السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة التاسعة من محاضرات مادة العقيدة. وحديثنا اليوم عن النار عياذا بالله منها، وعن الجنة نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أهلها.
الناس كما تحدثنا في المحاضرة الماضية، أن يكون الناس في القبر ثم يبعثون من قبورهم، ثم يحشرون، ثم يكون الحساب، ثم يكون الميزان، والصراط، والحوض، وبعد ذلك الصراط أو القنطرة، ثم النار والعياذ بالله والجنة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أهلها.
بالنسبة للنار عياذا بالله، لناخذ نظرة على هذه النار. النار لها أبواب، وأبواب عظيمة، وعدد هذه أبواب سبعة. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر: 43-44]. يوزع أهل النار على هذه الأبواب والعياذ بالله.
عندما يرد الكفار النار، تفتح لهم تلك الأبواب أوتوماتيكيا، فإذا دخلوهم، تكامل دخولهم في النار. طبعا هم عندما يوصلون النار، يدفع بعضهم بعضا، يقف الواحد منهم الأول ما يريد أن يدخل، لكنهم هم يساقون من الخلف، تسوق الملائكة فيتدافعون حتى يدفعوا هذا الأول فيسقط سقوطا في نار جهنم بعد الباب. النار هاويه، النار هاوية ليست ممتدة إنما دركات، ينزل ويسقط فيها السقوط والعياذ بالله.
قال الله عز وجل: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا بَلَى وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمْتَكَبِرِينَ﴾ [الزمر: 71-72].
ادخلوا أبواب جهنم، يعني هؤلاء خزنة النار يرون ماذا في النار والعياذ بالله، فيقولون لهم يعني لماذا لم تؤمنوا؟ لماذا ما جاءتكم الرسل؟ ما جاءتكم البينات؟ لماذا أنتم تكفرون بالله؟ لماذا تجحدون نعم الله؟ لماذا تتكبرون عن عبادة الله؟ فيقولون كذا، حقت كلمة العذاب على الكافرين. قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين.
فإذا تكامل دخولهم في النار، أغلقت عليهم تلك الأبواب، وهذا الإغلاق أصلا ما يستطيعون الخروج، لكن هذا الإغلاق لمزيد من العذاب والعياذ بالله، عذاب النفس وعذاب يعني يتكامل، ما في هواء يدخل لهم إلا هواء النار والعياذ بالله. قال الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَع مالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 1-9]. هذه الأبواب عمد ممددة وتغلق عليهم والعياذ بالله.
تعال ننظر إلى النار والعياذ بالله، النار واسعة واسعة جدا يا هاوية، وواسعة وقعرها بعيد، ومهما القي فيها من الكفار، النار تقول هل من مزيد. يقول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30]. اعوذ بالله.
وأخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزه فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكن فضل الجنة».
ومما يبين أن قعر جهنم بعيد وغائر، ما أخرجه الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمع وجبة، صوت سقوط صخره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تدرون ما هذا؟» قال قلنا الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر رمي به في جهنم منذ سبعين خريفا، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها». له 70 عام يسقط من أعلى النار إلى آخرها، مده وصوله إلى قعرها 70 عام، 70 سنة، 70 خريفا.
هذه النار ما وقودها؟ وقود النار والعياذ بالله الناس والحجارة. الناس الكفرة عندما يلقى في النار تشتعل، تزداد النار اشتعالا، والحجارة. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
قال الله عز وجل: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24]. طيب تعالوا نشوف الشراره الواحده كيف عندما يوقد فيها النار؟ الشراره التي تتطاير ما حجم هذه الشرارة؟ حجم هذه الشرارة مثل الجمل. الشرارة الواحدة مثل القصر العظيم بالله عياذا بالله.
يتخيل، تخيل هذا المنظر، شخص يسقط عليه الشرارة صخره تذهب الأعلى ثم تنزل تسقط عليه، قصر يسقط على راس انسان، فكيف يكون هذا وهذا مشتعل ونار ملتهبة عياذا بالله؟
قال الله عز وجل: ﴿انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 30-34]. اعوذ بالله.
ما هو هواء اهل النار؟ هوائه السموم. ما هو الماء الذي يشربونه؟ الحميم النار المغلي. ما هو ظلهم؟ ظلهم يحموم دخان يكتم الأنفاس والعياذ بالله. قال الله عز وجل: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: 41-45].
ما طعامهم الذي ياكلونه ويسكت جوعهم؟ طعامهم الضريع والزقوم. قال الله عز وجل: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: 6-7]. قال الله عز وجل: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: 62-67]. المرق الذي تشاب به هذا الزقوم حتى يدخل إلى بطونهم، العصير هذا من حميم ماء مغلي والعياذ بالله.
ناخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى إن شاء الله.
حياكم الله أيها الأحبة، ما زلنا نتحدث عن صفة النار، وقفنا عند الطعام أن طعامهم الزقوم والعياذ بالله، وأن الشراب شرابهم الحميم والغساق. قال الله عز وجل: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15]. يشربون هذا الماء المغلي فإذا دخل إلى بطونهم في أمْعَائهم يمزقها تمزيقا والعياذ بالله. قال الله هذا فليذوقوه، حميم ماء مغلي منتهي الشدة في الحرارة إلى آخر ما يمكن، وغساق النار.
قال الله عز وجل: ﴿مِن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16]. هذا ما يكون من جراحاتهم هذا الصديد المعروف. قال الله عز وجل: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمَهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: 29]. يقترب به يريد أن يشرب هذا الماء، بمجرد أن يقترب يشوي وجهه، والمهل يعني هذا الزيت المغلي والعياذ بالله، عكر الزيت يعني زيت أسود يأتي يريد أن يشرب فإذا بهذا الزيت والعياذ بالله من شدة الحرارة يسلخ وجهه، يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقا.
ما لباس أهل النار؟ لباس أهل النار ثياب من النار، والسراويل ما سراويلهم من قطران يعني قابل للاشتعال، شديد الاشتعال. قال الله عز وجل: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: 19]. قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قطْرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾ [إبراهيم: 49-50] عياذا بالله.
ما هو انواع العذاب في نار جهنم والعياذ بالله؟ من أنواع العذاب إنضاج الجلود، يعني يوضع على النار حتى تنضج جلوده، الجلد فكلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها، يعني هذا يسمى سوي والعياذ بالله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56].
يؤتى بالكافر يوم القيامة، يضع السلك في فمه ويخرج من دبره ثم يشوى في نار جهنم، يشوى كما تشوى الآن الدجاج، كما يشوى اللحم في نار جهنم، يمر على النار هكذا هذا نوع من أنواع العذاب.
نوع آخر من أنواع العذاب الصهر، يوضع في مكان يعني مثل القمع ثم يصب من فوق راسه الحميم حتى يصهر. قال الله عز وجل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 19-22].
من أنواع العذاب في نار جهنم اللفح، يعني يكون قائم ثم تاتي النار وتلف وجهه، فاذا لفحت وجهه حرقت هذا الوجه والعياذ بالله. اعوذ بالله من عذاب جهنم. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 103-104].
من أنواع العذاب التقليب، يوضع على وجهه حتى يستوي ويعذب ثم يقلب على ظهره ثم يعاد على وجهه ثم اعوذ بالله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: 64-66].
أيضا من أنواع العذاب السحب، يسحبون في نار جهنم: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: 47-48].
ولذلك ما حالهم؟ يشعرون بالحسرة والندامة وهم يرون هذا العذاب الأليم. قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَفَدَتْ بِهِ وَأَسَرُوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: 54]. يبذل كل شيء، يريد أن يبذل كل شيء من أجل خلاص نفسه لكن ما في فائدة: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَّا تَدْعُ الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَدْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: 12-14].
أيضا من حالهم الصراخ، يصرخون: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلْ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: 36-37].
يطلبون الرجوع مرة أخرى للدنيا، هيهات: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 12]. ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 106-108].
ننتقل أيها الأحبة في الله إلى وصف نعيم الجنة، نعوذ بالله من النار ونسأل الله سبحانه وتعالى الجنة. أما الجنة فابوابها ثمانية. قال الله عز وجل: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: 73-74].
هذه الأبواب ثمانية، باب الصلاة، باب الجهاد، باب الصيام، باب الصدقة، وهكذا لكل باب اسم. أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام».
من باب الريان. ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة. فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟
قال صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأرجو أن تكون منهم».
وأخرج البخاري بسنده عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون».
من هو أول الداخلين؟ أول الداخلين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج الإامام مسلم بسنده عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد».
انظروا إلى تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأقول: «محمد». فيقول: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك.
ما هي صفة الذين يكونون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول زمره يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء».
هذا صفة الزمرة الأولى، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أهل الجنة. أول شيء يصادفك في الجنة أنه لا موت، نعيم دائم لا موت، شباب دائم لا مرض لا ملل لا تبلى الثياب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من أهل الجنة.
نأخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
حياكم الله أيها الأحبه في الله. كما تقدم قبل الفاصل أن الجنة لا موت فيها، شباب دائم لا مرض لا ملل لا بلاء للثياب. أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد أن لكم -يعني يا أهل الجنة- أن تصحوا فلا تسقموا أبدا».
الله أكبر يا إخوان، صحة دائما! «وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وأن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا» يعني الشباب دائم! «وأن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا». تنعموا فلا تبتئسوا أبدا، نعيم دائم لا بؤس.
وأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه».
يجب يا إخوان أن يكون عندنا يقين بهذا النعيم، يقين لا شك فيه البتة.
أيضا يا إخوان من نعيم الجنة تصادفك القصور والأنهار، بس القصور عجيبة سواء في بنيانها: لبن من ذهب، لبن من فضة. القصور جمال جمال شيء عجيب، يعني على حسب الوصف هذا وهو اعلى مما يتصوره الإنسان. ففي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. لكن تخيل الجدار ذهب فضة ذهب وفضه والأسمنت مسك! ايش هذا؟ لا إله إلا الله آمنت بالله.
هذه القصور مبدعة أن تكون على أربعة أنهار: نهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل، ونهر من ماء. ايش هذا القصر المبدع؟ وايش هذا الجمال العجيب؟ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَهْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر: 20].
انتبهوا يا إخوان لهذه التكمله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: 20]. يا اهل التقوى، الله عز وجل يقول: وعد لكم هذه القصور وعد لكم منه، والله لا يخلف الميعاد. فكيف ببعض الناس يشك أن الله سبحانه وتعالى لا يعطي المتقين أجورهم؟ لا شك أننا نتحدث عن الصف وليس عن معين، إلا من ثبت له، لكن من مات متقيا لله مات على التوحيد والتوبة، هذه القصور منتظرة إياه وتحرم بشرته على النار إلا ما كان من المرور.
فلذلك أصحاب التوحيد التام لهم هذه المنزلة عند الله. والجنة معدة فيها هذا النعيم، مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم.
كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم؟ ماذا لك من أنواع المأكل؟ ماذا لك من الفواكه؟ ماذا لك من اللحوم؟ ماذا لك من أنواع المشارب؟ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون.
يقول الله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: 55-56]. من يحب الجمال ويحب الفسحة ويحب هذه الحدائق ويحب هذه البهجة، انظر ماذا في الجنة! هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون على الوسائد يتكي وياكل في الفواكه. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57]. كل ما يامرون، كل ما يطلبون، كل ما يتمنون. ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58].
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 22-26]. ومزاجه أيضا، حتى هذا الرحيق المختوم ممزوج، مزاجه من تسنيم: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 28].
ماذا لك من الأزواج من حور العين ومن نساء الدنيا؟ قال الله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: 40-49].
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: 50]. حتى أهل الجنة يا إخوان يعيشون في وفي جلسات وفي وهم الآن يتنعمون بالنعيم، يبدا واحد يتكلم قال: اسمعوا عندي لكم قصة. على سرر متقابلين ولهم جلسات، ولهم الود في هذا الجو الجميل، وفي هذا المكان الرائع، وفي هذا المأكل والمشارب، أيضا حتى السمر مع الأصدقاء يسمرون ويجلسون ويتحدثون، فيقول قائل: تعالوا أديكم قصة أني كان لي قرين. الحمد لله أني ما سمعت كلامه، أني كان لي قرين يقول: أإنك لمن المصدقين؟ أنت خبل تصدق إذا متنا وكنا ترابا وعظاما أنا لمدينون؟ أنت تصدق في حساب وجزاء وفي بعث؟
هذا كلام يقول: الحمد لله أني ما سمعت كلامه! ثم قال لأصحابه: تعالوا هل أنتم مطلعون؟ دخل إلى قصره، وفي قصره في نافذة يرى فيها النار! حتى يزداد تلذذ أهل الجنة بنعيم يرون النار هناك. قال: هل أنتم مطلعون؟ تعالوا فأطلع من تلك النافذة فرأى ذلك الصديق السوء، فرأى في سواء الجحيم، في قعر جهنم. قال: ﴿تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: 56-60].
فيقول الله عز وجل: لمثل هذا فليعمل العاملون! لمثل هذا اليوم فليعمل الناس! لمثل هذا النعيم فليعمل العاملون! قال الله عز وجل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِثْرَةً رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: 25].
اخذوا هذه الثمره وأكلوها قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، فاذا ذاقوه وجدوه مختلف تماما في الطعم! لا ملل لا ضجر من من هذه الفواكه وهذه اللحوم هذه المأكل. الذي يحب الاكل والشرب هناك تتنعم، ثم ما في شيء ممنوع، ثم تاكل الآن تزيد في اللحم أمراض تزيد في كذا أمراض، هناك تاكل تاكل وتشرب ولا أمراض ولذه ولا يمكن أن يكون هذا مثل ذاك! حتى اللذة الفاكهة تظنها هي نفسها متشابهه، لكن تاتي فتجد أن طعمها مختلف: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25]. هؤلاء الأزواج، حيض نفاس لا! أزواج مطهرة وهم فيها خالدون.
الله أكبر عن هذا النعيم! وهناك نعيم اعظم من هذا كله. ما هو هذا النعيم الذي هو اعظم من ذلك؟ القصور والمأكل والمشارب والأنهار والجلسات والخيم والنعيم هذا كله، هناك ما هو أعظم! ما هو أعظم؟ أن تنظر إلى وجه الله.
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا هذا النعيم، كما نحن نعبد الله سبحانه وتعالى اليوم بالغيب، ونضع جباهنا على الأرض عبودية له، نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا نتلذذ بالنظر إلى وجهه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
أخرج الإامام مسلم عن صهيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل». ويحل الله عز وجل عليهم رضوانه.
أخرج البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! يقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا».
الله أكبر يا إخوان! نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الجنة ونعيمها، وأن يجعلنا من السابقين، وأن يجعلنا سبحانه وتعالى من أهل الجنة.
أَسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا إيمانا صادقا، وأن يرزقنا العمل الصالح، فانه بالايمان وبالعمل الصالح يدخل الله سبحانه وتعالى الإنسان جنته ورضوانه. اللهم ارزقنا الإيمان الصادق والعمل الصالح. نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عن ذنوبنا وخطايانا.
إلى محاضرة قادمة بمشيئة الله، استودعكم الله وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.
د. أبو زيد مكي القبي