يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة، تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة الخامسة من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الثالث من فصول أكاديمية زاد.
هذه المحاضرة، المحاضرة الخامسة، سناخذ فيها الركن الرابع من أركان الإيمان، وهو ركن الإيمان بالرسل. وسناخذ في هذه المحاضرة بمشيئة الله حكم الإيمان بالرسل، وحكمة الإيمان بالرسل السابقين، والفرق بين النبي والرسول لغة وشرعاً، وكيفية الايمان بالرسل عموماً والإيمان برسولنا صلى الله عليه وسلم خصوصاً. وناخذ أيضاً في هذه المحاضرة ما هي العقيدة الواجبة التي يجب علينا أن نعتقدها في رسل الله. هذه المحاضرة الخامسة بمشيئة الله.
بالنسبة لحكم الإيمان بالرسل: الإيمان بالرسل ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الإنسان إلا بالإيمان بالرسل جميعاً. قال الله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّه وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. وفي حديث جبريل عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فأجاب: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله»، هذا الركن الرابع، «واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».
أيها الأحبة في الله، ما رايكم في من يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبعيسى، وبموسى، وبشعيب، وبنوح، لكنه لا يؤمن بألياس، يقول عن نفسه إنه لا يؤمن بأن إلياس من الرسل، ما حكم هذا الشخص؟ لا يريد أن يعترف برسالة إلياس، ويقول: إلياس لم يكن رسولاً، هذا الإنسان لا ينفعه الإيمان ببقية الرسل حتى يؤمن بألياس، ولا ينفعه الإيمان ببقية الأركان، يؤمن بالله وملائكته وكتبه، ويؤمن باليوم الآخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره، وفقط في الرسل يؤمن برسل الله إلا إلياس، لا ينفعه. من كفر برسول واحد فقد كفر بجميع الرسل.
لاحظوا يا إخوان مع هذه الآية، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105]. كيف قوم نوح أول رسول أرسل لهم نوح، ما في قبل نوح رسول، آدم عليه السلام لكن آدم في الجنة ونبي، فنوح هو أول رسول. كذبت قوم نوح المرسلين، طب هم ما كذبوا إلا بنوح، لكن جعل الله عز وجل تكذيبهم لنوح تكذيباً لجميع الرسل. السبب أن كل الرسل قد جاءت مما جاء به نوح، فمن كذب بنوح فقد كذب بجميع الرسل، من كذب برسول واحد كذب بما جاء به، فقد كذب برسالة جميع الرسل.
هذه القضية لابد أن نعرفها وتكون واضحة عندنا. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّه وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّه وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 150-151]. من يؤمن بعيسى وموسى ويكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم أولئك هم الكافرون حقاً، من يؤمن بموسى ويكفر بعيسى وبمحمد أولئك هم الكافرون حقاً. لا يكون الإنسان مؤمناً حتى يؤمن بجميع الرسل، ويؤمن بموسى وعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم.
الذي يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بموسى وعيسى وإن زعم أنه يؤمن بموسى ويؤمن بعيسى. قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّه وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِم أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 152].
أيها الأحبة في الله، نكرر هذا أيضاً: ما الحكمة من الإيمان بالرسل السابقين؟ شعيب ونؤمن مثلاً بألياس ونؤمن بيونس، ما الحكمة من الإيمان بالرسل السابقين رغم أننا الذي أمرنا به أن نتبع محمداً صلى الله عليه وسلم، هذا نحن مامورون بهذا، فلماذا، ما الحكمة من الإيمان بالرسل السابقين وتعظيم هذا الأمر؟ الحكمة أن هو دين واحد، دين الأنبياء دين واحد، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بما جاء به الرسل، جاء بدين الإسلام. هذا الإسلام واحد، فعندما تكفر بالرسل السابقين أنت كفرت بالإسلام. الإسلام الذي جاءت به الرسل واحد، إنما الخلاف في الشريعة، في كيفية الصلاة، كيفية الصوم، الخلاف أن الاسلام جاء، وتلك الرسالات السابقة جاءت تعالج أشياء معينة، جاء الإسلام لكونه الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وهو الإسلام الخاص، جاء شاملاً لجميع مناحي الحياة، جاء شاملاً عاماً للناس كافة، جاء شاملاً لجميع الأزمان إلى يوم القيامة، هذا هو الفرق.
ولذلك نحن عندما نؤمن بالرسل لأننا نؤمن أن الدين واحد فقط، كل رسول كان يأتي بدين الإسلام وتكون له شريعة خاصة بتلك الفترة، كيفية الصلاة، كيفية الصوم وهكذا، عدد الصلوات يختلف، تحمل الإنسان يختلف، عمر الإنسان يختلف، الزمن طول الزمن وهكذا. المقصود يا إخوان هذه ناحية. الناحية الثانية أن عيسى عليه السلام وموسى كلاهما قد بشر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فما من نبي إلا وقد أخذ عليه العهد أن يؤمن بالنبي الذي بعده، وعيسى عليه السلام قد بشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد وهو رسولنا صلى الله عليه وسلم، فأيضاً إيماننا بالرسل فيه دليل على إيماننا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
أيضاً يا إخوان في دعوة لأولئك، أنكم إذا آمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد اشتمل إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم إيمانكم بعيسى وإيمانكم بموسى، وبالتالي لم تخسروا شيئاً، ليس هناك خسارة بل تؤتون أجركم مرتين؛ أجر الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأجر الإيمان بعيسى عليه السلام، وأجر الإيمان بموسى عليه السلام. ناخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.
القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة وصار إماماً في الدين. وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدؤون طلب العلم بحفظ القرآن. قال ابن عبد البر: ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالماً فقيهاً.
وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه. قال سعيد بن جبير: من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي. وبالتدبر يستنبط الدقائق والأحكام، ويستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشية والخشوع. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه. وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو اربح التجارات. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّه وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].
بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.
حياكم الله أيها الأحبة في الله بعد هذا الفاصل. الآن نريد أن نعرف ما الفرق، ما معنى الرسول والنبي في اللغة وفي الشرع، ما الفرق بينهما؟ الرسول في اللغة مشتق من الإرسال، وهو التوجيه برساله يحملها للغير فترسله، الرسول هو المبعوث بإبلاغ شيء، هذا معنى الرسول في اللغة. والنبي في اللغة، اختلفوا في اشتقاقه: النبي لغة هل هو من النبأ، والنبأ هو الخبر، فلكون النبي ينبأ يخبر من الله وهو ينبئ بما أنباه الله به، وهو يخبر عن الله، يخبر من الله ويخبر عن الله فسمي النبي نبياً من الخبر من النبا وهو الخبر؟ هذا واحد اشتقاق.
وقيل بل هو من النبيء بالهمز، والنبيء هو الطريق، لأن النبيء كان هو الطريق الموصل إلى الله فسمي النبي نبياً، نبي لأنه هو الطريق الموصل إلى الله يعني من النبيء. الثالث أنه من النبوة وهو العلو والارتفاع، فلأن النبي بسبب وصول هذا الوحي إليه يحصل له العلو والارتفاع فسمي نبياً. والراجح في اشتقاق النبي لغة أنه من النبا، لكن أيضاً لا مانع وهو الطريق الموصل إلى الله ويحصل له العلو والارتفاع بهذه النبوة، هذا تعريف النبي في اللغة.
هل بينهما فرق في الشرع؟ تعالوا يا إخوان نتأامل بعض الآيات. قال الله سبحانه وتعالى في صفة موسى عليه السلام: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ [مريم: 51]. وكذلك قال هذا، وكان رسولاً نبياً في صفة إسماعيل، فوصفه بأنه رسول ونبي، يدل على أنه في هناك فرق، هناك من يكون نبي ليس برسول، وهناك من يكون رسولاً ونبي في وقت ذاته.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52]. هذه الآية تدل دلالة واضحة من الرسول والنبي أن هناك فرقاً بين الرسول والنبي.
أيضاً الله سبحانه وتعالى وصف نبيه فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 157]. إذاً الرسول النبي، أسف، الذين يتبعون الرسول النبي، إذاً وصفه بالاثنين فدل ذلك على أن بينهما فرقاً. أيضاً في الحديث، ورد في بعض الأحاديث بيان عدد الأنبياء وعدد الرسل، ففرق بينهما في العدد، فأظهر أن عدد الأنبياء كثير. عدد الأنبياء ورد في ذاك الحديث أنه مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، يعني مئة وأربعة وعشرون نبي. والرسول من ذلك، من هؤلاء الأنبياء الرسل من ذلك، ثلاثمائة وخمسة عشر، جمع غفير، يعني عندنا ثلاثمائة وخمسة عشر نبي ورسول في الوقت ذاته، وعندنا مئة وأربعة وعشرون ألف نبي، منهم مئة وأربعة وعشرون ألف نبي منهم ثلاثمائة وخمسة عشر رسولاً. إذاً دل ذلك على أن هناك فرقاً بين النبي والرسول، وأن النبي أعظم، أسف، أن النبي دائرته أوسع وأن الرسول دائرته أضيق.
فكل رسول نبي، لكن ليس كل نبي رسولاً. إذاً هناك فرق بين النبي والرسول، وأن كل رسول يكون نبياً، لكن ليس بشرط أن يكون النبي رسولاً، هذه لابد تكون واضحة. فما الفرق بين النبي والرسول؟
هناك قولان شائعان الآن في الفرق بين النبي والرسول: القول الأول أن الرسول من أوحي إليه صار نبياً وأمر بتبليغ الرسالة فصار رسولاً، فالرسول نبي وأمر بالتبليغ، ويكون النبي أوحي إليه لأنه نبي لكن لم يؤمر بالبلاغ. هذا القول هو أشهر قول في الفرق بين النبي والرسول من ناحية الأمر بالبلاغ، فالرسول أمر بالبلاغ والنبي لم يؤمر بالبلاغ، والا كلاهما نبي.
ولكن هذا القول رغم أنه أشهر قول يذكر، إلا أنه قول ضعيف. السبب؟ السبب أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر أن هناك أنبياء أمرهم الله سبحانه وتعالى بالبلاغ، فكيف يكون نبي وأمر بالبلاغ؟ ثم ورد في بعض الأحاديث وصف الأنبياء أنه يأتي النبي وليس معه، يأتي النبي ومعه الرهط، يأتي النبي ومعه الرجل، ويأتي النبي وليس معه أحد، إذاً هم أمروا بالبلاغ وكانوا يبلغون الناس ويدعونهم، وكان هناك من يتبعهم. فالنبي أنه لا يؤمر بالبلاغ ويكتم هذا الوحي الإالهي، أيضاً كتمان الوحي والله عز وجل اخذ ميثاق النبيين أن يبلغوا ولا يكتمون هذا الوحي، إذاً هذا القول ضعيف جداً، فهذا التفريق بين الرسول والنبي من ناحية الأمر بالبلاغ هذا ضعيف.
هناك من يقول: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله. هذا أقوى قليلاً: الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله. لكن يشكل على هذا القول أن هناك رسلاً في بني إسرائيل ما جاؤوا بشرع جديد وسموا رسلاً، مثل سليمان وداود، كلاهما على شريعة موسى عليه السلام ما أتوا بشرع جديد لكنهم كانوا رسلاً إلى بني إسرائيل. فأيضاً هذا، وهناك من الأنبياء من سموا أنبياء لكنهم جاؤوا بشريعة. فماذا يبقى؟
يبقى لنا هناك قول فيه شيء من التفصيل وهو لشيخ الإسلام ابن تيمية، يقول: الفارق أن ننظر إلى القوم، والا كل منهم يوحى إليه ويأمر بالبلاغ، ننظر إلى القوم الذين أرسل إليهم ذلك النبي، فإذا كانوا القوم قوم كفار يخالفونه في المعتقد فيأتي يدعوهم إلى توحيد الله وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وبالتالي لابد أن ياتي يعلمهم شريعة، هذه الشريعة جديدة يلتزمونها، وقد ياتي لهم بشريعة من قبله لكنهم كفروا بها فيأتي فيجددها لهم ويدعوهم إليها، فهذا يكون نبياً ورسولاً لأنه قد بعث في قوم كافرين مخالفين له القول. وأما النبي فيبعث إلى قوم موافقين، وقد يأتي بشريعة جديدة فيكون مجدداً لهم أمر دينهم.
إذاً الفارق أن النبي يأتي إلى قوم موافقين له، والرسول يأتي إلى قوم مخالفين له كافرين به، فهذا قد يكون أقوى قول في التفريق بين الرسول والنبي. إذاً يمكن أن نقول: الرسول اصطلاحاً عبد اصطفاه الله بالوحي، وارسله إلى قوم كافر، أو عبد أرسل إلى قوم مخالفين ليجدد لهم أمر التوحيد. أما النبي فهو عبد اصطفاه الله بالوحي وأمره بالعمل به وإبلاغه في قوم موافقين له.
كيف نؤمن بالرسل؟ كيفية الإيمان بالرسل؟
الإيمان الإجمالي أن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى ما من أمة إلا وقد أرسل إليها رسلاً. فنؤمن بأن أولئك الرسل الذين ذكروا في القرآن وفي الحديث أنهم رسل الله حقاً إلى الاقوام الذين ذكروا أنهم رسل الله إليهم، ونصدق ما صح عنهم من أخبار. قال تعالى: ﴿وَلِعَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا وَلِثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا وَمَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت: 36، 41، هود: 84]. فنؤمن بهذا إيماناً إجمالياً، نؤمن أن الله قد بعث رسلاً إلى قوم سابقين، ونؤمن بالرسل الذين ورد ذكرهم في القرآن وفي السنة.
حياكم الله أيها الأحبه في الله. إذا وقفنا قبل الفاصل أننا نؤمن بالرسل إيماناً إجمالياً، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78]. فنؤمن بهم إيماناً إجمالياً. الإيمان التفصيلي لا نأتي للقرآن نأتي للسنة ثم نعد أولئك الانبياء والرسل ونؤمن بهم على وجه التفصيل. مثلاً نأتي لآية سورة الانعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83]. فنؤمن بثمانية عشر نبياً الذين وردت أسمائهم في مفصلة وهكذا، ونعد جميع الانبياء والرسل الذين ورد ذكرهم في الكتاب والسنة ووصل عددهم خمسة وعشرين رسولاً، فنؤمن بهم على وجه التفصيل، هذا يسمى إيمان تفصيلي.
يعني نؤمن بذلك الرسول باسمه والقوم الذين أرسل إليهم وأنه صادق فيما جاء به وأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهكذا. ونؤمن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه عبد الله، اصطفاه الله سبحانه وتعالى وجعله أهلاً للقيام بالرسالة تحمل الرسالة. فإن محمد صلى الله عليه وسلم نبي الله ورسوله مبعوث إلى الذين بعث فيهم صلى الله عليه وسلم وإلى من بعدهم من الانس والجن إلى قيام الساعة.
ونؤمن بأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل، وأن شريعته التي جاء بها هي ناسخه لجميع الشرائع وأنها واجب العمل بها إلى قيام الساعة. قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].
نؤمن إيماناً جازماً يا إخوان أن الله سبحانه وتعالى بعد بعثه محمد صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله من الإنسان التدين له إلا بالاسلام الخاص الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. الدين الاسلامي واحد بدون شك، لكن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أن يختم الدين الاسلامي ببعثه محمد صلى الله عليه وسلم وأن يجعل الشريعه التي انزلها على محمد صلى الله عليه وسلم هي خاتم الشرائع ولا يقبل الله التعبد اليه بغيرها. لا يقول انسان طيب من عبد الله عن طريق الشريعه الموسويه الشريعه العيسويه؟ نقول لا يقبل الله بعد بعثه محمد صلى الله عليه وسلم التعبد له إلا بما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم. ولو كان موسى حياً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ما وسعه بعد بعثه محمد صلى الله عليه وسلم ما وسعه إلا اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. هذا يكون عندنا أمر جزم ننتهي منه. نحن نؤمن بالشريعه نؤمن بالاسلام وأن دين الاسلام واحد ونؤمن بالشريعه التي جاء بها عيسى والشريعه التي جاء بها موسى والشرائع السابقه نؤمن بها، لكن نعتقد أن الشريعه التي انزلت على محمد صلى الله عليه وسلم هي الخاتم خاتم لتلك الشرائع وهي الناسخه لتلك الشرائع وأن الله لا يقبل التعبد له بغيرها بغير هذا الدين الاسلامي.
أيضاً يا إخوان سناخذ بعض الاشارات قبل أن ناخذ عقيدتنا في هؤلاء الرسل. نعتقد يا إخوان أنه لم تخلو أمة من الأمم من رسول أو نبي، وهذا من فضل الله وهذا يعني يجعلنا تزداد محبتنا لله وأن الله سبحانه وتعالى أراد هدايه البشرية. قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَن اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن مِّن أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44]. ونعتقد أن أول الرسل هو نوح عليه السلام وآخرهما محمد صلى الله عليه وسلم. ونعتقد أن اولي العزم من الرسل هم خمسة: محمد صلى الله عليه وسلم وإراهيم وموسى وعيسى ونوح، هؤلاء الخمسة هم أولوا العزم من الرسل. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: 7]. وقال الله عز وجل: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].
ما هي عقيدتنا في الرسل؟ عقيدتنا في الرسل أن هؤلاء الرسل بشر مخلوقون خلقهم الله سبحانه وتعالى، لكنه فضلهم على غيرهم بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى من العقول الذكيه والنفوس الطيبه. فالله سبحانه وتعالى لا شك أنه هياهم، لا شك أنهم أذكى من غيرهم وأنهم أزكى من غيرهم، وهكذا. لكن أن يكون هؤلاء الرسل من غير البشر لا يمكن. الله سبحانه وتعالى جعلهم بشر. فمن طالب أن يكون هؤلاء الرسل ملائكة أو اعتقد أنهم ملائكة أو اعتقد أنهم فيهم شيء من خصائص الله، هذا زعم باطل. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 94]. قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً، لكن الذين على الأرض هم بشر فأرسل الله عز وجل إليهم بشر مثلهم.
نعتقد أنه ليس لهم من خصائص الربوبية والالوهية شيء. قال الله عز وجل عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد الرسل وأعظمهم جاهاً عند الله، قال الله عز وجل: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188]. رسولنا صلى الله عليه وسلم ليس له شيء من تدبير أمر هذا الكون أو من علم الغيب صلى الله عليه وسلم. ليس له أن يتوجه إليه بشيء من انواع العباده لا بالدعاء ولا الاستغاثة ولا أي شيء من ذلك.
ونعتقد أن هؤلاء البشر تلحقهم خصائص البشريه من المرض والموت والحاجه إلى الطعام والشراب وغير ذلك. قال الله عز وجل عن إبراهيم أنه كان يقول في دعائه: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: 79-81]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني». ووصفهم الله عز وجل بالعبوديه له في أعلى مقاماتهم.
ونعتقد أن هؤلاء الرسل قد عصمهم الله، معصومون. عصمهم الله بحفظ ظواهرهم وبواطنهم مما تستقبيحه الفطر السليمة قبل النبوة. يعني لا يمكن أن يكون سارق، كاذب، أشياء أعوذ بالله. وحفظهم من الكبائر وصغائر الخسة بعد النبوة ووفقهم للتوبة والاستغفار من الصغائر ولا يقرهم عليه سرعان ما يرجعون. نؤمن بعصمة الرسل وأنهم في تحمل الرسالة معصومون يحفظون هذه الرسالة كما أعطوا يحفظونها ولا ينسون منها إلا ما أراد الله عز وجل. ونعتقد أنهم معصومون في البلاغ فلا يكتمون ولا ينسون. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: 67]. وقد بلغوا ذلك.
ونعتقد أنهم في مسائل كبائر الذنوب هم معصومون منها، لا كما تقول اليهود والنصارى في كبائر الذنب من زنا عياذاً بالله ومن فواحش ومن شرب خمر، هم معصومون من ذلك. أما الصغائر فهم غير معصومين منها لكن لا يقرون عليها ويوفقون للتوبة منها مباشرة ولهم كمال النهاية. ونعتقد أنهم بالنسبة للأعراض الجبليه البشريه يعني من الخوف ومن كذا أنهم غير معصومين منها.
ونعتقد أنهم في أمور القضاء لا يعلمون الغيب إنما يحكم بفق الأدلة التي عنده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصمان فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسبه أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها». هؤلاء ليسوا معصومين في أمور القضاء.
ثم أيها الأحبه في الله ينبغي لنا أن نعلم ونوقن أن هؤلاء الأنبياء قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى من الدلائل ما يبين صدقهم، سواء هذه الدلائل في أخلاقهم، سواء هذه الدلائل في الآيات التي يعجز عن مثلها البشر. هؤلاء أعطاهم ونعتقد أن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان له أكمل هذه الآيات وهذه الدلائل نستعرضها سريعا وإن شاء الله أن يكون لها في مرات أخرى الكلام عنها بالتفصيل.
النبي صلى الله عليه وسلم دلائل نبوته موجودة في أخلاقه صلى الله عليه وسلم. فقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم بلغ الغاية القصوى في كمال الاخلاق صلى الله عليه وسلم، وما كان يلقب إلا بالصادق الأمين. فأخلاقه الشخصية تدل على نبوته نوعاً ما. ما جاء يدل على نبوته الآيات والمعجزات التي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياها، وأعظمها القرآن أن يكون أمي ثم يأتي بهذا القرآن الذي فيه هذه الأخبار للأمم الماضية وما سيأتي في المستقبل، وفي هذه الشريعة لا يمكن أن يأتي بها إنسان لا يقرا ولا يكتب.
كذلك الآيات والمعجزات الكثيرة التي يعطيها النبي صلى الله عليه وسلم من تكثير الطعام ومن تكثير الماء وغيرها. كذلك إجابة الدعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيب الله عز وجل دعائهم. فكذلك المبشرات في الكتب السابقة. هناك أدلة كثيرة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وكل الأنبياء قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى ما يؤيدهم ويدل على صدقهم.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يملا قلوبنا يقيناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي