السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاه والسلام على اشرف المرسلين، محمد وعلى اله وصحبه اجمعين. حياكم الله ايها الاحبه في الله في الحلقه الثانيه والعشرين من حلقات ماده العقيده في اكاديميه الزاد في الفصل الدراسي الثاني. في هذه الحلقه باذن الله نستكمل بقيه القواعد في اسماء الله الحسنى، وقبل ان نستكمل هذه القواعد، وعدناكم في المحاضره الماضيه اننا سنتحدث عن حديث يدل على ان اسماء الله سبحانه وتعالى غير محصوره في عدد معين، وان التسعين والاسماء معناها هذه التسعين والاسماء لها فضل خاص بها؛ ان من حفظها ودعا الله عز وجل بها وعمل بمقتضاها، هذه التسعين والاسماء الموجوده في الكتاب والسنه، من وفق اليها دخل الجنة.
في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم اخرجه الامام احمد بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قال عبد قط اذا اصابه هم او حزن: اللهم اني عبدك، وابن عبدك، وابن امتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاك، اسالك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، او انزلته في كتابك، او علمته احدا من خلقك، او استاثرت به في علم الغيب عندك، ان تجعل القران ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني». قال صلى الله عليه وسلم: «الا اذهب الله همه، وابدله مكان حزنه فرحا». قالوا: يا رسول الله، ينبغي لنا ان نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال صلى الله عليه وسلم: «اجل، ينبغي لمن سمعهن ان يتعلمهن».
يقول صلى الله عليه وسلم: «ما قال عبد قط اذا اصابه هم»، الهم يتعلق بالامور المستقبلية، «او حزن»، يتعلق بالامور الماضية. فتذكر الانسان امور مستقبلية امور فاصابه شيء من الهم، فقال هذا الدعاء. وهذا الدعاء عجيب يا اخوان؛ فيه توسل الى الله سبحانه وتعالى بانواع التوحيد الثلاثة؛ فيه توسل بتوحيد الالوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الاسماء والصفات. اول ما بدا بدا بتوحيد الالوهية، قال: «اللهم اني عبدك وابن عبدك وابن امتك»، فتوسل الى الله بالعبودية: يا رب انا عبد لك، ووالدك عبد لك، كلنا عباد لك، ووالدتي وامي امة لك، فيا الله انا عبد لك وابائنا عبيد لك. يا الله هنا توسل الى الله سبحانه وتعالى بالعبودية، وانت يا الله السيد المطاع، فانا يا الله اتوسل اليك بعبوديتي الخالصه لك. ثم قال: «ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاك»، هذا توسل الى الله بربوبيته: يا الله انت الرب المنفرد بملك هذا العالم وتدبيره، ومن هذا العالم انا يا الله ناصيتي بيدك انت تدبرني يا الله، وانت الذي احكامك ماضية في وقضيتك عدل في يا الله. هذا توسل الى الله بالربوبية وحسن ظن بالله جل جلاله في ربوبيته.
ثم جاء الى موضوعنا الى الاسماء الحسنى، وتوسل الى الله باسماء الحسنى، وانه لا مثيل له فيها ولا نظير: «اللهم اني اسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك»، اذا ليس للمخلوقين ان يسموا الله سبحانه وتعالى باسماء من تلقاء انفسهم، انما الله عز وجل هو الذي سمى نفسه، ولذلك قلنا اسماء الله توقيفية، موقوف العلم بها على الله جل جلاله من خلال كتاب، من خلال سنة. «سميت به نفسك، او انزلته في كتابك»، اذا هذا كان في الوحي، «او علمت واحدا من خلقك» الرسل، «او استاثرت به في علم الغيب عندك»، اذا دل على ان اسماء الله سبحانه وتعالى غير محصوره في التسعين وان الله سبحانه وتعالى اسماءه موقوفه. فتوسل الى الله بالالوهية، توسل الى الله بالربوبية، توسل الى الله باسماء اسمائه الحسنى وصفاته العلى. في ماذا؟ الموضوع يتعلق بالهم والحزن، لكن التوسل عجيب الموضوع، موضوع التوسل امره غريب.
قال: «ان تجعل القران ربيع قلبي». ايها الاحبه في الله، القران ونزوله على قلوب الناس مثل المطر والغيث اذا نزل على الاراضي؛ فالمطر اذا نزل على الارض احياها، وهكذا الوحي الالهي اذا نزل على القلب، والانسان حفظ هذا الوحي الالهي صار قلبه ربيعاً حياً. اذا القران به حياة القلوب، هنا يتوسل الى الله ان يحيي قلبه بهذا القران، «ان تجعل القران ربيع قلبي، ونور صدري»، القلب في الصدر، ويقول: واجعل هذا القران نور لي. وهذا خاصية القران، القران بالنسبة للمؤمن يحيي قلبه وينير دربه، «ونور صدري، وجلاء حزني»، يعني يا الله اجعل هذه الاحزان بسبب هذا القران يجليها الله سبحانه وتعالى يذهبه ويزيله بالكلية. الجلاء يعني التنظيف والتطهير من الاشياء الماضية هذه التي تسبب الاحزان، وذهاب همي عما افكر فيه في المستقبل.
العجيب يا اخوان هذا الدعاء؛ التوسل الى الله بانواع التوحيد الثلاثة، بالقران ان يكون به ان يحيا الانسان به، ان ينير الله عز وجل به صدره، ان يجلي احزانه، يذهب همومه. ما العلاقة الان بين القران وبين الهم والحزن وان هذا القران يفعل ذلك؟ لانه يا اخوان اذا الانسان اتقن هذا القران فهمه وجعله حياه لقلبه ونورا لدربه، هذا الانسان سيذهب الله عز وجل همومه واحزانه، لان الله سبحانه وتعالى ساخذ بيده ويعلمهم من خلال هذا القران كيف يسلك الطريق الصحيح في اذهاب الهموم والاحزان، وكيف يتعامل مع هذه الدنيا.
المقصود يا اخوان من هذا الحديث وهذا النص ان اسماء الله سبحانه وتعالى غير محصوره في عدد معين. ننتقل للقاعده في هذه المحاضرة؛ ان اسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنى، اي بالغه في الحسن غايته. فالاسماء التي تكون حسنة لكن ليست حسنى، هذه الاسماء لا تعتبر من اسماء الله الحسنى، مثل القديم؛ القديم اسم حسن ليس بسيء بالمعنى الاصطلاحي، ان الله سبحانه وتعالى قديم بمعنى لم يسبق بعدم، فهو اسم حسن بالاصطلاح الذي يذكر، لكنه ليس هو من الاسماء الحسنى؛ لان اسماء الله سبحانه وتعالى بالغه في الحسن غايته. ناخذ فاصل ثم نعود لتوضيح هذه القضية باذن الله.
حياكم الله ايها الاحبه، قلنا القاعده الأولى في هذه المحاضرة ان اسماء الله سبحانه وتعالى كلها حسنى، اي بالغه في الحسن غايته. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، وقال الله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110]، قال الله عز وجل: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الحشر: 24]. فالله سبحانه وتعالى وصف اسماءه بانها حسنى، والحسنى بمعنى انها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالا ولا تقديرا. اما مثل القديم؛ القديم يدل على ان هناك هذا قديم، وهناك شيء اقدم منه، وهناك شيء اقدم منه، لذلك هذا الاسم عليه ملحوظات، ليس دالا على الكمال من كل وجه، ولذلك هو يجوز ان تخبر به عن الله بالمعنى الاصطلاحي اي الذي لم يسبق بعدم، لكنه لا يجوز ان يعد من ضمن اسماء الله الحسنى.
الحي مثلا من اسماء الله تعالى الحسنى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال، الحياة المستلزمة لكمال الصفات؛ لكونه حي. الحي اما ان يكون موف يعني صاحب آفة فيكون يعني فاقد للسمع، فاقد للبصر، او فاقد الكلام، او يكون غير موف؛ فحيياة الله ملزمة لكمال الصفات، فهو سبحانه وتعالى عليم، سميع، بصير، متكلم، قدير؛ لان هذه من مستلزمات الحياة الكاملة، من مستلزمات الحياة الكاملة صفة العلم والقدرة والسمع والبصر وغيرها، وهكذا. فلذلك الحي من اسماء الله الحسنى.
ايضا من اسماء الله عز وجل الحسنى العليم، وهو متضمن للعلم الكامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، لذلك الله سبحانه وتعالى علم ما العباد عاملون قبل ان يعملوه، وكتب ما علم ان العباد سيعملون، فهذا علم الله سبحانه وتعالى لم يسبق بجهل، ولا نقول ان الله عز وجل لم يعلم الامور الا وقت وقوعها، لا، هو علمها من قبل ويعلمها سبحانه وتعالى وقت وقوعها جل جلاله. نحن عندنا صفة العلم واحاد العلم، وعندنا السمع واحاد السمع؛ فالله عز وجل يسمع كلام خلقه وهو موصوف بالسمع ازلاً وابداً، لكن يسمع كلام خلقه عندما يتكلمون. والله عز وجل موصوف بالبصر ازلاً وابداً، لم يسبق مرحلة من المراحل ان الله لم يكن بصيراً، هذا لا يجوز ان نقول هذا، او ان الله عز وجل لم يكن سميعاً، او ان الله عز وجل لم يكن عليماً، لا، فهذه صفات لله، صفات حسنى.
والله سبحانه وتعالى واسع العلم، اذا كان الله سبحانه وتعالى يعلم حركات الدابة السارحة وهي تتنقل في بحثها عن رزقها، وما من دابه في الارض الا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، والله عز وجل يعلم تساقط الاوراق من على الاشجار، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59]. المقصود ان علم الله سبحانه وتعالى واسع شامل، شامل لجميع مخلوقاته، وبالنسبة للمكلف فالله عز وجل اولى بالعلم به والسمع به والبصر لحاله.
ايضا من اسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى الرحمن، فالرحمن اسم من اسماء الله الحسنى متضمن للرحمة الكاملة الواسعة. وصف النبي صلى الله عليه وسلم شيء من رحمه الله فقال: «لله ارحم بعباده من هذه بولدها»، يعني ام صبي وجدت ابنها في السبي فاخذته والزقته بطنها وارضعته، قال صلى الله عليه وسلم: «لله ارحم بعباده من هذه بولدها». وقال الله سبحانه وتعالى واصفاً رحمته قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، وقال في دعاء الملائكة مؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: 7]. فالله عز وجل رحمته واسعة مهما كان عند الانسان من الذنوب والمعاصي، مهما كانت ذنوبه في الكثرة او في الكبر؛ قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. ذلك الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم اكمل بهم العابد فصار عندهم مائة نفس ثم تاب الى الله، تاب الله عز وجل عليه، والله عز وجل يعني كما في الحديث رحمته سبحانه وتعالى ومن رحمته انه يفرح بتوبه عباده بتوبه عباده اعظم من فرحه ذلك الانسان الذي ظللت عنه دابته كان في صحراء وعليها طعامه وشرابه وايس منها وايقن الهلاك وارتاح تحت ظل شجره ينتظر الموت، ثم نام واستيقظ، فاستيقظ واذا بدابته قائمة عند راسه عليها طعامه وشرابه، فقال من شدة الفرح: اللهم انت عبدي وانا ربك! اخطا من شدة الفرح. يقول النبي صلى الله عليه وسلم واصفاً فرح هذا الانسان بعوده دابته اليه: «ان الله افرح اشد فرحاً منه بتوبه عبده اليه مع ذنوبه ومعاصيه»، فهذا دلالة على سعة رحمة الله سبحانه وتعالى.
ايضا ايها الاحبه في الله اسماء الله بالغه في الحسن، واذا انضم بعضها الى بعض ازدادت كمالاً على كمال؛ فمثلا العزيز؛ الله سبحانه وتعالى من اسمائه العزيز، ومن اسمائه الحكيم، وتاتي في بعض الايات وصف الله عز وجل بان العزيز الحكيم؛ فالجمع بينهما بين العزيز والحكيم دال على كمال اخر، وهو ان عزته سبحانه وتعالى مقرونه بالحكمه، فعزته لا تقتضي ظلماً وجوراً وسوء فعل، كما قد يكون من بعض المخلوقين؛ تاخذه العزة بالاثم، فان العزيز منهم من البشر قد تاخذه العزة بالاثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف. وكذلك بعض الناس قد يكون حكيماً لكن حكمته قد يكون فيها ضعف، لكن الله سبحانه وتعالى حكمته تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته فانهما قد يعتريهما شيء من الذل؛ فهذا الاسم العزيز الحكيم يدل على كمال مع بعضهما على كمال اخر، ايها الاحبه في الله.
أسماء الله عز وجل ندعوه بها؛ ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، فيدعو الإنسان بمقتضى هذه الأسماء؛ اللهم يا رزاق ارزقني، اللهم يا رحمن ارحمني، اللهم يا غفور اغفر لي، وهكذا يدعو الإنسان ربه بهذه الأسماء الحسنى.
آخر قاعدة نذكرها في هذه المحاضرة: أن أسماء الله عز وجل لا يُلْحَد فيها، وأنواع الإلحاد في أسماء الله الحسنى يمكن أن نذكر منها أربعة: النوع الأول: أن يأتي الإنسان إلى اسم من الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة، ويقوم بإنكار هذه الأسماء، إنكار شيء من أسماء الله الحسنى، هذا إلحاد، هذا إلحاد في الأسماء، أو إنكار ما دلت عليه من الصفات، فيقول: الله سميع لكن بلا سمع، بصير بلا بصر، حي بلا حياة، أعوذ بالله من هذا، هذا إلحاد، هذا إلحاد فإنكار شيء من أسماء الله الحسنى أو إنكار شيء مما دلت عليه من الصفات والأحكام هذا إلحاد؛ لأن الواجب علينا أن نؤمن بهذه الأسماء الحسنى وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
أيضاً -أيها الأحبه في الله- من الإلحاد في أسماء الله الحسنى: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التمثيل؛ فالتمثيل باطل، فلا يمكن أن يكون هناك اسم من أسماء الله الحسنى مماثل لبعض صفات المخلوقين، بل هذا الأمر يجب أن يُجتنب، فيُثبت ذلك على الوجه اللائق بالله سبحانه وتعالى، ولا يُعتقد أن حياة الله مثل حياة المخلوقين، أن يد الله مثل يد المخلوقين، بل تُثبت الأسماء وما دلت عليه من الصفات على الوجه اللائق بالله سبحانه وتعالى. سنعود لنُضيء هذه النقطة بعد هذا الفاصل بمشيئة الله.
العلم مراتب؛ فمنه فرض عين، وهو تعلم ما لا يُتأدَّب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة، ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ومنه نفل كالتبرُّع في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام، ونراعي الاولويات في التعلم؛ فنبدأ بالأصول العلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور، ونبدأ بالأسهل قبل الاصعب وبالمختصر قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدُّر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين؛ فَتدرَّج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يُفقِّهه في الدين».
حياكم الله -أيها الأحبة في الله- وصلنا إلى أن أسماء الله -تذكرون في قاعدة من الدرس الماضي- قلنا: إن أسماء الله أعلام وأوصاف؛ فاسم الله سبحانه وتعالى علم للدلالة على ذاته سبحانه وتعالى، وصفة لما يتضمن من الصفات؛ مثلاً: الله سميع، من اسمائه السميع يتضمن اثبات السمع لله. هنا من الإلحاد أن يققال عن هذا السمع الذي هو صفة اشتقت لله سبحانه وتعالى من اسمائه وهذا بدلالة الكتاب والسنة، فلا يقال إن سمع الله مثل سمع المخلوقين؛ لأن هناك -للاسف الشديد- من بعض المُمثِّلة الذين يقولون بأن الله سبحانه وتعالى خاطبنا بلسان عربي مبين، فقال بعضهم: كل اسم أطلق على الله عز وجل وما يتضمن هذا الاسم من صفات، أخبرنا على الوجه الذي نعرفه من المشاهدات، وهذا عياذاً بالله من الكفر بالله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فلا يصلح أن نقول: سميع الله عز وجل سميع بسمع وسمعه مثل سمع المخلوقين، بصير ببصر وبصره مثل بصر المخلوقين، هذا من الإلحاد في أسماء الله، والله عز وجل نهانا عن أن نتبع هؤلاء، قال: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].
أيضاً من أنواع الإلحاد: أن يأتي أناس من تلقاء أنفسهم وأن يخترعوا أسماء لله، أن يوجدوا ويفترِضوا أسماء لله سبحانه وتعالى من تلقاء أنفسهم، فيسمُّوا الله عز وجل بما لم يُسمِّ به نفسه، فهذا من أنواع الإلحاد؛ فيُسمى الله سبحانه وتعالى بأنه الأب، أو يُسمى الله سبحانه وتعالى بأنه العلة الفاعلة، أو يُسمى الله عز وجل بأنه العارف، أو يُسمى الله سبحانه وتعالى بأنه العاقل، هذا لا يجوز! تسمية الله بما لم يُسمِّ به نفسه من أنواع الإلحاد، ولا يعني ذلك أننا نحن -مثلاً- ما عندنا أدوات بالعقل ولا نستطيع أن -من خلال مخلوقات الله- نتعرف على صفات الله، نتعرف على صفات الله من مخلوقاته، لكن لا يجوز لنا أن نشتق ونسمي الله عز وجل بما لم يُسمِّ به نفسه؛ إذا كان لا يجوز للإنسان مع المخلوق أن تسميه بغير اسمه الذي سمَّى به نفسه، لا يليق هذا مع مخلوق، فكيف مع الخالق سبحانه وتعالى؟! اسم لم يُسمِّ الله عز وجل به نفسه، لا يجوز لك أنت أن تسمِّي الله سبحانه وتعالى به؛ لأن هذا الاسم قد يكون حسناً ليس بسَيِّئٍ فيجوز أن تخبر به عن الله، وهذا الاسم في بعض الأحيان قد يكون اسماً سيئاً، فهل يجوز للإنسان أن يُسمِّي الله عز وجل باسم سيء؟! ولذلك يجب ترك هذا الباب.
كذلك من أنواع الإلحاد في أسماء الله عز وجل: أن يُشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل أهل الشرك؛ فيشتقُّون العُزَّى من العزيز، يأخذون اسم العزة فيسمُّون بعض الاصنام بهذا، أو كما -على أحد القولين- اشتقاق اسم اللاَّت من الإله، ويسمون به هذه الأصنام؛ فأسماء الله عز وجل مختصة به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، وقال الله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 8]، وقال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: 24]، فالله عز وجل أسماؤه الحسنى لا يجوز أن يُشتق منها أسماء للمخلوقين.
أيها الأحبة في الله، باب الأسماء الحسنى والصفات العلى من الابواب العظيمة التي ينبغي للإنسان أن يتعلمها وأن يربي نفسه من خلالها، وكما كررنا مراراً أن هذه الأسماء عندما يتعلمها الإنسان يعرف بها ربه جل جلاله؛ فيزداد إيمانه بالله، ويزداد يقينه بما وعد الله سبحانه وتعالى به؛ لأنه علم أن الله عز وجل هذا الاسم من أسماءه، علم أن الله سبحانه وتعالى من صفاته صفة الرحمة، أن من صفاته صفة العلم، أن من صفاته صفة القدرة، أن من صفاته صفة الرزق، أن من صفاته وهكذا، كلما تعلم الإنسان شيئاً من أسماء الله الحسنى، كلما ازدادت معرفته بالله، وكلما ازداد إيمانه بالله سبحانه وتعالى.
بقي هناك بعض المسائل تتعلق باسماء الله الحسنى، سنأخذها في اللقاءات القادم؛ نأخذ اسم الله الاعظم، نأخذ تعداد الأسماء الحسنى، نحاول أن نأتي بعد أو نعتمد عدَّ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ونعرضه لكم، ليكون هذا -إن شاء الله- الأقرب للصواب، نمر على بعض التطبيقات في الأسماء الحسنى كيف الإنسان يحصيها بمشيئة الله، ثم يبقى لنا درس عن الصفات، قواعد في صفات الله، ثم تطبيقات نأخذ بعض صفات الله ونتعلمها هناك بمشيئة الله.
نكتفي بهذا القدر في هذا الدرس، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عن خطيئاتنا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي