سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة السابعة عشرة من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الثالث من أكاديمية زاد. في هذه المحاضره بمشيئة الله تدريب على استخراج حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة من حديث شعب الإيمان. هذا الموضوع أخذنا حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة وحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة، اليوم أود أن نتدرب على استخراج هذه الحقيقة من حديث شعب الإيمان، ثم نراجع حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة بشكل فيه يعني مقارنة، ثم ناخذ بعض القواعد التي تحفظ الإنسان من الانحراف في مسائل الإيمان والكفر بمشيئة الله.
أيها الأحبة في الله، أخرج الإمام مسلم بسنده في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا اله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا اله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.
أول مسألة، ما معنى الإيمان في هذا النص؟ الإيمان كما تذكرون قلنا له حالتان في النصوص الشرعية، حالة الاقتران مع الإسلام أو العمل الصالح أو التقوى فيأتي الإيمان مع الإسلام، أو ياتي الإيمان مع العمل الصالح، أو يأتي الإيمان مع التقوى، وتسمى حالة الاقتران. ففي حالة الاقتران، الإيمان يراد به الجانب الغيبي من الدين الإسلامي والمتعلق بالقلب، والذي يقوم على ستة أركان؛ وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، أو نقول: الإيمان يراد به أركان الإيمان الستة وما يندرج تحتها. هذا تعريف الإيمان في حال الاقتران.
في حال الإطلاق؛ يذكر الإيمان دون أن يذكر معه الإسلام، دون أن يذكر معه العمل الصالح، دون أن يذكر معه التقوى، يذكر الإيمان مطلقاً في النصوص الشرعية، فماذا يراد به حينئذ؟ يراد بالإيمان ما يراد بالإسلام، ويراد بالإيمان والإسلام في حال الإطلاق الدين كله، فالايمان في حال الإطلاق يسمى الإيمان المطلق، معناه الدين، معناه الإسلام. ولذلك الإيمان في حال الإطلاق لا يراد به الجانب الغيبي، لا يراد بأركان الإيمان الستة، يراد به ما يتعلق بالغيب وما يتعلق بالظاهر، ما يتعلق بالقلب وما يتعلق بالجوارح، ففي حال الإطلاق يراد به ما يراد بالدين كله: قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح. يراد به دين الاسلام. كان القول والعمل هنا في هذا الحديث يا اخوان، «الإيمان بضع وسبعون»، «الإيمان بضع وسبع»، هل هنا تعريف النبي صلى الله عليه وسلم له هل يراد به الإيمان المطلق أم الإيمان المقترن؟ يراد به الإيمان المطلق هنا، فهنا تعريف الإيمان في حالة الإطلاق، هذه واحدة.
إذن الحديث يتحدث عن الإيمان في حالة الإطلاق، يتحدث عن تعريف الدين الإسلامي، يتحدث عن تعريف الإسلام في حال الإطلاق، هذا هو المراد به في هذا النص. ملحوظة ثانية يا إخوان؛ أن الشرع قد جاء بتعريف للإيمان، للإسلام، للإحسان، وما يضاد ذلك من الكفر، الشرك، النفاق، الكبير، الصغير، التوحيد، السنة. قد جاء الإسلام بوضع مصطلحات شرعية، بوضع تعريفات شرعية لهذه الكلمات العربية. فنحن نطالب بالمعاني اللغوية أم نطالب بالمعاني الشرعية؟ نطالب في هذه المسائل؛ مسائل الأسماء والأحكام، نطالب بمعانيها الشرعية لا معانيها اللغوية، وقد جاء الشرع بإيضاح المعنى الشرعي.
فالإيمان مثلاً مثل ما ذكرنا فيما مضى، قلنا: الإيمان في اللغة يدور معناه حول التصديق الذي معه أمن وإقرار وطمأنينة؛ لأن فيه ملحظ الأمن، فأنت عندما تصدق تؤمن، يعني أنت تصدق تصديقاً تأمن فيه أن يدخل في هذا الكلام الكذب البتة، فعندك أمن من عدم دخول كذب إلى هذا الخبر الذي آمنت به البتة، فأصبحت تؤمن به لأنك آمن ومقر ومطمئن. هذا معنى الإيمان في اللغة، ومع هذا كله نحن لم نطالب بهذا الإيمان اللغوي، نحن نطالب بالإيمان الشرعي، الإيمان الشرعي وضحه لنا ديننا ووضحه لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فقال: الإيمان ما هو الإيمان المطلوب منا أن نتصف به؟ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة». هذه أول قضية.
قضية ثانيه؛ لاحظوا يا إخوان يقول: «بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة»، إذن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ أم هو حقيقة مركبة من شعب وأجزاء؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: بضع وسبعون شعبة؛ يعني واحد، اثنين، ثلاثة، تصل إلى سبعين شعبة والزيادة عليها، أو ستين وبضع عليها، هذا، إذن الإيمان عندنا شعب وأجزاء، ثم هذه الشعب افضلها، وفي بعض الروايات اعلاها: قول لا اله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، إذن هي شعب وأجزاء، ولها أعلى ولها أدنى، فهي متفاضلة، هذه شعب متفاضلة؛ يعني في فضلها، هناك شعب أفضل من شعب أخرى، وإن كانت كلها من الإيمان، لكن شعبة الشهادة، شعبة قول لا اله إلا الله افضل واعظم وأعلى من شعبة إماطة الأذى عن الطريق، لكن شعبة إماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان.
هذه القضية يا إخوان ضل فيها أكثر الفرق، بل كل الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة، كلها بلا استثناء تقول: الإيمان شيء واحد لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كله. إلا أهل السنة والجماعة يلتزمون بالنصوص بمعاني هذه الألفاظ بمعانيها الشرعية، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بضع وسبعون شعبة»، قالوا: إذن هي حقيقة مركبة من شعب وأجزاء، ينبني على ذلك أن بعض الشعب التي ذهابها لا يعتبر من نواقض الإيمان، إذا ذهبت نقص الإيمان، وإذا جاءت هذه الشعب زاد الإيمان، لذلك يقولون: هذا الإيمان يزيد وينقص، وأهله إيمانهم يتفاضل، هذا أفضل إيماناً من هذا، لماذا؟ بمقدار ما حصل من هذه الشعب. ناخذ فاصل ثم نعود نكمل معكم بمشيئة الله هذا الحديث.
العقيقة هي الذبيحه التي تذبح عن المولود تقرباً إلى الله تعالى وشكراً على أنعامه بنعمه الولد. وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكده وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاه. يشترط في سنها ما يشترط في الأضحية، بالضأن ما أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها، ويتقى فيها من العيوب ما يتقى في الأضحية: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيله.
ووقت ذبح العقيقة يبدا من تمام انفصال المولود، فلا تصح عقيقة قبله، وتستحب العقيقة في اليوم السابع، فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر، فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين، ويوم الولاده يحسب من السبعة ولا تحسب الليلة إن ولد ليله بل يحسب اليوم الذي يليها. قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينه بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق راسه».
والعقيقه يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد، فكيفما فعل فجائز، ويجوز أن يخرج اللحم نيئاً أو مطبوخاً، والطبخ أفضل فهو زيادة في الاحسان وشكر النعمة.
حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا قبل الفاصل أن الإيمان شعب وأجزاء، وبالتالي كلما استطعت أن تضيف لنفسك شعبة من هذه الشعب زاد الإيمان، وكلما ذهبت شعبة مما لا يعتبر من نواقض الإيمان بقي البعض الآخر ينقص الإيمان. قلنا أهل السنة والجماعة هم الوحيدون الذين يقولون بأن الإيمان حقيقة مركبة من شعب وأجزاء، وجميع الفرق الضالة من وعيدية ومن مرجئة كلهم يقولون: الإيمان شيء واحد لا يتجزأ. بناء على ذلك الخوارج والمعتزله حكموا على مرتكب الكبيرة الخلود في النار إذا مات على كبيرته واختلفوا في تسميته في الدنيا: الخوارج قلنا عنه كفار، والمعتزلة يقولون: هو خرج من الإيمان لكن لا نستطيع أن نقول دخل بالكفر، لكن هو في منزلة بين منزلتين؛ منزلة الإيمان والكفر، لا هو مؤمن ولا هو كافر، وحكموا عليه في الآخرة بالخلود في النار بسبب أن عمل الجوارح عندهم داخل في حقيقة الإيمان، فالايمان قول عمل لكنه شيء واحد لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كله.
المرجئة يقولون بنفس المقالة، وبالتالي سيتورطون في حكم مرتكب الكبيرة، فقالوا: نخرج العمل عن مسمى الإيمان، فأرجؤوا العمل عن مسمى الإيمان، فسموا مرجئة. لماذا سموا مرجئة؟ لإرجاع، لتأخير العمل عن حقيقة الإيمان، فقالوا: الإيمان هو قول. ثم بعد ذلك هذا القول تلفوا في بيانه؛ فالجههمية قالوا: هو مجرد المعرفة القلبية، وهؤلاء يعني إذا عرف الانسان ربه وعرف دين الإسلام قالوا خلاص هذا، قالوا: هذا مؤمن. الأشعرية قالوا: لابد أن يضيف على المعرفة التصديق بالقلب، طبعا جمهور الأشعرية. الكرامية؛ هذه فرقة مندثرة قالت: قول اللسان، هؤلاء يسمون المرجئة، وهناك مرجئة الفقهاء قالوا: الإيمان هو القول، لكنه قول القلب وقول اللسان، تصديق القلب وقول اللسان، قالوا: هذا هو الإيمان المقصود. سببه أنهم لم يلتزموا بهذه الحقيقة الشرعية.
فإذا اردنا أن نجنب أنفسنا من الانحراف في مسائل الأسماء والأحكام، أسماء مراتب الدين وما يضادها والحكم بها على الأعيان، إذا أردنا أن نجنب أنفسنا الانحراف في هذه المسائل نلتزم أول ما نلتزم به: نلتزم بمعاني الشرعية لهذه الأسماء.
ثم يقول صلى الله عليه وسلم لاحظوا معي: «فأفضل قول لا اله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». ماذا تستنبط من ذلك؟ نستنبط ما قال له كثير من أهل العلم وأهل السنة والجماعة، يقولون: الإيمان هو قول باللسان (فافضل قول لا اله إلا الله قول باللسان، والحياء شعبة بالايمان) واعتقاد بالجنان (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وعمل بالجوارح والأركان، فيقولون هو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. من اين اخذوا هذا؟ اخذوه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «فافضل قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان»، وبالتالي قالوا: هذا الإيمان اعتقاد بالجنان، قول باللسان، عمل بالجوارح والأركان، لاحظ: فافضل، فهنا قول وعمل، الحياء عمل قلب وعمل جوارح، ولذلك يقولون: هو قول وعمل، قول القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح.
طيب، ما المراد بقول القلب؟ قول القلب يا إخوان المراد به تصديقه وإيقانه واقراره بأركان الإيمان وبكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. هذا قول القلب؛ القلب يقول: نعم، يقول: ما القلب قوله هو تصديقه، يقينه، إقراره بماذا؟ بالله، وبالرسول، وبالدين، وما يندرج تحت ذلك. فمن صدق بقلبه أن الله حق، وأن الرسول حق، وأن الدين حق، هذا أتى بقول القلب الإيماني.
لاحظ الآن معي ما الذي ينقضه؟ تصديق، يقين، إقرار، تصديق. ما ضد التصديق؟ التكذيب. فمن كذب بالله أو بالرسول أو بالدين أو بشيء مما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو شك في الله أو في اليوم الآخر، ولذلك يسمى هذا كفر التكذيب وكفر الشك. من أين أخذت؟ من هنا. ما ينافي قول القلب الإيماني ينافيه التكذيب؛ تكذيب القلب وشكه وعدم إقراره، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]، فالريب والشك والتكذيب هذا كفر، ولذلك يسمى كفر التكذيب، كفر الجحد لله أو للرسول أو للدين أو لشيء، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: 39]، هذا يسمى كفر التكذيب. اعتقاد كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو يعني رد المكلف شيئاً من اصول الدين أو أحكامه أو اخباره الثابته ثبوتاً قطعياً معلوماً من الدين بالضرورة، وهكذا، هذا يسمى كفر التكذيب. كفر الشك والتردد وعدم الجزم بصدق الرسل وهكذا، أو باليوم الآخر، هذا يسمى كفر الشك، هكذا نعرفه.
ننتقل لعمل القلب؛ ماذا يراد بعمل القلب الإيماني؟ قول القلب عرفناه: تصديقه، يقينه، إقراره، وضده الشك والكذب والتكذيب. طيب، عمل القلب الإيماني ما هو؟ انقياد القلب لما صدق به، وإذعانه لله وللرسول وللدين بتحقيق أعمال القلوب. انقياد القلب وإذعانه بتحقيق أعمال القلوب من الإخلاص لله سبحانه وتعالى بجميع أنواع العبادة، ومحبة الله والخوف منه والرجاء لرحمته والرضا بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونحو ذلك من أعمال القلوب. عمل القلب: انقياده، قبوله، انشراحه، رضاه بماذا؟ بالله، بالرسول، بالدين. ثم هذا هذا هذا الانقياد، حب يكون فيه، الخوف يكون فيه، الرجاء يكون فيه، التوكل، وهكذا.
لاحظ ما الذي ينقض عمل القلب هذا؟ عمل القلب الإيماني، فما الذي ينقضه؟ ينقضه عمل القلب الكفري. ما هو عمل القلب الكفري؟ أن يشرك بالله، سواء في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، أن يعتقد أن مع الله رباً آخر، أن مع الله معبوداً آخر، أن يعتقد أن هناك مماثلاً لله في اسمائه وصفاته، هذا الشرك الأكبر بالله في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، الشرك ناقض من نواقض الإيمان. البغض لله أو للرسول صلى الله عليه وسلم.
أو للدين الإسلامي اعتقاد أن هناك هدياً أفضل من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مثله، أو يجوز التحاكم إليه، هذا ينقض عمل القلب الإيماني أيضاً، ويدخل فيه شرك النفاق، كفر النفاق يدخل فيه الشرك ويدخل فيه النفاق؛ يدخل فيه اعتقاد أن هناك شرعاً أفضل، أن هناك شرعاً مثل شرع الله أو أفضل منه، أو يجوز التحاكم إليه، وهكذا. هذا يسمى نواقض، ولذلك سمى يعني هناك كفر النفاق بهذا السبب.
انتهينا من قول القلب الإيماني وعمل القلب الإيماني وما يضاده، الآن نأخذ قول اللسان الإيماني، يراد به النطق بالشهادتين، أن ينطق الإنسان بالشهادتين وانه ممتثل لمعناهما، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ويعلن التز بأن يعمل بمقتضاهما بأن يترك الشرك، وأن يعبد الله بما شرع وبما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي حياته.
هذا قول اللسان الإيماني، ما الذي ينقضه؟ ينقضه أن ينطق الإنسان بلسانه بما يناقض لا إله إلا الله، يعني لا معبود بحق إلا الله، فينقض ذلك، أو ينطق بلسانه ما ينقض أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، أو ينطق بلسانه ما ينقض أن الدين حق، أو يعمل أعمالاً من أعمال الشرك وهي متعلقة باللسان، كأن يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، أو يسب الدين، أو يستهزئ بالله أو برسوله أو بدينه، هذه أقوال لسانية كفرية ناقضة.
حياكم الله أيها الأحبة في الله، وقفنا عند، انتهينا من قول اللسان الإيماني وما يضاده، الآن سنتحدث عن عمل الجوارح الإيماني. ما هو عمل الجوارح الإيماني؟ أن يلتزم الإنسان بالعمل الظاهر بفعل الواجبات وترك المحرمات، أن يلتزم بذلك. ما الذي ينقضه؟ ينقضه أن يترك الإنسان العمل بما يدل على كونه مسلماً، فيترك أعمال الإسلام التي عرفت أنها من خصائص دين الإسلام، مثل الصلاة، مثل الحج، مثل الأشياء التي يُعْرَف بها الإنسان أنه مسلم، فيترك هذه، هذا الجنس بالكلية، فيترك العمل بأعمال الإسلام كلية، هذا يسمى يعني ترك جنس العمل، وهذا جنس العمل الذي يسمى إسلام، فهذا أصبح عنده قول وليس عنده عمل، فهذا لا ينفع.
فعمل الجوارح ركن من أركان الإيمان، وقلنا يا إخوان في مرة من المرات إن عمل الجوارح ما موقعه في حقيقة الإيمان؟ بعض الناس يقول هو شرط كمال، بعض الناس يقول هو شرط صحة، وقلنا هذه التعبيرات اتركوها؛ أن شرط صحة أو شرط كمال هذا خطأ.
التعبير عن عمل الجوارح بكلمة شرط خطأ؛ لأن الشرط في اصطلاح الفقهاء يعني خارج عن حقيقة الشيء، لكن لابد حتى تتم هذه الحقيقه من توافره، لكنه ليس داخلاً ضمن الحقيقة، مثل شروط الصلاة ليست داخلة في حقيقة الصلاة، لكن لا يمكن أن يوقع الإنسان الصلاة حتى يأتي بهذا الشرط، فهي خارجه عن ماهية الشيء، فما يصلح أن نقول عمل الجوارح شرط، شرط يعني معناه أنه خارج، إنما نقول عنه ركن أو نقول عنه شطر، هذا التعبير الشرعي: الطهور شطر الإيمان، فهو ركن. عمل الجوارح ركن في الإيمان، لكن إن اضطررنا أن نستخدم كلمة شرط فما نقول مباشرة شرط صحة أو شرط كمال، لا، نقول عمل الجوارح ينقسم إلى جنس العمل، جنس عمل الجوارح، وأحاد عمل الجوارح، فآحاد عمل الجوارح منه ما هو شرط صحة، ومنه ما هو شرط كمال، وأما جنس عمل الجوارح فهو شرط صحة حتى يتحقق هذا الإيمان.
من أعمال الجوارح الكفرية: قتل نبي أو الإعانة على قتله، أو دوس المصحف متعمداً، أو السجود للأصنام، هذا يكون كفراً بمفرده. وقلنا يا إخوان بعض الناس يظن عندما سمى بعض أهل العلم هذا النوع كفراً عملياً، ظن أنه كفر عملي معناه كفر أصغر إلا إذا استحل، وهذا فهم خاطئ. كفر العمل منه ما هو كفر أكبر، ومنه ما هو كفر أصغر، فهذه الأشياء من دوس المصحف متعمداً، من قتل النبي أو الإعانة عليه، هذه أو السجود لصنم، هذه حتى لو لم يستحل بقلبه هي في ذاتها كفر، كفر أكبر مخرج عن ملة الإسلام طالما هو يعلم أن هذا صنم ويسجد له ويقول: أنا أعلم أن السجود للصنم حرام، لكن يريد أن يسجد له فيسجد له، يقول: أعرف أن دوس المصحف متعمداً حرام ويدوس المصحف متعمداً، هذا كفر، كفر يعني بذاته، كفر بذاته حتى لو حتى لو أعلن أنه لا يستحل ذلك، فهذا لا يصلح.
يأتي إنسان إلى شريعة الله يأخذ هذه الشريعة ويرميها ثم يأتي بأحكام وشرائع وضعية ثم يضعها مكان شرع الله ويقول: أنا لا أستحل ذلك، لكن نريد هذا، هذا لا يصلح، هذا هذا يعتبر، وإن سُمّي بأنه كفر عملي، إلا أنه من نوع الكفر الأكبر المخرج عن ملة الإسلام. هذا الكفر هنا المتعلق بالجوارح يسمى كفر الاباء والاستكبار، يسمى كفر التولي والإعراض.
وهكذا من الأشياء التي تحفظ الإنسان يا إخوان من الضلال في هذا الباب أن يتعلم المسلم حقيقة الإيمان من الناحية الشرعية مثل ما ذكرنا، ويتعلم نواقض الإيمان، وأنا أستغرب أن بعض الناس يعني يخوف من هذا؛ لا، نواقض الإيمان يتعرف عليها الإنسان، لكن يعرفها لنفسه كما تتعلم نواقض الوضوء، كما تتعلم مثلاً مفسدات الصيام، كما تتعلم يعني محظورات الإحرام، تتعلم كذلك نواقض الإسلام، نواقض الإيمان، ما الذي ينقض قول القلب الإيماني؟ ما الذي ينقض عمل القلب الإيماني؟ ما الذي ينقض قول اللسان؟ ما الذي ينقض عمل الجوارح؟ يتعلم الإنسان ذلك، وتعلمه لذلك هذا أصل من أصول الدين، واعظم سبب لنيل محبة الله والفوز بجنته والنجاة من ناره.
فيحذر المسلم في نفسه من هذه النواقض يعني، ويتفقد نفسه دائماً ويحذر غيره منها، لكن ننتبه أن يكون التحذير والكلام على نواقض الإيمان أن يكون على وجه الإطلاق لا التعيين، على وجه الإطلاق لا التعيين؛ مثلاً يقال السحر من نواقض الإيمان، الشرك من نواقض الإيمان، التشريع من نواقض الإيمان، وهكذا، يعد الإنسان نواقض الإيمان، سب الله، الاستهزاء بدين الله، هذه على وجه الإطلاق لابد من قولها ولابد من تعليم الناس بها ومعرفتها.
لكن عندما ياتي الإنسان للأعيان لابد أن ياخذ حذره. الحذر أول شيء: أن تتاكد أن هذا هو المكفر الشرعي، إذا أنت رأيت عملاً من الأعمال التي أنت تعرف أنها من نواقض الإسلام أو من نواقض الإيمان لابد أن تتأكد أن هذا هو الناقض الذي هو من النواقض نواقض الإيمان والإسلام الشرعية، لابد، لأن بعض الناس يا إخوان، وهذا من أسباب الضلال في هذا الباب، أنه يختلط عليه الناقض بما ليس بناقض، فيختلط عليه مثلاً في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ شخص يحكم بالشريعة أصلاً هو في بلد إسلامي وحكمه حكم شرعي ولم يبدل شريعة الله، لكنه جاء عند مسألة من المسائل فحكم بالهوى وحكم بالشهوة وأخذ رشوة، أخذ أشياء، فحكم بغير ما أنزل الله، فبعض الناس يظن هذا حكم بغير ما أنزل الله فهو كفر، والحكم بغير ما أنزل الله كفر، وهكذا، وهذا ليس هو المكفر الشرعي، وإن كان هو للأسف يعني عمله عمل يعتبر كفراً، لكنه كفر أصغر؛ لأنه حكم هوى وشهوة وظلم، وهو معتقد شريعه الله وهو يحكم بشريعة الله ولم يبدلها ولم يأتِ لشريعة الله ويقول: لا، هذا أفضل، هذا كذا، أو هذا يضع شريعة من عند نفسه، إنما يعني في مسألة يعرف أن هذه الأرض لفلان، أخذ رشوة فأعطاها فلان وقال: حكم بها لفلان، فلا شك أن هذا كفر، هذا كفر، لكنه ليس الكفر الأكبر، كفر دون كفر.
فالمقصود أن بعض الناس ما يستطيع يميز، فلننتبه لبس الصليب في الولاء والبراء، مسائل كثيرة يشتبه على الإنسان هذا الشيء: هل هذا هو الكفر الأكبر المخرج من الملة؟ أم هذا أمر محرم؟ أم أن هذا الأمر مثلاً جائز؟ أم أن هذا الأمر يعني يجوز في حالة الضرورة؟ وهكذا، يجب على الإنسان أن يعرف أن هذا هو، هل هذا هو المكفر الشرعي أم لا؟ فلا ينزله على المعين حتى يتأكد من كونه هو المكفر الشرعي.
أمر ثالث: عُرِف أن هذا هو المكفر الشرعي تماماً؛ هذا إنسان يطوف حول قبر أو ذهب إلى قبر ويدعو صاحبه، هذا كفر بدون شك، بدون شك هذا يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، يذبح لغير الله، هذا شرك مخرج من الملة. يبقى هذا المعين؛ هل بلغتْه الحجة؟ هذا معين قد يكون في بلد يعني نائي تماماً، ما وصله شيء، ما سمع مثلاً في القرآن أن هذا هذا ما عرفه، هذا ما وجد آباءه عليه، ويظن أن بهذا العمل إنما هو يتشفع، إنما هو كذا. ما الذي يحدث هنا؟ لابد أن يتأكد أن هذا الشخص قد قامت عليه الحجة.
أيضاً قد يكون هذا الشخص أصلاً مجنوناً، قد يكون هذا الإنسان مكْرَهاً، قد تكون أمور كثيرة، لا نتحدث عن نفس الشخص الذي يدعو بشكل عام ارتكب مكفراً، فلا نستطيع أن نقيمه على هذا المعين، ننزل هذا الحكم على هذا المعين حتى تقام عليه الحجة.
أمر أخیر: من الذي يتولى إقامة الحجة؟ لابد أن يكون المتولي لإقامة الحجة شخصاً ممن عُرِف بالعلم وحتى ذاك الشخص المقابل يقبل منه أو يُعرف منه، فيبيّن له قال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا. بعد ذلك من الذي يقوم بالمحاكمة؟ لابد إذا كانت هناك جهة شرعية معروفة هذه الجهة الشرعية هي التي تقوم بمحاكمته بعد إقامة الحجة وتوفر شروط التكفير وانتفاء الموانع.
بعد ذلك في هذا البلد المحكمة الشرعية هي التي تقوم على يترتب على ذلك من أمور شرعية تتعلق مثلاً بالدم، تتعلق بالمال، تتعلق بالعرض، أمور خطيرة جداً تتعلق بهذا. إذا كان الإنسان في بلد غير شرعي هناك مراكز إسلامية، إذا كان ما في مراكز إسلامية في علماء في ذلك البلد، ما في علماء، يعمل الإنسان بهذا في خاصة نفسه، لكنه لا يعلن هذا الحكم ولا يبينه.
نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يحفظنا من هذه الانحرافات، وأن يجعلنا ممن اتضحت عندهم الرؤية في مسائل الإيمان والكفر. إن شاء الله في الحلقة القادمة سنتحدث عن الخوارج والمرجئة وسبب ضلالهم في هذا الباب بمشيئة الله، هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي