السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة الثالثة والعشرين من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الدراسي الثاني.
وهذه المحاضرة اليوم بعنوان: أمثلة تطبيقية من أسماء الله عز وجل وصفاته؛ نطبق ما تعلمناه من القواعد في صفات الله على هذه الصفة. نمهد يا إخوان ونذكر بأقسام الصفات؛ لما كانت صفات الله جل جلاله هي من باب الخبر، والخبر دائر بين النفي والإثبات، لذلك فإن صفات الله جل جلاله تنقسم إلى قسمين: صفات منفية، وصفات ثبوتية.
صفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات منفية، وصفات ثبوتية. والصفات المنفية تنقسم إلى قسمين: صفات منفية نفياً إجمالياً، وصفات منفية نفياً تفصيلياً. النفي الإجمالي مثاله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، ليس كمثله شيء، فلا تجعلوا لله أنداداً، هل تعلم له سمياً؟ يعني الله ليس له ند، ليس له مكافئ، ليس له مماثل، هذا يسمى نفي إجمالي.
وهذا هو الأصل في الكتاب والسنة؛ أن المعايب والنقائص تنفى عن الله جل جلاله نفياً إجمالياً، لأن الله عز وجل ينفى عنه كل عيب ونقص، منزهاً عن كل عيب ونقص، فهذا النفي نفي إجمالي وهذا هو الأصل. أما النفي التفصيلي: لم يلد ولم يولد، وما مسنا من لغوب، لا تأخذه سنة ولا نوم، هذا يسمى نفي تفصيلي. هذا النفي التفصيلي عادة يكون لأسباب، لا يكون إلا لأسباب.
من تلك الأسباب: لرد ما ادعاه الكاذبون في حق الله؛ أن دعوا للرحمن ولداً، قال الله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92]، لم يلد ولم يولد، أنسب لنا ربك، لم يلد ولم يولد. أو لدفع توهم نقص عن صفة كمال؛ الحي القيوم قد يتوهم متوهم أن حياة الله وقيوميته يلحقها شيء من النعاس أو النوم، قال الله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255].
وعندما خلق الله عز وجل السماوات والأرض في ستة أيام، قد يتوهم متوهم أن الله عز وجل -أو كما ادعى اليهود- أن الله استراح في اليوم السابع، قال الله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: 38]. وقلنا يا إخوان إن النفي التفصيلي لا بد فيه من إثبات؛ النفي عموماً ما ينفى عن الله لا بد فيه من إثبات، هذا الإثبات يسمى إثبات كمال الضد، حتى يكون هذا النفي مدحاً.
لا يكون النفي مدحاً إلا إذا أثبتنا كمال ضده، لأنه قد تنفي عن شخص شيئاً تقول: فلان ليس جباناً، لكن ليس بالضرورة أن يكون شجاعاً، فلان مثلاً لا يظلم، لكن ليس بالضرورة أن يكون عادلاً. أما النفي عن الله سبحانه وتعالى فهو كله نفي فيه مدح لله جل جلاله، ولذلك يتضمن إثبات كمال الضد؛ وما مسنا من لغوب لكمال قوته، لم يلد ولم يولد لكمال غناه، لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته، وهكذا.
إذاً لا بد أن النفي أن يتضمن إثبات كمال الضد. هذا بالنسبة للصفات المنفية. أما الصفات الثبوتية؛ تنقسم إلى قسمين صفات ثبوتية؛ ثبتت في الشرع، لا بد الصفة أن تكون ثابتة في الكتاب والسنة، لكن هناك صفات كما أنها ثابتة سمعاً يمكن اثباتها عقلاً أيضاً مثل صفة العلو، فهذه الصفة ثابتة سمعاً وهي ثابتة لله عقلاً.
مثل صفة الحياة والقوة والقدرة والعلم والإرادة؛ هذه الصفات كما أنها ثابتة لله سبحانه وتعالى سمعاً، يمكن إثباتها بالعقل أيضاً، فهذه تسمى صفات سمعية عقلية. وهناك صفات سمعية، يعني لو لم يردنا السمع -لو لم يرد السمع بها- ما نثبتها لله جل جلاله؛ لأن العقل لا يمكن أن يتوصل إليها، مثل صفة الاستواء على العرش، مثل صفة المحبة، صفة الغضب، صفة الرضا، صفة السخط، صفة الكراهية، صفة المقت، الوجه، صفة اليدين، صفة العينين، صفة القدم، صفة الساق، هذه الصفات سمعية، لما جاء بها الخبر أثبتها الخبر فكانت في السمع واردة في السمع، فنحن ولم يأتنا في السمع أيضاً أدلة عقلية عليها فنحن نقول هذه سمعية.
لننتبه يا إخوان؛ ليس المقصود بالسمع هنا الوحي، لا، المقصود بالسمع هناك أدلة في الوحي سمعية لم تشتمل على أدلة عقلية في السمع في إثباتها، وليس المقصود بالسمع هنا المقصود به الوحي كاملاً، لأن هناك الوحي الكتاب والسنة يتضمن أدلة عقلية، ليس نحن لسنا كالمتكلمين ننظر إلى الوحي الإلهي أنه مجرد سمع خالي من الأدلة العقلية، فهذا خطأ.
لكن هذا الوحي الإلهي اشتمل على عقائد ما نحتاج من تلك العقائد إلى أدلة عقلية عليها، فقد جاء الوحي بأدلة عقلية تثبتها، وما كان من العقائد لا نحتاج فيه إلى أدلة عقلية، فيأتينا الوحي الإلهي بأدلة سمعية نحن نتوقف ونقتصر على القول بها. المقصود الاستواء على العرش، العين، القدم، الساق؛ هذه الصفات لو لم يردنا بها الخبر ما نستطيع أن نثبتها عقلاً لله سبحانه وتعالى، فتسمى هذه أدلة سمعية.
هناك أدلة سمعية عقلية جاء الوحي الأدلة عليها ثم دلل عليها أيضاً بالعقل، ويمكن نحن أن نصل إلى أدلة عقلية لإثباتها. وهناك أدلة سمعية؛ هذه الصفات الثبوتية، هناك صفات ثبوتية ذاتية، وهناك صفات ثبوتية فعلية، وهناك صفات ذاتية وفعلية؛ ذاتية، هناك صفات ذاتية وهناك صفات فعلية وهناك صفات ذاتية فعلية باعتبارين.
الصفات الذاتية نقصد بها الملازمة لذات الله أزلاً وأبداً مثل صفة الوجه، مثل صفة العلو، مثل صفة العلم. وهناك صفات فعلية مثل صفة الاستواء على العرش، وهي التي تتعلق بمشيئة الله وقدرته، تقوم بذات الله بمشيئته وقدرته، تسمى اختيارية. وهناك صفات ذاتية باعتبار الجنس هي ذاتية وباعتبار الآحاد هي فعلية مثل صفة الكلام. سنعود إن شاء الله بعد الفاصل لاستكمال هذه القضية.
ليس كل ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيحاً، فكيف تعرف الصحيح من غيره؟ عن طريق علم مصطلح الحديث، والحديث النبوي هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف. والحديث الصحيح هو ما رواه عدل تام الضبط بسند متصل، وسلم من الشذوذ أي مخالفة من هو أرجح منه، ومن العلة القادحة وهي أمر خفي يقدح في صحة الحديث، ومثله الحديث الحسن غير أن راويه خفيف الضبط.
والحديث المقبول صحيحاً كان أو حسناً يجب العمل به في العقيدة والأحكام وغيرهما، ويرد الحديث لسقط في إسناده أو للطعن في عدالة الراوي أو ضبطه، والحديث الضعيف لا يعمل به إلا بشروط؛ ألا يكون شديد الضعف، أن يندرج تحت أصل معمول به، ألا يعتقد عند العمل به ثبوتاً بل يعتقد الاحتياط.
ويجوز رواية الحديث بالمعنى بشروط: أولاً أن تكون من عارف بمعناه، ثانياً أن تدعو الضرورة إليها، ثالثاً ألا يكون متعبداً بلفظه كألفاظ الأذكار ونحوها. أحذر من الأحاديث الباطلة ولا تنشرها في مواقع التواصل أو غيرها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين».
حياكم الله أيها الأحبة، قلنا إن الصفات الثبوتية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: صفات ثبوتية ذاتية مثل صفة الوجه، مثل صفة اليدين والقدم وصفة العلو وصفة العلم صفة القدرة، هذه صفات ذاتية ثبوتية ذاتية. وهناك صفات فعلية مثل صفة الاستواء على العرش، مثل صفة النزول، مثل صفة المجيء، الغضب، الرضا، السخط، المقت، المحبة، هذه الصفات ذاتية فعلية، وهناك هذه الصفات فعلية.
وهناك صفات ذاتية فعلية؛ ذاتية باعتبار الجنس يعني جنسها صفة ذاتية باعتبار الجنس هي صفة ملازمة للذات أزلاً وأبداً، وباعتبار الآحاد هي صفات فعلية تقوم بذات الله بمشيئته وإرادته، مثل صفة الكلام. الله سبحانه وتعالى موصوف بالكلام أزلاً وأبداً، لكنه يتكلم بما شاء كيف شاء الوقت الذي يشاء، فتكلم الله عز وجل بالتوراة ثم تكلم بالإنجيل ثم تكلم بالقرآن.
ولذلك يسمى القرآن كلام الله حادث، هذا آحاد كلام الله حادث، آحاد الكلام حادث، وجنس الكلام قديم، بمعنى أن جنس الكلام ملازم لذات الله أزلاً وأبداً، فالله متكلم من الأزل ويتكلم كلامه يعتبر حادث، فباعتبار الآحاد أحد الكلام يعتبر صفة فعلية، وباعتبار جنس الكلام هي صفة ذاتية، وهكذا السمع وهكذا البصر.
الله عز وجل يوصفهم بالسمع أزلاً وأبداً، وبالبصر أزلاً وأبداً، لكنه يسمع كلام خلقه حينما يتكلم، وقد سمع الله القول التي تجادلك في زوجها، وأن الله سبحانه وتعالى يبصر فعلنا الآن، وهو سبحانه وتعالى موصوف بالسمع وموصوف بالبصر أزلاً وأبداً، وهو سبحانه وتعالى قد علم ما العباد عاملون قبل أن يعملوه، فهو متصف بصفة العلم أزلاً وأبداً، لكن آحاد سمعه آحاد بصره آحاد أفعالنا التي نقوم بها يعلمها الله سبحانه وتعالى كما علمها من الأزل هو الله عز وجل يسمعها ويبصرها الوقت الذي نقوم بهذا الفعل أو نتكلم بهذا الكلام.
نبدأ نطبق أيها الأحبة في الله ما تعلمناه من تلك القواعد على بعض صفات الله؛ نبدأ بصفة القدرة. صفة القدرة صفة ذاتية من صفات الله سبحانه وتعالى ذاتية وفي الوقت ذاته هي سمعية؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]، وعقلية يمكن إثباتها بالعقل أيضاً. لا يمكن أن تكون هذه المخلوقات الذي أوجدها ليس بقادر، هذه ولذلك يعني هذه أمور معروفة لا بد أن يكون الذي خلق هذا الخلق قادر على خلقهم، قادر على رزقهم.
وهذا الذي نراه في هذا الكون من النظام دل على أن خالقهم أو قادر على حفظه على حفظه ورعايته، ولذلك تسمى صفة القدرة صفة سمعية عقلية ذاتية. والنبي صلى الله عليه وسلم علم عثمان بن أبي العاص عندما جاءه يشتكي من وجع كاد أن يهلكه، وهذا الوجع ملازم له منذ أن أسلم وهو يشكو منه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ضع يدك على المكان الذي يؤلمك» الذي يعني تتألم منه، «ثم قل: بسم الله» ثلاثاً «بسم الله، بسم الله، بسم الله، ثم قل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر».
أعوذ بعزة الله وقدرتها، القدرة العزة القدرة، هنا استعاذ بصفتين من صفات الله سبحانه وتعالى؛ صفة العزة وصفة القدرة، والشاهد هنا صفة القدرة، فاستعاذ بقدرة الله جل جلاله القادر على الشفاء سبحانه وتعالى أن يشفيه من هذا البلاء الذي كاد أن يهلكه، فقال هذا الدعاء سبع مرات، بسم الله ثلاث مرات وهذا الدعاء سبع مرات، شفاه الله سبحانه وتعالى من هذا الوجع الذي أصابه، وكان عثمان يعلم رضي الله عنه يعلم أهله هذا الدعاء ويعلم غيرهم هذا الدعاء لما فيه من هذا الأمر العظيم.
أيها الأحبة في الله، الله سبحانه وتعالى موصوف بصفة القدرة، والله سبحانه وتعالى من اسمائه القادر والقدير والمقتدر. عندما يعلم الإنسان أن ربه سبحانه وتعالى موصوف بصفة القدرة وهو القادر والقدير والمقتدر، ما أثر هذه المعرفة عليه؟ من قدرة الله سبحانه وتعالى أنه يأتي بالشيء من غير سببه، من قدرة الله سبحانه وتعالى أنه يبطل مفعول السبب، من قدرة الله سبحانه وتعالى أن يضاعف جل جلاله نتيجة هذا السبب، ويجعل هذا السبب أقوى بكثير مما هو عليه في الواقع.
هذا من قدرة الله، لا شك أنه من حكمة الله جعل لكل شيء سبباً، لكن من قدرة الله سبحانه وتعالى أنك تأتي بالسبب وسبب ينجز لك شيء يسير، لكن الله سبحانه وتعالى قدير على أن يبارك هذا السبب ويجعل فيه من القوة والتأثير أضعاف أضعاف ما هو عليه في الواقع. عندما يعلم الإنسان أن ربه هو القادر على شفائه، هو القادر على إنجاح مقاصده، هو القادر على رزقه، هو القادر على نصره، هو عندما يعلم الإنسان أن ربه بهذه المثابة فعندما يدعوه ويعلم أن الله على كل شيء قدير، لا يمكن أن يرى أن هناك شيء كبير في هذا الكون على أن الله سبحانه وتعالى لا يعطيه إياه، فلا، فالإنسان يكثر من الدعاء ويسأل الله سبحانه وتعالى أن يعطيه ولا يتعاظم شيئاً أمام قدرة الله سبحانه وتعالى، فلا شك كان هذي فيها تربية عظيمة للإنسان.
ثم يا إخوان، دائماً الذي يعلم ومتأثر بصفة القدرة من صفات الله سبحانه وتعالى دائماً الاستعانة بالله، دائماً الاستعانة بالله، عندما يفعل الشيء يعلم أن الله من قدرته قد أعطاه قد أقدره قبل الفعل، الله سبحانه وتعالى قد أعطاه الجوارح الممكنة من الفعل، أعطاه العقل، أعطاه قوة الإرادة، أعانه الله سبحانه وتعالى بالقدرة قبل الفعل، والله سبحانه وتعالى يقدره على الفعل مع الفعل عندما يقوم الإنسان بالفعل وهو يعلم أن الله قدير ويستعين بالله: واستقدرك بقدرتك، يعني يا الله أطلب منك أن تعطيني القدرة لأنك أنت القدير جل جلاله في طلب من الإنسان يطلب الإنسان من ربه سبحانه وتعالى أثناء قيامه بالفعل لأنه يعلم أن الله قدير يطلب منه أن يمكنه من هذا الفعل، أن يجعل قدرته أضعاف أضعاف ما هي عليه في الواقع، فهذا هذا هذا الأثر التربوي على من عرف أن ربه سبحانه وتعالى موصوفاً بصفة القدرة.
ننتقل أيها الأحبة كذلك إلى صفة من صفات الله سبحانه وتعالى وهي صفة العلم، صفة العلم أيضاً صفة من صفات الله الذاتية، وهي صفة سمعية عقلية. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: 255].
حيام الله أيها الأحبة في الله. قلنا إن صفة العلم صفة ذاتية، وهي سمعية؛ لأنها وردنا بها السمع، وهي عقلية كذلك، عقلية من ناحية ما نراه في هذا الكون من الأحكام والإتقان. هذا الأحكام والإتقان الموجود في هذا الكون دل على أن خالقه عالم وعليم سبحانه وتعالى وعلام جل جلاله.
كذلك يا إخوان، العلم صفة كمال؛ لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وقد اتصف به الخالق، اتصافه بالعلم من باب أولى. هذه قاعدة عندنا: كل كمال اتصف به المخلوق وهو لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فالخالق أولى به. فلما كانت صفة العلم صفة كمال لا نقص فيها، فكان اتصاف الله عز وجل به من باب قياس الأولى. هذا عقلا، فالكمال هو أولى به. فالله سبحانه وتعالى هو الذي أعطى الإنسان هذا العلم، فهو أولى به سبحانه وتعالى أن يتصف به، وصفة العلم صفة ذاتية وهي سمعية عقلية في الوقت ذاته.
أيها الأحبة في الله، من أسماء الله جل جلاله: العالم والعليم والعلام، ومن صفاته: صفة العلم. تحدثنا في حلقات مضت عن هذه الصفة وعن الأثر التربوي عليها، لا نريد أن نكرر كثيرا في هذا، لكن نعلم أن صفة العلم هذه من أعظم الصفات التي ترتقي بالإنسان إلى درجة الإاحسان. والإحسان أعظم درجات الدين، أعظم مرتبة يرتقي الإنسان إليها من مراتب الدين الإسلامي هي مرتبة الإحسان.
وكما تحدثنا سابقا أن الدين الإسلامي مثله مثل الشجرة، والإيمان بالنسبة للدين الإسلامي كالجذور بالنسبة للشجرة، والإحسان يا إخوان يتعلق بالجذور، فيحسن الإنسان في أعمال القلوب، يححسن الإنسان في أركان الإيمان، ويحسن كذلك في أعمال الجوارح. ولا شك أن الإسلام يتعلق باعمال الجوارح الظاهرة، والإيمان يتعلق بأعمال القلوب الباطنة، والإحسان يكون متعلقا بالامرين، متعلق بالعقيدة ومتعلق بالشريعة، متعلق بالإيمان ومتعلق بالإسلام. هذا الإحسان كيف يصل الإنسان اليه؟ يصل الإنسان اليه بتعلمه وتثبيته لصفة العلم في قلبه، دائما يتذكر أن الله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.
الذي يعلم أن ربه سبحانه وتعالى مطلع على مكنونات صدره، فيعلم الله سبحانه وتعالى عقيدته؛ هل هو مؤمن بالله بربوبيته، بألوهيته، بأسمائه وصفاته؟ هل هو مؤمن بالملائكة، مؤمن بالكتب، الرسل، اليوم الآخر، الإيمان بالقضاء والقدر؟ هل قلبه مليء بحب الله، والخوف من الله، من وعيد الله، والرجاء فيما عند الله، التوكل، الصبر، اليقين؟ هذه الأمور يعلمها الله، ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. الذي يستشعر أن الله سبحانه وتعالى مطلع على عقيدته سيحسن هذه العقيدة، سيتقنها، سيحافظ عليها، سيهذبها يبعد عنها الشوائب، ولذلك هذه الصفة صفة في غاية الأهمية لاصلاح معتقد الإنسان.
وهذه الصفة صفة العلم، استشعارها دائما والإيمان بها دائما، لها أثر كبير على ما يظهر من الإنسان من أعمال الجوارح بفعل الطاعات. الذي يؤمن أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه في صلاته، في صيامه، في قراءته للقرآن، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. الذي يستشعر اطلاع الله سبحانه وتعالى عليه وهو على الطاعات، ما يبالي بعد ذلك باطلاع الناس، تجده يندفع لفعل الطاعات. الذي يستشعر دائما أن الله سبحانه وتعالى يراه ويسمع كلامه ومطلع عليه وعليم به في حال الخلوات، لا يمكن أن يقع في شيء من المنكرات إلا في حال غيبة استشعار رقابة الله عليه، وإلا من استشعر أن الله مطلع عليه سيبتعد عن المعاصي والمنكرات، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن».
إذا الإنسان غاب عنه استشعار رقابة الله عز وجل عليه ارتكب المعاصي، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهْوَ مَعَهُمْ﴾، وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، وكان الله بما يعملون محيطا. لما هذه المعاني غابت عن أذهانهم ورأوا أنهم الآن في خفية عن الناس، الناس لا يرونهم، بدأوا يدبرون لأهل الاسلام أنواع الكيد وأنواع العداوات، لماذا؟ لأنه غاب عن قلوبهم وغاب عن أذهانهم استشعار رقابة الله سبحانه وتعالى عليهم، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. من الذي ينفرط أمره في المعاصي والمنكرات؟ هو الذي يغيب عن ذهنه استشعار رقابة الله سبحانه وتعالى، فصفة العلم من أعظم الصفات التي ترتقي بالإنسان في الدين الإسلامي وتوصله إلى درجة الإحسان، فينبغي أيها الأحبة في الله العناية بتعلم هذه الصفة وغرسها في النفس.
كذلك أيها الأحبة في الله، من الصفات صفة الإرادة، وصفة الإرادة صفة ذاتية فعلية؛ ذاتية باعتبار الجنس، فالله سبحانه وتعالى مريد أزلا وأبدا، الله سبحانه وتعالى متصف بصفة الإرادة أزلا وأبدا، وهو سبحانه وتعالى يريد الأمور التي تقع وقت وقوعها يريدها بإرادة حادثة. فلذلك إرادة الله صفة إرادة صفة ذاتية، فالله عز وجل مريد أزلا وأبدا، وأيضا هذه الصفة صفة الإرادة سمعية عقلية. فهي ثابتة في السمع، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
أيها الأحبة في الله، إرادة الله تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية قدرية، وإرادة شرعية دينية. ما معنى كونية قدرية؟ نسمع إرادة كونية قدرية، يعني أراد الله عز وجل أن يكون هذا الأمر في كونه فقضره الله سبحانه وتعالى، فتقديره كونا؛ يعني أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون في كونه مثل الكفر، الفسوق، العصيان، أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون في كونه ليصح الاختبار ويصح اختبار الناس وابتلاؤهم في هذه الحياة، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فلو لم يكن في الكون كفر وفسق ومعاصي ما كان أن هناك ابتلاء واختبار، فهذه تسمى أرادها الله عز وجل المعاصي والكفر أرادها الله عز وجل كونا.
وأما التوحيد والطاعة فأرادها الله سبحانه وتعالى، هذه الأمور أرادها الله عز وجل شرعا. ما معنى أراد شرعا؟ يعني أراد أن تكون شريعة يسير الناس عليها ولذلك رضيها لهم وأحبها لهم، وأما التي أرادها أن تكون في كونه فانه سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده الكفر. هذه القضية ينبغي أن نتنبه لها، الفرق بين الإرادة الكونية والارادة الشرعية الدينية. فلو سألنا سائل: هل الله سبحانه وتعالى أراد المعاصي؟ نقول: نعم، أراد المعاصي كونا ولم يردها شرعا.
اضرب مثالا أختم به هذه المحاضرة: لو أن أحد الملوك عنده مملكة، وبنى في الداخل عاصمة وزينها، ثم قال للرعية: ادخلوا العاصمة، المهلة لديكم شهر. ثم لم يجبر الناس على دخول العاصمة ولم يمنع بعض الناس من دخول العاصمة، وإنما جعلهم مخيرين، وقالوا: ادخلوا العاصمة، المهلة لديكم شهر، من دخل العاصمة حقق مراد الملك وصار محبوبا عند الملك، ومن بقي خارج العاصمة ما زال تحت سلطة الملك العامة لكنه مبغوض عند هذا الملك. ولله عز وجل المثل الأعلى، الله عز وجل هذا أراد أن يكون في كونه الكفر والفسوق والعصيان، لكنه قال للناس: ادخلوا في التوحيد والطاعة، فمن دخل في التوحيد والطاعة حقق الإرادة الشرعية الدينية وما زال داخل الإرادة الكونية القدرية، ومن رفض فإنه خرج عن إرادة الله الشرعية الدينية، لكنه ما زال تحت إرادة الله الكونية القدرية.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن يحققون مراد الله الشرعي. معرفتنا لصفة الإرادة أن الإنسان يبحث عن إرادة الله الشرعية ويقوم بها، ويعلم أن من حقق هذه الإرادة الشرعية الدينية أن الله عز وجل يعينه، فيشرح صدره، وييسر أمره، يجعله الله سبحانه وتعالى يعينه على فعل هذه المرادات الشرعية التي طلبها الله سبحانه وتعالى منه.
أسأل الله سبحانه وتعالى في ختام هذه الحلقة لي ولكم المغفرة والسداد والتوفيق وشرح الصدر، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد. جزاكم الله خيرا.
د. أبو زيد مكي القبي