أكاديمية زاد، هذه عقيدة صحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان، بالعلم كالازهار في البستان.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
أفتتح الدرس الأول من دروس مادة العقيدة في الفصل الثالث بأكاديمية زاد في هذا الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: سألتُ عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء كان يفتتح النبي صلى الله عليه وسلم صلاته إذا قام الليل؟ قالت عائشة: كان صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
أيها الأحبة في الله، انظروا إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم مع دينهم، كيف كانوا يتلقون أدق المسائل في أمور الدين، يتلقونها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكانوا يتتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وفي أفعاله التعبدية، ولا يأخذون دينهم إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى دعاء الاستفتاح في قيام الليل، صلاة نافلة يستفتح الإنسان فيها صلاته، هم ينظرون بمكان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاته إذا قام من الليل، ولم يكونوا يبتدعون أذكاراً من تلقاء أنفسهم، ولم يكونوا يبتدعون أفعالاً يتعبدون بها لله من تلقاء أنفسهم، بل كانوا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم. فنحن في أمور الدين أهل اتباع ولسنا أهل ابتداع، من أحب الله جل جلاله على الحقيقة يكون متابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم في أمور الدين.
لقد أغلق الله جميع الأبواب الموصلة إلى رضوانه وإلى جنته إلا الباب الذي شرعه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصلنا إلى رضوان الله. فمن سلك غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن يصل إلى الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، لا طريق يوصل إلى الله إلا طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أيها الأحبة في الله، لا نسمح لعالم مهما بلغ علمه، ولا نسمح لعابد مهما بلغ زهده أن يخترع لنا طرقاً تقربنا إلى الله غير ما شرعه لنا رسول الله. لا يقول لنا أنا رأيت في المنام هذا الذكر وعلمني إياه رسول الله، أنا هذا الذكر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة فعلمني إياه، هذه العبادة جربتها، هذا شيء قذف في نفسي، هذا الشيء ألهمت إياه. لا، لا نقبل في أمور الدين إلا ما جاءنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم. هذه قاعدة عندنا نريد أن نقررها قبل أن نبدأ أي شيء في دروس هذا المستوى.
القاعدة الثانية: انظروا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم ماذا كان يصنع في الليل، وهو الذي أوحى الله عز وجل إليه، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا كان صلى الله عليه وسلم لا يهمل ولا يترك هذا الزاد الإيماني، هذا الزاد القلبي في الليل في عبادته لله سبحانه وتعالى، لا يتركها لا في سفر ولا في حضر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص كل الحرص على قيام الليل، وكان قيام الليل واجباً على رسول الله، وكان في بداية الإسلام واجباً حتى على الصحابة ثم خفف عنهم.
فيأيها الأحبة في الله، موضوع الإيمان وموضوع القلب نحتاج إلى تعاهده في كل ليلة وفي كل يوم، نتعاهد أمور إيماننا، نتعاهد إيماننا بالله، نتعاهد قوة علاقتنا بالله، نتعاهد قوة عبوديتنا لله في نفوسنا. في كل ليلة نتفقد إيماننا بالملائكة، الكتب، الرسل، اليوم الآخر، الإيمان بالقدر، لابد أن نغذي هذا الإيمان في نفوسنا. وأعظم ما يغذي هذا الإيمان في نفوسنا أن يكون لنا حظ من قيام الليل.
أيها الأحبة في الله، إن الله سبحانه وتعالى قد جعل النهار معاشاً وأشرقه بهذه الشمس، ولذلك محل للعمل والكدح، يشقى الإنسان يتعب الإنسان ليحصل رزقه منها. فإذا جاء الليل وأطفأت الشمس وأضاء القمر، وكان هذا الليل يعود الإنسان فيه إلى منزله، يتناول طعام العشاء ثم ينام ثم يستيقظ، فيكون له حظ من هذا الليل يناجي فيه ربه الله سبحانه وتعالى.
الأمر الثالث أيها الأحبة، لاحظوا رسولنا صلى الله عليه وسلم يتوسل إلى الله بتلك التوسلات العظيمة من أجل ماذا؟ من أجل الهداية. يسأل الله سبحانه وتعالى الهداية، رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي أعطي الوحي الإلهي، أعطي الفرقان، ومع هذا هو يتضرع إلى الله سائلاً ربه سبحانه وتعالى أن يهديه. إن نعمة الهداية للإسلام والإيمان هي أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان، بها أخرجنا الله من الظلمات إلى النور، وبها نقلنا الله من الموت إلى الحياة. ومن نعمة الله علينا في الهداية للإسلام والإيمان نسلك الصراط المستقيم، ومن نعمة الله عز وجل علينا في الهداية إلى الصراط المستقيم أن يعيننا ويوفقنا لأن نسير عليه. ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان يتوسل إلى الله جل جلاله بأن يعينه على السير على صراط الله المستقيم فيقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل». جبريل هو الموكل بالوحي، جبريل هو الموكل برزق القلوب بحياة القلوب، ينزل هذا الوحي على الرسل ليبلغ الناس هذا الوحي الإلهي لتحيا بها قلوبهم. وميكائيل هو الموكل بالقطر وبرزق الأبدان، وهو الذي يكون موكلاً بأنزل المطر وأنبات الزرع وهكذا. وإسرافيل هو الذي يكون موكلاً بالنفخ في الصور، فتنتهي هذه الدنيا فينفخ في الصور مرة أخرى، فيقوم الناس من قبورهم ويحاسبون على أعمالهم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يتوسل إلى الله جل جلاله بجبرائيل وميكائيل وإسرافيل، يتوسل إلى الله بربوبيته للسماوات والأرض: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]، يتوسل إلى الله بعلمه الغيب والشهادة، فيتوسل إلى الله جل جلاله بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ويتوسل إلى الله بأنه هو الحكم واليه الحكم، وهو الذي يفصل بين العباد فيما هم فيه يختلفون، ويتوسل إلى الله بأنه هو الهادي إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه.
إذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يتوسل إلى الله يسأله هذه الهداية لما اختلف فيه، فنحن أيها الأحبة في الله من باب أولى أن نسأل الله جل جلاله الهداية إلى الصراط المستقيم، إلى طريق الاعتدال والوسطية والبعد عن طريق الغلاة وعن طريق الجفاة. ونحن في هذا العصر في أمس الحاجة إلى ذلك، نحن في هذا العصر في أمس الحاجة إلى ذلك، العصر الذي كثرت فيه فتن الشبهات فنحتاج إلى ذلك.
أيها الأحبة في الله، نأخذ فاصل ثم نعود نتحدث عن مفردات منهج الفصل الثالث بمشيئة الله فانتظرونا.
حياكم الله أيها الأحبة في الله. قبل الفاصل اخذنا هذا الحديث، وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوسل بالله جل جلاله، وانظروا يا إخوان في التوسل، ما توسل النبي صلى الله عليه وسلم بحق جبريل بمكانة بجاه جبريل، إنما توسل بالله بربوبية الله، وتوسل بأسماء الله وصفاته، وهكذا التوسل الصحيح. ما توسل: اللهم إنا نسألك بحق نبيك جاه نبيك، هذه من البدع. جاه نبينا صلى الله عليه وسلم له، وما تفضل الله عز وجل به على نبيه صلى الله عليه وسلم فهو له، إنما السؤال يكون التوسل والتوصل إلى إجابة الله عز وجل لدعائنا تكون بسؤاله بأسمائه وصفاته، بربوبيته، بعلمه سبحانه وتعالى، بقدرته، التوسل إلى الله بعمل صالح يشعر الإنسان أنه قام به مخلصاً لله: اللهم بإيماني بك، بمحبتي لك، اللهم إن كنت قد عملت ذلك العمل خالصاً لوجهك فاغفر ذنبي. وهكذا التوسل إلى الله بعمل أنت قمت به. أما جاه آخرين فهو لهم، وحقوقهم فهي لهم، وما تفضل الله عز وجل به عليهم فهو لهم.
هكذا المقصود أيها الأحبة في الله، هذا الدعاء في غاية الأهمية أن نبتدأ به دروسنا في العقيدة: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وعندما نسأل الله الهداية نسأله هداية الدلالة والإرشاد، ونسأله هداية الإعانة والتوفيق وشرح الصدر وتيسير الأمر وتسهيل جوارحنا لأن تسير في طريق الطاعة والبعد عن طريق المعصية.
أيها الأحبة في الله، أخذنا في الفصل الأول وأخذنا في الفصل الثاني ما يتعلق بمدخل لدراسة العقيدة، أخذناه كاملاً، ثم أخذنا أيضاً في الفصل الأول ما يتعلق بربوبية الله، وأخذنا في الفصل الثاني ما يتعلق باللوهية وما يتعلق بالأسماء والصفات. أما في هذا الفصل نكمل بقية أركان الإيمان، انتهينا من الركن الأول من أركان الإيمان وهو الإيمان بالله، في هذا الفصل إن شاء الله سنأخذ الإيمان بالملائكة، نأخذ الإيمان بالكتب، نأخذ الإيمان بالرسل، نأخذ الإيمان باليوم الآخر، نأخذ الإيمان بالقضاء والقدر.
هذه الأركان قد تأخذ منا بمشيئة الله اثنتي عشرة حلقة، بعد ذلك سنأخذ حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة، وحكم مرتكب الكبيرة، هذه قد تأخذ منا تقريبا ثلاث حلقات. نأخذ الكفر وأنواعه، بعد ذلك نأخذ الشرك وأنواعه، أيضاً هذه قد تأخذ منا ثمانية حلقات، الشرك وأنواعه. قد نعود إلى بعض ما أخذناه في الفصل الماضي، قد يتكرر معنا بعض الأشياء لكن لا بأس إن شاء الله، نأخذها بالشكل العام ونفصل في قضية، يعني نأخذ فرقتين من الفرق التي اشتهرت بنشر البدع الشركية وهي نأخذ فرقة الصوفية ونأخذ فرقة الرافضة، يعني شبه مساعدة في المنهج ولا قد تؤخذ في مستوى الفرق بشكل عام.
ثم نأخذ الإلحاد أقسامه، نأخذها في حلقتين، والإلحاد أقسامه قد أخذناه نحن في المستوى الأول ولكن سيكون هنا اختصار له في هذا، بحيث يكون نأخذ الكفر والشرك والإلحاد في نهاية هذا المستوى بمشيئة الله.
نبدأ اليوم بالكلام عن الإيمان بالملائكة، هذا الركن ركن الإيمان بالملائكة. قبل أن نتحدث عن تعريف الملائكة، أريد أن أفاجئكم بالسؤال التالي: السؤال يقول: ماذا يضر الإنسان في دينه لو آمن بالله وآمن بالكتب وآمن بالرسل وآمن باليوم الآخر وآمن بالقضاء والقدر ولم يؤمن بالملائكة؟ ما هي الفائدة المرجوة من الإيمان بالملائكة؟ أليس الملائكة عالم غيبي سكان السماء، ويعني لو ما آمن الإنسان بالملائكة ما الذي يضره في دينه؟ سؤال إليكم، ولاحظوا ما تلاحظون الإيمان بالله وملائكته، يعني ما الحكمة من جعل الإيمان بالملائكة بعد الإيمان بالله وقبل الإيمان بالكتب وقبل... يعني أمور غريبة، يعني ما السبب يا إخوان؟ كل منكم يحاول أن يطرح أجابة ويكتبها أمامه لننظر، ينظر بعد ذلك كل واحد مقدار قرب إجابته من الإجابة الصواب. ما الحكمة من تعظيم هذا الركن الإيمان بالملائكة؟
الحكمة أيها الأحبة أنك لو لم تؤمن بالملائكة لا يمكن أن تؤمن بالكتب، ولا يمكن أن تؤمن بالرسل، ولا يمكن أن تؤمن بالدين أصلاً والشريعة التي جاءت. كيف؟ من هم الرسل الواسطة بين الله وبين رسله؟ أنهم الملائكة. من الذي أنزل هذا الوحي الإلهي وهذه الكتب على الرسل؟ أنهم الملائكة. الإيمان بالملائكة أمر عظيم قبل الإيمان بالكتب وقبل الإيمان بالرسل، ولذلك كان هذا الركن في غاية الأهمية.
ولاحظوا كلمة ملائكة، ما معنى ملائكة؟ ملائكة رسل معناها الذين يبلغون، رسل الله. معنى الملائكة أنهم الذين يبلغون رسالة الله الشرعية عن طريق جبريل، ورسالة الله الكونية في تدبير أمر هذا الكون، فكلهم رسل لله. فجبريل رسول الله بالوحي، وبقية الملائكة أو أغلب الملائكة هم رسل الله في تدبير أمر هذا الكون. هناك ملائكة مختصون بالعبادة وهكذا، لكن كل الملائكة مستصلحون.
لحمل رسالة الله الشرعية ورسالة الله الكونية، نأخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى.
جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال؛ هكذا كان الحال، فيأذن الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات. محمد رسول الله، وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فجمع له من خصال الجمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر، فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجودهم نفساً، أرحمهم صدراً، أشدّهم حياءً. كان مع الناس وأزهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين ويعود مرضاهم ويدعوهم إلى الخير.
كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفقهم بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان. أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين؛ فيقول الألماني يوهان جوته: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد. ويقول الإنجليزي جورج برنارد شو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. بل قال تولستوي، الأديب العالمي: إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.
ولنصرته، لنعرف قدره ومكانته، ولننشر في الناس فضائله ومكارمه، ولنقتدي به ونمتثل أمره، ولنذب عن شريعته وندفع عنها الشبهات. فلو لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم من الفضل إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافئته. فقد عاش حياته يبلغ الخير لأمته، ولم يكتف بهذا بل سأل ربه أن يشفعه فيهم يوم القيامة، وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
حياكم الله أيها الأحبة في الله. عرفنا معنى الملائكة في اللغة؛ ملائكة في اللغة مأخوذة من فعل الأكة، والأكة بلغ الرسالة، وهي مقلوبة أصل كلمة ملائكة هي مألكة، والألوكة، والألوكة من الرسالة. فالمقصود أن الملائكة معناها في اللغة العربية الذين يبلغون الرسالة. وقلنا إن الملائكة كلهم مستصلحون لإبلاغ رسالة الله الشرعية ورسالة الله الكونية.
ما معنى الملائكة في الشرع؟ الملائكة شرعاً أو تعريفهم وعقيدتنا فيهم في الوقت ذاته؛ الملائكة شرعاً خلق من مخلوقات الله، خلقهم الله سبحانه وتعالى من النور. ولا يعني أن أصل الخلق من النور أن يعبر الإنسان ويقول هم ملائكة نورانيون يعني كأنهم نور أو كذا؛ مثل ما نحن خلقنا الله من الطين، لكن يعني هل الآن عندما تراني ترى الطين وكذا؟ لا، أصل خلقتنا من الطين. مثل الجن أصل خلقتهم من النار، لكن الجن هل عندما يعني هم شعلة من النار يسيرون؟ لا، ليس هكذا. وهكذا من النور.
الملائكة خلق من مخلوقات الله، خلقهم الله جل جلاله من النور، وهم يعني ليسوا بشراً؛ لأن البشر خلقهم الله من الطين. وليسوا جناً؛ فالجن خلقهم الله سبحانه وتعالى من النار. وإنما هم جنس ثالث، صنف ثالث من مخلوقات؛ عندنا بشر، عندنا جن، وعندنا ملائكة. فهم صنف ثالث من مخلوقات الله، خلقهم الله سبحانه وتعالى من النور، وغيبهم الله عز وجل عنا فلا نراهم، وهم من عالم الغيب أو لعالم الغيب. وجعل مسكنهم الأصلي في السماء، فهم مخلوقات سكناها العلو، سكناها في السماء. ليسوا مثل مثلاً البشر ولا مثل الجن سكناهم في الأرض، إنما هم عالم غيبي، غيبهم الله سبحانه وتعالى، وابتلانا الله سبحانه وتعالى بالإيمان بهم، اختبرنا الله سبحانه وتعالى بالإيمان.
هؤلاء الملائكة نؤمن بوجودهم وأنهم موجودون، وأنهم مكلفون، قد كلفهم الله سبحانه بأعمال يقومون بها، وهم مختارون في القيام بها أو عدم القيام بها، لكن الله سبحانه وتعالى قد جبلهم على الطاعة وجبلهم على ترك المعصية، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ليسوا مجبورين من جبر، لا، جبل، يعني جعل الله ذلك في فطرتهم، ولم نقل مجبورين؛ لأن الله سبحانه وتعالى امتدحهم على قيامهم بهذه الأعمال، فلا يمكن أن يمدحوا بشيء وهم مجبورون على فعله، إنما مدحهم الله لأنهم مختارون يفعلون أو لا يفعلون، لكن الله سبحانه وتعالى جعل في جبلتهم أنهم يفعلون ولا يعصون الله سبحانه وتعالى ما أمرهم به.
هذا عالم الملائكة. إيماننا بالملائكة ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الإنسان إلا بالإيمان بالملائكة، ولو قال إنسان يعني أنا سؤمن مثلاً بالله وملائكته ورسله، وجبريل وملائكته ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، لكن لا أريد أن أؤمن بميكائيل، هل هذا الإنسان يصح إيمانه؟ لا يمكن أن يصح إيمانه. لو أنكرت ملكاً، اسم ملك من الملائكة وهو ثابت في القرآن وفي السنة، أو أنكرت وظيفة من وظائف هؤلاء الملائكة الثابتة في الكتاب والسنة، فهذا كفر والعياذ بالله، ولا ينفع الإنسان إيمانه. لابد من الإيمان الكامل، الإيمان بالله وملائكته.
الإيمان بالملائكة ركن من أركان الدين وهو أصل في الإيمان بالوحي كما تقدم وله مكانة عظيمة، لذلك نرى كثرة ذكر الملائكة في القرآن، ونرى كذلك أن الله يقرن الإيمان به، يقرن الإيمان بالملائكة بالإيمان به، ويقرن اسم الملائكة باسمه وهكذا، دلالة على أهمية الإيمان بالملائكة.
الإيمان بالملائكة، نؤمن بهم إيماناً إجمالياً ونؤمن بهم إيماناً تفصيلياً. كيف يكون الإيمان بالملائكة الإجمالي؟ نؤمن أن الملائكة موجودون لأنهم خلاص ذكروا في القرآن، فتؤمن بوجود الملائكة، وتؤمن أن الله قد سماهم بأسماء لكن ما تدخل في التفصيلات. تؤمن بوجود الملائكة، تؤمن بأن للملائكة أسماءً، تؤمن بأن الملائكة لهم وظائف أعطاهم الله عز وجل إياها، تؤمن بمنزلتهم التي أنزلهم الله إياها، فهم ليسوا آلهة وليسوا بنات لله، إنما هم مخلوقات كرمها الله سبحانه وتعالى. هذا الإيمان الإجمالي؛ الإيمان الإجمالي بالوجود عموماً أن الملائكة موجودة، بأسماء، أن لهم أسماء، وأن لهم وظائف، وأن منزلتهم -ليسوا آلهة ولا بنات لله- منزلتهم اللائقة بهم، هذا الإيمان الإجمالي.
أما الإيمان التفصيلي، على حسب قراءة الإنسان في القرآن وفي السنة يبدأ يتعلم أسماء الملائكة التي وردت في القرآن؛ يتعلم جبريل، ميكائيل، إسرافيل، مالك خازن النار، منكر ونكير، يتعلم هذه الأسماء، أما عزرائيل هذا ورد في الكتب الإسرائيلية، فيبدأ يؤمن بهذه الأسماء على وجه التفصيل، والصفات التي ذكرت في القرآن والسنة تتعلق بالملائكة فيقرؤها ويؤمن بهذه الصفات تفصيلاً، يظام خلقهم، قدرتهم على التشكل، لا يتزاوجون، لا يأكلون ولا يشربون، الآن بدأ الإنسان يتعلم هذا.
ثم يتعلم الوظائف التي يقومون بها؛ الوظيفة الأولى إنزال الوحي، إنزال القطر، تدبير ما أمرهم الله عز وجل بتدبيره، وهكذا يبدأ يتعلم الوظائف. كلما تعلمت اسم من أسماء الملائكة، وكلما تعلمت صفة من صفات الملائكة، ووظيفة من وظائف الملائكة، كلما زاد إيمانك بالملائكة إيماناً تفصيلياً، هذا يسمى الإيمان التفصيلي. فمثل ما ذكرنا؛ يعني تبدأ تعرف أسماء هؤلاء الملائكة التي وردت في القرآن والسنة، تبدأ يعني تأخذ في الكلام عن صفاتهم أيضاً، تأخذ في الكلام عن وظائفهم، فهذه كلها مما تزيد الإيمان بالله.
أيها الأحبة في الله، هناك فرق كبير بين شخص يؤمن بالملائكة وشخص إيمانه بالملائكة ضعيف. أعطيكم هذا المثال، ثم سنعود إن شاء الله في المحاضرة القادمة ونكمل فيه: طالب علم يقرأ في الكتاب والسنة ويتعلم ثم ينتقل من مكان إلى آخر، يسافر من أجل العلم، يذهب إلى مكان آخر، من حي إلى حي آخر، يتنقل وقد يجد صعوبات حتى يصل إلى ذلك المكان في طلب العلم.
طالب العلم الذي يؤمن بالملائكة تجد عنده شيئاً غريباً؛ كيف هذا الشيء الغريب؟ هو يشعر أنه عندما يسير في طلب العلم خالصاً لوجه الله، يشعر أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع. إذا سافر من أجل طلب العلم يشعر أن الطريق يطوى له، يسافر مرة أخرى من أجل رحلة زيارة تمشي أشياء، ما يشعر أن هناك فرق بين سفره الأول الذي كان في طلب العلم والسفر الثاني الذي كان من أجل مثلاً السياحة، من أجل يعني نزهة، من أجل عمل، هناك فرق كبير بين السفرين.
طالب العلم عندما يجلس وهو يؤمن بوجود الملائكة، يشعر بشيء من الإيمان، يشعر أن الملائكة تحضر هذا الدرس، وأنها تصطف حول حلقة العلم حتى تصل إلى عنان السماء. طالب العلم، فرق من يؤمن بالملائكة وينطلق في الحياة وهو يشعر أن الملائكة عن يمينه وعن يساره كراماً كاتبين، حاله مختلف تماماً عن حالة الذي يعيش وموضوع الإيمان بالملائكة غائب عن ذهنه. يؤمن بالملائكة، لكن هل هو يحرك هذا الإيمان بالملائكة في قلبه؟ هل هو يستشعر هذا الإيمان بالملائكة في قلبه؟ فرق بين من يعيش مستشعراً، وما بين من يعيش غافلاً عن الإيمان بهذا الركن.
نكتفي بهذا القدر في هذه المحاضرة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما قلناه نافعاً خالصاً نوافق فيه سنة النبي صلى الله عليه وسلم والحق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي