تسجيل الدخول

المحاضرة 12 - أبرز الفرق الكلامية

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعله حجة لنا ولا تجعلة حجة علينا يا رب العالمين.

حياكم الله أيها الأحبة في الله في الحلقة الثانية عشر من دروس مادة العقيدة في المستوى الثاني، في هذه المحاضرة سنتناول بمشيئة الله نبذة موجزة عن الفرق الكلامية. وكما هو عندكم في المقرر أن هذه النذبة هي للقراءة والاستفادة، وسيكون لها تفصيل إن شاء الله في مادة الفرق تأخذونها فيما بعد.

لكن لأن أبرز الفرق التي ضلت في باب الأسماء والصفات هي الفرق التي تسمى الفرق الكلامية، الجهمية والمعتزلة، أحب الإخوة القائمون على وضع المنهج أن يعطوكم نبذة موجزة عن هذه الفرق الكلامية. ما معنى الفرق الكلامية؟ كلامية نسبة لماذا؟ نسبة إلى علم الكلام، فالفرق الكلامية هي الفرق التي تستخدم علم الكلام في إثبات عقائدها وفي الحجاج عنها.

الفرق التي تستخدم علم الكلام في إثبات عقائدها الدينية والحجاج عنها والدفاع عنها والتدليل عليها، تستخدم علم الكلام في ذلك تسمى فرق كلامية، أبرزها الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية، وهناك فرق ألصقت بالفرق الكلامية في باب الأسماء والصفات كالمعتزلة.

ما هو علم الكلام؟ علم الكلام عند أصحابه عند المتكلمين يرون أن علم الكلام هي آلة تعصم الذهن عن الخطأ أثناء دراسة العقائد في الكتاب والسنة، قياسا على ماذا عندهم؟ قياسا على علم المنطق، فعلم المنطق آلة تعصم الذهن عن الخطأ عند الدراسات الفلسفية، فهي آلة تسلك بمنهج يسلك، من سلك هذا المنهج ذهنه يكون معصوما عن الخطأ في أثناء الدراسات الفلسفية.

المتكلمون يقولون: نحن أتينا بعلم، هذا العلم كما يزعمون يقولون إنه يقوم على الكتاب والسنة عند كثير منهم يقولون ذلك، إنه نائب من الكتاب والسنة، أتينا بعلم سميناه علم الكلام، فهو علم إذا سلكه الإنسان وجعل نصوص الكتاب والسنة ضمن هذا العلم فإنه فإن ذهنه يكون معصوما عن الخطأ أثناء دراسة العقيدة في الكتاب والسنة.

يقول الآيجي عنه يعرف علم الكلام وهو من علماء الأشاعره، يقول: علم الكلام هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإرادة الحجج ودفع الشبه.

والصحيح ما هو علم الكلام؟ على الفهم الصحيح، علم الكلام يا إخوان هو عبارة عن مصطلحات يونانية، ليست هذه المصطلحات موجودة في الكتاب والسنة؛ جوهر، عرض، حوادث، فهي مصطلحات جسم مصطلحات أصلها مأخوذ من اليونان. ترجم هذه المصطلحات، وهي عبارة عن كلمات أصلها مأخوذ من اليونان الجسم الجوهر، فهي عبارة علم الكلام عبارة عن مصطلحات يونانية والزامات عقلية.

تكونت هذه الالزامات وهذه الحجج عند مناقشتهم لقضية إثبات وجود الله، إثبات وحدانية الله، إثبات الرسالة، هذه عند الكلام في هذه القضايا أتت التزامات عقلية، تكونت التزامات عقلية. هذه الالزامات العقلية وهذه المصطلحات اليونانية تكون منها علم الكلام، ثم صار لهم نظرة خاصة بالوحي الإلهي أنه مجرد أخبار، وأن هذه الأخبار لا تفيد اليقين، أن حديث الآحاد لا يقبل الاحتجاج.

هذه كلها نمت تحت يعني أو يعني هذه الأمور كلها نتجت تحت الكلام عن علم الكلام، فسمي بعد ذلك علم الكلام. فعلم الكلام إلزام عقلي ومصطلحات يونانية استخدمها أصحابها في محاجة الخصوم أثناء استدلالهم على وجود الله وتقرير وحدانيته وإرساله الرسل، ثم عادوا بتلك الالزامات سموها قطعيات، أمور عقلية قطعية يعني لا تقبل الحجج.

ثم صارت هذه القطعيات يزنون بها نصوص الكتاب والسنة، فصار الكتاب والسنة نصوص الكتاب والسنة موزونة في علم الكلام. وقالوا: الذي ليس لديه علم الكلام وأتى يدرس العقيدة من الكتاب والسنة مباشرة من غير علم الكلام سيقع في الضلال والانحراف. وحرموا على من لم يدرس علم الكلام ويتقن علم الكلام، حرموا عليه النظر العقدي في الكتاب والسنة لأنه سيظل كما يزعمون.

ويرون أن علم الكلام هو الذي يوزن فيه نصوص الكتاب والسنة، فما وافق من نصوص الكتاب والسنة علم الكلام قبلوه، وما خالفه نظروا فيه، إن كان قطعي الثبوت يعني قران أو حديث متواتر أولوه أو فوضوه لأنه يقولون لا نستطيع الرد، وإذا كان حديث آحاد رده، هذا منهجهم وهذا والذي يسمى علم الكلام.

ساعطيكم مثال على هذا، مثلا قالوا: العالم هذا مكون من ماذا؟ من جواهر وأعراض، كلمة جوهر عرض مصطلحات يونانية، هذا الآن عندكم هذا جوهر هذا يعتبر جوهر وهذا اللون يسمى عرض. لماذا اللون عرض؟ لأن العرض لا يقوم بنفسه إنما يقوم بغيره، وهذا الجسم هذا قائم بنفسه لذلك يسمى يعني جوهر.

الجوهر إذا انضم له جوهر آخر سميه جسما، وإذا كان لا يقبل الانقسام سموه جوهر فرد، هذه كلها مصطلحات ليست في الكتاب ولا في السنة. قالوا: العالم بالاستقراء مكون من جواهر وأعراض، ثم قالوا: العرض لو سلطنا عليه الشمس أو مثلا الآن هذا هذا جسم هذا يتحرك، فالحركة هذه عرض، ثم يسكن في السكون عرض، الحركة والسكون لكونها تزول قالوا طبعا لهم طرق كثيرة لكن أنا نأتي بالخلاصة.

فقالوا: الأعراض حادثة لماذا؟ لأنها تذهب وتفنى، تفنى فقالوا حادثة. ثم قالوا: الأجسام لا تخلو من الأعراض فلما كانت الأعراض حادثة والجواهر لا تخلو من الأعراض والأعراض حادثة قالوا قاعدة: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، إذا فالجواهر حادثة، إذا فالعالم حادث، ونكمل بمشيئة الله قصة علم الكلام بعد هذا الفاصل.

حياكم الله أيها الأحبة، مثل ما تكلمنا أن هذا جوهر وهذا الجوهر يتحرك والحركة تنتهي يصبح سكون، ثم تدفع السكون يذهب، فقالوا: الحركة والسكون أعراض فهي حادثة، فالأعراض حادثة ولما وجدنا أنه لا يمكن يكون جوهر بدون أعراض فالجواهر لا تخلو من الأعراض والأعراض حادثة. قالوا عندنا قاعدة: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، إذا الجواهر حادثة.

طيب العالم حادث، لكون العالم مكون من جوهر أعراض، وأثبتنا أن الأعراض حادثة الجواهر حادثة، إذا العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، إذا فالعالم لابد له من محدث. الآن الذي يسمع هذا الكلام يقول: والله كلام جميل كلام جميل وجيد ما في أي مشكلة.

قالوا: وخالق العالم لابد أن يكون مخالفا للعالم، لابد أن يكون مخالفا للعالم فلا يكون جوهرا طبعا والجوهر إذا ركب من جوهر آخر صار جسما، ولا يكون جسما ولا تحل به الأعراض ولا تحل به الحوادث، أها الآن أصبحوا، وهذا ماذا سموها؟ أن هذا الإله لا يكون جوهرا ولا جسما ولا تحله الأعراض ولا تحله الحوادث ولا بذي طول ولا بذي عرض. هذه هذه سمى مادة علم الكلام.

ماذا صنعوا؟ جعلوها هذه الكلمات وهذه المصطلحات جعلوها قواطع عقلية، ثم جاءوا إلى نصوص الكتاب والسنة. الله عز وجل قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]، ثم الله عز وجل بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]. طيب استواء على العرش قبل خلق السماوات والأرض ولا بعد خلق السماوات والأرض؟ بعد خلق السماوات والأرض، إذا الاستواء على العرش حادث ولا قديم؟ حادث.

فقالوا: لا يمكن نقول إن الله قد استوى على عرشه لأن الاستواء على العرش فعل حادث، ولو قلنا إن الله استوى على عرشه لقلنا تقوم به الحوادث، فقالوا هذا مخالف لعلم الكلام. ولما كان هذا الأمر قرآنا قالوا لابد من تأويله، فقالوا استوى على العرش يعني استولى، أو قالوا نفوض كلمة استوى ما نعرف إيش معناها.

وهكذا هذا هو علم الكلام، وهذا هو الضلال ظاهره في بدايته أنه كلام جميل، لكنه في نهايته أنه انحراف عن منهج أهل السنة والجماعة، وانحراف عن ما أراده الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم في كلام الله وفي كلام رسوله، انحراف عن المراد. لأن الله سبحانه وتعالى بين لنا ووصف نفسه أنه استوى على العرش، ونحن نكذب ذلك ونقول لا لم يستوي على عرشه.

قال الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] صفة الكلام، قالوا صفة الكلام حادثة، فالله كلم موسى هذا ما يمكن، قالوا حادث والله لا تقوم بالحد، فنفوا صفة الكلام. الله يحب نفوا صفة المحبة، هذه يا إخوان سببها علم الكلام.

علم الكلام اعظم ما أفسد على الأمة الإسلامية عقيدتها لاسيما في باب الأسماء والصفات، علم الكلام علم سيء علم منحرف علم ضار. لا يقول الإنسان لا لا تبالغ لا هذه هذه الحقيقة، علم الكلام عندما يكون هو الميزان لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هذا تقدم تقدم على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ونقول هذا شيء ممتاز هذا شيء جيد هذا نفع الله به الأمة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1]، واجب أن نعكس القضية علم الكلام ما يهمنا نحن ما فيه من مصطلحات، ما زال العلم والمصطلحات تتوارد، لكن علم الكلام نزنه في الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة من علم الكلام قبلناه وما خالف من علم الكلام الكتاب والسنة رفضناه، هذا هو المنهج الصحيح وليس العكس.

كيف نجعل الكتاب والسنة ميزانا لعلم الكلام، لعلم الفلسفة، للحضارات المعاصرة؟ ما يصلح هذا، هذا انحراف عن المنهج، وهذا هو الفارق فارق منهجي كبير بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والضلال. الفارق المنهجي أن أهل السنة والجماعة يعتمدون على الكتاب والسنة ويفهمون الكتاب والسنة الفهم الصحيح في ضوء ما فهمه سلفنا الصالح.

ويعتمدون هو، ثم يزنون الآراء يزنون العلوم يزنون الحضارات في ميزان الكتاب والسنة، ويؤمنون بما في الكتاب والسنة إيمانا صادقا بلا شك. وأما المتكلمون فإنهم ينظرون نظرة سيئة للكتاب والسنة حيث يرونه مجرد أخبار خالي من الدلائل العقلية، وأنه ممكن أن يكون في هذا الخبر ما يخالف العقل ولذلك يجعلونه موزونا لعلم الكلام فوقعوا في هذا الانحراف.

لذلك يا إخوان تنتبهوا لقضية عندما تثار القضايا الكلامية ويقال عقل ونقل عقل ونقل عقل ونقل، انتبهوا عندما يقال عقل ونقل لابد أن نعرف ما المراد بالعقل. لأن العقل عند المتكلمين له معنى وله مراد، والعقل عند أهل السنة والجماعة عند أهل الإسلام له معنى آخر.

العقل عندنا هي النعمة التي أنعم الله عز وجل بها على الإنسان من هذه الغريزه التي يدرك بها الأمور يدرك بها الخير من الشر الضار من النافع غريزة مدركة، وما زودنا الله عز وجل به من علوم ضرورية تدخل في العقل، كلما الإنسان عنده العلوم الضرورية واضحة بينة كلما كان عاقلا والعلوم النظرية اليقينية كلما تعلم الإنسان زاد عقله ونما عقله، ومنع الإنسان نفسه عن المحرمات يقال عن هذا الإنسان عاقل.

فالعمل بمقتضى العلم يسمى عقل، فهذا العقل عندنا غريزة مدركة وعلوم ضرورية وعلوم نظرية يقينية وعمل بمقتضى العلم، هذا يسمى عقل. هذه نعمة الله سبحانه وتعالى على الإنسان هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها علينا أمرنا الله عز وجل باستخدامها وبالتأكيد هذا اللب الذي عندنا هذا. ومدح الله أثنى الله عز وجل على الذين يستخدمون عقولهم.

لكن عند المتكلمين عندما يقولون عقل عقل انتبهوا يقصدون بالعقل القواعد التي ذكرناها في علم الكلام. يقصدون بالعقل ما لا يخلو من الحوادث وهو حادث أن الله ليس بجوهر ولا بجسم ولا بذي طول ولا بذي عرض ولا بذي لون ولا ولا تحله الحوادث، هذا هو العقل عندهم. العقل عندهم هو علم الكلام، والعقل عندنا هي النعمة التي أنعم الله عز وجل بها على الإنسان من الغريزة المدركة.

لذلك هل يمكن عندنا نحن أن يتعارض العقل والنقل؟ لا يمكن، لا يمكن بأي حال من الأحوال، لأنه لو كان يمكن كان كيف يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نؤمن بما العقل يرفضه؟ هذا تكليف بما لا يستطاع كيف يأمرنا الله عز وجل بالإيمان بامور غير مقبوله عقلا مستحيل؟ والله عز وجل هو الذي وهبنا هذه النعمة نعمة العقل وهو الذي أتى بهذا الوحي الإلهي جل جلاله وامرنا باستخدام هذه النعمة في هذا الوحي الإلهي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك تعارض بين ما تقوله العقول السليمة وبين ما يكون في ديننا من الأخبار الصحيحة لا يمكن أبدا.

أما عند المتكلمين، ويمكن وهو واقع عندهم، فالقواعد العقلية في علم الكلام عندهم تخالف ما في النصوص، وبالتالي هم يقدمون علم الكلام على نصوص الوحي، ويقومون بالالحاد في نصوص الكتاب والسنة. ونحن هنا ناصحون لهم أن هذا المنهج منهج منحرف، ويجب أن يعرف كل متكلم أنه بطريقته وباستخدامه علم الكلام يزيل نصوص الوحي، وأنه يلحد في أسماء الله وفي صفاته، يلحد في هذا الوحي الإلهي، لابد أن يعرف ذلك.

حياكم الله أيها الأحبة، مثل ما ذكرنا، عندنا أهل السنة والجماعة أنه لا تعارض بين العقل والنقل. طيب، لو حدث شيء؟ نعلم أنه التعارض يكون مع الآراء، مع الرأي؛ يكون عند الإنسان رأي يقع في نفسه، فيحدث تعارض بين الوحي الإلهي وبين الآراء. لذلك نحن ماذا عندنا؟ نقدم الوحي الإلهي على آرائنا على علومنا، لماذا؟ لأن الإنسان مهما تحرز عرضه رأيه للخطأ وعدم الفهم، ولأن هناك شيء مهم، لأنه يأتي في الوحي ما يحار فيه العقل، وسبب ذلك أن هناك أمور غيبية لابد أن يحار فيها العقل لأنه لم يطلع عليها، مثل ما يكون في القبر، مثل ما يتعلق بكيفية صفات الله؛ هنا يحار العقل في ذلك.

وما يتعلق بصفات الله، سبب الحيرة لأن لم نرى ذات الله، لأن الله سبحانه وتعالى ليس له مثل فيقاس عليه، ولأن لم يرد الخبر الصادق الموضح لكيفية صفات الله أيضا؛ فلذلك هنا يحار العقل في تلك الأمور، فيأتي الشرع بما تحار فيه العقل، لكن لا يأتي بما تحيله. وكذلك يحار عقل الإنسان فيما يكون في القبر، لو فتحت القبر لن ترى مثلا القبر صار واسعا أو صار حفرة، لن ترى مثلا يعني إقعاد للميت، لن ترى هذه الأمور، لأن كيفيات هذه الأمور تتعلق بكيفيات اليوم الآخر ولا تتعلق بكيفيات الدنيا، فاختلفت الدار الآن، اختلفت الدار.

فنحار حين نرى الآن في الدنيا يكون الشخص نائم وبجوار أخوه نائم، وهذا يرى أحلام سعيدة وهذا يرى أحلام مثلا سيئة، هذا يعيش في لذة ونعيم وهذا يعيش في عذاب؛ يحصل هذا. فالمقصود أن الشرع قد يأتي بما تحاره العقول، وأيضا الرأي له حدود معينة والعقل له حدود معينة، فلذلك عندنا نحن إذا وقع التعارض بين الرأي -ولا نقول بين العقل، بين الرأي- وبين الوحي، قدمنا الوحي الإلهي على الآراء.

أما عند المتكلمين الذين يستخدمون علم الكلام، فإنهم يقدمون آراءهم، يقدمون علم الكلام على نصوص الكتاب والسنة، ويرون أن العقل مستقل بإدراك العقيدة، وأن هناك جوانب مهمة جدا قبل اثبات القرآن أنه كلام الله يرون كل تلك العقائد يجب أن تثبت عقلا؛ فيرون أن العقل حاكم ومصدر مستقل لكثير من مسائل العقيدة. وأما نحن عندنا نرى أن العقل يدرك كثيرا من أمور العقيدة، لكنه ليس مصدرا مستقلا.

أعطيكم يعني شيء تفهمون به سبب هذا الانحراف عند المتكلمين، يقول المتكلمون، وهذا عندهم قانون كلي ومنهج: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو النقل والعقل، أو الظواهر النقلوية والقواطع العقلية، أو نحو ذلك بالعبارات تعارض العقل والنقل، ماذا يصنعون؟ قالوا: لو قدمناهما معا فهذا محال، لأنه جمع بين النقيضين، ولو رددناهما معا، ننظر فيهما إن كان تقابلهما تقابل ضدان جاز رفعهما، لكن إذا كانوا تقابل نقضان قالوا حتى الرفع لا يجوز مستحيل.

فقالوا: ماذا بقي؟ بقي إما أن نقدم السمع، قالوا وهذا محال، لو قدمنا السمع على العقل قالوا هذا محال وسيكون قدح في السمع، لأنه يقولون كيف عرفنا أن هذا السمع صحيح؟ بالعقل، فلو قدمنا العقل السمع على العقل لقدح في العقل وبالتالي يعود القدح على السمع. مثال: لو أن شخصا دلك على طبيب متميز وقال هذا طبيب متميز، وهذا الشخص الذي دلك هو شرعي، انسان تخصص علم شرعي ولا يعرف في الطب شيئا، لكنه يعني سمع عن هذا وعنده شهادات وراى الشهادات وراى المرضى الذين عولجوا وناس يشهدون له أنه طبيب متميز فدلك عليه، فذهبت أنت إلى الطبيب وأخذت الوصفة واحد اثنين ثلاثة إلى خمسة مثلا، وعدت إلى صديقك هذا، فقام هذا الصديق وقال لا لا تأخذ إلا الدواء رقم خمسة، كل الأربع الأدوية احذفها. فقلت له لا أنا أسمع كلام الطبيب. قال لو قدحت فيها، لو سمعت كلام الطبيب وقدحت في هذا ستتقدم لأن أنا الذي دللتك.

نقول: هذا هو هذه هي مشكلة المتكلمين، ظنوا أنه لأن العقل من الطرق على اثبات وجود الله ووحدانيته العقل، فقالوا لو قدحنا في الطريقة التي عندهم هم الوحيدة التي عرفوا بها، لو قدحنا فيها سيكون هذا قدحا في النقل. نقول: هذا كلام هراء، ولا يقوله إلا إنسان جاهل، لا يقوله إلا إنسان جاهل، لأن لو قدحت في هذا غير المتخصص أنا لم اقدح في الأصل، لأن هذا طريق من الطرق ولا عندنا اثبات أن ذاك طبيب عندنا طرق كثيرة في اثبات ذلك، عنده شهادات وعنده مرضى وعنده أشياء، لكن هذا الانسان ليس هو ميزان لوصفات الطبيب.

مثل يعني سائق تاكسي يوصلك إلى مفتي، فتذهب إلى المفتي فيفتي في مسألة من المسائل، ويقول هذه مثلا هذه المسألة فيها طلاق، تعود إلى صاحب التاكسي فيقول ماذا قال لك المفتي؟ تقول له قال طلاق، قال لك صاحب التكسي لا ليس بطلاق، تقول له لا أنا أسمع كلام المفتي، قال لو قدحت في فقد قدحت في المفتي لاني أنا الذي أوصلتك إلى المفتي! لا، أصلا هذا مفتي سواء أتى صاحب التاكسي به ولا هو مفتي، ما في قدح. فالمقصود هم هذا هو هذه مشكلتهم، ظنوا أنهم لو قدموا السمع على العقل على الطريقة العقلية التي انتهجها سيكون ذلك قدحا في في طريقتهم، وهو لا باس تقدح في طريقتهم، لكن ظن أنه إذا قدح في طريقتهم سيكون قدحا في النقل فقالوا لا يجوز إلا تقديم العقل على النقل، وأما النقل قالوا إما أن يؤول أو يفوض. هذا هو علم الكلام يا إخوان وهذه ماده.

نريد في ختام هذه الحلقة أن نقارن بين أهل السنة والجماعة وبين المتكلمين في باب الأسماء والصفات. ناخذ في باب الإثبات: أهل السنة والجماعة يثبتون الوارد في النصوص من الكتاب والسنة، يريدون يثبتون الوارد في النصوص من الأسماء والصفات في الكتاب والسنة، يثبتون الوارد لكن إثباته بدون دون تمثيل، ينطلقون من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] فيقول الله سميع بصير، لكن لا ينسون ليس كمثل الشيء. المتكلمون عندما يأتون إلى سميع بصير عليم قدير، أول ما ينقدح في أذهانهم التمثيل، لذلك بعد ذلك يحاولون أن يقوموا بتأويل تلك النصوص على اختلاف بينهم، هناك من ينفي الأسماء والصفات بالكلية، هناك من ينفي الصفات بالكلية، هناك كم ينفي بعض الصفات ويثبت البعض الآخر على اختلاف بينهم، لكن ما سبب انحرافهم في ذلك؟ أنهم أول ما يفهمون من نصوص الكتاب والسنة يفهمون التمثيل كل بحسبهم.

تعالوا في مسائل التنزيه: أهل السنة والجماعة ينزهون الله سبحانه وتعالى عن مماثلة المخلوقات، لأن الله ليس كمثله شيء، لكن تنزيه لله عن مماثلة المخلوقات لا يدفعهم إلى تعطيل الوارد وهو السميع البصير، فتنزيه بلا تعطيل. أما المتكلمون فتنزيه مع التعطيل، ينزهون الله عز وجل عن المماثلة لكن يدفعهم ذلك إلى تعطيل الله عز وجل عما ثبت له من الأسماء والصفات على التفاوت المعروف فيما بينهم.

ناتي للإجمال والتفصيل: أهل السنة والجماعة ماذا يصنعون في الإجمال؟ يفصلون في الإثبات ويجملون في النفي، ولا يفصلون في النفي إلا لاسباب، كما ذكرنا في الحلقة الماضية، لدفع توهم نقص عن صفة كماله أو لرد ما ادعاه الكاذبون في حق الله، والا الأصل عندهم يفصلون في الإثبات ويجملون في النفي. المتكلمون ما منهجهم في باب الأسماء والصفات؟ الأصل أنهم يجملون في الإثبات، في الإثبات يجملون ويفصلون في النفي، ولا يصفون الله عز وجل إلا بالصفات السلبية على وجه التفصيل دون أن تتضمن إثبات، وهذا منهج وفرق واضح بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والضلال في باب الأسماء والصفات.

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم من أهل السنة والجماعة، من أهل المنهج الصحيح في مسائل العقيدة. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.