السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله طلاب العلم في المحاضرة العاشرة من محاضرات مادة العقيدة في هذا الفصل، الفصل الثالث. هذه المحاضرة العاشرة، والحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة بمشيئة الله كلها ستكون في باب القضاء والقدر. المحاضرة العاشرة اليوم سنتحدث عن معنى الإيمان بالقضاء والقدر، وسنتحدث عن أهمية هذا الركن من أركان الإيمان، هذا الركن السادس، ما أهميته في الدين الإسلامي؟ ما مكانته في الدين الإسلامي؟ وسنتحدث بمشيئة الله عن المرتبة الأولى من مراتب القضاء والقدر، عن المرتبتين الأوليين من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر، سنتحدث عن مرتبة العلم وعن مرتبة الكتابة.
أيها الأحبه في الله، لقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يعلم صحابته هذا الركن، بل كان يعلم صغار الصحابة. كان يعلم عبد الله بن عباس الإيمان بالقضاء والقدر وهو ما زال في الرابعة عشرة من عمره؛ فقد أخرج الترمذي بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال لي: «يا غلام، إني أعلمك كلمات». الآن هذا الشاب الغلام انتبه للنبي صلى الله عليه وسلم، هذه الكلمات كلها في الإيمان بالقضاء والقدر؛ قال له: «احفظ الله يحفظك». يعلمه الآن أنك إذا اردت أن يحفظك الله، فهناك أسباب قد جعلها الله عز وجل من أسباب الحفظ، من أسباب نيل حفظ الله أن تأتي بهذه الأسباب، فعلمه أن التوكل على الله وأن طلب ما عند الله ينال بالاسباب التي شرعها الله؛ فقال له: «احفظ الله»، يعني احفظ الله في دينه، احفظ الله في الدين الذي أتمتك عليه، فإذا حفظت جوارحك، حفظت الأوامر، حفظت النواهي، ففعلت ما أمر الله وانتهيت عما نهى الله، يحفظك الله؛ يحفظك الله في بدنك، يحفظك الله في دينك، يحفظك الله في عقلك، يحفظك الله في هذه الحياة الدنيا.
«احفظ الله تجده تجاهك». إذاً، الأول يحفظك الله، وهنا أضاف أن الله عز وجل يكون معك المعية الخاصة، معية التسديد والتوفيق والإعانة وشرح الصدر، يكون الله سبحانه وتعالى معك بتأييده ونصره وتسديده. وهكذا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها؛ هذا إذا أصبح الإنسان حافظاً لله سبحانه وتعالى بفعل الطاعات والاستكثار من النوافل، ترك المعاصي والمنكرات وترك المكروهات، يكون الله سبحانه وتعالى معه هذا الشخص.
إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم يعلم هذا الصحابي وهو ما زال شاباً صغيراً أن العمل بالاسباب هو من التوكل على الله سبحانه وتعالى، أن العمل بالاسباب ينال بها ما عند الله من الحفظ والمعية؛ ثم يقول له: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». هذا تعليم عجيب؛ لأن جلب المنافع ودفع المضار والقيام بعبودية الله كله هذا يكون بعون الله. الله عز وجل هو جالب المنافع وهو دافع المضار وهو المعين سبحانه وتعالى، يعين عباده قبل الفعل بما أعطاهم الله عز وجل من العقول المدركة والفطر المميزة، أعطاهم الجوارح الممكنة، أعطاهم القدرة والاختيار، أعطاهم الشرع، ويعينهم مع الفعل؛ فأنت تريد أشياء اسألها الله عز وجل من امور الدنيا وأمور الآخرة، تريدها اسألها الله سبحانه وتعالى ولا تسأل المخلوقين؛ وإذا استعنت فاستعن بالله، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، اطلب من الله العون، فإذا عانك الله سخر لك هذه الاسباب، سواء هذه الأسباب من البشر أو أسباب مادية، سخرها الله ويسرها الله سبحانه وتعالى لك.
ثم يقول له: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك». إذاً، أمور الثواب التي ينالها الإنسان في هذه الحياة كلها قد انتهى فرغ منها، قد كتبت والله سبحانه وتعالى ما يفعله العبد يجد عليه جزاءً، هذا الجزاء عند من؟ عند الله سبحانه وتعالى. أنت تقوم بالسبب، أنت مثلاً تذاكر الدرس، النجاح المترتب على مذاكرة الدرس هذا من الذي قد كتبه؟ هذا لا دخل لك أنت فيه، هذا من عند الله، أنت الذي عندك تدخل فيه أنك تعمل، تذاكر، تدرس، تقوم بالسبب؛ لكن ما يترتب على هذه الاسباب من إثابة هذا ما يمكن أن يكون لأحد فيه قدرة، إنما هذا من عند الله، ترتيب الثواب هذا من عند الله. لو اجتمعت الأمة كلها أن تعطيك هذا الثواب لا يمكن إلا أن يكون قد قدره الله على ذلك الفعل، أنك ستفعل هذا الفعل فثواب يعطيك الله وقد كتبه الله عز وجل لك؛ لو الأمة أرادت أن ينفعوك بذلك الثواب الله لم يكتبه لك لا يمكن. «الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمع» ولن يضرك بشيء، يعني العقوبة على هذا الامر كذا وكذا وانت فعلت هذا الامر فتنزل عليك تلك العقوبة، هذه العقوبة لن تنزل عليك إلا إذا قد قدرها الله؛ إذا لم يقدرها الله وأرادت الأمة كلها أن تنزل تلك العقوبة عليك لا يمكن إلا أن يكون قد كتبها الله سبحانه وتعالى عليك.
قد رتب الله عز وجل على ذلك الفعل تلك العقوبة، أما إذا لم يرتب الله عز وجل تلك العقوبة لن يمكن أن تنزل عليك تلك العقوبة مهما اجتمعوا الأمة كلهم على أن ينزلوها عليك، لا يمكن إلا إذا كان قد كتبها الله عليه. رفعت الأقلام انتهى الموضوع، تقدير الثواب والعقاب على افعال العباد هذا ملك لله وقد فرغ منه، رفعت الأقلام وجفت الصحف فالامر قد انتهى، هذا إيمان بالقضاء والقدر، هذا يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو ما زال شاباً صغيراً. فما معنى الإيمان بالقضاء والقدر؟ ناخذ فاصل ثم نتحدث عنه بمشيئة الله.
لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: 43]. وثم آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي، آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال؛ فيستفتي أهل الذكر المتبعين للادله، ويتجنب من يفتيون بالجهل أو الهوى، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام؛ فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يك على هواه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
حياكم الله ايها الأحبة في الله. نبدا في الكلام عن معنى الايمان بالقضاء والقدر، ناخذ معنى القضاء والقدر من ناحيه اللغه. القضاء في اللغه الحكم، وأيضاً إحكام الشيء، إتمام الأمر، تقول قضيت من هذا الامر يعني انتهيت منه، قد قضيته حكمت به وفرغت منه؛ فالقضاء في اللغة يأتي بمعنى الحكم وأحكام الشيء واتمام الامر. والقدر في اللغه معناه التقدير والإحاطة بمقادير الأمور؛ هل قدرت هذا الشيء؟ قدرته يعني أحط بمقادير طول، تعرف طوله تعرف عرضه، هذا معنى القدر في اللغة.
في الشرع، هناك من يقول لا فرق بينهما، القضاء والقدر هو بمعنى واحد، هو تقدير الله. وهناك من يقول هناك بينهما فرق؛ التقدير هذا ما يكون في الأزل، فالله قد قدر جميع الامور بصفاتها وبأماكنها وبأزمانها، قد قدرها الله سبحانه وتعالى من الأزل، فالتقدير الأزلي هذا يسمى قدر، وإنفاذ الأشياء في اوقاتها المعلومة هذا يسمى قضاء، هذا من يفرق بينهم.
وأما في المعنى الشرعي، ما معنى القضاء والقدر شرعاً؟ يا إخوان، خذوا هذه الخمس كلمات، إذا أردت أن تعرف القضاء والقدر حاول أن تستخدم هذه الكلمات الخمس: الكلمة الأولى كلمة قدر، الكلمة الثانية علم، الكلمة الثالثة كتب، الكلمة الرابعة شاء، الكلمة الخامسة خلق. فتقول: الإيمان بالقضاء والقدر هو الإيمان بأن الله قد قدر الخلائق في الأزل، قدرها، قدر الخلائق في الأزل، فعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتب ذلك عنده، كتب ذلك كله، وشاء وقوعه سبحانه وتعالى، وخلقه شيئاً بعد شيء. تعبر تعبير آخر تقول: الإيمان بالقضاء والقدر هو أن تؤمن بأن كل ما في هذا الكون مخلوق لله، إذا أتيت بكلمة خلق التي ذكرتها في الأخير في التعريف الثاني تبدا بها، أن تؤمن بأن كل ما في هذا الكون مخلوق لله، علمه وكتبه وشاء وقوعه، وتؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك. هذا تعريف الإيمان بالقضاء والقدر.
ننتقل إلى الكلام عن أهمية الإيمان بالقضاء والقدر. الإيمان بالقضاء والقدر في غاية الأهمية؛ أول أمر يدل على أهميته أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الإنسان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، بأن كل ما في هذا الكون مقدر لله، مخلوق لله، معلوم من الأزل، مكتوب، شاء الله وقوعه وخلقه. هذا الإيمان، من لم يؤمن بهذا الأمر فلم يؤمن بالله ولا ملائكته ولا كتبه، ولا ينفعه التمسك بهذا الدين الإسلامي؛ الكفر بالقضاء والقدر كفر بدين الإسلام، والإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان الإنسان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره.
أيضاً يا إخوان، القضاء والقدر داخل في الإيمان بالله من ناحية الربوبية ومن ناحية الألوهية ومن ناحية الأسماء والصفات. توحيد الربوبية ما هو؟ هو أن تؤمن بأن الله رب كل شيء، بأن الله رب كل شيء خالقه مالكه مدبره، هذا كله قضاء وقدر. ويدخل في توحيد الألوهية؛ فمن توحيد الألوهية أن الله عز وجل قد جعل شريعة للناس يسيرون عليها، فالله هو المشرع هذا في الربوبية، والألوهية أن تلتزم بهذا الشرع؛ فمن قضاء الله وقدره أن تلتزم بما شرعه الله سبحانه وتعالى لك وتعمل به، ولا تجعل هناك تعارض بين هذا الشرع وبين القدر، فهو يدخل في توحيد الألوهية فتلتزم بالمأمورية لله وتعلم أن هذا هو من قدر الله، ولا تعارض بين الشرع والقدر. أيضاً يدخل في توحيد الأسماء والصفات من أي ناحية؟ من ناحية أن الله سبحانه وتعالى هو الحكم وإليه الحكم. فالإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، داخل في توحيد الربوبية، داخل في توحيد الألوهية، داخل في توحيد الأسماء والصفات؛ فهو في غاية الأهمية.
نتحدث أيها الأحبة في الله عن مراتب الإيمان بالقضاء والقدر. الإيمان بالقضاء والقدر على أربعة مراتب: مرتبة العلم، مرتبة الكتابة، ومرتبه المشيئة، مرتبة الخلق؛ أو تقول هما مرتبتان، العلم وفي كل مرتبة درجتان، العلم والكتابة والمشيئة والخلق.
نبدأ بالمرتبه الأولى، وهي مرتبة العلم. ما المقصود بمرتبة العلم في الإيمان بالقضاء والقدر؟ أن تعلم بأن الله سبحانه وتعالى قد علم كل ما كان وكل ما سيكون، والأشياء التي حكم الله عز وجل أنها لن تكون يعلم الله أنها لو كانت كيف كانت ستكون، كما قال الله عز وجل: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: 28]. إذاً، هذه المرتبة هي مرتبة الإيمان بالععلم السابق؛ كل ما يكون، كل ما سيكون قد علمه الله من الأزل. ومن ذلك وهذا أمر في غاية الأهمية أن تؤمن بأن الله علم ما العباد عاملون قبل أن يعملوه بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، كما قال الله عز وجل: ﴿وإن الله بكل شيء عليم﴾ [الأنفال: 75]، ﴿قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله﴾ [آل عمران: 29]، فإنه يعلم السر وأخفى.
المرتبة الثانية هي مرتبة الكتابة، فتؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هذه، هذا العلم الذي علمه العلم السابق علم كل ما سيكون قد كتبه عنده، أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق؛ قال الله عز وجل: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾ [الحج: 70]. علم الله ما العباد عاملون قبل أن يعملوه وكتب ذلك عندهم؛ قال الله عز وجل: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبراها إن ذلك على الله يسير﴾ [الحديد: 22]، قال الله عز وجل: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: 12]، وقال الله عز وجل: ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ [القمر: 53] مسطور مكتوب، هذه مرتبة الكتابة.
سننتقل يا إخوان إلى مسألة في غاية الأهمية، أريد منكم الآن أن تركزوا معي؛ الآن، سين من الناس، هذا سين من الناس هذا خلونا ناخذ.
هذا القلم، س من الناس سيتوجه ويسير في طريق الطاعة، هل هذا الأمر معلوم من الأزل؟ نعم، معلوم من الأزل، مكتوب هذا الأمر من الأزل، مكتوب من الأزل أن سيناً هذا من الناس سيسير في طريق الطاعة، معلوم مكتوب.
صاد الآن من الناس، هذا سيسير في طريق المعصية، علم الله ذلك؟ نعم، كتب الله ذلك؟ نعم.
طيب، إذا كان كل شيء معلوم مكتوب، معلوم أن هذا سيصير في طريق الطاعة ومكتوب له، وهذا معلوم أنه سيسير في طريق المعصية ومكتوب عليه، ألا يفيد هذا، ألا يفهم من هذا الجبر؟ أيوه، حاول تستوعب معي هذه القضية لأن هذه القضية في غاية الأهمية.
هناك من فهم أن هذا يعني الجبر، أريد منكم أن تتأمل هذه القضية خلال هذا الفاصل، ثم نعود إليكم نشرح هذه القضية بمشيئة الله.
أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة؛ إنها تربية الأهل والأولاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. قال علي بن أبي طالب: أدبوهم وعلموهم.
فنعمم العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك». ونعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، فقد كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن.
ونعلمهم الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». ونعلمهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
ونعلمهم شيئاً من القرآن بأنفسنا أو نلحقهم بحلقات التحفيظ، ونعلمهم الحلال والحرام بالتدريج، ونعلمهم لغة القرآن قبل أن نعلمهم اللغات الأخرى، قال نافع: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن.
فاحرص على تعليم أهلك واعلم أن غذاء الروح أهم من غذاء البدن، قال صلى الله عليه وسلم: «والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم».
حياكم الله أيها الأحبة، أظن أنكم فكرتم في الموضوع، وبعضكم قد يكون يعني أصابه شيء من الدوار، لكن الموضوع في غاية السهولة. هذا الذي سيسير في طريق الطاعة، سار باختياره وإرادته أم هو مجبر؟ سار باختياره، سار باختياره وإرادته في طريق الطاعة.
هذا الذي سار في طريق المعصية، سار في طريق المعصية مجبراً مضطراً إلى ذلك مكرهآً على ذلك، أم سار باختياره وإرادته؟ سار باختياره وإرادته.
ما معنى العلم السابق والكتابة السابقة؟ أن الله علم أن فلان، علمه بعلمه الأزلي أن فلان سيسير في طريق الطاعة باختياره وإرادته. هاتان الكلماتان إذا ذكرتهما في هذه القضية انحلت الإشكالية: سيسير في طريق الطاعة باختياره وإرادته، علم الله من الأزل أن هذا سيسير في طريق الطاعة باختياره وإرادته، فعلم الله ليس مجبراً له ليسير في طريق الطاعة وليس مجبراً له ليسير في طريق المعصية، إنما هو علم كاشف للغيب لا مجبر للعبد.
فالله عالم الغيب وعالم الشهادة، عند الله يستوي علم الشهادة وعلم الغيب، فكما أن الله يعلم الأشياء حين حصولها هو يعلمها قبل حصولها، وكله في علم الله سواء، عالم الغيب والشهادة، فعلم أن عبده فلان الفلاني سيسير في طريق الطاعة باختياره وإرادته، فكتب ما علم أن فلان سيسير في طريق الطاعة باختياره وإرادته، صار هناك جبر؟ لا جبر البتة.
وإن صاداً من عباد الله العبادة الكونية سيسير في طريق الكفر والفسوق، سيسير باختياره وإرادته، علم الله ذلك وكتب ذلك عنده، كتب أن صاداً من الناس سيسير في طريق المعصية باختياره وإرادته، فلا جبر البتة، العلم السابق والكتاب السابق، سابقة لا جبر فيهما البتة.
وغلاة القدرية، القدرية الأوائل، قام عندهم أن العلم السابق والكتابة السابقة يقتضيان الجبر، ولذلك أنكروهما؛ فانكروا ما بعدهما من باب أولى، فأنكروا العلم السابق والكتابة السابقة تعظيماً لعدل الله لصفة العدل عند الله، وظنوا أننا إذا أثبتنا العلم السابق والكتابة السابقة أن هذا سيكون فيه ظلم من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء، لكن الأمر إن شاء الله أنه في غاية الوضوح بالنسبة لافعال العباد الاختيارية التي يثابون عليها ويعاقبون عليها.
يفعلونها باختيارهم وإرادتهم، يفعلون باختيار إرادتهم، فعلم الله ما العباد عاملون باختيارهم وإرادتهم قبل أن يعملوه، وكتب ذلك عنده، هذا معنى العلم السابق ومعنى الكتابة السابقة، ولا شيء في العلم السابق والكتابة السابقة، لا جبر فيهما البتة.
ثم يا إخوان، بالنسبة للكتابة، الكتابة أنواع، هناك الكتابة الأزلية التقدير الأزلي، فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بخمسين ألف سنة، قد كتب سبحانه وتعالى مقادير الخلائق كلها كتبها سبحانه وتعالى، هذا يسمى التقدير الأزلي، فالله قد كتب وقدر الخلائق قبل أن تكون سبحانه وتعالى.
وأيضاً هناك تقدير عمري، التقدير العمري يأتي بعمر البشرية ويأتي بعمر الفرد، أما عمر البشرية فحين أخرج الله عز وجل من ظهر آدم ذريته أمثال الذر قال: هؤلاء، علم أن هؤلاء سيسيرون في طريق الجنة فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وعلم أن هؤلاء سيسيرون في طريق النار فقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، فهذا التقدير يسمى التقدير العمري.
وهناك تقدير عمري يتعلق بالفرد، حين نفخ الروح في الإنسان وهو ما زال في بطن أمه، ياتيه الملك فيؤمر بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أم سعيد، هذا يسمى تقدير عمري.
وهناك تقدير حولي هذا يكون في ليلة القدر، وهناك تقدير يومي هذا الذي يكون في بعد صلاة الفجر، هذه أنواع من أنواع الكتابة.
بقي عندنا مسألة نذكرها في نهاية هذه الحلقة: هل ما هو مكتوب يمكن أن يتغير بالدعاء وبفعل الأسباب الشرعية الأخرى كصلة الرحم والاذكار، هل ممكن هذه تغير المكتوب؟
أيها الأحبة في الله، في المسألة قولان، أرجحهما فيما أرى، والعلم عند الله، أن الكتابة التي تكون في اللوح المحفوظ هذه لا تغيير فيها البتة، كما قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [ق: 29]، ما في اللوح المحفوظ لا تغيير فيه البتة، رفعت الأقلام وجفت الصحف هذا انتهى.
ما عند الملائكة، ما في صحف الملائكة سواء التقدير العمري للفرد التقدير الحولي التقدير اليومي، هذه الملائكة تستنسخ مما في اللوح المحفوظ ما يعطيها الله سبحانه وتعالى، يعلمها الله والملائكة لا تعلم كل ما في اللوح المحفوظ، فتعلم ما تؤمر به، فمثلا علمت الملائكة حين نفخ الروح أن هذا عمره ستون سنة، فأمرت بذلك ستون سنة.
هذا الرجل يصل رحمه، من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره وأخر له في عمره، يزاد في عمره عشرون سنة مثلاً فيصير عمره ثمانون سنة فليصل رحمه، قام هذا الانسان في حياته بصله الرحم فبذل لوالديه، بذل لأقاريبه وأرحامه، بذل من وقته، فجزاه الله من جنس ما صنع ووقت، أضاف الله عز وجل له في عمره وهو بذل من ماله فأضاف الله عز وجل له في رزقه، مكتوب في اللوح المحفوظ أن عمره ستون لكن سيصل رحمه، والله أعلم، إنما التقريب سيصل رحمه فيضاف إليه عشرون.
الملائكة إنما تستنسخ العمر الأول ستون، انسان صلى الفجر وبدأ يدعو الله وتحصن بالأذكار والأشياء، اطلعت الملائكة في التقدير اليومي أن هذا سيصاب بحادث فذكر الله واستغفر ودعا الله سبحانه وتعالى وتحصن في حماه الله سبحانه وتعالى من حصول هذا المقدور الذي هو في صحف الملائكة، فما عند الملائكة يحدث فيه التغيير والتبديل، قال الله عز وجل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، فيمحو الله ما يشاء ويثبت هذا مما هو في ماذا؟ عند الملائكة، وعنده أم الكتاب هذا الذي في اللوح المحفوظ هذا لا يكون فيه تغيير ولا تبديل.
إذاً أيها الأحبة في الله، تدارسنا في هذه الحلقة معنى الإيمان بالقضاء والقدر، وتدارسنا أهمية الإيمان بالقضاء والقدر، وتدارسنا مرتبة العلم ومرتبه الكتابة، في المحاضره القادمة بمشيئة الله نتدارس مرتبة المشيئة ومرتبة الخلق.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يملا قلوبنا بالإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره وحلوه ومره أنه كله من الله سبحانه وتعالى، وإلى لقاء في المحاضرة القادمة، استودعكم الله وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي