، شرك في الربوبية، شرك في الأسماء والصفات، والسبب هو أنه يريد في البداية أنه يطلب البركة بالتعبد لله سبحانه وتعالى عند ذلك عند تلك القبور.
نأخذ بعض الأحاديث المحذرة من عبادة الله سبحانه وتعالى عند القبور. في الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنهم أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال صلى الله عليه وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك شرار الخلق عند الله». جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، فتنة التصاوير فكرة تماثيل. ماذا صنعوا؟ وضعوا تمثال لذلك، ثم أين قبره؟ أين المسجد؟ على القبر، وصار عندهم إشكالية، يعبدون الله عند القبور وأيضا هذه التماثيل موجودة فيتوجهون لتلك التماثيل بالعبادة، فوقعوا في هذه الفتنتين.
أيضا في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني الموت- اتفق أو طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا غم بها كشفها، فقال وهو كذلك يعني في سياق الموت أنظروا، قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، أحذر ما صنعوا. تقول عائشة: ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي خشي أن يتخذ مسجدا.
وهو في سياق الموت يلعن صلى الله عليه وسلم من يتخذ القبور مساجد. ومن اتخاذ القبور مساجد ليس بشرط أن يبني عليها مسجداً، أن يذهب للقبور من أجل الصلاة عندها، هذا من اتخاذ القبور مساجد.
وعن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم» -هنا الشاهد- «كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك».
قد يقول شخص: ما يمكن أن الناس الآن بهذه الثقافة وبهذا العلم يتبركون والله يتبركون بالتراب والأشجار بالأحجار، يذهبون يدعون الموتى، من يفعل هذا؟ فإذا الإنسان تأمل في الواقع ستكون المفاجأة؛ المفاجأة أن كثيراً في العالم الإسلامي، كثير من الناس للاسف الشديد فتنوا بتلك القبور، بل بعض القبور يحج لها الآلاف، يحج لها الآلاف يبكون ويتضرعون ويذهبون، ورأيت بعيني أناس يسجدون عند أشجار، قلت: هؤلاء روافض يسجدون للشجر، لكن تفاجأت أن هناك أناس ليسوا روافض، وأنهم يأتون للمقابر ويسجدون لأصحابها، يسجدون سجوداً هكذا، يضعون الجباه على الأرض، ويتمسحون بتلك المقابر التراب يعني يمرغون أنفسهم في تلك التربة، وهكذا من أجل ماذا؟ من أجل البركة.
أيها الاحبة في الله، أختم الغلو في القبور على ثلاث مراتب: غلو يوقع الإنسان في شرك الربوبية، وغلو يوقع الإنسان في شرك الألوهية، وغلو يوقع الإنسان في شرك الأسماء والصفات. سنفصل في هذا بعد الفاصل بمشيئة الله.
التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. إنه كلام صحيح، ولكن ذلك لا يعني حرمان كبار السن من طلب العلم، ولا ييأس كبير السن من التعلم؛ فإذا علم الله منه حسن النية وفقه لجمع العلم الكثير في الزمن القليل.
ولا يستحي كبير السن من الجلوس في حلقة للعلم مع الصغار، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر، وزامل ابن الجوزي ابنه في تعلم القراءات العشر وهو ابن ثمانين سنة، انظر إلى هذه الهمة العالية.
وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، وكذا كثير من العلماء كابن حزم والكسائي والعز بن عبدالسلام. ولأن يتعلم المسن خير من أن يستمر على التفريط. سأل مسلم: أيحسن بمثلي أن يتعلم؟ فقيل له: لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تموت قانعا بالجهل.
وليعلم الكبير والصغير أن أبواب العلم مفتحة للراغبين، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
حياكم الله أيها الأحبة في الله. وقفنا أنه ماذا يفعل عند القبور؟ يفعل عند القبور هناك أشياء تفعل عند القبور هي سنة؛ مثال أن يأتي الإنسان إلى المقابر يتذكر الموت، يأتي الإنسان إلى المقابر ينفع الموتى بالدعاء لهم والاستغفار لهم، هذا الأمر جائز. ألا وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
زيارة القبور من أجل أن يتذكر الإنسان الموت، وأن هذا هو مصيره، وأنه سيكون هنا وسيكون وحيداً فريداً، فيتذكر الاستعداد للقاء الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الدنيا قصيرة، وأن الإنسان سينتقل بعد ذلك إلى هذا القبر، وأن هذا القبر إنما هو شيء مؤقت سينتقل إلى ما بعده، أما إلى جنة واما إلى نار. فزار الإنسان القبور يزيل الغفلة عنه، الغفلة بالانشغال بهذه الدنيا، أن الدنيا هذه طويلة وأن هذه الدنيا دار مقام. فإذا جاء وتذكر، تذكر أصحاب الأموال، وتذكر أصحاب المناصب، وتذكر أصحاب القوة البدنية، كيف أن الجميع سيموت؟ الجميع سيموت وسيكون في هذه الحفرة وحيداً، وهي حفرة الناس يتساوون فيها، غنيهم فقيرهم، ما يوجد قصور، كل إنسان مثله مثل غيره، الغني والفقير يستويان في داخل القبر.
وهكذا يتذكر هذه المعاني، ويتذكر هذه الأشياء، هذه لا شيء فيها بإذن الله، بل مطلوبة شرعاً، وينفع الله سبحانه وتعالى بهذه الزيارة الموتى في الدعاء لهم والاستغفار لهم ونحو ذلك.
وهناك أشياء تفعل هي من قبيل المحرم والبدعة، يأتي الإنسان فيدعو الله سبحانه وتعالى مخلصاً، ويقرأ القرآن ويصلي هناك لله سبحانه وتعالى مخلصاً، هذا الأمر محرم وبدعة. بعض الناس يغلو غلواً شديداً في من يفعل ذلك ويرى أن هذا الشرك شرك أكبر، وهذا من الغلو لا شك في ذلك، لأن هذا الأمر يسمى من شرك الأسباب، وشرك الأسباب لا يصل إلى الشرك الأكبر.
فمثل هذه الصورة يأتي الإنسان فيدعو الله مخلصاً عند قبور الصالحين أو من يظنهم صالحين، هذا الفعل محرم، هذا الفعل بدعة، هذا الفعل شرك أصغر، لكنه لا يصل للشرك الأكبر.
هناك أيضاً يا إخوان في صورة خيالية لكن نذكرها لأن أهل البدع يقولون بها، ويقولون: نحن مقصدنا هذا ونحن نقول لهم: هذه الصورة خيالية وليست في الواقع، إنما هي صورة في أذهانكم أنتم تقولون بها أثناء المحاجة لكن لا لن نرى شخصاً يفعل هذا، وهو أن يأتي الإنسان وقد شد رحله إلى تلك القبور ويقول: أنا فقط أقول يا سيدي فلان ادعُ الله لي، مثل أن نذهب إلى انسان حي ونقول: يا سيدي فلان ادعُ الله لي، أنا أعتقد أن الموتى يسمعون وأن هذا مثل الحي، هذا يسمع وهذا يسمع وهذا سيدعو الله سبحانه وتعالى للحي وهذا الميت سيدعو الله لي، ويظن أن الأمر هكذا، لكن هذه الصورة خيالية.
هذا الذي يفعل مثل هذا نقول: هذا شرك أصغر، هذا محرم، لكن لا يصل للشرك الأكبر. لكن ننتبه يا إخوان أنها صورة خيالية لا وجود لها في الواقع، لا يمكن يأتي شخص يقطع تلك المسافات إلى ذلك القبر ثم يأتي هكذا من غير خضوع ولا خشوع ولا تعظيم ولا ذل لهذا الميت، ما يمكن، فيقول له مثل ما تقابل إنسان حي وتنتقل: ادعُ الله عز وجل لنا معك، وتأتي له وتقول: ادعُ الله لنا، ما يفعل هذا أحد، فهذه صورة خيالية. فإلى هذه الحدود هذا شرك أصغر، لكن الإشكالية أن هذه الصورة إنما يقولون بها عند المناقشة، وإلا هم في الحقيقة لا يفعلون هذا، فقط يأتي إلى القبر ويقول: ادعُ الله لي، لا، يأتي إلى القبر يبكي عند القبر، يشعر صاحب القبر في ذلته وخضوعه وخلوعه له، ثم يأتي أيضاً عبادات صريحة، يذبح هناك، ينذر هناك، يستعيذ بصاحب القبر، يستغيث به، هذا كله شرك أكبر.
هذا كله شرك أكبر وإن زعم صاحبه أنه لا يعتقد في الميت يقول: أنا لا أعتقد في الميت أنه يجلب النفع ويدفع الضر إنما هو سبب. نقول: لا ينفعك ذلك لأنك صرفت أنواعاً من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، فهذا شرك أكبر، قد من باب المجادلة يسامح أنه لم تقع في شرك الربوبية لكنك وقعت في شرك الألوهية، وهذا شرك أكبر مخرج من الملة.
يزداد الأمر عند بعضهم حتى مثل ما تقدم قبل الفاصل، يزداد الأمر فيظن أن هذا الإنسان أيضاً له أشياء في الربوبية، حتى قال بعضهم إنه يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يخلق النطفة في رحم المرأة، وصل به الأمر فماذا أبقى لله سبحانه وتعالى؟ ماذا أبقى لله؟ ويقول: أنتم تعظمون الملوك أكثر من تعظيمكم لله. قلنا: كيف ذلك؟ قال: إذا جاء الإنسان للملك لأنه يأخذ معه واسطة وشفيع يشفع له عند الملك، وإذا جاء إلى الله سبحانه وتعالى جاءهم مجرداً هكذا ولا يأتي للشفعاء.
نقول: استغفر الله، استغفر الله من هذا القياس الفاسد، كيف تقيس الله سبحانه وتعالى على ملوك الدنيا؟ هل ملوك الدنيا يعلمون كل الناس، يعلمون حالتهم، يعلم الصادق من الكاذب؟ ملوك الدنيا أيضاً بحاجة لهؤلاء الوزراء وهؤلاء الشفعاء، هم أعوان له وهو يحتاجهم وهم يضغطون عليه بسبب أنه يحتاجهم، فيأتون فيشفعون، لو رفض مرة مرتين لغضبوا منه وتركوا مساعدته. هل الله سبحانه وتعالى هكذا له أعوان وزراء والصالحين له؟ استغفر الله، هذا كلام عجيب، هذا قياس غريب، كيف يقيس الإنسان هذا القياس؟ شيء عجيب.
وههل هذا الملك يعلم أحوال الناس؟ لا، فلابد أن يأتي شخص ويؤجر هذه الشفاعة وهذا البيان، أنت تأتي بهذا الإنسان المجفول، أما الله سبحانه وتعالى لا، كلما أتيت لله عز وجل مفتقراً ذليلاً تشعر أنك ليس لك جاه ولا مكانة ولا كذا، وأنك مذنب، وأنك مقصر، وأنك مضطر، وأنك محتاج، كلما دخلت على الله سبحانه وتعالى بهذه المثابة كلما أجاب الله سبحانه وتعالى دعاءك، يمجيب المضطر ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض.
الإنسان يجب عليه أن يفكر، هذا الأمر غير صحيح، وهذه الشبهة عجيبة، وأستغرب كل الاستغراب ممن تمشي عليه مثل هذه الشبه، فهؤلاء أهل الباطل الذين يصرفون الناس عن التوحيد إلى الشرك والوثنية يأتون بشبهات. صاحب التوحيد الحقيقي الذي يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو المعبود وحده لا يمكن أن نتوجه بشيء من تلك العبادات لهؤلاء.
يحذر الإنسان مما يحصل عند القبور، ويطلب من الله وحده البركة، ويبحث عن الأسباب الشرعية التي ثبتت في الكتاب والسنة ويعمل بها، أما طلب البركة بمثل هذه الأمور التوجه إلى أشياء لم تثبت سببيتها لها في الكتاب ولا في السنة يبتعد الإنسان ويحذر عن ذلك كل الحذر.
ننتقل أيضاً إلى مسألة أخرى نشير إليها إشارة وسنكملها بمشيئة الله في حلقة قادمة، أيضاً من تلك الأسباب ما يتعلق بالجن، والجن يا إخوان عالم غيبي، سمي بأنه جن لأنه مستتر عنا، وهم عالم آخر خلقهم الله سبحانه وتعالى لعبادته، وهذا العالم مثل عالم الملائكة، وهناك عالم الإنسان، فهناك عالم اسمه عالم الجن، هذا العالم علمنا الشرع ما هي الأشياء التي هي حدود العلاقة التي تكون بيننا وبينهم؟ يعني في قضية الأكل، قضية الإنسان إذا أراد أن يسكب ماء في مكان غير مكان السكب يسمي الله سبحانه وتعالى، علمنا الشرع آداب معينة نستخدمها من أجل أن نتقي أن نضر بحول الجن فيضرون بنا.
هذه الحدود، حدود العلاقة مع الجن، هذه جعلته تمهيداً بمشيئة الله في الحلقة القادمة نتحدث عن العلاقة التي تكون بيننا وبين الجن، وكيف يدخل الشرك في الألوهية في التعامل مع هؤلاء الجن. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا التوفيق لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي