السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علما نافعا، وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ولسانا ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة السادسة عشر من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الثالث من أكاديمية زاد.
في هذه المحاضره بمشيئة الله سنتحدث عن أمرين اثنين: الأمر الأول: نستكمل الكلام عن حقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة، الأمر الثاني: سنتحدث عن أنواع الكفر عياذا بالله من الكفر.
حقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة؛ تذكرون في المحاضرة الماضية قلنا الكفر في اللغة هو الستر والتغطية، فلما كان الإنسان يغطي هذا الحق فقد كفره، فمن هنا سمي الكفر كفرا. والكفر شرعا قلنا هو عدم الإيمان أو نقيض الإيمان. وقلنا في المحاضرة الماضية إنه لما كان الإيمان قولا وعمل؛ قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، فكذلك الكفر عندنا يتعلق بالقول ويتعلق بالعمل، يتعلق بقول القلب وعمل القلب، ويتعلق بقول اللسان وعمل الجوارح. وأنه يمكن أن يحدث نقض للإيمان، وهو يتعلق بقول اللسان، أو يتعلق بأعمال الجوارح، أو يتعلق بقول القلب، أو يتعلق بعمل القلب. يمكن أن يدخل الكفر نقض الإيمان لأحد هذه الأركان الأربعة من أركان الإيمان.
ثم أخذنا أنواع الكفر شيئا يسير؛ قلنا الكفر ينقسم إلى نوعين: كفر أكبر، هذا مخرج من ملة الإسلام، وكفر أصغر، هذا كفر خطير لا شك، وإن سمي أصغرا لكنه يعني أكبر من الكبائر. وفكفر أصغر لكنه لا يخرج من الملة، لكن أمره وشأنه خطير عند الله. وقلناها الكفر الأكبر هو عدم الإيمان بالله أو برسوله أو باليوم الآخر؛ عدم الإيمان بأركان الإيمان الستة أو بأحدها هذا كفر أكبر، سواء كان معه تكذيب أو شك أو أباء أو إعراض. عدم الإيمان بالله أو برسوله أو بدينه أو بأركان الإسلام هذا كله يدخل في الكفر الأكبر.
أما الكفر الأصغر فهو ما سمي، ما ورد إطلاق الكفر على فاعله، لكن النصوص تدل على أن هذا الإنسان لم يخرج من ملة الإسلام، مثل قتال المسلم، قتال المسلم كفر، لكن الله سبحانه وتعالى سمى الطائفتين المقتتلين، سماهما أنهما من أهل الإيمان، فدل ذلك على أن هذا كفر أصغر.
والكفر كذلك، بعض أهل العلم يقسمه من جهة أخرى فيقول: هو كفر اعتقادي، يعني يتعلق بقول القلب وعمل القلب، وكفر عملي وهذا يتعلق باللسان وأعمال الجوارح. لماذا أنا أتيت بهذا التقسيم؟ حتى ننبه لأمر خطير وقع فيه بعض الناس. هذا الأمر عندما راى أن أهل العلم يسمون الكفر اعتقاديا وعمليا، ظن أن العملي أصغر كله أصغر، ما لم يصاحبه مثلا استحلال بالقلب وهذا خطأ. مقصودهم في التقسيم هذا إنما هو تقسيم فني، يعني اعتقادي وعملي. وعملي قد يكون منه ما هو مخرج من ملة الإسلام، فمثلا من أشهر من يقول بهذا التقسيم ابن القيم، ومع هذا ابن القيم يعني يقول عن كفر العمل إنه منقسم، يقول: أما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإالى ما لا يضاده. فالسجود للصنم، والاستهانه بالمصحف، وقتل النبي، وسبه، يضاد الإيمان، يعني الإيمان المخرج من الملة. فدل ذلك على أنهم يرون، أهل السنة والجماعة عندما يقولون: كفر منه ما هو كفر عملي، ومنه ما هو كفر اعتقادي؛ أن الكفر العملي منه ما هو مخرج من الملة، ومنه ما هو غير مخرج منها، لا إنه كله غير مخرج منها.
والكفر الأكبر يمكن يعني أن يقسم إلى أقسام؛ كفرا يتعلق بالتكذيب، ونحن سنقسم فيما يتعلق بأعمال القلوب، لكن نبدأ بالتقسيم المشهور عند بعض أهل العلم. يسمى كفر التكذيب، وهو اعتقاد كذب الرسل أو يجحد صدقهم بلسانه، ويقول هؤلاء يعني حتى وإن كان في داخلي يرى أنهم على حق، لكن جحده بلسانه هذا يسمى كفر التكذيب، كذبهم. وهناك كفر الشك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]. الشك يعني تردد، ما يدري هو هذا الرسول صادق في كلامه أو ليس بصادق، هذا يسمى كفر الشك. وهناك كفر الإباء، والإباء أن يمتنع عن الانقياد للحق إما حسدا، أو كبرا، أو خوفا، أو محبة لدين الآباء، وغير ذلك من الأهواء الصارفة عن اتباع الرسل، هذا يسمى كفر الإباء. وهناك كفر يسمى كفر الإعراض، وهو أن يتولى عن دين الله بالكلية، لا يتعلق ولا يعمل به، هذا يسمى كفر الإعراض.
تعالوا ناتي، تذكرون لما قلنا حقيقة الإيمان أنه قول وعمل؛ قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح. تعال ننظر الآن إلى حقيقة الكفر، حقيقة الكفر تضاد قول القلب، هناك نواقض تضاد قول القلب مثل التكذيب، أو الجحد لله، أو للرسول، أو للدين، أو لشيء معلوم من الدين بالضرورة، هذا ينافي قول القلب.
وهناك أعمال كفرية تنافي عمل القلب؛ مثل شرك المحبة، شرك الخوف، شرك الرجاء، شرك التوكل، هذا ينقض عمل القلب الإيماني، وكذلك النفاق، وكذلك البغض لله، أو للرسول صلى الله عليه وسلم، أو للدين، أو لشيء من الدين، هذا يتعلق بأعمال القلب. أو اعتقاد أن هناك شرعا مثل أو أفضل من شرع الله، أو يجوز التحاكم إليه، وهكذا هذا ينقض عمل القلب الإيماني.
وهناك نواقض تتعلق بقول اللسان؛ سب الله، سب الرسول، سب الدين، الاستهزاء، السخرية بالله، أو بالرسول، أو بالدين، حتى وإن لم يستحل ذلك، هذه نواقض تتعلق بقول اللسان.
وهناك نواقض تتعلق بعمل الجوارح؛ أن يترك العمل بالدين الإسلامي بالكلية لا سيما الصلاة، أترك الصلاة بالكلية. ترك الصلاة يا إخوان ينقسم إلى قسمين: ترك كلي يصدق عليه بأنه لا يصلي بالكلية، فهذا الترك الكلي، هذا ترك، هذا، هذا العمل عمل كفري، العمل نفسه كفري. أما الشخص المعين فهذا لابد من إقامة الحجة عليه وهكذا. أما ترك الصلاة بالكلية كفر، أو قتل نبي، أو الإعانة على قتله، أو دوس المصصحف متعمدا، والسجود للأصنام، هذه أعمال جوارح كفرية وإن لم يستحل صاحبها ذلك. وأما ترك الصلاة يعني يصلي مرة ويترك مرة، وهكذا هذا على خطر عظيم، هذا الذي فيه التفصيل، هذا يكون صاحبه على خطر عظيم. أما ترك الصلاة بالكلية فلا شك أنه من أعمال الجوارح الكفرية نعوذ بالله من ذلك.
أريد يا إخوان الآن أن نعقد مقارنة سريعة بين موقف الفرق في مسائل الأسماء والأحكام؛ نبدأ بأهل السنة والجماعة، ما هي حقيقة الإيمان عندهم؟ ما حقيقة الكفر عندهم؟ ما اسم مرتكب الكبيرة؟ ما هو الحكم على مرتكب الكبيرة في الآخرة؟ سنقارن بين الفرق في هذه الجوانب بمشيئة الله، ناخذ فاصل ثم نعود إليكم نستكمل الحديث في ذلك.
حياكم الله أيها الأحبة في الله، قلنا إننا سنستكمل الحديث بعد الفاصل عن حقيقة الإيمان، حقيقة الكفر، اسم مرتكب الكبيرة في الدنيا، الحكم على مرتكب الكبيرة في الآخرة، نقارن بين أهل السنة والجماعة وبين معتقدات الفرق الضالة في هذه الجوانب.
طيب، أنا أريد أن تشاركوا معي يعني في هذا بطريقه الكتابة بحيث تتحركوا ما يكون سماع فقط. أهل السنة والجماعة؛ ما حقيقة الإيمان عندهم؟ حقيقة شيء واحد لا يتجزأ؟ ولا حقيقة مركبة من أقوال وأعمال؟ حقيقة مركبة من القول والعمل، ولذلك الإيمان عندهم شعب وأجزاء إذا ذهب بعضها مما لا يعتبر ذهابه ناقضا من نواقض الإيمان بقي البعض الآخر، هذه حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة.
ما حقيقة الكفر عندهم؟ الكفر عندهم كما أن الإيمان قول وعمل، حقيقة الكفر عندهم مركب من قول وعمل، فقد يكفر الإنسان بعقيدة يعتقدها، أو قول يوقله، أو فعل يفعله مما هو ثابت أنه من نواقض الإسلام.
ما اسم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة في الدنيا؟ اسم فاسق مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته مؤمن ناقص الإيمان مسلم.
ما الحكم على مرتكب الكبيرة في الآخرة عند أهل السنة والجماعة؟ أنه يوم القيامة تحت مشيئة الله؛ إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، لكنه لا يخلد في النار ومصيره إلى الجنة، طبعا هذا الكلام عن المعينين، لكن بشكل عام مرتكب الكبيرة في الآخرة هو يعني مستحق لهذا الوعيد، مستحق لهذا الوعيد ومنهم من يقع عليه هذا ومنهم من يغفر الله عز وجل له ويتجاوز عنهم، هذا عند أهل السنة والجماعة.
ناخذ الآن عند الخوارج؛ ما حقيقة الإيمان عند الخوارج؟ الإيمان عند الخوارج شيء واحد لا يتجزأ، لكنه مكون من قول وعمل، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، وبالتالي حقيقة الكفر عندهم إذا ارتكب الإنسان كبيرة من الكبائر فقد كفر، طبعا على خلاف بينهم في تحديد هذه الكبائر، لكن عندهم أن أي كبيرة يرتكبها الإنسان يكفر بها. ما اسم مرتكب الكبيرة عندهم في الدنيا؟ اسمه كافر. ما الحكم عليه في الآخرة؟ خالد في النار العياذ بالله.
ناخذ المعتزله؛ المعتزلة ما حقيقة الإيمان عندهم؟ هم مثل الخوارج تماما؛ شيء واحد لا يتجزأ من قول وعمل فإذا ذهب بعضه ذهب كله. ما حقيقة الكفر عندهم؟ أن مرتكب الكبيرة إذا وقع في الكبيرة فيعتبر ليس بمؤمن. طيب، كافر؟ لا، ليس بكافر، لكن هذه ارتكاب الكبائر إذا ذهب بعض هذا كفر. لكن المرتكب للكبيرة ماذا يسمى؟ قالوا: نسميه فاسق في منزلة بين المنزلتين، أي بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر فلا هو مؤمن ولا هو كافر. طيب، ما حكمه في الآخرة؟ قالوا: هو خالد في نار جهنم والعياذ بالله.
ناتي إلى المرجئة؛ المرجئة ما حقيقة الإيمان عندهم؟ حقيقة الإيمان عند المرجئة أنه شيء واحد لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، بالتالي قالوا: نخرج عمل الجوارح من مسمى الإيمان، فلذلك سموا مرجئة؛ لأنهم يرجئون العمل عن الإيمان، يخرجون العمل عن الإيمان عن مسمى الإيمان. حقيقة الكفر عندهم: لا كفر إلا بالجحود والاستحلال. اسم مرتكب الكبيرة عندهم في الدنيا: مؤمن كامل الإيمان. ما الحكم على مرتكب الكبيرة في الآخرة؟ عندهم خلاف؛ منهم من يقول: في الجنة مباشرة، ومنهم من يقول: ممكن يعذب على كبائر.
هؤلاء المرجئة ينقسمون إلى قسمين: قسم نسميه غلاة المرجئة، وقسم يسمى مرجئة الفقهاء.
غلاة المرجئة على ثلاثة أقسام: غلاة الغلاه وهم الجهمية، هؤلاء يقولون: الإيمان مجرد المعرفة، مجرد معرفة الله بالقلب، معرفة رسوله، ومعرفة الدين، قالوا: هذا إنسان مؤمن، والمؤسس لهذه الفرقة والتي تنسب إلى جهم بن صفوان، وهؤلاء يعتمدون على المعنى اللغوي دون الشرع، وحكم هذه المقالة كفر والعياذ بالله.
وهناك فرقة أيضا من المرجئة الغلاة وهي فرقة الكرامية، ويقولون: الإيمان هو القول باللسان فقط، فمن قال بلسانه فهو مؤمن، وهؤلاء ردة فعل لقول الخوارج، والحكم على هذه المقالة ضلال، لكنها بحمد الله هذه الفرقة تلاشت وذهبت.
من غلاة المرجئة الأشاعرة والماتريدية، والأشاعرة نقصد به جمهور الأشاعرة والماتريدية؛ ماذا عندهم الإيمان؟ الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، طبعا والماتريدية بعض الماتريدية مرجئة فقهاء، لكن يعني جمهور الأشاعرة، جمهور الماتريدية على أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وهؤلاء يعتمدون على المعنى اللغوي دون الشرعي، وشبهته أنه شيء واحد لا يتجزأ، وبالتالي أخرج العمل عن مسمى الإيمان، وهذا القول بدعة.
هذا ما يتعلق بغلاة المرجئة، ومرجئة الفقهاء وابن كلاب معهم، يقولون: الإيمان هو قول باللسان وتصديق بالقلب، قول باللسان وتصديق بالقلب. على رأس هذه الفرقة ذر بن عبد الله، وحماد بن سليمان، شيخ أبي حنيفة، وعمر بن مرة المرادي، وهكذا، وهؤلاء مرجئة الفقهاء، ردة فعل حدثت لهم بعد هزيمة ابن الأشعث عام اثنان وثمانين للهجرة من الحجاج بن يوسف، فقالوا: من أقر بقلبه ولسانه فهو مؤمن مهما عمل بجوارحه من المعاصي ومهما فرط في الطاعات. فكان هذا القول يعتبر قول بدعة، فكان السلف إذا ذكروا المرجئة يقصدون مرجئة الفقهاء.
نلخص الكلام هنا مرة أخرى نقول: المرجئة ينقسمون إلى قسمين: غلاة المرجئة، ومرجئة الفقهاء. أما مرجئة الفقهاء فيقولون: الإيمان تصديق بالقلب واللسان. واما غلاة المرجئة فهم على ثلاثة أقسام: غلاة الغلاة يقول: الإيمان مجرد معرفة القلب، الكرامية يقول: الإيمان القول باللسان، جمهور الأشاعرة والماتريدية يقول: الإيمان هو التصديق.
بالقلب نريد يا إخوان أن نتحدث عن بعض جوانب الغلو التي حدثت لبعض الناس في مسائل التكفير. ما سبب هذا الغلو في هذه الجوانب؟ أول سبب يا إخوان أنه عدم القدرة على تمييز المكفر الشرعي. لماذا وقع البعض في الغلو في مسائل التكفير؟ أول شيء من أسباب الغلو في مسألة التكفير عدم القدرة على تمييز المكفر الشرعي؛ بمعنى أنه يكفر بمكفرات شرعية، وهو ينطلق كذلك يكفر بالشرك بالله، يكفر مثلاً بموالاة الكفار، يكفر مثلاً بلبس الصليب، يكفر بمكفرات شرعية. لكن ما مشكلته؟ أنه لا يعرف هل هذا هو لبس الصليب الذي حكم عليه أهل الإسلام وأهل العلم بأنه هو المكفر الشرعي أو لا؟ هذا الجانب غير متضح.
مثلا لو أن طالبا من طلاب المبتعثين كان في دولة، هذه الدولة علمها فيه صليب، ثم هذا الطالب حقق إنجازا في تلك الجامعة، حقق بحثا علميا رائعا أو كذا، فكرم فأعطي وسام الجامعة، كان هذا الوسام على هيئة صليب، أو كان في هذا وسام صليب، وصليب واضح، ثم ألبس هذا الطالب أمام الملأ، فلبس الصليب الآن، وصور وهو لابس الصليب، بعد ذلك هو خلعه. طبعا الغلاة في التكفير قالوا: لبسه للصليب يعتبر طالما أنه لبس ذلك الصليب فقد وقع في الكفر. لا، الصليب الذي يذكره العلماء ليس هو مثل هذا الذي يلبسه إنسان كوسام دولة أو كوسام أعطته دولة، إنما المقصود بالصليب هو الصليب الذي إذا رأيت صاحبه ظننت أنه نصراني والعياذ بالله، الذي يلبسه القسس والرهبان بمجرد أن ترى هذا الإنسان تميز تقول هذا نصراني ليس بمسلم، هذا المقصود بالصليب الذي يذكره أهل العلم، وسنذكر بعض الأمثله. لكن ناخذ فاصل ونعود اليكم مره اخرى بمشيئه الله.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة، فاستخدامها في طلب العلم ميزات منها سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة وضخامة المعلومات وتنوعها والتواصل مع العلماء حيثما كانوا. ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في آلاف الكتب في ثوان معدودة، لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف. ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها. والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال الخاصة، والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعلم، حيث أنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات لا سيما العلمية المتخصصة سهلت طلب العلم في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء، فلستفد بميزات التقنية ولتحذر من شرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطى ومن يتق الشر يوقه».
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. حياكم الله أيها الأحبه في الله. وقبل الفاصل بدأنا في الكلام عن أسباب وقوع بعض الشباب في الإفراط في التكفير، سنذكر ثلاثة أسباب من الأسباب التي أوقعت بعض الشباب في الغلو في التكفير فأفرطوا في ذلك، فنريد أن نذكر أبرز الأسباب التي أوقعت بعض الغلاة في الإفراط في التكفير.
أول سبب وتحدثنا عنه قبل الفاصل: عدم القدرة على تمييز المكفر الشرعي، يعني يأتون إلى كتب الفقه، ولذلك هم يجادلون في أنهم ليسوا من الخوارج، وسبب مجادلتهم أنهم ليسوا من الخوارج قال: الخوارج يكفرون بالكبائر، الخوارج يكفرون بما ليس بمكفر، ويقولون عن أنفسهم إنهم يكفرون بمكفرات شرعية. كلامهم صحيح أم لا؟ نعم، كلامهم صحيح، يكفرون مكفرات شرعية، لكن هل هذه المكفرات التي يسمونها، التي يقولونها وهي موجودة في كتب الفقه، كتب أهل السنة والجماعة أنها من المكفرات؟ ثم يأتون إلى الواقع ويقولون: هذا شرك بالله، والشرك بالله مكفر شرعي، وهذا الذي ذهب إلى ذلك القبر وفعل ذلك المكفر، فمثلا ذبح لغير الله، فطالما أنه ذبح لغير الله وهذا مكفر شرعي، إذا هذا كفر. هنا ما الذي حدث عندهم؟ إشكالية. هل هذا المعين، المكفر المعين أو هذا الفعل المعين هل هو نفسه الذي ذكره الفقهاء في كتبهم؟ هنا الإشكالية، ليست لديهم قدرة على تمييز هذا المكفر الشرعي.
مثلا موالاة الكفار وهذا سيأتي إن شاء الله ناخذه في الفصل الرابع، لكن الآن ناخذ بس اشاره موالاة الكفار يعني ومعاونتهم في حربهم ضد أهل الإسلام، هذا الأمر ما حكمه؟ هذا كفر والعياذ بالله. يأتي إنسان حتى لو بإشارة يدل على عورات المسلمين، ويقول اضربوهم في كذا، اقتلوهم في كذا، هذا المكان، ويعينهم على أهل الإسلام، حرب بين كفر وإسلام، فيأتي هذا المسلم هنا ويدل الكفار على عورات المسلمين فيضربون يقتلونهم، ما حكمه هذا؟ هذا كفر. يأتون إلى مسائل يظنون أن هي هذه وهي ليست هذه، هنا هذه الإشكالية، يعني تكون حرب، لكن الحرب ليست بين كفر وإسلام، إنما حرب بين مسلمين ومسلمين، ويكون من المسلمين من استعان بكفار في حربه لهؤلاء، لكن الحرب ليست حرب إسلامية، حرب معلن فيها كفر وإسلام، إنما أمور دنيوية بحته، وقد يكون هذا الشخص الذي هذه الدولة المسلمة هي دولة مسلمة، ودولة مسلمة بينما حرب، قد يكون الحزب الحاكم هنا ليس بمسلم فأزالته أصلا عن أهل الإسلام هذا واجب على أهل الإسلام أن يقوموا به، فتكون هذه الدولة تحارب هذه الدولة، فيأتي هذا الكافر ويقول: أنا سأعين على إخراج هذا الحزب من هذا الحكم. هل هذه هي الصورة التي يذكرها العلماء في إعانة الكفار على أهل الإسلام؟ لا، هذه صورة مختلفة. يعني خذوا مسألة الصليب التي ذكرتها لكم، خذوا أي مسألة من المسائل، كثير من هذه المسائل التي يكفر بها الغلاة أهل الإسلام، كثير منها وإن كانت هي مذكورة، هي مذكورة في كتب الفقه أن من المكفرات الشرعية ويقول: نحن نكفر بما ثبت في الكتاب والسنة أنه كفر، نقول لهم: لكن ليست لديكم قدرة على تحقيق المناط، على أن هذا الآن العمل هو الكفر الذي ذكره الفقهاء. هذا أول انحراف، أول مشكلة.
المشكلة الأخرى: عدم القدرة على التفريق بين التكفير المطلق وبين التكفير المعين. مثال: السجود للاصنام، ما حكمه؟ السجود للأصنام لا شك أنه كفر، ما يحتاج ولا يحتاج أن يقول أنا استحل ذلك، أو هو سجد لصنم يسجد لغير الله، لا شك أن هذا العمل كفر، هذا يسمى تكفير مطلق. تكفير معين: عندما نرى إنسان بعينه يفعل، يقول قولا كفريا أو يفعل فعلا كفريا، هل هذا المعين مباشرة أقول عنه إنه كافر؟ لا، هذا المعين يؤتى به وينظر في حاله، ويسأل عن فعله، ما هذا الفعل الذي تقوم به أنت؟ مثال: سب الله. سب الله كفر، وهو يتعلق بقول اللسان، فسب الله نأتي بهذا المعين، هذا العمل كفر، لكن هذا المعين نأتي به، وإذا بهذا المعين مجنون، هذا المعين وجدناه في مرحلة أغلق عليه لا يدري ما يقول، وجدنا هذا المعين مريض مرض نفسي، وهكذا، يختلف هنا الوضع وهكذا، فلا بد أن نفرق بين التكفير المطلق والتكفير المعين.
مثال: وجدنا في جريدة في صحيفة من الصحف كلام، هذا الكلام فيه استهزاء بشعيرة من الشعائر، ما حكم الاستهزاء بدين الاسلام أو بشيء من دين الإسلام، يستهزئ به يسخر منه؟ كفر. فهل هذا المعين كافر؟ نقول: لا، انتبهوا، هذا المعين ترفع في حقه قضية ويؤتى به، فقد يقول: والله كنت أظن أن هذا الأمر إنما هي عادة اجتماعية وليس هذا من شعائر الدين الإسلامي، فأصبح هذا المعين لم يكفر بما قال أو بما كتب أو بما فعل، وهكذا، فلا بد أن نفرق بين التكفير المطلق وبين تكفير المعين.
مسألة ثالثة في، وطبعا وتكفير المعين فيه طالما إذا ثبت له الإسلام بيقين يجب أن نستوفي في حقه شروط التكفير، وأن نتاكد من خلوه من موانع التكفير. هذا الأمر عند هؤلاء الغلاة هذا أمر صعب جدا ولا يتحملونه ولا يقولون به، إن رأوا شخص فعل فعلا كفريا أو قال قولا كفريا مباشرة حكموا عليه بالكفر، وإن استطاعوا أن ينفذوا فيه القتل قتلوه مباشره، وهكذا.
امر ثالث من الامور التي اوقعت بعض الشباب في الغلو: الظن بأن التكفير حق مشاع لكل شخص، فطالما أنت ذهبت إلى جارك، هذا جارك مثلا رايته لا يدخل المسجد فذهبت إليه وتنصحه عن الصلاه بالصلاه فقال مثلا: أنا أرى، هو يرى أن ترك الصلاة بالكلية تهاونا وكسلا ليس بكفر، فيقول: يعني أرى أن الصلاة واجبة وأنا الله يعين إن شاء الله نصلي، إن شاء الله نصلي، ثم هو متاكد أنه ما يصلي، فخرج وأعلن على الملأ أن هذا الشخص كافر، أعلن أن هذا الشخص كافر ثم قال: لا تحل ذبيحته، يجب أن يتخلص من، تطلق زوجته منه أو (يعني تأخذ زوجته منه)، وهكذا بدا يطبق أحكام المرتد على هذا الجار. طبعا هو جاره أصلا يرى هذا إنسان جاهل وعندما سمع يذكر الحجج هو يرى أن هذا متشدد وأن هذا الكلام غير صحيح، وهكذا. هل هذا لهذا الشخص أن يقول بكفره؟ لا، يجب على هذا الشخص بعد ذلك أن تحدث يرفع أمره إلى إذا كان بلد بلد إسلامي يرفع أمره للمحكمة، أن هذا الشخص ما ما يصلي، يؤتى به في المحكمة، هنا، هنا المحكمة هنا محل لإقامة الحجة. العلماء ما هم مكان لإقامة الحجة، الذي يأتي هذا الشخص الذي يكون عنده قدرة على إزالة الشبهة وبيان الحجة ويكون هو مسؤول ويكون كذا، عندئذ يجب على هذا الخضوع لهذا الحق.
المقصود هذه الثلاث الجوانب: عدم القدرة على تمييز المكفر الشرعي، عدم القدرة على التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، الظن بأن التكفير حق مشاع لكل شخص، هذا دفع بعض الشباب للوقوع في الغلو في مسائل التكفير. نكتفي بهذا القدر في هذه المحاضرة ونسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجنبنا هذه المزالق الغالية، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وجزاكم الله خيرا.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزياده الإيمان وتريد سهلا ني ميسرا ياتيك ميسورا بأي مكان زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن هذه عقيدتنا الصحيحه فطره تنفي الشكوك بواضح البرهان بشرى لنا زاد أكادمي للعلم كالازهار في البستان
د. أبو زيد مكي القبي