السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
اليوم بمشيئة الله في المحاضرة الخامسة عشر سنتحدث عن أمرين رئيسيين: الأمر الأول: بيان حقيقة الإيمان المطلق، بدأنا في المحاضرة الماضية شيئاً يسيراً منه، اليوم سنكمل عليه بيان حقيقة الإيمان المطلق. ثم الأمر الثاني: سنتحدث عن معنى الأسماء والأحكام، مسائل الأسماء والأحكام، ونعقد مقارنة بين طريقة أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والأحكام، وبين طريقة أهل البدعة والضلال في هذه المسائل.
أيها الاحبة في الله، في المحاضرة الماضية ذكرنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقلنا من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة». أريد منكم أن تساعدوني الآن في الاستنباط، وهو استنباط ظاهر ليس أشياء خفية يعني هكذا تحتاج إلى جهد. الإيمان بضع وسبعون شعبة، بعض الروايات بضع وستون، بضع وسبعون شعبة، إذاً ماذا نقول عن هذا الإيمان؟ هل الإيمان شعبة واحدة ولا شعب وأجزاء؟ بضع وسبعون شعبة، شعب وأجزاء. الشيء الذي له أجسام، هذا مركب ولا مفرد؟ مركب. فلذلك أهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان حقيقة مركبة.
ما معنى مركبة؟ يعني لها شعب وأجزاء. طيب قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة» إذاً هي حقيقة مركبة. انتبهوا، كل الفرق الضالة تقول عن الإيمان إنه شيء واحد لا يتجزأ، شيء واحد لا يتجزأ، إلا أهل السنة والجماعة يقولون: لا، الإيمان حقيقة مركبة من شعب وأجزاء، يعني تتجزأ حقيقة تتجزأ، وينبني على هذا موقف يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة سياتي الكلام عنهم.
الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها، ثم قال: وأدناها. إذاً لها شعب وأجزاء، وهذه الشعب والأجزاء لها أعلى ولها أدنى. طيب قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان. لاحظ الحياء عمل قلبي، وشهادة أن لا إله إلا الله قول اللسان يتعلق أيضاً بالقلب، ولاحظ إماطة الأذى عن الطريق تعلق بالجوارح، لاحظ قول وعمل. إذاً حقيقة مركبة لها شعب وأجزاء أعلى وأدنى.
هذه الحقيقة المركبة مركبة من ماذا؟ من أقوال وأعمال شعب أجزاء عبارة عن أقوال وأعمال. إذاً الإيمان المطلق حقيقة مركبة من شعب وأجزاء، من قول وعمل، لها أعلى ولها أدنى. طيب لاحظ، قال شعب أجزاء بضع وسبعون شعبة، من هذه الشعب والاجزاء مثلاً حسن الخلق مع الجيران، إماطة الأذى عن الطريق، الصلاة، الصوم، الزكاة، هذه كلها شعب وأجزاء الإيمان هذا المطلق.
طيب لاحظ، إذا ذهب القول كله، فذهب منه ضمن هذا القول الذي ذهب شهادة أن لا إله إلا الله، فذهب القول كله، انتفت الحقيقة، انتفت حقيقة الإيمان المطلوب شرعاً، انتفت الحقيقة، وإذا ذهب العمل كله انتفت الحقيقة. يعني أعطيكم مثال: لو طلبت أن نحضر يدين، فهذه يدين، فإذا حضرت يد واحدة، هذا المطلوب ما تحقق، لأن المطلوب يدين، لو أخفيت اليمين ما حصلت الحقيقة، لو أخفيت اليسار ما حصلت الحقيقة. إذاً لو ذهب القول كله انتفت الحقيقة، لو ذهب العمل كله انتفت الحقيقة.
طيب لو عندنا الآن يدين، ثم بعض الاصابع ليست موجودة، ذهب اصبع من اليمين، ذهب اصبع من اليسار، هذه يدين ولا لا؟ يدين، لكنها ناقصة، ناقصة، لكنها يدين، الحقيقة موجودة ناقصة. وهكذا في الإيمان: إذا ذهب بعض القول أو ذهب بعض العمل مما لا يعتبر ذهابه من نواقض الإيمان، لم يرد في الشرع أن هذا ذهابه من نواقض الإيمان، لكن ذهب مثلاً في أعمال الجوارح ذهب إماطة الأذى عن الطريق، ذهب في مثلاً الاقوال ذهب مثلاً الصدق، ذهب ذهب شيء ما يعتبر من نواقض الإيمان، فإذا ذهب بعض القول أو ذهب بعض العمل مما لا يعتبر ذهابه ناقضاً، فانه يبقى البعض الآخر، وهذا معنى حقيقه مركبة من شعب وأجزاء.
بناءً على ذلك ما حكم مرتكب الكبيرة؟ نقول: ذهب بعض القول أو ذهب بعض العمل، مثلاً وقع في الزنا فذهبت العفة عنه، فهو فذهب بعض العمل عنده، أو مثلاً الإنسان اخلف في وعده مثلاً فذهب بعض القول كذب في قوله، أو مثلاً بهذا الشكل، فاذا ذهب بعض القول أو ذهب بعض العمل مما لا يعتبر ذهابه ناقضاً، ناقضاً من نواقض الإيمان، نقول: نقصت الحقيقه بمقدار ما تذهب من الشعب، تزيد هذه الحقيقه فيزداد الإيمان، وبمقدار ما تذهب بعض الشعب ينقص الإيمان، إذا كانت هذه الشعب التي ذهبت ليست من نواقض الإيمان.
ولذلك قلنا عن هذه الحقيقه: تزيد وتنقص، تزيد بزيادة الشعب بزيادة الإيمان، وتنقص بنقصان هذه الشعب. إذا اتضح، نقول: حقيقه الإيمان المطلق حقيقه مركبة من قول وعمل، وهذه الحقيقة المركبة من قول وعمل لها شعب وأجزاء، وهذه الشعب لها أعلى وأدنى، إذا ذهب القول كله انتفت الحقيقة، إذا ذهب العمل كله انتفت الحقيقة، إذا ذهب بعض القول أو ذهب بعض العمل مما لا يعتبر ذهابه ناقضاً من نواقض الإيمان بقيت الحقيقة لكنها ناقصة، وهذه الحقيقة تزيد بزيادة الإيمان وتنقص بنقصان الإيمان، تزيد بزيادة الشعب وتنقص بنقصان الشعب.
هذه الحقيقة قول عمل، نقول: قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح. ما المراد بقول القلب؟ هل القلب يقول؟ نعم القلب يقول، ما قوله؟ قوله تصديقه وإيقانه واقراره بأركان الإيمان وبكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا قول القلب. لاحظوا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قلوبهم﴾ [المائدة: 41] (يعني لم يقولوا ذلك بقلوبهم). إذاً القلب يقول، لكن الإيمان قول القلب وقول اللسان، فأثبت لهم قول اللسان ونفى عنهم قول القلب، وسمى قول القلب إيماناً، لكنه لما نفى عنهم قول القلب نفى عنهم الإيمان. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [المائدة: 41] (يعني ولم يقولوا ذلك بقلوبهم ولم تؤمن قلوبهم). وأيضاً هذا يدل على أن قول القلب من الإيمان ومعناه تصديقه وإيقانه، هذا معنى قول القلب.
عمل القلب ما المراد بعمل القلب؟ عمل القلب هو انقياد القلب وإذعانه بتحقيق أعمال القلوب من إخلاص لله بجميع أنواع العبادة، انقياد القلب إذعان بتحقيق أعمال القلوب من الإخلاص والحب والخوف والرجاء. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2]. قال الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. قال الله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]. ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. فهذا قول القلب وهذا عمل القلب. ناخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بمشيئة الله.
يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً. الحجاب شعار المؤمنات وزي العفيفة الطاهرات، وتحبيب الفتاة في ارتدائه سهل يسير لكنه يحتاج إلى بضع خطوات: منها يبدأ الوالدان مع ابنتهما في التزام الحجاب بالتدرج منذ الصغر فقد تتشكل لديها مع الوقت قناعات خاطئة تصعب معالجتها، أن يغرس في ابنتهما نبته المراقبة والخشية ويرسخ في ذهنها أن الله يرضى عن المرأة العفيفة المحتشمة المطيعة لأوامره، أن يظهر إعجابه بالحجاب وذلك بالحديث عنه كثيراً أمامها مع ذكر صفاته ومحاسنه، الحرص على أن تصاحب الابنة الفتيات الصالحات المحجبات فالصحبة الصالحة لها أكبر الأثر في السلوك والأخلاق، أن يمنح الوالد الأم فرصة اصطحاب ابنتها لدروس العلم وحلقات القرآن إذ ينبغي أن تكون محجبة أثناء ذلك مما يعودها ارتداء الحجاب، استخدام الهدية والمكافأة التشجيعية وإعلام الفتاة أن المكافأة الكبرى إنما هي في تحصيل مرضاة الله تعالى.
حياكم الله أيها الأحبة، قلنا إن حقيقة الإيمان المطلق قول عمل؛ قول القلب وعمل القلب، قول القلب تصديقه وعمل القلب إخلاصه ومحبته وهكذا. وأيضاً قول اللسان، المقصود بقول اللسان هو أن يتكلم الإنسان بكلمة الإسلام فينطق بالشهادتين ويقر بلوازم يقر بهذه اللوازم، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قال الله عز وجل: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] فلا بد أن يقول الإنسان إنه آمن بالله، قال الله عز وجل: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ [الشورى: 15]، قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». فلا بد من قول اللسان.
أيضاً يدخل في حقيقة الإيمان المطلق عمل الجوارح، ما المقصد بعمل الجوارح؟ الالتزام العمل الظاهر بفعل الواجبات وترك المحرمات، يقول امتثل فيبدأ في الالتزام بهذه الواجبات ويترك هذه المحرمات، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال: 2-3]، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] (أي صلاتكم إلى بيت المقدس)، وحديث الإيمان بضع وسبعون شعبة وقال: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» وهكذا.
طيب يا إخوان، هنا مسألة تتعلق بأعمال الجوارح أريد منكم أن تهضموها وتنتبهوا لها، لأنها صارت فتنة في العصر الحاضر بين أهل السنة والجماعة في مسألة عمل الجوارح. أريد منكم أن تضبط هذه المسألة، عمل الجوارح يا إخوان في الإيمان، في حقيقة الإيمان المطلق، عمل الجوارح: شرط صحة أم شرط كمال؟ كل منكم يسجل الإجابة الصحيحة أمامهم حتى يكون اعتراف. عمل الجوارح شرط في حقيقة الإيمان المطلق، شرط صحة أم شرط كمال؟
طيب الجواب، من قال إن عمل الجوارح شرط صحة، هذا القول سيذهب به مع مضي الوقت إلى أن يعتنق مذهب الخوارج والعياذ بالله، فينبتبه لهذا. إذاً الجواب أنه ماذا؟ شرط كمال، الذي يقول إن عمل الجوارح في الإيمان شرط كمال، هذا المذهب سيذهب به هذا الأمر سيذهب به مع مضي الوقت إلى أن يعتنق مذهب المرجئة. طيب ايش نقول؟ لا شرط صحة ولا شرط كمال خطأ، شرط صحة وشرط كمال في الوقت ذاته خطأ. طيب ايش الجواب؟
الجواب أن التعبير بكلمة شرط خطأ خطأ، يعني عمل الجوارح لا نعبر عنه بكونه شرط في الإيمان. الآن احنا ما قلنا حقيقة الإيمان المطلق، حقيقته مكون من أربعة أركان: قول القلب، عمل القلب، قول اللسان، عمل الجوارح. عمل الجوارح في الإيمان ما هو ركن؟ عمل الجوارح ركن في الإيمان، أما الشرط بتعبير الفقهاء يعني الخارج عن حقيقة الشيء، مثلاً شروط الصلاه هل هي داخله في حقيقة الصلاة؟ فهكذا الإيمان لما نقول عمل الجوارح شرط، إذاً نحن الآن خرجنا بره، يعني كان عمل الجوارح خارج عن الإيمان، ونحن قلنا: لا، عمل الجوارح داخل في حقيقة الإيمان. ولذلك التعبير بكلمة شرط خطأ لا تستخدم، تقول عمل الجوارح شرط، عمل الجوارح إذا اردت تستخدم التعبير الشرعي تقول شطر، عمل الجوارح مثل الطهور، عمل الجوارح شطر الإيمان، فعمل الجوارح شطر في الإيمان، ركن في الإيمان، عبروا بهذا التعبير.
لو قال قائل: عندنا يعني الشرط ما نقصد به الشرط حتى تكون الحقيقة موجودة، يعني وهو يكون داخلها، ونريد أن نستخدم كلمة شرط، نقول: إذا اردت تستخدم كلمة شرط فلا بد أن تفرق بين جنس عمل الجوارح وبين آحاد عمل الجوارح. جنس عمل الجوارح، يعني الأعمال الجوارح المعروفة أنها من الدين الإسلامي، لابد تفرق بين هذه الأعمال كلها الدائرة كاملة وبين آحاد ما هو داخل الدائرة، فوجود الدائرة لا شك أنه شرط صحة، إن اردت تستخدم كلمة شرط تقول جنس عمل الجوارح، جنس عمل الجوارح شرط صحة في الإيمان، وآحاد عمل الجوارح منه ما هو شرط ومنه ما هو منه ما هو شرط صحة ومنه ما هو شرط كمال.
فترك الشرك مثلاً هذا شرط صحة، وإماطة الأذى عن الطريق هذا شرط كمال يكمل به الإيمان، لكن إن ترك الانسان ذلك فإنه ينقص إيمانه. إذاً إذا اردنا نستخدم كلمة شرط ولا بد، فلا بد أن نفرق بين جنس عمل الجوارح وبين آحاد عمل الجوارح، فجنس عمل الجوارح شرط صحة، والآحاد منه ما هو شرط صحة ومنه ما هو شرط كمال.
ننتقل لقضية الأسماء والأحكام. ما معنى الأسماء والأحكام؟ نسمع مسائل الأسماء والأحكام، باب الأسماء والأحكام في العقيدة. الأسماء المراد بالأسماء والأحكام في علم العقيدة: يعني الأسماء التي وردت في الشرع لمراتب الدين الإسلامي، الإسلام، الإيمان، الاحسان، وما يضاد ذلك مثل الكفر، الشرك، النفاق، الفسق، هناك سنة وهناك بدعة، وهكذا. الأسماء، يعني الأسماء المتعلقة بمراتب الدين الإسلامي وما يضادها. والأحكام، إنزال هذه الحكم بهذه الأسماء على الأعيان، فتقول: هذا مسلم، مؤمن، هذا مسلم، مؤمن، محسن، هذا انسان سني، هذا ثم تقول: هذا انسان كافر، هذا انسان فاسق، هذا انسان مبتدع، هذا هذه الأسماء هذه مسائل الأسماء والأحكام. الأسماء معناها عرفناه، والأحكام يعني إنزال هذه الأسماء الشرعية على الأعيان الحكم بها على المعينين. نقارن، نقارن سريعاً بين طريقة السلف وطريقة طريقة أهل السنة والجماعة وطريقة أهل البدعة والضلالة في مسائل الأسماء والأحكام. أول مقارنة أننا نجد أن السلف الصالح أن أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والأحكام
يلتزمون بالمعاني الشرعية. ما معنى الإيمان شرعاً؟ ما معنى الإسلام شرعاً؟ ما معنى الإحسان شرعاً؟ ما معنى الكفر شرعاً؟ ما معنى الفسق شرعاً؟ ما معنى السنة شرعاً؟ ما معنى البدعة؟ يلتزمون في مسائل الأسماء والأحكام بالمعاني الشرعية لا اللغوية، بخلاف أهل البدعة والضلال فإنهم يلتزمون بالمعاني اللغوية دون المعاني الشرعية على تقصير فيها.
فمثلاً نأخذ مثال الإيمان؛ الإيمان مثلاً في اللغة نقول هو إعطاء الأمان والتصديق مثلاً، فهم أخذوا الأمان في اللغة بأنه التصديق ثم سحبوه على أدنى درجات التصديق، ثم قالوا هذا هو المطلوب شرعاً. نحن لا نقول هذا الآن، الإيمان شرعاً جاء الشرع فجعل له حقيقة أخرى وضحها وقال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها وادناها» وهكذا، بين معنى للإيمان، بين معنى للإسلام، بين الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم...». ما هو الإحسان؟ الاتقان والإجادة. فلا نلتزم في هذه الأمور بالمعاني اللغوية، وإنما نلتزم بالحقائق الشرعية. هذا أول فارق بين أهل السنة والجماعة وأهل البدعة والضلال في مسائل الأسماء والأحكام.
نأخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
بشرى نازة أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة. كيف نطلب العلم في زحمة الانشغال؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات فيجب الاقلاع عنها فوراً وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن اغلاق المحل يوماً في الأسبوع مثلاً وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري. ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهاباً وإياباً في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات. واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالإنترنت والهواتف الذكية والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زاد.
وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم، وفي الحديث: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا». فاعمل لآخرتك يكفك الله هم الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة».
بشرى نازة أكاديمية كأزهار في البستان.
حياكم الله أيها الأحبة في الله. قلنا قبل الفاصل إن أول فارق بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والضلال في مسائل الأسماء والأحكام هو الالتزام بالمعاني الشرعية عند أهل السنة والجماعة، أما عند أهل البدعة والضلال فإنهم يلتزمون بالمعاني اللغوية.
الفارق الثاني أن أهل السنة والجماعة يقولون عن الإيمان بأنه حقيقة مركبة من قول وعمل، وكل أهل البدعة والضلال، كل الفرق الضالة في مسائل الأسماء والأحكام تقول بأن الإيمان حقيقة مفردة. بناءً على ذلك، أهل السنة والجماعة ما موقفهم من مرتكب الكبيرة؟ لأنه حقيقة مركبة من شعب وأجزاء، إذا ذهب بعضها بقي البعض الآخر، إذا ذهب بعضها مما لا يعتبر من نواقض الإيمان بقي البعض الآخر، فمرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة ماذا يسمى؟ يسمى مؤمناً ناقص الإيمان، يسمى مسلماً مؤمناً بايمانه فاسقاً بكبيرته.
أهل البدعة والضلال لما كان الإيمان عندهم شيئاً واحداً، شيئاً حقيقة شيء واحد لا يتجزأ يعني ليس له شعب وأجزاء، فإذا ذهب بعضه ماذا يقولون؟ ذهب كله؛ لأنه شيء واحد أصلاً، فإذا ذهب ذهب ما في ما يتجزأ أصلاً. بناءً على ذلك، الخوارج والمعتزلة يوافقون أهل السنة والجماعة في القول بأن الإيمان قول وعمل، لكن لكونه شيئاً واحداً لا يتجزأ فإذا ذهب بعض القول أو ذهب بعض العمل عندهم فإن الإيمان يذهب، فالخوارج يقولون عنه كافر مرتكب الكبيرة، والمعتزلة يقولون لا مؤمن ولا كافر، لكن يحكمون عليه بالخلود في النار كالخوارج؛ فلكونه قالوا الإيمان شيء واحد لا يتجزأ. المرجئة قالوا نحن نخرج العمل عن مسمى الإيمان ونقول الإيمان قول، بحيث نتفادى تكفير مرتكب الكبيرة. المقصود الفارق الثاني بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والضلالات أن أهل السنة والجماعة يقولون الإيمان حقيقة مركبة من شعب وأجزاء، وأهل البدعة والضلال يقولون الإيمان شيء واحد لا يتجزأ.
الفارق الثالث أن أهل السنة والجماعة يعملون بجميع النصوص الواردة في مسائل الأسماء والأحكام، فيعملون بنصوص الوعد ويعملون بنصوص الوعيد، أما أهل البدعة والضلال فيعملون ببعض النصوص دون بعض؛ فالمرجئة يعملون بنصوص الوعد دون نصوص الوعيد، والمعتزلة يعملون بنصوص الوعيد دون نصوص الوعد.
أمر رابع، فارق رابع يا إخوان بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والضلال في مسألة الذي يدخل في الإسلام: أهل السنة والجماعة يحكمون بالإسلام لمن نطق بالشهادتين عالماً بمعناه ملتزماً العمل بمقتضاهما؛ ينطق بالشهادتين ويكون عالماً بالمعنى يعني أنه لا يعبد إلا الله ويعبد الله بما جاء به رسول الله ويمتثل ذلك، فيقولون الله أكبر دخل في الإسلام. أما أهل البدعة والضلال فيتساهلون في الحكم له بالسلام حتى لو أن إنساناً ما نطق بالشهادتين وليس هناك مانع، لكن يقول مثلاً دينكم حق قالوا دخل في الإسلام، هذا إنسان مسلم، هذا لا يصلح، تساهل، هذا غير صحيح.
أمر خامس وهو مبني على هذا الإدخال؛ هذا التساهل عند أهل البدعة والضلال جعلهم يتساهلون في إطلاق الكفر عليه، على هذا المعين بمجرد أن يخالف منهجهم ومعتقداتهم يحكمون عليه بالكفر ويخرجونه من دين الإسلام. وأهل السنة والجماعة لا يشددون ويلتزمون بالشرع -كلمة تشدد عند بعض الناس أنها كذا- لكن يلتزمون بالشرع في سلب وصف الإيمان عن المعين فلا يكون إلا بمكرر شرعي؛ دخل الإسلام بيقين نطق بالشهادتين عالم بمعناه ملتزم العمل بمقتضاه، هذا يقين، فلا يخرج ولا يرفع عنه وصف الإيمان والاسلام إلا بيقين، وإلا يكون بمكر شرعي، ويكون بعد استيفاء الشروط، شروط التكفير، والتاكد من خلوه من موانع التكفير، ثم يكون الذي يقوم بهذا الاستيفاء من أهل العلم المعتبرين، يكون إنسان عنده علم بهذه المساله التي يكفر فيها وعنده قدرة على إقامة الحجة وإزالة الشبهة، وهذه أمور كثيرة تحتاج في قلب وصف الإيمان عن هذا المعين. هذه مقارنة سريعة بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والضلال في مسائل الأسماء والأحكام.
ننتقل إلى مسألة أخرى تتعلق بحقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة. خلونا ندخل في هذه، وإن كان لم نكن مرتبين في هذه المحاضرة أن ندخل، لكن وجد عندنا وقت. حقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة؛ نبداً بيان معنى الكفر في اللغة: الكفر لغة هو الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب يقولون كفر درعه، من غطى الحق فقد كفره، من جحد النعمة وغطاها فقد كفرها، من غطى الحبة بتراب الأرض فقد كفره. إذاً الكفر في اللغة هو الستر والتغطية.
ما معنى الكفر شرعاً عند أهل السنة والجماعة؟ هو عدم الإيمان، أو يقال هو نقيض الإيمان، أو هو نقض الإيمان؛ يأتي الإنسان بما ينقض هذا الإيمان فهذا يسمى كفراً شرعياً. لاحظوا يا إخوان الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل؛ قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح. فكذلك الكفر عندهم لأنه عدم الإيمان، فإذا عدم القلب عندكم كفر الإنسان، إذا عدم العمل عندهم كفر الإنسان، إذا عدم القول والعمل فهذا يسمى كفراً وهذا من باب أولى. وكذلك لأن الكفر هو نقيض الإيمان، فهو ارتكاب ناقض ينقض به الإنسان قول القلب أو عمل القلب أو قول اللسان أو عمل الجوارح، مما دلت عليه الشريعه أنه من النواقض؛ فإذا أتى الإنسان بناقض قلبي أو ناقض عملي وسنذكر نماذج على ذلك أو ناقض لساني أو ناقض يتعلق بأعمال الجوارح مما دلت عليه الشريعة أنه من النواقض، فهذا وقع في الكفر شرعاً.
فالكفر إذاً يا إخوان ليس خاصاً بقول القلب وعمله كما يتوهم البعض، بل كما يكون بقول القلب أو بعمل القلب يكون كذلك متعلقاً بقول اللسان، ويكون متعلقاً بعمل الجوارح أيضاً. فأي قول أو عمل يفسد أحد الأركان الأربعة من أركان الإيمان المطلق يعتبر مفسداً للإيمان بالكلية. وانتبهوا هذا ليس من الغلو يا إخوان، هذا هو ديننا؛ إنسان يأتي بناقض يتعلق باللسان مثلاً يسب الله ويقول أنا ما استحللت ذلك في قلبي، أو يقول أنا في قلبي ما أقول ذلك لكن هكذا يريد هذا، نقول لا هذا لا ينفع، طالما يسب الله، استهزأ بدين الله، هذا ناقض من نواقض الإيمان يتعلق باللسان ولا يشترط فيه استحلال القلب. أو يأتي إلى مصحف يدوس هذا المصحف ثم يقول لا أنا أرى دوس المصحف حرام، طيب ليش تدوس المصحف هكذا؟ نقول ما ينفعك هذا، هذا لا ينفع، لا يشترط أن تقول أنك مستحل بقلبك، هذا عمل من أعمال الجوارح هو في ذاته ناقض من نواقض الإيمان دوس المصحف متعمداً، فلا يشترط فيه الاستحلال. وهكذا يا إخوان ينبغي أن تفهم هذه القضية.
ننتقل إلى مسألة أنواع الكفر؛ الكفر نوعان: كفر أكبر مخرج من ملة الإسلام، وكفر أصغر لا يخرج من الملة. الكفر الأكبر هو الذي ذكرناه قلنا هو عدم الإيمان، عدم الإيمان بالله أو برسوله أو أحد أركان الإيمان، فعدم الإيمان بأركان الإيمان، بأركان الإسلام هذا كفر أكبر، سواء كان معه تكذيب أو كان معه شك أو أباء أو أعراض هذا كله كفر أكبر.
أما الكفر الاصغر فهو ما ورد إطلاق الكفر على فاعله مع دلالة النصوص على عدم خروجه من الملة، مثلاً قتال المسلم كفر وسباب، فسوق، لكن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ﴾ [الحجرات: 9] فلم يسلبهم وصف الإيمان رغم أنهم وقعوا في عمل هذا العمل سمي كفراً، فهذا يسمى كفراً أصغر، ومنه كفر النعمة.
وهكذا نقف عند هذا الحد، نكتفي في هذه المحاضرة بهذا القدر، ثم بمشيئة الله في المحاضرة القادمة نستكمل الكلام عن حقيقة الكفر عند أهل السنة والجماعة وعن أنواعه. إلى تلك المحاضرة استودعكم الله، وأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم الإيمان الصادق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمان. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى نازة أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. أبو زيد مكي القبي