السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله طلاب العلم في المحاضرة العاشرة من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الثالث من أكاديمية زاد. ومحاضرتنا لهذا اليوم رغم أنها تتحدث عن أنواع من الشركيات، سنتحدث عن شرك المحبة، شرك الخوف، شرك الرجاء، شرك التوكل، وسنتحدث بمشيئة الله عن الرياء وعن إرادة الدنيا بالأعمال الصالحة، لكن لكونها تتعلق بأعمال القلوب فهي محاضرة في غاية الأهمية.
قد يسألكم سائل ويقول: أنتم طلاب العلم، وأنتم على معرفة بدين الإسلام، وعلى معرفة بقال الله وبقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لكم دائماً تدعوننا إلى التمسك بدين الإسلام وتقولون إن التمسك بالدين الإسلامي يسعد الإنسان في الدنيا وفي الآخرة؟ يقول فسمعنا مواعظ، وسمعنا محاضرات، وسمعنا خطبكم، ثم تمسكنا بدين الإسلام، يقول البعض: لكن ما وجدنا إلا أن الطريق فيه متاعب، ومشاق، ومصاعب، ما وجدنا ما تقولون إنه سعادة وأنه راحة نفسية، وجدنا تعب. يقول: صلاة الفجر المحافظة على صلاة الفجر في الجماعة تعب، المحافظة على ورد قرآن يومي وحفظ قرآن والله تعب، قيام الليل تعب، الصيام تعب، بر الوالدين وصلة الأرحام تعب، ترك المعاصي والمنكرات تعب، تعبنا يقول، وأنتم تقولون سعادة، فكيف الوضع؟ فما هو جمعكم؟ ما قولكم؟
أتمنى كل واحد منكم يضع إجابة، يسجل عناصر واحد اثنين ثلاثة، ما إجابتكم على هذا؟ الدين الإسلامي من تمسك به وجد السعاده، وجد الراحة النفسية، الطمأنينة الداخلية، وجد سعادة القلب وسعادة البدن، يقول هو، لكن الواقع التزم هو فوجد تعب القلب وتعب البدن؛ تعب القلب بسبب الحرمان من الشهوات والأشياء التي كان يحبها فتعب قلبه، وتعب بدنه لأنه أصبح يقوم في اوقات يحب أن ينام فيها، أجهد ذهنه من الحفظ وطلب علم. فيقول: كيف الجمع؟ ما الحل أيها الأحبه في الله؟
الجمع والحل هو أن هذا الرجل ما فقه معنى لا إله إلا الله كما ينبغي. فمعنى لا إله إلا الله هو التعلق القلبي بالله سبحانه وتعالى، محبة الإله هو الذي تأله القلوب، تتعلق به القلوب. محبة، هل قلب هذا الإنسان امتلا بمحبة الله سبحانه وتعالى؟ هل قلب هذا الإنسان امتلا بالرجاء في ثواب الله على أعماله الصالحة؟ هل قلب هذا الإنسان امتلا بالخوف من وعيد الله ومن سخط الله ومن غضب الله؟ هل قلب هذا الإنسان امتلا بالتوكل على الله؟ هل قلب هذا الإنسان مستشعر رقابة الله سبحانه وتعالى عليه؟ هل قلب هذا الإنسان يرجو ثواب الله؟ لو كان كذلك لما وجد إلا الحلاوة، لما وجد إلا السرور والبهجة في قلبه وفي دنياه وفي بدنه، ووجد السعادة الحقيقية سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة، يجد يتذوق شيء من جنة الآخرة في هذه الدنيا.
لكن إذا ضعف حب الله، ضعف الخوف من الله، ضعف الرجاء فيما عند الله، ضعف التوكل على الله، ضعفت مراقبة الله، لن يجد إلا الضيق والهم والغم والكرب في التمسك بدين الإسلام، ولن يرى إلا المتاعب والمصاعب؛ لأنها موجودة، وحقيقة التمسك بالإسلام طريق فيه مشاق ومكاره، ﴿حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ﴾. الطريق فيه مكاره، فيه متاعب، فيه مصاعب، فيه مشاق، لكن إذا كان قلب الإنسان راض بأنه عبد لله، راض بربوبيته له أنه عبد والله هو الرب السيد يأمره وينهاه، وهو راض بعبوديته لله، وراض بشريعة الله، وراض بدين الإسلام، وراض بأن محمد بن عبد الله هو رسول الله، راض بهذا، سيجد لهذه المتاعب ولهذه المصاعب ولهذه المشاق، سيجد لها طعم.
ما نوع هذا الطعم؟ نوعه حلاوة، حلاوة يجدها في قلبه وبهجة وسرور في حياته، حتى أن الحلاوة هذه إذا شعر بها يبدأ يجادل في المتاعب والمصاعب والمشاق رغم وجودها حقيقة، رغم وجود المصاعب والمتاعب والمشاق في التمسك بالاسلام موجودة حقيقة، لكن يبدأ هذا الإنسان حتى هذه المتاعب والمصاعب والمشاق ينكرها. تعال إلى شخص وصل لمرحله الحلاوة هذه، قل له القيام لصلاه الفجر تعب، قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، متى كان القيام لصلاة الفجر تعب؟ والله اليوم الذي تفوتني فيه صلاة الفجر هذا هو يوم التعب. قل له بر الوالدين تعب، قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقول بر الوالدين تعب، متى كان بر الوالدين تعب؟ يقول: اليوم الذي تخرج من فمه كلمة غير جيدة مع والديه هذا اليوم هو التعب. تقول له: لكن ترك المعاصي والمنكرات ترك النظر إلى ما حرمه الله ترك الاستماع إلى ما حرمه الله تعب؟ وهو حقيقة تعب، ينكر: أعوذ بالله، متى كان ترك النظر إلى ما حرمه الله ترك النظر إلى النساء تعب؟ لا ما هو تعب، استغفر الله، يقول: كيف تعب؟ اليوم يقول الذي أنظر فيه إلى ما حرمه الله هو التعب، اليوم الذي استمع فيه إلى ما حرمه الله هذا هو التعب، اليوم الذي تمتد يدي إلى ما حرمه الله هو التعب، اليوم الذي تمشي رجلي فيه إلى ما حرمه الله هو التعب.
يقول: التمسك بالإسلام ليس بتعب، السبب يا إخوان أنه ملأ قلبه بالرضا وبالحب، بالححب لله ولرسوله ولدين الإسلام وللمؤمنين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً». قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». من قال من ملأ قلبه بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وحب دين الإسلام وحب المؤمنين، انقلبت في حق المتاعب والمصاعب والمشاق في التمسك بدين الإسلام، انقلبت في حق إلى حلاوة وسرور وبهجة وسعادة يجدها في نفسه ويجدها في حياته.
إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس وهكذا؛ فإن هذا لون من ألحاق الأذى بالمسلم لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك الاحتقار والحط من كرامته فيزيده ذلك غما وحزنا، لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].
ومن صور التناجي المحرمة: أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله وفي معناه أي معنى التناجي ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه لأن العلة موجودة. فإذا كان الحديث دائرا بين اثنين بدايه ثم أتى ثالث واراد ان يدخل بينهما فان ذلك لا يجوز إلا باذنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما».
وأعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحا بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، الثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه وإلا حرم. فتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
حياكم الله ايها الأحبة في الله، قلنا قبل الفاصل أن محبة الله هي في الحقيقه هي معنى هي المعنى الحقيقي لا إله إلا الله. فمعنى لا إله إلا الله أن قلبك معلق بالله تعلقا يوجب قصد الله بجميع أنواع العبادة، ولا تعبد إلا الله بسبب شدة محبتك لله جل جلاله، لكنها محبة التأله الموجبة قصد الله عز وجل بجميع أنواع العبادة التي بينها لنا رسول الله وأشهد أن محمداً رسول الله بينها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نلتزم بهذه العبودية لله في حياتنا فنسعد في الدنيا ونسعد في الآخرة، نسعد قلبا ونسعد بدنا، نصلح فردا ويصلح مجتمعنا متى ما فقهنا هذا الأمر.
أيها الأحبة في الله ينبغي لنا أن نعتني يوميا، في كل، بل في كل ساعة من ساعات اليوم، أن نعتني دائما بقضية الأصول الثلاثة، بقضية محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة الدين الإسلامي وكذلك محبة المؤمنين الذين هم يشاركون في هذا الأمر، الذين يحبون الله ورسوله ويحبون ويحبون الدين الإسلامي. عندما تملا قلبك يوميا بهذا الحب ستجد هذه الراحة النفسية وهذه السعاده.
محبة الله سبحانه وتعالى ينبغي أن نجلب لأنفسنا، أن نجلب هذه المحبة لأنفسنا، نجلب بتذكر نعم الله عز وجل علينا، نجلب بتذكر أن الله هو الخالق لنا من العدم سبحانه وتعالى وهو الذي أدر علينا أنواع النعم، نجلب بتذكر أن الله هو جالب المنافع ودافع المضار، أن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، نجلب بالقراءة في أسماء الله عز وجل وصفاته، نجلب بطاعة الله بالمحافظة على الصلوات والبعد عن المعاصي والمنكرات، نجلبها بمجالس الصالحين، وهكذا بالدعاء بقراءة القرآن نجلب محبة الله سبحانه وتعالى إلى نفوسنا.
ناخذ الضوابط الآن: ما ضابط محبة التأله؟ محبة الله سبحانه وتعالى هي محبة التأله وضابطها هي شدة التعلق القلبي بالله والموجب قصد الله بجميع أنواع العبادة.
المحبة أقسام: هناك محبة العبادة، ومحبة العبادة تنقسم إلى قسمين: محبة الله، ومحبة في الله. محبة الله شرحناه، محبة في الله أن تحب ما سوى الله سبحانه وتعالى إذا كان مطيعا لله، أن توافق الله سبحانه وتعالى في محبوباته، ما يحبه الله جل جلاله من الذوات، ما يحبه الله من الصفات، ما يحبه الله من الأفعال، ما يحبه الله من الأزمنة، ما يحبه الله من الأمكنة تحبه لمحبه الله له، فهذه المحبة في الله هذه محبة عبادة. فنحن نحب الأنبياء والرسل، ونحب رسولنا صلى الله عليه وسلم، ونحب صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحب المؤمنين، ونحب الصفات التي يحبها الله، هذا هذه محبة عبادة. هذه المحبة محبة الله ومحبه في الله هذه المحبة محبة العبادة.
وهناك محبة طبيعية. المحبة الطبيعية محبة الوالد لولده، محبة الزوج لزوجته، محبة الزوجة لزوجها، محبة الصديق لصديقه، هذه المحبة الطبيعية محبة الإنس.
وهناك محبة محرمة. المحبة المحرمة إذا أحببت أشياء وقدمت هذه المحاب، محاب هذه الأشياء على ما يحبه الله عز وجل ورسوله، هذه محبة محرمة. مثالها: إنسان يحب مثلا مشاهدة الكرة، فأذن المؤذن وهو يشاهد هذه المباراة، أقمت الصلاة وهو يشاهد المباراة، يا رب صلاتي ولا المباراة؟ فقدم في هذه الحالة مشاهدة المباراة على الصلاة في الجماعة ثم صلى بعد ذلك منفردا، هذا قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه الله سبحانه وتعالى منه في هذا الوقت. يحب الله عز وجل منك في هذا الوقت أن تكون في صلاة الجماعة فقدمت محاب محبة الهوى محبة النفس على ما يحبه الله. محبة الأبناء، محبة المال، محبة المسكن، محبة العشيرة، محبة التجارة، هذه المحاب إن قدمتها، قدمت مطالبهم على ما يحبه الله ورسوله فهذه محبة محرمة.
وهناك محبة شركية. متى يكون الحب شركا؟ الحب يصل إلى مرحله الشرك إذا أحببت هذا المخلوق وساويته بالله في المحبة الخاصة التي لا تصرف إلا لله، إذا أحببته محبة التأله، محبة التأله شدة التعلق القلبي، فتعلقت بهذا الميت، بهذا الولي، بهذا اللاعب، بهذا الفنان، تعلقت به، تعلق قلبك به تعلقا يوجب قصده بنوع من أنواع العبادة، فسجدت له، ذبحت له، نذرت له، استعذت به، استغثت به يعني فهذا يعتبر شرك المحبة وهو أصل الشرك. ما وقع الناس في الشرك في المخلوقين إلا بسبب هذه المحبة وهذا التعلق القلبي بهؤلاء الأشخاص بهذه الذوات.
هذا التعلق القلبي بهذه الذوات أوجب قصدهم بنوع من انواع العبادة، وقد لا يظن الإنسان أنه يعبده بذلك، قد يلبس على بعض الناس ما يصنعه مع محبوبيه ولا يظن أنه يعبده، فيطيع في معصية الله معتقدا حل ذلك، كما سياتي الكلام عن شرك الطاعة فيرى أنه الحلال ما أحل والحرام ما حرم، وانه هو بالدين فهو ما يقول هو هو الحلال وهو الحرام حتى لو خالف ما ما يعلم من الدين يقول لا هو هو خلاص ما يقلده هو هو الدين، وهذا هذا هذا من الغلو وهذا من الحب الزائد الذي جعل الإنسان يقع في الشرك شرك الطاعة، شرك الذبح يذبح له ويتقرب إليه وهو ميت، يتقرب إليه بماذا؟ يتقرب إليه بالدم وليس باللحم، أسف، يتقرب إليه بالدم وليس باللحم لماذا؟ لأنه ياتي إلى هذا الميت فيذبح. الميت هل سياكل هذا اللحم؟ لن يأكل هذا اللحم، إنما هو تقربه إليه كما يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، يريق هذه الذبيحة هنا هذه عبودية، من الذي سيأكل هذا اللحم؟
هذا يعتبر هذا الذبح يأتي من مسافة بعيدة ويقطعها ويظهر في قطعه لتلك المسافة إلى ذلك القبر يظهر تذلله ويظهر خضوعه ويظهر خشوعه لهذا الميت، هذا كله أنواع من أنواع العبادة. هذا التعلق القلبي بهؤلاء حباً في الأساس ويعتقد فيهم أنهم يعني لهم شفاعة عند الله، لهم وسائط عند الله وهكذا.
المقصود أن شرك المحبة هو أساس الشرك في بقية الأنواع. شرك المحبة خطير، التعلق القلبي بهؤلاء المحبوبين والموجب قصدهم بنوع من أنواع العبادة هذا يعتبر شرك المحبة.
وننتقل للخوف يا إخوان أيضاً عبادة. الخوف من وعيد الله، من سخط الله، من غضب الله هي لها جانب حب؛ هي جانب حب هذا المحب لله سبحانه وتعالى، من محبته لله لا يريد أن الله سبحانه وتعالى يسخط عليه، لا يريد أن الله سبحانه وتعالى يغضب عليه، فهي لها جانب يتعلق بالحب.
فمن حبه لله لا يريد أن الله سبحانه وتعالى يغضب عليه، فلا يفعل فعلاً مما يسخط الله سبحانه وتعالى.
حياكم الله أيها الأحبة في الله، قلنا إن عبادة الخوف عبادة عظيمة، ووصف الله عز وجل بها سادات المقربين إليه، وصف الله سبحانه وتعالى بعبادة الخوف وصف الملائكة، وصف الأنبياء والرسل، وصف الصالحين أنهم يخافون ربهم من فوقهم، أنهم يخافون من وعيد الله، يخافون من سخط الله، ويخافون من غضب الله.
وقلنا هي أيضاً تحمل جانب الحب؛ عندما أنت تحب شيئاً محبة عظيمة ما تريد أن هذا المحبوب يغضب، ما تريد أن هذا المحبوب يسخط، فهي من الحب أيضاً.
فكذلك نحن من حبنا لله سبحانه وتعالى لا نريد أن نفعل شيئاً أو أن نقول شيئاً مما يغضب الله سبحانه وتعالى علينا، فنخاف من هذه الناحية؛ نخاف بسبب حبنا لله، ونخاف لأن الله سبحانه وتعالى شديد العقاب، لأن الله سبحانه وتعالى عذابه لا يتحمله أحد، وسخطه وغضبه إذا غضب الله سبحانه وتعالى فانتقم من هذا العبد ماذا سيكون مصيره، ماذا سيكون حاله؟ فالإنسان لا يريد أن يغضب الله سبحانه وتعالى عليه.
الخوف أيها الأحبة في الله له أقسام؛ هناك خوف من الله سبحانه وتعالى. الخوف من الله ينقسم إلى قسمين: خوف محمود، وخوف مذموم.
الخوف من الله ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم. المحمود هو الخوف من وعيد الله خوفاً يدفعك إلى فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات.
فأنت تصلي الفجر حباً في الله وخوفاً من سخط الله أن يغضب الله سبحانه وتعالى عليك، فينزلك هذه العقوبة في الدنيا، ينزل عليك العقوبة في الآخرة، فتخاف من وعيد الله الذي توعد الله عز وجل به تاركي الصلاة فتخاف من ذلك، هذا الخوف الذي يدفعك إلى التمسك بالطاعة.
هناك معصية متسهلة وميسرة، مال حرام تستطيع أن تأخذه، لا يراك أحد لكن يراك الله، فأردت أن تأخذ هذا فخفت من الله، خفت من وعيد الله، خفت مما يترتب على ذلك من العقوبات من عند الله على أخذك لهذا المال الحرام فتركته خوفاً من وعيد الله، هذه عبادة وهذا الأمر هو المطلوب. فالخوف من وعيد الله، الخوف الذي يدفعك إلى فعل الطاعات وإلى ترك المعاصي والمنكرات هذا خوف محمود.
أما الخوف المذموم فهو الخوف الذي يوقعك في اليأس والقنوط من رحمة الله، وهذا الخوف فيه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى، فيه عدم معرفة لله سبحانه وتعالى، يعني إنسان ارتكب ذنوب ومعاصي ثم قال يعني هل يغفر الله له بسبب هذه الذنوب والمعاصي الكثيرة والكبيرة؟ قال لا يمكن، فوقع في اليأس والقنوط من رحمة الله فقال خلاص ساستمر في المعاصي والذنوب والكبائر والشركيات؛ لأنه يرى أن الله سبحانه وتعالى لن يغفر له، هذا يأس وقنوط من رحمة الله وهذا مذموم.
والله عز وجل قد نهى عن ذلك: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، فهذا نهى الله سبحانه وتعالى عن هذا، وهذا جهل بالله سبحانه وتعالى، جهل برحمة الله، جهل بستر الله، جهل بلطف الله سبحانه وتعالى وهكذا، فهذا اليأس يأس مذموم. هذا الخوف من وعيد الله الذي يوقعك في اليأس والقنوط من رحمة الله هذا خوف مذموم.
وهناك خوف طبيعي؛ الخوف الطبيعي هو أن يخاف الإنسان من امور قد انعقدت أسبابها، يعني يرى سيارة مسرعة وأراد أن يقطع الطريق والسيارة مسرعة جداً فخاف فتجاوز هذا الأمر، هذا الأمر جائز وهذا خوف طبيعي ولا بد، ولا يصبح هذا الإنسان مجنوناً إذا خاف الإنسان من أمور قد انعقدت أسبابها، هذا خوف طبيعي: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21].
وهناك خوف محرم؛ الخوف المحرم هو أن تخاف من المخلوقين خوفاً يوقعك في معصية الله، يوقعك في ترك طاعة الله، تخاف منهم من ناحية مالية، من ناحية منصب فتترك هذا من أجلهم، فيعني تكون هناك طاعة لك.
تجلس في مجلس وبدأوا يغتابون وبدأوا يرتكبون المعاصي وأنت لا تستطيع أن تنكر عليهم ولا تستطيع أن تقوم، ليس أن هناك أمر يضطرك إلى ذلك بمعنى ستقتل لا، ولكنك تجاملهم، تخاف أن يقولوا عنك كلمة فيها استهزاء، فيها سخرية، فيها كذا، تخاف أنهم يقاطعونك، تخاف أنهم يهجرونك، فتقع في معصية الله؛ تجلس معهم وهم يفعلون المعاصي ولا تنكر عليهم ولا تقم من ذلك المجلس، هذا خوف محرم، هذا خوف محرم.
وهناك خوف شركي؛ الخوف الشركي أن تخاف من غير الله أن يصيبك بمكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره، تخاف مثلاً من الأموات، تخاف من الغائبين، تخاف هذا الخوف يجعلك ترتكب معصية الله سبحانه وتعالى وأنت تخاف منهم أنهم بيدهم جلب المنافع ودفع المضار.
على سبيل المثال: شخص يققال له احلف بالله على أمر هو كاذب فيه فيحلف، يققال له احلف بالولي الفلاني فيخاف، يخاف أنه لو حلف به كاذباً أن ذلك الولي الفلاني -وهو ميت في قبره- لكنه يخاف أن يصيبه بمكروه، أن يصيبه ذلك فلا يحلف بالولي، يخاف من هذا الولي، يخاف خوفاً يجعله لا يمكن أن يحلف به كاذباً، هذا الخوف خوف شركي، هذا خوف شركي.
ثم أيها الأحبة في الله هناك أيضاً جانب يسمى جانب الرجاء؛ الرجاء هو الطمع هو الأمل، فأنت تأمل والرجاء إلى أقسام: الرجاء من الله سبحانه وتعالى والرجاء من الله ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم.
فالرجاء المحمود أن ترجو من الله أن ينيلك ثواب إحسانك، ثواب طاعتك، ثواب ترك المعصية، ثواب اعتقادك، أن يعطيك الله سبحانه وتعالى ذلك الثواب، رجاء المحسن في أن ينال ثواب إحسانه، هذا رجاء محمود وهذا لا بد منه أيها الأحبة في الله، وهو القوة وهو الزاد لنا في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى لا بد من ذلك، لا بد من هذا الرجاء، لولا هذا الرجاء ما سار الإنسان في طاعة الله.
إذا كان الإنسان يظن أنه إذا سار في طاعة الله ممكن بعد ذلك ما ينال ثواب إحسانه وهذا من سوء الظن بالله، ومن المعتقد الصحيح في الله سبحانه وتعالى قوة الرجاء وقوة الطمع فيما عند الله سبحانه وتعالى، هذا رجاء محمود.
الرجاء المذموم: رجاء العاصي، رجاء غير الطائع في أن ينال ثواب الله سبحانه وتعالى من غير عمل، من غير طاعة، أن ينال الجنة من غير أن يعمل لها شيئاً، هذا رجاء مذموم، هذا رجاء مذموم وهذا غير صحيح، وهذا يدخل في الأمن من مكر الله؛ يعني يرى الإنسان نفسه في هذه الدنيا أنه في خير، أنه في عافية، أنه في سعة رزق، أنه في سلامة في مسكن، أنه لديه الأولاد، وهو مقيم على معصية الله سواء من الشركيات أو من الكبائر والفسق ثم يقول بعد ذلك يعني طالما الله عز وجل أنعم عليه وهو على حاله هذه أنعم عليه في هذه الدنيا أيضاً سينعم عليه بالجنة، وهذا هو الغرور وهذا هو الأمن من مكر الله، فالله سبحانه وتعالى يحلم على هذا الشخص فيعطيه وينعم عليه وهو يقابل الله سبحانه وتعالى بهذا الكفر وهذا الفسق وهذا الشرك عياذاً بالله.
وهناك رجاء شركي؛ متى يكون الرجاء شركاً؟ إذا رجا غير الله من المخلوقين، رجا غير الله سبحانه وتعالى في أمر لا يقدر عليه إلا الله، فإذا رجا من هؤلاء الأولياء، من هؤلاء الموتى، رجا منهم مغفرة الذنوب، رجا منهم تفريغ الكروب، رجا منهم عودة الغائب، رجا منهم النصرة على المعتدي، رجا منهم الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، فهذا رجاء شركي، هذا رجاء شركي.
بالنسبة لموضوع التوكل والرياء وإرادة الدنيا ضاق الأمر على هذه الحلقة، إن شاء الله سناخذ في المحاضرة الحادية والعشرين بمشيئة الله وإلى تلك الحلقة أستودعكم الله وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي