تسجيل الدخول

المحاضرة 14 - العقيدة - المستوى الثالث - د. أبو زيد مكي - حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبه في الله، في هذه المحاضرات الأربع القادمة بمشيئة الله -المحاضرة الرابعة عشرة، والخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة- سنتحدث بمشيئة الله في هذه المحاضرات الأربع عن بعض المسائل المتعلقة بباب الأسماء والأحكام، أو بحقيقة الإيمان وحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة. وقد نجري مقارنة مع حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر عند أهل البدعة والضلال بمشيئة الله.

سناخذ في هذه المحاضره حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة، ناخذ في هذه المحاضره إن شاء الله معنى الإيمان في اللغة، معنى الإيمان في الشرع، العلاقة بين الإسلام والإيمان في حال الاقتران. وسناخذ بمشيئة الله حقيقة الإيمان المطلق عند أهل السنة والجماعة، هذه المحاضرة الرابعة عشرة.

في المحاضرة الخامسة عشرة سناخذ مقارنة بين طريقة أهل السنة والجماعة وطريقة أهل البدعة والضلال في مسائل الأسماء والأحكام. المحاضرة السادسة عشرة سناخذ حقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة. المحاضرة السابعة عشرة سناخذ كيف حصل الغلو في التكفير أم إفراطاً؟

نأخذ إن شاء الله في هذا الدرس حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة. نبدا بمعنى الإيمان في اللغة، أيها الأحبة في الله، الإيمان في اللغة مشتق من فعل آمن. وفعل آمن له حالتان.

الحالة الأولى: أن يأتي متعدياً فينصب مفعوله بنفسه، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَآمَنَ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]، آمن الله قريشاً، فهنا آمن تعدت فنصب مفعولها بنفسها. فما معنى آمن في هذه الحاله؟ آمن إذا تعدت إلى مفعولها فنصبت به، ففي هذه الحاله معنى آمن أعطاهم الأمان، آمنهم من خوف يعني آمنهم. هذا المعنى الأول لكلمه آمن.

والحالة الثانية لآمن: أنها تاتي متعدية إلى من تضاف إليه بصلة. الصلة إما الباء كقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]، آمن المؤمنون بالله، فهذا الجار والمجرور في محل نصب مفعول به. فالمقصود هنا تعدت إلى من تضاف إليه بصلة، كانت هذه الصلة الباء (قولوا آمنا بالله)، أو تاتي الصلة اللام مثل قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: 75]، يؤمن اليهود لكم، فهنا تعدت إلى من تضاف إليه بصلة اللام.

في الحالتين -سواء تعدت إلى من تضاف إليه بالباء أو باللام- فإن معنى آمن هو صدق. فالمعنى هنا آمن صدق. نريد أن نتنبه إلى أمرين اثنين يا إخوان عندما نفسر الإيمان في اللغة بأنه التصديق؛ مثل هذه الحالة عندما يضاف يتعدى إلى من يضاف إليه بصلة الباء واللام يكون معناه التصديق.

نتنبه إلى أمرين اثنين إذا فسرنا الإيمان في اللغة بأنه التصديق: الأمر الأول: أنه ليس المراد به مجرد التصديق؛ لأن كلمة آمن فيها إضافة على التصديق. فالتصديق يا إخوان درجات. التصديق درجات، هناك تصديق يعتبر مجرد معرفة، وهناك تصديق يصدق الإنسان بقلبه لكن لا يجري أن يقول هذا الأمر بلسانه، ما وصل إلى مرحلة يكون فيها آمن أن يكون هذا الكلام لا كذب فيه البتة.

وأحياناً يرتفع منسوب التصديق حتى يصدق الإنسان بقلبه ويستطيع أن يغوله بلسانه، لكن لا يجري أن يمتثل هذا الأمر بجوارحه؛ لأنه ما وصل إلى مرحلة الأمن. مرحلة الأمن أن لا يكون في هذا الأمر كذب البتة.

وهناك مرحلة عليا، وهي المرحلة التي يجريء الإنسان فيها يصدق بقلبه ويجري أن يقول هذا الكلام بلسانه ويمتثل ذلك بجوارحه. عندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة هذه تسمى مرحلة الأمن، هذه تسمى مرحلة الإيمان. هذا التصديق الذي يكون معه أمن، ألا يكون في الكلام كذب البتة، ويكون فيه إقرار، ويكون فيه طمانينة، هذا التصديق هو الذي يسمى إيمان.

نوضح هذا لخطورة هذه القضية: لو أن مثلاً طلبة في الجامعات، فوجدنا إنساناً معروفاً بالكذب، مشهور أكبر كذاب عندنا في الجامعه مثلاً، ووجدناه عند البوابه قال: اليوم لا توجد دراسة، لا توجد دراسة اليوم، لا توجد دراسة اليوم. هل نحن سنصدق بقلوبنا؟ لا يمكن، لكن يصبح عندنا معرفة فنذهب داخلين الجامعة، داخلين.

فلو صادف هذا اليوم أن هذا الكاذب كان صادقاً وهناك أناس نحن سمعنا الخبر منه، وهناك أناس لم يسمعوا، هل بيننا وبين أولئك فرق؟ نعم بيننا فرق، نحن عندنا معرفة، لكن ما وصلت هذه المعرفة القلبية إلى درجة التصديق القلبي المؤثر على القلب أن يعمل القلب بعد ذلك بما وقع فيه من معرفة، ما وصل لهذه المرحلة، لكننا أفضل من الذي لم يسمع نهائياً. فنحن يكون عندنا مجرد معرفة، يكون عندنا تصديق قلبي غير محرك للقلب، غير محرك لأعمال القلب الأخرى، وهكذا. هذا يسمى تصديق، تصديق -يعني أدنى درجات التصديق- وهي مجرد المعرفة القلبية التي تنافي الجهل بهذا الأمر، يعني يصبح عندنا مجرد معلومات، لسنا جهلة فيه.

للأسف الشديد يا إخوان أن بعض الفرق الضالة -كالجههمية- اعتبرت، قالت: الإيمان في اللغة هو التصديق، وطالما أن هذه المعرفة القلبية التي هي ضد الجهل تسمى تصديق، فهذا هو الإيمان، فالايمان هو معرفة الله وعدم الجهل بالله. ما هذا الكلام؟ هذه فرقة فرقة الجهمية.

هناك حالة أخرى يا إخوان، أن يكون هذا الشخص الذي قابلناه عند البوابه لا نعرفه، لكن يبدو أنه منتسب للجامعة لكن لا نعرفه، ليس هو عضو في الجامعة وليس هو من الطلبة المعروفين عندنا، فقال: اليوم لا توجد دراسة في الجامعة. نصدق نحن بقلوبنا، لكنه تصديق لا يصل بنا مرحلة من الطمانينة أن نخبر الناس بألسنتنا أنه لا توجد دراسة في الجامعة، فنستر ونذهب للجامعة، لكن عندنا تصديق قلبي أنه ما يوجد، فقد لا يوجد دراسة في الجامعة. هذا بعض الفرق الضالة كجمهور الأشاعره، قالوا: من وصل من عنده هذا التصديق القلبي فهو مؤمن.

مرحلة ثالثة: أن يكون هذا الشخص دائماً نراه في الجامعه وقال: لا توجد دراسة اليوم. نحن يصبح عندنا تصديق قلبي، وقد نخبر الناس أنه لا توجد دراسة، لكننا نذهب ونتأكد؛ لأنه ما وصلنا إلى مرحلة، لكن لو قابلنا مثلاً عميد كلية وقال: لا توجد دراسة في الجامعة. مباشرة سنلف السيارة ونعود ونمشي؛ لأن عندنا أمن ألا يكون في الكلام كذب البتة، وهذا العميد فهذا يصبح عندنا عمل. هذه الدرجة هي التي تسمى إيمان.

إذا أصبح عندنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلنا فيه إلى مرحلة التصديق القلبي المحرك لأعمال القلوب الأخرى من الحب والخوف والرجاء، ووصل عندنا مرحلة أن نقول بألسنتنا، ووصل عندنا مرحلة أن نمتثل بجوارحنا، هذا يسمى إيمان.

قلنا إن الإيمان في اللغة مصدر مشتق من فعل آمن، وفعل آمن له حالتان. الحالة الأولى: أن يكون متعدياً ينصب مفعوله بنفسه، فيكون معنى الأمن هنا -معنى آمن هنا- معناه الإيمان، أعطاه الأمان، معناه: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4] يعني آمنهم أعطاهم الأمان. أو يكون متعدياً إلى من تضاف إليه بصلة، إما الباء أو اللام، فيكون معناه التصديق.

قلنا ندمج الأمرين عندما نفسر الإيمان لغة بأنه التصديق، نلاحظ الأمن؛ فإذا فسرنا الإيمان في اللغة أنه التصديق، فأي تصديق؟ التصديق الذي يكون معه أمن وإقرار وطمانينة. هذا أول ملحوظة.

الملحوظة الثانية يا إخوان: أن الإيمان التصديق في اللغة ليس مقصوراً على القلب، كما يظنه البعض. هناك بعض الناس يظن أن الإيمان في اللغة هو مجرد التصديق، أو أسف، هناك من الناس من يظن أن الإيمان في اللغة هو التصديق القلبي، وهذا غير صحيح، ليس مقصوراً على التصديق بالقلب، بل هو كما يكون بالقلب يكون باللسان ويكون بالجوارح أيضاً.

ما الدليل على ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: «العينان تزنيان وزناه النظر، والأذنان تزنيان وزناه السمع»، ثم قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». فنسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجوارح التصديق والتكذيب. فالتصديق ليس مقصوراً على القلب، كما يظنه البعض، بل كما يكون بالقلب يكون باللسان والجوارح أيضاً.

فإذا فسرنا الإيمان في اللغة بأنه التصديق، فلا نقصر التصديق على القلب أو على اللسان، لا، على القلب واللسان والجوارح. فأي نوع من أنواع التصديق الذي يقابل الإيمان هو التصديق الذي يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح؟ هذان التنبيهان إذا تنبه الإنسان إليهما في تفسير الإيمان لغة بأنه التصديق، كان هذا الأمر حاضراً عنده، سيجنبه كثير من الانحرافات التي حدثت في مسائل الأسماء والأحكام في هذا الباب.

ما معنى الإيمان شرعاً؟ عرفنا معنى الإيمان لغة. ما معنى الإيمان شرعاً يا إخوان؟ عندما تسألون هذا السؤال: الإيمان شرعاً ما معناه؟ مباشرة قل له: الإيمان شرعاً له حالتان.

الإيمان شرعاً له حالتان. الحالة الأولى: أن يأتي هو والإيمان -أسف- أن يأتي هو والاسلام في نص واحد، تسمى حالة الاقتران. حالة الاقتران أن يكون الإيمان والإسلام مقترنين في نص واحد، مثال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]، هذا مثال، هذه الحالة تسمى حالة الاقتران، أن يرد الإسلام والإيمان في نص واحد، ومثل حديث جبريل.

الحالة الثانية نسميها حالة الإطلاق. الإطلاق: كل منهما مفارق للآخر، الإيمان والإسلام. أن يرد الإيمان والإسلام، أن يرد كل منهما منفصلا في النصوص عن الآخر، مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، لم يذكر الإيمان. مثل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً﴾ [الأنفال: 2-4]، هل ذكر الإسلام؟ لم يذكر الإسلام. هذا يسمى حالة الإطلاق.

فما معنى الإيمان في حالة الإطلاق وفي حالة الاقتران؟ نبدا مثلاً بحالة -خلونا نبدا بحالة الإطلاق-.

الإطلاق: قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون﴾ [الأنفال: 2]. لاحظ التوكل، وجل القلب؛ هذه تتعلق بأعمال القلوب. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال: 3] تتعلق بأعمال الجوارح.

إذاً ماذا نقول؟ نقول هنا الإيمان في حال الإطلاق يراد به أعمال القلوب وأعمال الجوارح، يعني الدين كله. تعال مثلاً آية أخرى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. ما معنى الإسلام هنا؟ الإسلام هنا قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ هو الدين كله.

لاحظ في حديث وفد عبد القيس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأمر بالإيمان بالله وحده. أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم. الآن سيفسر معنى الإيمان، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا الخمس من المغنم».

ما هي الملاحظة التي تلاحظونها؟ لاحظوا أنه فسر الإيمان بأركان الإسلام. إذاً نقول: الإيمان في حال الإطلاق يراد به ما يراد بالإسلام في حال الإطلاق، ويراد بهما جميعاً الدين كله. فالإيمان والإسلام في حال الإطلاق يراد بكل واحد منهما ما يراد بالآخر، ويراد بكل واحد منهما الدين كله، يعبر عن الدين عن الدين كله؛ أعمال القلوب وأعمال الجوارح.

إذاً ما معنى الإيمان في حال الإطلاق؟ هذا يسمى الإيمان المطلق، الإيمان المطلق غير المقترن بالإسلام. فما معنى الإيمان في حال الإطلاق؟ الإيمان في حال الإطلاق هو الدين كله، ما يتعلق منه بالقلب وما يتعلق منه بالجوارح. ما يتعلق منه بالقلب: قول القلب وعمل القلب. ما يتعلق منه بالجوارح: قول اللسان وعمل الجوارح. ولذلك يسمى الإيمان المطلق، يقولون عنه: قول وعمل؛ قول قلبي وعمله، قول اللسان وعمل الجوارح. هذا الإيمان، معنى الإيمان شرعاً في حال الإطلاق، وسياتي مزيد تفصيل له بمشيئة الله.

ما معنى الإيمان في حال الاقتران مع الإسلام؟ لاحظوا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]. ما هو أول شيء يتبادر إلى أذهانكم من خلال هذه الآية؟ ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.

ألمنا أول شيء يتبادر للذهن أن بين الإيمان والإسلام فرقاً في المعنى؛ واضح؟ قالوا آمنا، قال لهم الله: ﴿لَا تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]. إذاً، بين الإيمان والإسلام فرق في المعنى. من الذي يوضح هذا الفرق في المعنى؟ يوضحه حديث جبريل. في حديث جبريل، سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت». هذه تتعلق بماذا؟ تتعلق بالجوارح؛ اللسان والجوارح. وسأله عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله». تتعلق بأعمال القلوب.

إذاً، في حال الاقتران، يكون الإيمان يتحدث عن جزء من الدين، ويكون الإسلام يتحدث عن جزء آخر من الدين. فالايمان يتحدث عن الجانب الغيبي من الدين الإسلامي والمتعلق بالقلب، والذي يقوم على ستة أركان وهي أركان الإيمان الستة. ولاحظوا الإسلام يتحدث عن الجانب الآخر في الإسلام، وهو جانب العلانية والجانب الظاهر من الدين الإسلامي، والمتعلق بالجوارح، والذي يقوم على خمسة أركان وهي أركان الإسلام الخسته المعروفة.

إذاً، الإيمان والإسلام في حال الاقتران، كل منهما له معنى مختلف عن الآخر، ويراد بالإيمان في حال الاقتران الجانب الغيبي من الدين الإسلامي والمتعلق بالقلب، والذي يقوم على ستة أركان وهي: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره. ناخذ فاصل ثم نعود للحديث عن الإيمان في حال الإطلاق بمشيئة الله.

الخطبة أولى خطوات الزواج ومقدماته، وقد حث الشرع على تيسيرها، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها». والمرأة التي يجوز خطبتها هي غير المتزوجة وغير المعتدة وغير المخطوبة، والتي ليس بها مانع من موانع النكاح من الخاطب. ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو من طلاق رجعي أو بائن، وأما التلميح بابداء الرغبة في الخطبة فمباشرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235].

ويستحب للخاطب النظر إلى المخطوبة لقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». ولجواز النظر إلى المراه المخطوبة شروطاً منها: أن يكون الخاطب عازماً على الخطبة، أن يغلب على ظنه الإجابة، أن يكون النظر بلا خلوة، أن يكون مقصده الاستعلام لا الاستمتاع، أن ينظر إلى ما يظهر غالباً كالوجه والكفين، ألا تكون المراه متبرجة أو متطيبة. ونظر المخطوبة إلى خاطبها كحكم نظره إليها، ويجوز للخاطب تكرار النظر إذا لم يكتف بالنظره الأولى، فإذا اكتفى بالأولى لم تجز له الثانية. ولا يجوز للخاطب مصافحة المخطوبة ولا مسها ولا الخلوة بها ولا الخروج معها؛ لأنها قبل عقد النكاح لا تزال أجنبية عنه.

وتحرم خطبة الرجل على خطبة غيره بغير أذنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». ولا يترتب على الخطبة حق للخاطب غير أنه مقدم في النكاح على غيره، فإذا فسخت الخطبة فإن للخاطب أن يسترد ما قدمه من هدايا؛ لأنها في حكم المهر أو هبة لأجل إتمام الزواج ولم يحصل، ولكن الأفضل ألا يستردها، خاصة إذا كان الترك من جهته.

وينبغي للولي أن يحرص على تزويج الكفء متى تقدم للزواج، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض».

حياكم الله أيها الأحبة بعد هذا الفاصل. وقفنا قبل الفاصل في بيان معنى الإيمان في حال الإطلاق وفي حال الاقتران، وقلنا: الإيمان في حال الإطلاق يراد به الدين كله؛ أعمال القلوب وأعمال الجوارح. وفي حال الاقتران، يراد بالإيمان أعمال القلوب والجوانب الغيبية من الدين المتعلقة بالقلب والتي تقوم على ستة أركان.

ما هي العلاقة بين الإسلام والإيمان في حال الاقتران؟ حتى نفهم هذه العلاقة يا إخوان، العلاقة بين الظاهر والباطن: نتخيل أمامنا شجرة، الشجرة هذه تقوم، الشجرة فيها جذور في الأرض، هذه الجذور الممتدة في الأرض هي مغيبة عن أنظار، لا نراها. هذه الجذور تمثل عندنا في الدين الإسلامي: الإيمان، والساق والفروع والثمار هذه تسمي هذا الجانب الظاهر من الشجرة يمثل في ديننا الإسلامي: الإسلام. ما هي العلاقة الآن بين الجذور، جذور الشجرة، وبين ساق الشجرة وفروعها وثمارها؟ ما العلاقة؟

إذا كانت الشجرة تجد غذاءها الجذور عن طريق الجذور، كانت الجذور هذه تجد الغذاء في هذه التربة وتمتد في الأرض، ما الذي يحصل للشجرة؟ الشجرة تكبر تكبر، والساق يعلو، والثمار تظهر، بسبب ماذا؟ بسبب الغذاء الذي يصل لساق الشجرة وفروعها من هذه الجذور. يا إخوان، لو كانت الجذور هذه صب عليها شيء، مثلاً بنزين ديزل، فاماته الجذور، ماتت الجذور، ما الذي يحصل للشجرة؟ الشجرة لكن لا يوجد لها غذاء، أمام الناس أنها شجرة، تبقى كم شهر هكذا ثم تسقط هذه الشجرة، شجرة ميتة. السبب أنه خلاص تحت ما في ما في جذور.

أمر ثالث من الملحوظات، لو أن الشجرة عبارة عن بذرة داخل الأرض ولا نراها، هل نعترف أن هذه شجرة أو تسمى شجرة؟ لا تسمى شجرة حتى يخرج الساق، عندئذ نقول هذه شجرة، فعلاً يوجد شجرة، أما هكذا مغيبة في باطن الأرض لا تسمى شجرة، ما أحد يسمي البذور التي داخل الأرض ولا يراها يسمي الأشجار حديقة، صحراء. ثم يا إخوان، عندما نرى الأوراق مخضرة جداً والثمار ظاهرة، ماذا نقول؟ نقول: الجذور يعني موجودة في الأرض وتجد الغذاء المناسب وجذور قوية وهكذا.

تعالوا الآن نتحدث عن العلاقة بين الإيمان والاسلام بعد فهمنا هذه الحقيقة: كلما كانت أركان الإيمان التي في القلب تجد غذاءها، يجد ركن الإيمان بالله غذاءه في توحيد الربوبية توحيد الألوഹية توحيد الأسماء والصفات، كان هذا القلب، هذا الركن الإيماني، الركن هذا الذي في قلب الإنسان الإيمان بالله يجد الغذاء، والإيمان بالملائكة يجد الغذاء، وركن الإيمان بالكتب يجد الغذاء، وركن الإيمان بالرسل يجد الغذاء، وركن الإيمان باليوم الآخر يجد الغذاء، وركن الإيمان بالقضاء والقدر يجد الغذاء. ما الذي يحصل؟ الجوارح، يظهر على الجوارح؛ يظهر على الجوارح التوحيد، يظهر على الجوارح الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج، سائر أنواع الأخلاق، بر الوالدين، صلة الأرحام، حسن الخلق مع الجيران، يظهر التمسك بالإسلام، يظهر الجهاد في سبيل الله، تظهر أعمال الإسلام الكثيرة الكثيرة بمقدار ما تجد الأركان هذه التي في قلب الإنسان، بمقدار ما تجد من غذاء، بمقدار ما يظهر على الجوارح من تمسك بالدين الإسلامي.

نعكس القضية: إذا رأينا شخص محافظ على الصلوات، محافظ على الصيام يصوم رمضان ويستكثر من الصيام، محافظ على الزكاة يحج يعمل الخير، ماذا نقول عن هذا الشخص؟ نقول: لابد طالما أعمال الإسلام ظاهرة عليه، لابد أن يكون في القلب إيمان، لابد. ما تغذى وما كانت هذه الجوارح مطيعة لله سبحانه وتعالى ومندفعه في أفعل الخيرات إلا لوجود غذاء قلبي، إلا لوجود هذا الإيمان، الإيمان بالله واليوم الآخر. بسبب قوة الإيمان بالله واليوم الآخر وجدنا هذا الشخص يكرم ضيفه، يحسن إلى جاره، وجدنا هذا الشخص صادق في حديثه، وجدنا هذا الشخص محافظ على الصلوات في الجماعة، وجدنا هذا الشخص متجنب المحرمات. هذا نقول هناك بإذن الله أن تكون أركان الإيمان قوية في قلبه.

وجدنا شخصاً يا إخوان الأعلام الخاصة بالدين الإسلامي لا يقوم بها، لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحج، أعمال الإسلام مهمة ما هي موجودة عنده الخاصة بالدين الإسلامي، ما يعمل بشيء من الدين الإسلامي، حتى لو قال إن في قلبه، نقول لا، ما ما نعرف بهذا الشكل هذا الدين الإسلامي، إذا كان القلب فيه إيمان لابد أن يظهر أثره على الجوارح. فاذا لم يظهر على الجوارح أثر الإيمان بالله واليوم الآخر والإيمان بالقضاء والقدر، لم تظهر آثاره على الجوارح، ما هو من أركان الإسلام، نقول هذا الإنسان ليس بمؤمن وإن زعم. مثل أن نقول هذه الأرض فيها بذرة، طيب ما راينا، أين الساق؟ ما نعت بهذي البذرة إلا إذا راينا الساق. وهكذا هذا الإيمان الذي في القلب إذا لم يكن هناك ما يمنع من ظهوره على الجوارح لن نقول أن هذا إيمان. الإيمان إذا استقر في القلب لابد أن تظهر على الجوارح أركان الإسلام، لابد لابد مهما كان، فهناك علاقة، علاقة قوية. فاذا وجدنا أركان الإسلام ظاهرة لكن ما في إيمان، هذا نفاق والعياذ بالله، ولا ينفع الشخص، فلا مثل الشجرة التي تكون جذورها ميتة ما تنفع، ما هي الشجرة هذه سرعة ما ستسقط.

فيا أيها الأحبة في الله، هناك علاقة كبيرة بين الظاهر والباطن، بين ما يكون في قلب الإنسان وبين ما يظهر على جوارحه، بمقدار ما يغذى قلب الإنسان بـتغذى أركان الإيمان في قلب الإنسان، بمقدار ما تظهر أعمال الجوارح.

طيب، بالنسبة للإحسان، أين مكانه؟ الإحسن يتعلق بأعمال القلوب، حسن العقيدة، حسن الاعتقاد في أركان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقضاء والقدر، أن تحسن هذه الأمور في قلبك فتؤمن بها كما طلبها الله سبحانه وتعالى منك، هذا يسمى إحسان. والإحسان يتعلق كذلك بأعمال جوارح؛ أن تعبد الله كأنك ترى الله أمامك، فإن لم تصل لهذهه المرحلة تستحضر رقابة الله سبحانه وتعالى عليك. فالإحسان مثله مثل تلك الخيوط المتصلة، الشعيرات المتصلة، أو الأنابيب المتصلة ما بين جذور الشجرة وما بين أعلاها. وهكذا الإحسان، الإحسان له صلة بالجذور بقلب الإنسان وله صلة بجوارحه.

ما هي حقيقة الإيمان المطلقة؟ ناخذ مقدمة ثم نكمل يعني الحديث عنها إن شاء الله في المحاضرة القادمة. يقول صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله». لاحظوا: الشهادة تتعلق بماذا؟ بقول اللسان يعني بالاصالة؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وادناها إماطة الأذى عن الطريق؛ تتعلق بالجوارح. والحياء شعبة من الإيمان.

فماذا نعرف الإيمان مطلقاً؟ طبعا الدين كله، لكن تقول هو عبارة الإيمان في حال الإطلاق عبارة عن قول عن قول باللسان والحياء شعبة، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. شهادة أن لا إله إلا الله قول، إماطة الأذى عن الطريق عمل. فنقول الإيمان في حال الإطلاق قول وعمل؛ قول يتعلق باللسان وبالقلب، وعمل يتعلق بالقلب وبالجوارح. الإيمان في حالة الإطلاق بمشيئة الله في المحاضرة القادمة نستكمل من هنا الكلام عن حقيقه الإيمان وما يتعلق به من زيادة ونقصان. نكتفي بهذا القدر في هذه المحاضرة على أمل اللقاء بكم في محاضره قادمة وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.