السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
بعد أن أخذنا ما يقارب خمس حلقات في مسائل الإيمان والكفر والكفر وأنواعه، الآن سنأخذ إن شاء الله أربع حلقات إلى خمس أيضاً في مسائل الشرك وأنواعه. اليوم في هذه الحلقة سنتحدث عن خطورة الشرك، وعن تعريف الشرك، وعن أنواع الشرك بشكل عام. وهذه المحاضرة هي المحاضرة التاسعة عشر، نبدأها ونستفتح بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 6-8].
يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يعني يا أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم. فالنبي صلى الله عليه وسلم بشر؛ ليس بملك، وليس برب صلى الله عليه وسلم. هذا رسولنا بشر، ولم يخرج عن حدود البشرية البتة، وبلغ مرحلة عليا، بلغ الغاية العظمى في العبودية لله سبحانه وتعالى. ولا شك أنه أكمل البشر وأفضل البشر على الإطلاق، وهو خليل الله سبحانه وتعالى، وهو حبيب رب العالمين. الله سبحانه وتعالى أهله لأن يكون رسولاً له، فجعله أزكى الناس نفساً وعقلاً وخلقاً.
وهكذا اصطفاه الله وميزه عن غيره من البشر بالوحي الإلهي. يوحى إلي، ماذا يوحى إليه صلى الله عليه وسلم؟ أنما إلهكم إله واحد. والإله معناه المعبود، إله على وزن فعال بمعنى مفعول أي مألوه؛ مثل حساب بمعنى محسوب، كتاب بمعنى مكتوب، فراش بمعنى مفروش، إمام بمعنى مؤتم به، وهكذا.
وليس هو كما يعني يخطر عند ذهن البعض أنه إله على وزن فعال بمعنى فاعل، هم لأنه الخالق يعني ما يق بمعناه مفعول، المألوه فيأتي عند هؤلاء يقولون بمعنى فاعل أي إله! وهذه مصيبة يعني ما قالها أحد من علماء اللغة البتة. ولو نظرت إليها نظراً عقلياً، إله يعني متعبد عابد، فيجعلون الإله سبحانه وتعالى المعبود المستحق للعبادة يجعلونه هو العابد! فهذا معنى باطل، فإله ليس بمعنى آلهة، فيقولون بدل ما يقولون إله يعرفون أن إله هذه خط ط مصيبة، فيحطون بدال خالق، رازق، صانع، مدبر، فيقولون لا خالق إلا الله. لا، إنما الإله بمعنى المعبود، إنما إلهكم إله واحد، يعني المعبود المستحق للعبادة هو واحد.
هذه هي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، دعا وارسله الله وأوحى إليه من أجل أن يبلغ الناس أن المعبود الذي يستحق عبادة هو الله جل جلاله لانفراده بالخلق والملك والتدبير، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا مثيل له في ذلك ولا نظير. هذه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الدعوة التي دعا إليها نبينا صلى الله عليه وسلم؛ الدعوة إلى التوحيد الخالص، عبادة الله وحده لا شريك له.
وجاءنا رسول الله يبين لنا كيف نعبد الله وحده لا شريك له في جميع مناحي الحياة، بين لنا كيفية العبادة لله. جاء يدعونا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ووضح لنا كيفية هذه العبادة لله وحده لا شريك له في جميع مجالات الحياة. عبادة الله وحده لا شريك له هذه قد اخذها الله عز وجل علينا ميثاقاً ونحن ما زلنا في عالم الذر. قد اخذها الله عز وجل علينا ميثاقاً بأن وضعها في فطرنا، فجعل فينا القوى العلمية تثبت وجود الله وأنه منفرد بالخلق والملك والتدبير وحده لا شريك له، وجعل في قلوبنا قوة إرادية وهي يكمن فيها محبته سبحانه وتعالى وحده لا شريك له وإرادته وحده. وهكذا فالفطرة الميثاق الأزلي في عالم الذر قد أخذ علينا.
وجاء النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا ذلك لأنه وقع الانحراف، فعبد من لا يستحق العبادة مع الله سبحانه وتعالى، فجاء رسولنا صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى التوحيد الخالص. ثم يقول الله عز وجل: فاستقيموا إليه. استقيموا إليه يعني التزموا بما يعني بما أخذ عليكم من العهود والمواثيق. فاستقيموا على ذلك، أَدُّوا، التزموا هذه العهود والمواثيق إلى الله سبحانه وتعالى، أدوها فالتزموا بهذا التوحيد بالعبودية الخالصة لله جل جلاله. هذا هو معنى الاستقامة، وعدم الروغان عن ذلك، يعني أن نقيم على هذا التوحيد، على العبودية الخالصة لله عز وجل وحده لا شريك له، ونستغفر الله سبحانه وتعالى من هذا التقصير.
هذا هو الواجب علينا، الواجب علينا أن نستقيم على دين الله، على العبودية الخالصة، ونؤدي ذلك؛ لأن هذا العهد والميثاق أخذ علينا، فنحن يجب علينا أن نلتزم بهذا العهد والميثاق ونستغفر الله. ثم يقول الله عز وجل: وويل للمشركين. إذاً، من هم ضد أهل الاستقامة؟ من هم ضد أهل التوحيد؟ هم أهل الشرك. ماذا لأهل الشرك؟ الويل لهم، الوعيد لهم من الله سبحانه وتعالى: وويل للمشركين. وهذا قمة التخويف من الشرك، وأن الشرك انحراف عن طريق الاستقامة لله سبحانه وتعالى.
ومن هم هؤلاء المشركون؟ الذين لا يؤتون الزكاة؛ لم يزكوا أنفسهم بتوحيد الله سبحانه وتعالى ولم يزكوا أموالهم بأداء هذه الزكاة الواجبة عليهم لله سبحانه وتعالى، وهم بالآخرة هم كافرون؛ فهم لا يؤمنون اليوم الآخر. فهؤلاء جانبوا طريق الاستقامة.
ثم يوضح الله سبحانه وتعالى في الآية: أن الذين امنوا وعملوا الصالحات. هذا هو طريق الاستقامة. طريق الاستقامة على المستوى الشخصي: أن تؤمن وتعمل صالحاً، أن تؤمن بالله عز وجل وأنه المستحق وحده للعبادة، وتؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وأنه الموضح لكيفية العبادة لله سبحانه وتعالى، وتؤمن بهذا الدين الإسلامي أنه هو الذي أنزله الله على رسوله عز وجل به لله، وعمل الصالحات؛ العمل الصالح هو عباده الله وحده لا شريك له بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي الحياة. هذه هي الاستقامة، من استقام على دين الله لهم أجر غير ممنون، غير منقطع، غير منقوص، هذا الأجر في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار، ولا يحرم الإنسان من حسنة الدنيا.
حياكم الله أيها الأحبه في الله. وقفنا أننا يجب علينا أن نحذر من هذا الشرك؛ لأن الله سبحانه وتعالى توعد عليه وقال: وويل للمشركين، وأن الواجب علينا الاستقامة على دين الله. والاستقامة تكون بالتوحيد وترك الشرك.
الاستقامة تكون بالتزام المشروع وعدم الغلو فيه، كما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112]. فهو التزام المشروع بدون غلو، وهو كذلك التزام المشروع بدون جفاء، كما قال الله عز وجل لنبيه: فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم.
الاستقامة تكون بالسير على صراط الله المستقيم الجامع بين الإيمان والعمل الصالح، الجامع بين العلم والعمل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. هذه الاستقامة لها فضائل عظيمة وفضائل كثيرة، يكفي من فضائلها ما قاله الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبَّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: 30-31].
والله لو لم يكن في الاستقامة على دين الله، في التزام التوحيد وترك الشرك، في الإيمان والعمل الصالح، في السير على الصراط المستقيم، إلا هذا الفضل؛ أنك تصبح ولياً لله سبحانه وتعالى يتولاك الله، تكون محبوباً عند الله! هذا من أحبه الله نصره الله، من أحبه الله سدده في بصره، سدده في سمعه، سدده في بطشه، سدده في مشيه، حتى يصبح هذا العبد المحبوب عند الله المستقيم على دين الله كأنه في طريق الطاعة مسير غير مخير. لا شك أنها درجة عظيمة، درجة عالية أن يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، مرحلة التسديد؛ يسددك الله في سمعك وبصرك بسبب فعلك بسبب فعلك للواجبات وتركك المحرمات، بسبب إتيانك بالتوحيد وتركك للشرك.
وليس هي القضية أن الإنسان يصل إلى مرتبة يترك هذه الطاعات ويقولون الآن وصلنا مرحلة اليقين! لا، هذا انحراف، هذا انحراف في مفهوم الولي. الولي على الحقيقة هو المؤمن المتقي، الولي على الحقيقة هو الموحد تارك للشرك، هو العابد لله بما جاء به رسول الله. هذا الولي على الحقيقة، ما الذي يحصل له؟ يحصل له التسديد، التسديد في بصره فلا يبصر إلا الخير، ويبصره الله سبحانه وتعالى بالخير ويرى الأمور واضحة عنده. وهكذا يسدده الله في سمعه، يسدده الله في بطشه، في مشيه، وهكذا يحفظه الله سبحانه وتعالى.
الولي مجاب الدعوة: «ولإن سألني لأعطينه». الولي معاذ: «ولإن استعاذني لأعيذنه». الولي ينور الله عز وجل قلبه، وينور الله عز وجل بصيرته، وينور الله عز وجل دربه، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظَّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. هذه يعني يكفي في الاستقامة أن الله سبحانه وتعالى يتولاك. ثم إن الله سبحانه وتعالى يعطيك سعادة الدنيا ويعطيك سعادة الآخرة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّن غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت: 31-32]. هذه فضائل الاستقامة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بَأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
لكن المشرك الويل له! المشرك لا أمن له ولا اهتداء له في الدنيا، ولا أمن له ولا اهتداء له في الآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. أما الذين تلبسوا بالظلم الأكبر فأشركوا بالله سبحانه وتعالى فلا أمن لهم ولا اهتداء.
الأمن النفسي فقدوه: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. الاهتداء في الدنيا فقدوه؛ فهم يسيرون من ظلم لأخرى، يسيرون في الرذائل، يسيرون في الأشياء ويرون أنها حضارة وأن هذا الأمر فضيلة وهو رذيلة! فما في اهتداء للفضائل، ما في اهتداء للخير بسبب هذا الشرك بالله سبحانه وتعالى.
وفي الآخرة، أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وماواه النار وما للظالمين من أنصار. يا إخوان، الله عز وجل يقول مبيناً خطورة الشرك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116]، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]. الشرك أعظم الذنوب على الإطلاق. من لقي الله مشركاً، ولو كان معه من الأعمال الصالحه ما يوزن الجبال، لو كان معه من الأعمال الصالحة ما كان من قيام الليل، ما كان من الصدقات، ما كان من الجهاد، لكنه لقي الله وهو يذبح لغير الله بنية التقرب له، لقي الله وهو يستغيث بغير الله في أمور الكروب وتثقيل الحسنات وتكفير السيئات، مات ولقي الله وهو على هذا الشرك، الله عز وجل لا يغفر له شركه ويكون عياذاً بالله خالداً في نار جهنم.
فالشرك أمره عظيم، يجب على الإنسان أن يخاف منه. إبراهيم عليه السلام كان يخاف من الشرك وكان يدعو الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. الشرك أمره مخيف. كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يخاف على صحابته حتى من الشرك الأصغر، فكيف بالشرك الأكبر؟! يخاف عليهم من الشرك ويقول لهم صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بهم: «أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل». فقال له من شاء من شاء أن يقول من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه».
أيها الأحبة في الله، النبي صلى الله عليه وسلم يقول لصحابته: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». فسئل عنه فقال: «الرياء». مما يدل على خطورة الشرك إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف على صحابته وهم الذين بذلوا أموالهم.
ونفوسهم، وتركوا ديارهم من أجل هذا التوحيد، يخاف النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الشرك الأصغر، فكيف بغيرهم ممن هو دونه، في دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟
يقول صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار»، وإذا دخل النار فإنه لا يخرج منها.
أيها الأحبة في الله، الشريك في اللغة هو الند والمشارك والمقاسم، وفي الاصطلاح الشرك، وفي الاصطلاح هو جعل شريك لله عز وجل في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
فالشرك شرك يعني قسمه؛ فتجعل لغير الله قسمة من الأشياء التي هي من حقوق الله سبحانه وتعالى، فتقسم لبعض المخلوقات شيئاً من الربوبية، تقسم لبعض المخلوقات شيئاً من الألوهيّة، تقسم لبعض المخلوقات شيئاً من الأسماء والصفات، فتجعلهم شركاء لله في ذلك.
هذا هو الشرك الذي حذرنا الله سبحانه وتعالى منه.
﴿قَدۡ خَلَتۡ مَن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137].
التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول، وأسباب التمكين وزوال الدول. من يعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى.
وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها، لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثل والوقائع. قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراب: 176].
ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه، فاذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم، حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين، واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير.
وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء، إنما هو جراء أعمال العباد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ؛ الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحداً. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].
حياكم الله أيها الأحبة. وصلنا في تعريف الشرك، شرك يعني شراكة، فتجعل هناك شريك لله في ربوبيته، في ألوهيته، في أسمائه وصفاته.
هذا يسمى الشرك الأكبر، هذا الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام. وهناك شرك أصغر، وهو يعني من الاقوال أو الأفعال التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر، هذه سنتحدث عنها إن شاء الله.
ناتي للشرك الأكبر؛ الشرك في الربوبية. ما معنى أن تصرف شيئاً من خصائص الربوبية لغير الله سبحانه وتعالى؟ فخصائص الربوبية هي الخلق، الملك، التدبير؛ فتجعل شيئاً من هذه الخصائص للمخلوق، فتجعل المخلوق هو يعني شريكاً لله في خلق يخلق بعض الأشياء، يملك بعض الأشياء من أمر هذا الكون، يدبر يدبر شيئاً في أمر هذا الكون. هذه الأشياء التي هي خلق لله، وهي ملك لله، وهي تدبير لله وحده لا شريك له، تعتقد أن هناك شريكاً لله سبحانه وتعالى في ذلك، هذا يعتبر شركاً في الربوبية.
أو تأتي تعطل هذه الربوبية بالكلية؛ فتنكر وجود الله، تنكر أن يكون لهذا الخالق لهذا الكون خالق أو مالك أو مدبر، فهذا يسمى شرك التعطيل. وذاك يسمى شرك التمثيل، أن تمثل المخلوق بالخالق في الخلق أو الملك أو التدبير.
فشرك التمثيل هو التسوية بين الله وخلقه في شيء من خصائص الربوبية أو نسبتها إلى غير الله سبحانه وتعالى، فتجعل المخلوق مماثلاً للخالق سبحانه وتعالى في الربوبية، في خصائص الربوبية؛ فتجعل لهذا المخلوق أنه يخلق، أنه يملك، أنه يدبر، أنه هكذا، هذا يسمى شرك التمثيل.
أما شرك التعطيل فهو تعطيل المصنوع عن صانعه، وتعطيل الصانع عن أفعاله، كلها تأتي بمعنًى واحد، ويكون ذلك بتعطيل خصائص الربوبية وإنكار أن يكون الله رب العالمين. هذا الشرك في الربوبية، شرك تمثيل وشرك تعطيل.
والشرك في الأسماء والصفات هو التسوية بين الله وخلقه في شيء من الأسماء والصفات؛ بأن يجعل لله بأن بأن هذا المشرك يجعل لله نداً في أسمائه وصفاته، فيسمي باسمائه الله أو يصفه بصفاته، وهما نوعان؛ شرك تشبيه أو تمثيل، وشرك اشتقاق.
شرك التمثيل: أن يثبت لله تعالى في أسمائه وصفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك، فتقول: يد الله مثل يد المخلوق، هذا شرك التمثيل.
شرك الاشتقاق: أن تشتق من أسماء الله عز وجل المختصة به اسماً تسمي به شيئاً من المخلوقات، وتسمي اللات من الله، والعزى من العزيز، وهكذا. هذا الشرك في توحيد الأسماء والصفات.
الشرك في توحيد الألوهيّة؛ الاقوال والأفعال التي ثبتت في الكتاب والسنة أن الله أمر بها وحث على فعلها ومدح فاعلها، تتوجه بها إلى المخلوق، تتوجه بها إلى المخلوق كما يتوجه بها إلى الخالق؛ فتصرف هذه الصلاة، هذا الصوم، هذه الزكاة، هذا الحج، هذا الدعاء، هذه الاستعانة، هذا الاستغغاثة، تتوجه بها إلى المخلوق وهي من الأمور التي لا يتوجه بها إلى الخالق، لا يتوجه بها إلا إلى الخالق سبحانه وتعالى.
فصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، هذا هو الشرك في الألوهيّة، هذا هو الشرك في الألوهيّة. وصرف هذه العبادات لله سبحانه وتعالى، هذا هو هذا هو التوحيد، توحيد الألوهيّة.
فأن تجعل لله نداً في العبادة، فهذا هو الشرك في الشرك في الألوهيّة. فيصرف العبد لغير الله شيئاً من أنواع العبادة التي تصرف لله، أو يتخذه أو يتخذ غيره مشرعاً من دونه، أو شريكاً له في التشريع، بمعنى شرك الطاعة. هناك التشريع، أن تعتقد أن هناك مشرعاً مع الله، شرك في الربوبية، أن أن تستحل ذلك، هذا شرك في الألوهيّة، يعني أن تطيع غير الله في معصية الله، تعتقد أن حِلّ ذلك، أن تطيع غير الله في أن يشرع لك الحلال والحرام فتطيعه، يعني تقوم أنت بذلك، هذا شرك في الألوهيّة منك، شرك الطاعة يسمى، وذاك التشريع نفسه شرك في الربوبية.
هذا كله يسمى الشرك الأكبر؛ شرك في الربوبية، شرك في الألوهيّة، شرك في الأسماء والصفات.
أما الشرك الأصغر فهو مساواة غير الله بالله في هيئة الفعل وأقوال اللسان، أو بعبارة أخرى؛ كل ما أطلق عليه الشرع وصف الشرك لكنه لا يخرج من الملة، هذا يسمى شركاً أصغر.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: وأما الشرك الاصغر فهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك؛ كالحلف بغير الله، والرياء، وقول: ما شاء الله وشئت، ونحو ذلك، هذا يسمى شركاً أصغر.
أيها الأحبة في الله، الواجب علينا أن نحذر من الشرك كبيره وصغيره.
من أعظم أنواع الشرك التي يقع فيها بعض الناس هو شرك الدعاء. وشرك الدعاء أن تدعو غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله؛ فمن دعا غير الله، دعا المخلوقين في مغفرة الذنوب، في تكفير الحسنات، في في تكفير السيئات، في تفريج الكروب، أو دعا الأموات بهذه الأمور، فهذا الإنسان وقع في شرك الدعاء.
أخرج الإمام الترمذي بإسناد صحيح عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
أريد منكم أن تتأمل هذا الحديث في نهاية هذه الحلقة.
يقول صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة».
الدعاء ينقسم إلى قسمين؛ دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكلاهما لا شك أنها عبادة.
لكن دعاء المسألة؛ يسأل الإنسان بشكل صريح فيقول: اللهم اغفر لي. ودعاء العبادة؛ يصلي الإنسان لله، ويصوم، ويزكي، ويحج، طبعا هو يفعل ذلك، يسال الله سبحانه وتعالى ثواب هذه الأعمال.
فإذا فهمنا الدعاء الدعاء بهذا الشكل، نجده هو العبادة، هو كل العبادة. فبعض الروايات بعض الأحاديث تقول: أفضل العبادة الدعاء. ورواية: ليس شيء أكرم على الله من الدعاء.
فالعبادة ما هي؟ العبادة هي غاية الحب مع غاية الذل. أعظم مظهر لهذه العبادة هي هو الدعاء، فعندما يدعو الإنسان ربه سبحانه وتعالى، هو يظهر غاية الحب لله وغاية الذل له، لذلك قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾، لاحظ يعني من عرف ربوبية الله سبحانه وتعالى، وهذا التذكير هنا، التذكير أنكم وقال ربكم ادعوني، رب ربكم، من عرف ربوبية الله أكثر من الدعاء.
فالدعاء يظهر فيه توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات بشكل عظيم. توحيد الربوبية؛ أن الخلق لله، الملك لله، التدبير لله، فمن آمن بهذه الأمور أكثر من الدعاء وأخلص لله عز وجل في هذا الدعاء، لأنه لا شريك لله في الخلق، في الملك، في التدبير، في جلب المنافع، في دفع المضار، فلذلك تدعو الله وتخلص له، لأنك تعلم أنك تسأله مما يملك سبحانه وتعالى.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾، فأمر بالدعاء، فالله عز وجل يحب هذا الدعاء من الانسان والله أمر به، ثم رغب في يعني القيام به، قال: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. ووعد الله سبحانه وتعالى بإجابة هذا الدعاء، وإجابة هذا الدعاء لها طرق كثيرة منوعة؛ أنك عندما تاتي بالاسباب يبارك الله سبحانه وتعالى الأسباب فتأتي نتائجها، فتأتي نتائجها بشكل عجيب وفيها بركة، يبارك الله سبحانه وتعالى لك في هذا السبب فينتج أشياء أعظم بكثير مما وضعته من الأسباب.
أيضاً يفتح الله عز وجل عليك من أسباب من الأسباب ما لم تكن تقوم بها، أيضاً هذه الأسباب يزيل عنها الموانع ويوفر لها الشروط حتى تتحقق، وأيضاً هذا الدعاء يؤثر على هذا الداعي.
ثم قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، فسمى ترك الدعاء استكباراً؛ لأن الدعاء تذلل، وتاركه مستكبر مستغنٍ. وقال: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾، فسمى الله عز وجل الدعاء عبادة.
فالدعاء يظهر فيه توحيد الألوهيّة بشكل واضح، لأن فيه تألهاً وتذللاً.
ثم قال الله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فوعد الله عز وجل بنار جهنم لمن ترك الدعاء.
فيا أيها الأحبة في الله، هذه العبادات واجب علينا أن نخلص لله سبحانه وتعالى فيها، ونكون من أهل التوحيد، ونحذر أشد الحذر أن نصرف شيئاً من هذه العبادة لغير الله فهو شرك، والشرك أمره عظيم وخطير عند الله سبحانه وتعالى.
أسأل الله جل جلاله بأن يجعلنا جميعاً من الموحدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي