تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - العقيدة - المستوى الثالث - د. أبو زيد مكي - آثار الإيمان بالملائكة

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حيّاكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة الثانية من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الدراسي الثالث في هذه الأكاديمية التي أسال الله سبحانه وتعالى أن يطرح فيها البركة. أخذنا في اللقاء الماضي مقدمة عن الإيمان بالملائكة؛ تعريف الملائكة في اللغة والشرع، والإيمان بالملائكة على وجه الإجمال، والإيمان بالملائكة على وجه التفصيل، وأخذنا نبذة يسيرة عن بعض أسماء الملائكة، وعن بعض صفاتهم، وعن قدرتهم على التشكل، وعن وظائفهم، وهكذا. اليوم سنأخذ بعض المسائل المتعلقة بالإيمان بالملائكة، وناخذ آثار الإيمان بالملائكة في حياة الإنسان.

نبدأ بالمسألة المشهورة: هل إبليس من الملائكة أم لا؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فيقول بعضهم إن الله عز وجل أمر الملائكة فسجدوا إلا إبليس، فلما أمر الله الملائكة وإبليس من ضمنهم، إذاً إبليس هل هو من الملائكة أم من الجن؟ الصحيح أيها الأحبة في الله أن إبليس من الجن لصراحة الآيات في ذلك: ﴿وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.

وكذلك بعض الآيات الصريحة في أن الله سبحانه وتعالى خلق الجن من النار وخلق إبليس من النار؛ وهذا تصريح عندما قال الله سبحانه وتعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. إبليس يقول إنه خلق من النار، والمقرر عندنا أن الملائكة مخلوقة من النور. إذاً هذه الآيات صريحة في أن إبليس ليس من الملائكة، وإنما من الجن، لكنه عندما كان في ذلك المكان مع الملائكة شمله الأمر، كما يشمل الحليف لقَبيلِية الأمر للقبيلة كاملاً، يشمل ذلك الحليف فيها والمحالفة والعيش بينهم، فيشمله ذلك الأمر.

وأما قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، هذا لا يعني أن إبليس من جنس الملائكة، هذا يسمى استثناءً منقطعاً، مثل: «حضر القوم إلا حمارهم»، أو «إلا حمارهم»؛ ولكن حمارهم لم يحضر، فهذه بمعنى «ولكن»، فهذا يسمى استثناءً منقطعاً، والاستثناء المنقطع لا يشترط فيه أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منهم، وهذا معروف في اللغة. المقصود أن الصحيح أن إبليس ليس من الملائكة، وأن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

هناك مسألة أخرى أيضاً ليست بتلك الأهمية، لكن معرفتها مهمة: هل هاروت وماروت من الملائكة؟ فإما أن نقول إنهما ليسوا من الملائكة فنخرج من المسالة التي لو قلنا إنهما من الملائكة ستأتينا مسألة: كيف هاروت وماروت يقومون بتعليم من الملائكة، ويعلمون الناس معصية الله ويعلمون الناس الوقوع في السحر؟ ستبقى هذه تحتاج إلى تخريج آخر. لكن لو قلنا هاروت وماروت ليسوا من الملائكة انتهت الإشكالية، وليس المقصود هو بالهوى، لكن نتأمل هذه الآية: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾.

الراجح أن هاروت وماروت رجلان ببابل كانا يعلمان الناس السحر، فهما رجلان، أما الآية تقول: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ تسمى جملة اعتراضية، يعني السحر لم ينزل على الملكين، ويكون المقصود بالملكين هنا جبريل وميكائيل، لأن اليهود كانوا يقولون بأن جبريل وميكائيل هم الذين كانا يعلمان سليمان السحر، وبسبب ذلك كان سليمان مسيطراً على الجن. لكن هذه الآية تدل على أن هاروت وماروت من البشر، وكان بينهم وبين الشياطين تعاون، وكانوا هم الذين يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، وهؤلاء الشياطين يعلمون الناس معهم، وأما الملكان لم ينزل عليهما السحر. فهذا هو الراجح، لكن هذه المسألة الخلاف فيها يسير، فإذا ذكر أنهما هاروت وماروت من الملائكة فيكون الجواب أنهما إما يقال يعلمان الناس السحر يعني يعلمان أن السحر حرام، أو أنهم يعني الله عز وجل أذن لهم في ذلك ابتلاءً واختباراً للعباد، وهكذا من التوجيهات. لكن الراجح أن هاروت وماروت بشر في بابل كانوا يتعاونون مع الشياطين في تعليم الناس السحر.

بقي مسألة ثالثة أيضاً نذكرها وهي من المسائل أيضاً اليسيرة: أيهما أفضل الملائكة أم البشر؟ طبعا هذه المسيلة فيها كلام وفيها أقوال كثيرة، والصحيح والراجح أنه لا مجال للمفاضلة؛ يعني عندما تفاضل، أنت تفاضل في داخل النوع الواحد، أما بين نوعين مختلفين مختلفين في الخلقة، الملائكة مخلوقة من النور والبشر مخلوقين من الطين، السكن: أولئك يسكنون السماء وهؤلاء يسكنون الأرض، التكليف: أولئك يكلفون بأعمال وهم مجبولون على القيام بها، وهؤلاء يكلفون بأعمال مختلفة تماماً عن العبادات التي يقومون بها أولئك؛ فهم مختلفون في الخلقة، مختلفون في السكن، مختلفون في التكاليف الشرعية، وغير ذلك. سنكمل الكلام عن هذه المسالة بعد هذا الفاصل إن شاء الله.

حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا عند مسألة التفاضل بين الملائكة وبين البشر، وقلنا إنه لا مجال للمفاضلة بين نوعين مختلفين، مختلفين في الخلقة، مختلفين في السكن، مختلفين في التكاليف وغير ذلك. لكن إذا اردنا فقط من أجل المقارنة من ناحية العبادة أيهما أكثر عباده لله في هذه الدنيا؟ من هو أكثر عبادة لله في هذه الدنيا: الملائكة أم البشر؟ فلا شك أن الملائكة في هذه الدنيا هم لكونهم مجبولين على الطاعة وعدم المعصية لا يعصون الله، فهم في أمور العبادة لا يعصون الله، والإنسان قد تقع منه المعصية، وهكذا، فظاهرها أن الملائكة هم أكثر عبادة لله سبحانه وتعالى من البشر. لكن هذا الإنسان الذي يتعبد لله رغم أن عنده قدرة على الوقوع في المعصية ويحبس نفسه عن المعاصي ويفعل الطاعات، فيقال عنه هذا أصبح مَلَكاً، فيعني هذا فيه دعوة للإنسان أن يترفع عن المعاصي والمنكرات ويطيع الله سبحانه وتعالى، فتكون هذه المقارنة من أجل ماذا؟ من أجل حث للإنسان على أن يكون أكثر عبادة لله سبحانه وتعالى، وهكذا.

وهناك طريقة للمقارنة يقولون إنه بالنسبة للإنسان في هذه البداية، بالنسبة للإنسان الصالح في هذه الدنيا يكون لكونه عرضة للوقوع في المعصية والمنكرات وهكذا، لكن بالنظر إلى كمال النهاية بالنظر إلى البداية الملائكة أفضل، وبالنظر إلى كمال النهاية سيكون البشر أفضل، لأن البشر إذا صالحي البشر إذا دخلوا الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ثم الله سبحانه وتعالى لكونه ابتلاهم وكانوا مخيرين بين الطاعة والمعصية، واختبر الله فمن تعبد لله حتى وصل إلى رضوان الله وادخله الله عز وجل جنته، فهناك تكون في الجنة هم أفضل حالة من الملائكة. هذه المسألة من فضول المسائل يجب أن لا يخرج بها الإنسان عن حدها، وهي حدها الدافع للتعبد لله ليرتفع الإنسان إلى منزله يكون فيها أعظم عند الله من منزلة الملائكة.

ما هي ثمرات الإيمان بالملائكة؟ أو نأخذ بعض ثمرات الإيمان بالملائكة. بالله عليكم أيها الأحبة في الله، لو كان عند الإنسان يقين، ربّى نفسه حتى وصل بنفسه إلى مرحلة اليقين بأن هناك ملائكة، مَلَك عن يمينه ومَلَك عن يساره، ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، كان الإنسان يؤمن بالملائكة بالكرام الكاتبين، وأن الله سبحانه وتعالى قد جعلهم علينا حافظين، يؤمن بذلك، ما أثر هذا الإيمان على الإنسان؟ يعني انسان يمشي ويشعر أن هناك ملك عن يمينه وملك عن شماله، هذان مكلفان بكتابة الحسنات والسيئات، ما أثر هذا الإيمان على الإنسان؟ لو أنت الان تسير وارسلك والدك في مهمة وتسير في الطريق، وأخوك الأكبر وأخوك الأصغر كلاهما واحد عن يمينك وواحد عن يسارك وأنت تسير، وكل ما تفعل من خير يكتب وهذا يكتب ما تفعله من شر أو من خطا، كيف سيكون حالك؟ ثم كلاهما سيعود إلى الوالد ويبلغه. ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى، لكن هذا تقريب لمثل هذا الإنسان الذي يؤمن بالكرام الكاتبين، لا شك أنه أكثر استقامة على الدين ممن ضعف إيمانه بهذا الأمر، فلذلك الإيمان بالملائكة له أثر كبير على حياة الإنسان.

ناخذ مثال آخر في يوم الجمعة، وهذا الحديث في صحيح البخاري أخرجه بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالاول»؛ شوف أنت الان تخيل هذا الإيمان، تخيل هذا الموقف، أنت تؤمن بملائكة تقف على أبواب المسجد، باب ولا بابين ولا ثلاثة، ويكتبون من دخل الأول فلان ابن فلان، «ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة» لاحظ الآن كتابه أول في أول، ثم الأول فالأول.

فاذا خرج الإمام قال: بدأ الإمام يصعد على المنبر ويقول: السلام عليكم، هم ماذا يصنعون؟ طووا صحفهم. فاذا خرج الإمام طووا صحفهم يستمعون الذكر؛ إذا طووا الصحف هل توجد كتابة؟ بالله عليكم، شخص عنده يقين بهذا الأمر أن الملائكة تكتب الأول فالأول، وإذا بدأ الإمام صعد على المنبر أغلقوا ودخلوا في المسجد، معناها الذي سيأتي بعد الإمام سيكتب ولا لن يكتب؟ لن يكتب، لن تكتب الملائكه اسمه في ذلك الدفتر وانه حضر أول، خلاص انتهى الان الحضور المبكر انتهى. يعني يبقى هناك أجور أخرى، أتى بالفرض، أتى بكذا، أدرك كذا، لكن الكتابة تلك التي فيها هذا الحث انتهت. بالله عليكم، لو شخص عنده يقين بهذا هل يقبل أن يأتي صلاة الجمعة بعد أن يصعد الإمام المنبر؟ لا يمكن ذلك، لا يمكن ذلك، وتجد عنده همة وتجد عنده رغبة وتجد عنده مسابقة لأن يصل الأول.

أيضاً نسمع هذا الحديث، وأيضاً هذا الحديث أخرجه رواه أبو هريرة رضي الله عنه يقول قال صلى الله عليه وسلم: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاه العصر وصلاة الفجر». هذا الموعد: صلاة العصر وصلاة الفجر يتعاقبون، تأتي مجموعة صلاة العصر، ثم في صلاة العصر تأتي مجموعة أخرى وتذهب المجموعة الثانية في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الله سبحانه وتعالى وهو أعلم بكم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون، يعني أربع وعشرين ساعة: عصر إلى الفجر، والثاني من الفجر إلى العصر، وهكذا يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار.

هل الذي يؤمن بالملائكة بوجود الملائكة هل يمكن أن يترك صلاة الفجر وصلاة العصر، ويكون ليس ضمناً من هؤلاء الحضور الذين تشهد الملائكة بحضورهم ثم ترفع أمرهم إلى الله وتقول: عبادك التائية أسمائهم فلان وفلان وفلان وفلان، تركناهم الفجر كانوا يصلون، ثم جئناهم الفجر اليوم الثاني وهم يصلون، وهؤلاء يقولون: تركناهم العصر ثم عدنا لهم العصر مرة أخرى وهم يصلون؟ بالله عليكم، هذا المنظر هل يمكن أن يتساهل فيه الإنسان؟ يتساهل في صلاة الفجر وصلاة العصر وهو يعلم علم اليقين مثل هذا؟

أيضاً يا إخوان، الملائكة ورد في الحديث أن الملائكة تصلي على أحدكم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يُحْدِث» يعني ينقض الوضوء.

تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. بالله عليكم، شخص يشعر ما أثر هذه المعرفة عليه؟ يجلس في المسجد وهو يشعر أن الملائكة تدعو له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ما أثر هذا الأمر على حياة الإنسان؟ شيء عجيب يا إخوان! يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكتها يصلون على الصف الأول». لو أن إنسان يصلي في الصف الأول وعنده إيمان بالملائكة وأن الملائكة تصلي على أهل الصف الأول، هل يتاخر للصف الثاني؟ تجده حريصاً.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً». ما أثر هذا على الإنسان عندما يصلي الفجر؟ تجده يبحث عن مسكين يعطيه؛ لأنه يشعر أن الملائكة تدعو الله سبحانه وتعالى له بسعة الرزق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يؤمن بالملائكه إيماناً يقينياً لا شك فيه.

ناخذ فاصل ثم نعود إليكم.

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19].

وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط. قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف. قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف.

فأخلص النية واحذر من فسادها؛ كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهره، أو المراء والجدل؛ فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.

حياكم الله أيها الأحبة في الله، وأود منكم أن تملوا معي هذا الحديث، قد نتوسع فيه قليلاً، لكن تفهموه. هذا الحديث يرويه لنا أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً، سلك الله به طريقاً إلى الجنة». وفي بعض الروايات: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لط طالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر».

هذا الحديث يتحدث عن طلب العلم، وفيه جزء يتعلق بدرسنا، وهو ما يتعلق بالملائكة، لكن خلونا ناخذ الحديث بشكل عام، بشكل مختصر إن شاء الله. الذي يسلك طريق طلب العلم؛ سواء سلوكاً معنوياً بالقراءة والحفظ والدراسة، أو سلوكاً حسيًّا ينتقل ويذهب إلى المدرسة، يذهب إلى الجامعة، يذهب إلى المكان المخصص للدراسة. «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، يطلب فيه علماً»، ما أجره؟ أجره أن الله سبحانه وتعالى يسهل له طريق الجنة. فطلب العلم أيها الأحبة في الله هو أقصر طريق يوصلك إلى جنة الله ورضوانه. طلب العلم الشرعي يسلك بك إلى جنة الله ورضوانه.

هذا يحث الإنسان على طلب العلم. تريد الجنة التي عرضها السماوات والأرض، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ تلك الجنة التي فيها رؤية الله سبحانه وتعالى ولذة النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى، تلك الجنة التي فيها رسولنا صلى الله عليه وسلم، تلك الجنة التي فيها الأرائك وتلك النعيم المقيم، الشباب الدائم؟ أسهل طريق يوصلك إلى الجنة هو طلب العلم الشرعي.

الامر الثاني وهو الذي يتعلق بالملائكة. الآن أنت وأنت تطلب العلم، الملائكة تحترمك، تعظمك. الملائكة تقدر طالب العلم الشرعي، ومن تقدير الملائكة لطالب العلم الشرعي أنها تفرش أجنحتها له رضاً بما يصنع. يأتي أناس يستهزئون ويسخرون بمثل هذه الأحاديث، نحن نؤمن بها، فيقول شخص: طيب، يدعسون على أجنحة الملائكة، يكسرونها! هذا استهزاء وسخرية، لكن نحن نؤمن أن الملائكة من تقديرها لطلبة العلم تضع أجنحتها، تضع أجنحتها تواضعاً له، إكراماً له، تقديراً له، وقد تفعل شيئاً حسياً أنها تسهل له طريقه ذلك الذي يسافر فيه أو ذلك الذي يرحل فيه وتتعينه على ذلك. نؤمن بذلك أيها الأحبة في الله إيماناً لا شك فيه، نؤمن بهؤلاء الملائكة. وهذا طالب العلم عندما يفعل ذلك ويشعر أن الملائكة رسل الله يحترمونه، يتواضعون له، يثنون على فعله، هذا دافع كبير للإنسان على طلب العلم.

ثم أيها الأحبة في الله، هؤلاء العلماء إذا نشروا علمهم وبثوا علمهم، يصلح به العالم، تصلح به امور السماء فتنزل الامطار، وتصلح بها امور الارض، وتصلح بها امور البحار. ولذلك، من الذي يستغفر للعلماء؟ من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في جوف الماء؛ لأن لهؤلاء العلماء صلاحهم وإصلاحهم صلاح للعالم. ولذلك العالم كله يطلب المغفرة لهؤلاء العلماء لما يقومون به من إصلاح ومن خير. ولذلك أمر العلم أمره عظيم، يعني يكفيك هذا التقدير، العالم مثله مثل بقيه البشر لا بد أن يخطئ، لكن من يستغفر لك؟ كل من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء تطلب المغفرة لك عند الله، يا حظ هذا طالب العلم وهذه النعمه التي انعم الله سبحانه وتعالى عليه!

ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العابد له مكانة عند الله، لكن انظر إلى فضل العالم على العابد: «كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب». الكواكب ماذا تكون؟ النجوم، ما أثرها في ليلة البدر عندما تكون بالقمر؟ إذا جاء خلاص هو الذي يظهر في السماء وتلك النجوم تختفي، ففضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وفي بعض الروايات: «فضل العالم على العابد كفضل...» يقصد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على أدناكم، وهكذا. ففضل العالم له الفضل الكبير على العباد. وطلب العلم له فضل، وهو من العبادة لا شك في ذلك، لكن يقصد بالعبادة التفرغ للأشياء التي فيها إصلاح للنفس من قيام الليل ومن قراءة القرآن ونحو ذلك.

ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر». العلم لا شك أنه أفضل من المال بدون شك، لكن لا يعني ذلك أن الإنسان يهمل المال، لا، الإنسان يجمع المال، لكن جمعه للعلم هو الأهم؛ لأنه قد يجمع المال وإذا لم يكن لديه علم فإنه سيخسر في مال، ولكن إذا كان عنده علم وجمع هذا المال سلط هذا المال في صلاح الدنيا وفي صلاح الآخرة.

أيضاً أيها الأحبة في الله، لنأمل هذا الحديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل. ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله به طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة» -هذا الشاهد: حفتهم الملائكة- «وذكرهم الله فيمن عنده». قال صلى الله عليه وسلم: «ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه».

إذاً أيها الأحبة في الله، وأنت تقرا القرآن في حلقة من الحلقات، حلقات القرآن وأنت تدارس القرآن، تستشعر وجود الملائكة وأنها تحف ذلك المجلس. ثم بالله عليكم يا إخوان، اسمعوا لهذا الحديث وأثره على الإنسان! قال صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب: اللهم اغفر له، اللهم اغفر لفلان، اللهم اغفر لأخي فلان»، أنت وأنت تدعو، هناك ملك يؤمن ويقول: ولك بالمثل، ولك بمثل، ولك بمثل. هذا الإيمان بالله كيف يكون؟ تدعو لإخوانك، تدعو لأصحابك، تدعو لأصدقائك، تدعو لطلاب العلم: اللهم اغفر لهم، اللهم وفقهم، اللهم ارزقهم الإخلاص، اللهم ارزقهم الإخلاص، اللهم تقبل منهم، اللهم افتح عليهم يا الله، اللهم أنر بصائرهم. وأنت تدعو لهم هكذا، الملك يقول: ولك مثل، ولك مثل، ولك مثل. هذا سيجعلك أكثر دعاء وتضرعاً لإخوانك بظهر الغيب.

طيب، هذا الإيمان، هذا أثر الإيمان بالملائكة على الإنسان. الآن أنت تقول: ما من مسلم يصلي علي، يقول صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة، فليقل العبد من ذلك أو ليكثر». بالله عليكم، شخص يقول: اللهم صل على محمد، اللهم صل على محمد، ويشعر أو يوقن أن الملائكة تقول: اللهم صل على فلان، اللهم صل على فلان، اللهم صل على فلان، إلا صلت عليه الملائكة ما صلى عليه، فليقل العبد أو ليكثر. هذا يكون دافعاً للإنسان أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وهكذا يا إخوان، الإيمان بالملائكة له أثر كبير على حياة الإنسان، ولذلك يجب علينا أن نؤمن بهؤلاء الملائكة إيماناً بلا شك، ولا نجعل إيماننا بالملائكة عرضة للمنازعات والجدال، ويأتي شخص يطرح لنا شبهات، لا، هذا إيمان غيبي، إيمان غيبي نؤمن به ونعقد قلوبنا وضمائرنا عليه، ولا نقبل فيه التشكيك، ونعلم علم اليقين أن هذا الأمر، الإيمان بالملائكة، لأنه وارد في الكتاب وفي السنة أنه كذلك، موافق للعقول وليس هو مضاد للعقول ولا مخالف له، لكن تكون فيها حيرة؛ لأن الملائكة من عالم الغيب ولا نراهم، فنحار في كيفيته، نحار في طريقة أدائهم لمهامهم، وهكذا، هذا شيء، لكننا نؤمن بذلك.

ونؤمن بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام، رآه في السماء ساداً الأفق، له ستمائة جناح، نؤمن بذلك ولا عندنا شك في هذا ولا عندنا ريب في هذا، ولا نتقدم بين يدي الله ورسوله في مثل هذه الأمور البتة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يملأ قلوبنا يقيناً بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآني. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهاني. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.