الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم يا ربنا صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم آت محمدا الوسيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته.
استعينوا بالله ونستفتح المجلس الثاني عشر من سلسلة الطريق إلى بيت المقدس، وهذا المجلس هو كذلك مليء بالأحداث والتفاصيل التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها طيبة ونافعة ومباركة.
كنا قد توقفنا في اللقاء السابق عند الاستفادة من التخصصات في تكوين بعض الآلات التي تعين العاملين وأصحاب المشاريع الإصلاحية على تنفيذ بعض المقاصد الحسنة، وذلك كان باتخاذ نور الدين زنكي رحمه الله الحمام الذي يبعث بالرسائل، وكان مدربا بطريقة أو مرتبا بطريقة بحيث إنه في نفس اليوم تصل الأخبار من منطقة إلى منطقة إلى منطقة إلى نور الدين، إلى درجة أنه حصر مرة حصنا من حصون المسلمين، وفي نفس اليوم وصل الخبر، وفي نفس اليوم أرسل خبرا إلى من بجوار أولئك الحصن أو من هم قريبون من أولئك الحصن من المسلمين ممن لم يعرفوا على أرض الواقع بحصول ذلك الأمر، وأرسل إليهم الرسالة ففاجؤوا المحاصرين من الصليبيين، وكانت وسيلة عظيمة جدا.
ثم ختم المجلس بتعليق مطول عن قضية استثمار الطاقات في الأمة وما إلى ذلك من القضايا التي يعني ربما تكون من أهم التعليقات التي قدمت في هذه السلسلة.
طيب، نحن في أي عام؟ نحن في عام 567، واقتربنا على نهاية الأحداث المرتبطة بنور الدين زنكي رحمه الله تعالى، وسنحاول إن شاء الله أن يكون المجلس هذا مقسما إلى قسمين: القسم الأول فيما بقي من حياة نور الدين، والقسم الثاني في ذكر سيرة صلاح الدين الأيوبي السيرة المجملة، كما تعودنا في أو كما قدمنا في سيرة نور الدين المجملة التي كانت في الحلقة الثانية من هذه السلسلة.
طيب، في 67 أيضا كان هناك أمر مهم جدا، وهو أمر متصل بمعنى العدل، وهو ما قال فيه أبو شامة: فصل في باقي حوادث هذه السنة حوادث 67، قال: قرات نسخة سجل بإسقاط المكوس بمصر، قرئ على المنبر بالقاهرة يوم الجمعة بعد الصلاة ثالث صفر سنة 67 و500 عن السلطان الملك الناصر -في أيام نور الدين رحمه الله فهو كان الأمر وذاك المباشر من الأمر نور الدين، ومن المباشر صلاح الدين- يقول فيه: أما بعد، فانا نحمد الله سبحانه وتعالى على ما مكن لنا في الأرض، وحسنه عندنا من أداء كل نافلة وفرض، ونصب لنا من إزالة النصب عن عباده، واختار لنا من الجهاد في الله حق جهاده، وزهد فيه من متاع الدنيا القليل، والهمنا من محاسبه أنفسنا على النقير على النقير والفتيل، وأولانا من شجاعة السماحه فيما نهب ما اشتملت عليه الدواوين، ويوما نقطع ما سقاه النيل، فالبشر في أيامنا تترى شفعا ووترا إلى آخر الكلام.
يقول: ولما تقلدنا أمور الرعية، راينا المكوس الديوانية بمصر والقاهرة أولى ما نقلناها من أن تكون لنا في الدنيا إلى أن تكون لنا في الآخرة، المكوس هذه ما نبغاها في الدنيا، نبغى الخيرات في الآخرة، وأن نتجرد منها لنلبس أثواب الأجر الفاخرة، ونطهر منها مكاسبنا، ونصون عنها مطالبنا، ونكفي الرعية ضرهم الذي يتوجه إليهم إلى آخر الكلام.
هذه سنة كانت أساسية في نظام نور الدين زنكي، وهي سنة إسقاط المكوس عن الشعوب عن الناس عن المسلمين، وكان هذا نظاما بالنسبة لي، كان هذا نظاما بالنسبة لنور الدين إذا فتح بلدا، سواء فتحه بشكل مباشر أو فتحه أحد نوابه، لابد أن تسقط المكوس وما إلى ذلك من الضرائب التي تؤخذ من الشعوب.
ولذلك فعل صلاح الدين الأيوبي هذه القضية في نفس السنة التي أسقطت فيها الدولة العبيدية الفاطمية، وهذا يؤكد على أن يعني من أهم شعارات ما أو الشعارات التي يمكن أن نصف بها سيرة نور الدين زنكي رحمه الله تعالى هي شعار العدل، كان عادلا وكان واضح العدل، ويمكن أن نختصر سيرة نور الدين أصلا في بضع كلمات فنقول: العدل، والعزم، وايش كمان؟ والجهاد. ايش كمان يا؟ وجمع الكلمة، هذه نور الدين أربع كلمات.
ويمكن أن نختصر صلاح الدين في كلمتين: الجهاد والرحمة، أو الجهاد والإحسان للناس، هذه الكلمات باختصار يعني.
ثم دخلت سنة 68. تمام، لما دخلت سنة 68 فيها أحداث كثيرة يعني خلينا نذكر بعضها بشكل سريع، نحاول أن نختصر 68 قدر المستطاع.
في 68 أرسل صلاح الدين الأيوبي لأول مرة خزائن من خزائن أو أموال من خزائن الأموال التي استولى عليها من الدولة العبيدية الفاطمية إلى نور الدين، كانت أموالا كثيرة ولم يكن يعني نور الدين أن تصل إليه الأموال له هو، ولكنه كان مشغول الذهن والبال في أين في ما كان يسمع عنها تلك الأموال الهائلة الطائله التي خلفها العبيديون الفاطميون، ما الذي سيصنع فيها؟
وكان يعني قد استبطأ نور الدين في ارسال ما أرسل، فلما أرسل وراى حجمها وما إلى ذلك لم يقنع بأن هذا هو الذي ينبغي أن يرسل، وإنما ينبغي أن يرسل أكثر من ذلك، ولذلك أرسل محاسبا ماليا صلاح الدين الأيوبي، طبعا محاسب بمعنى كلمة محاسب، أرسل محاسبا ماليا لصلاح الدين الأيوبي يجرد كل شيء كل شيء بالتفصيل، المدخلات والمخرجات والمادري ايش والحسابات واللي دخل واللي أنفق واللي كذا والى آخره.
ولا شك أن هذا كان ثقيلا يعني على صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، إلا أنه كما يصف المؤرخون يعني أتى على نفسه، ومشى القضية ما خلاها يعني توقف في منتصف الحلق يعني، والا كانت ثقيله على نفسه رحمه الله تعالى.
هنا يقول العماد: وكان نور الدين ذكيا ألمعيا فطنا لوذعيا لا تشتبه عليه الاحوال ولا يتبهدل لغير اهل الفضل منه الافضال، قال: ولما عرض صلاح الدين بعد العاضد خزائنه، واستخرج دفائن سير منها عدة من الامتعه المستحسنه والالات المثمنه وقطع البلور واليشم والاواني التي لا يتصور وجودها في الوهم -تذكر احنا قلنا الفاطميين كان عندهم شغل مالي مو معقول يعني- وبدا يصف ومعه ثلاث قطع من كذا والى آخره، والأخرى الذهب واللآلئ والجواهر والى آخره، والعطر ها، ومن الطيب والعطر ما لم يخطر ببال عطار.
فشكر نور الدين همته، وذكر بالكرم شيمته، ووصف فضيلته وفضل صفته، وقال: ما كانت بنا حاجة إلى هذا المال، ولا نسد به خلة الاقلال، فهو يعلم أن ما أنفقنا الذهب في ملك أو في ملك مصر وبنا إلى الذهب فقر، وما لهذا المحمول في مقابله ما جدنا به قدر، وتمثل بقول أبي تمام: لم ينفق الذهب المربي بكثرته على الحصى وبه فقر إلى الذهب.
لكنه يعلم أن ثغور الشام، هذه القضية عند نور الدين، لكنه يعلم أن ثغور الشام مفتقرة إلى السداد ووفور الاعداد من الأجناد، وقد عم بالفرنج بلاء البلاد، فيجب أن يقع التعاقد على الامداد بالمعونه والمعونه بالامداد.
فاستنزلوا يعني فراى أن هذا الذي قدم على كثرته وكذا ليس بالقدر الكبير، فاستنزلوا استقل المحمول في جنب ما حرره، وتروى فيما يدبره، وافكر فيما يقدمه من هذا المهم ويؤخره، تمام يعني اخذها وشكر وقال بشوف ايش اسوي، تمام.
قال العماد: احنا أمس أو في الحلقة الماضية ذكرنا أنه احنا في هذه القضايا يعني أكثر الناس أدبا في عرض هذه القضايا هو من هو؟ العماد الكاتب الذي أصلا كان شاهدا للحدث أكثر من ابن أبي طي خاصة الذي ربما يكون في نفسه ما فيها.
قال عماد الدين عفى الله عنه، قال العماد الكاتب: وكان نور الدين مذ ملكت مصر وتوجه له فيها النصر، يؤثر أن يقرر له فيها مال للحمل يستعين به على كلف الجهاد وتخفيف ماله من الثقل، والايام تماطل والاعوام تطاوله وهو ينتظر أن صلاح الدين يبتدئ من نفس نفسه بما يريده وهو لا يستدعي منه ولا يستزيد، فلما حمل من أخا الذخائر والمال الحاضر ما حمله وعرف مجمله ومفصله، تقدم إلى الموفق بن خالد بن القيسراني هذا المحاسب أن يمضي ويطالب ويقتضي، ويعمل أيضا بالأعمال المصرية جزازة، ولا يبقي في نفوس ديوانه من أمرها حزازة، وأرسل معه الهدايا والتحف السنايا، وأقام العماد مقامه في الاستيفاء، فجمع بين الأشراف والاستيفاء ومنصب الإنشاء، ثم كان من أمره ما سياتي ذكره.
طيب، إذا هذا من الأحداث التي حصلت في 8 و65. في نفس السنة خرج صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى إلى الكرك محاصرا حصن الصليبيين ولم يظفر منه بشيء أو بكبير شيء متعلق بالصليبيين أنفسهم، إلا أنه عمل حالة تنظيف فيما حول الحصن من بعض ديار ويعني أماكن الأعراب، العرب الذين كانوا حول الحصن، هناك من كان منهم متواطئ مع الصليبيين في قضية أنه يعني يمارسون يعني يقومون ببعض الأعمال اللوجستية، دلالة على الطرق كذا إلى آخره، فراح صلاح الدين نكل فيهم.
جيد، ثم كتب كتابا إلى نور الدين يبين له ايش سوى صلاح الدين، ومين اللي كتب الكتاب طبعا؟ القاضي الفاضل، خلاص نحن القاضي الفاضل الآن معانا، يقول سبب هذه الخدمة إلى إلى مولانا الملك العادل أعز الله سلطانه ومد أبدا إحسانه ومكن بالنصر إمكانه وشيد بالتأييد مكانه ونصر أنصاره وأعان أعوانه.
علم المملوك، المملوك اللي هو مين؟ صلاح الدين. علم المملوك بما يؤثره المولى بأن يقصد الكفار بما يقص أجنحتهم. الحين أنت تبغى تسترضي نور الدين؟ روح جاهد، فاهم؟ روح قاتل في سبيل الله، روح نكل بالصليبيين، كده يطمئن لك أنك أنت رجل في المكان المناسب. تبغى تلف ودور ها، حتى لو جبت له أموال ترى القضية ما هي زابطة بالنسبة لنور الدين.
فهو الآن يعني صلاح الدين جالس يقوم بالدور الذي ينبغي له أن يقوم به، وإن شاء الله سياتينا محاسن صلاح الدين، نرجو أن ندرك هذا اليوم إن شاء الله.
طيب، يقول: علم المملوك بما يؤثره المولى بأن يقصد الكفار بما يقص أجنحتهم ويفل أسلحتهم ويقطع موادهم ويخرب بلادهم، وأكبر الأسباب المعينة على ما يرومه من هذه المصلحة أن لا يبقى في بلادهم أحد من العربان، وأن ينتقلوا من ذل الكفر إلى عز الإيمان، وما اجتهد فيه غاية الاجتهاد وعده من اعظم اسباب الجهاد ترحيل كثير من أنفار والحرص على تبديل ديارهم إلى أنصار العدو، اليوم إذا نهض لا يجد بين يديه دليلا ولا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا.
قال ابن شداد صاحبنا هذا صاحب النوادر اليوسفية رفيق صلاح الدين والذي سيصاحبنا إن شاء الله اليوم في سيرة صلاح الدين، يقول: هذه أول غزوة غزاها صلاح الدين من الديار المصرية، وإنما بدأ ببلاد الكرك والشوبك، أنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية، وكان لا يمكن أن تصل قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبرها بلاد العدو، فأراد توسيع الطريق وتسهيله لتتصل البلاد بعضها ببعض، وتسهل على السابلة، فخرج قاصدا لها في أثناء سنة 68 فحاصرها، وجرى بينه وبين الفرنج وقعات، وعاد عنها ولم يظفر منها بشيء في تلك الدفعة، وحصل ثواب القصد.
وأما نور الدين فإنه بعد ايش سوى ايش أنه سوى، هذي حنوقف عنده إن شاء الله.
طيب، وقفة من عالم آخر بمعيار آخر بنفس آخر لمن كان يعيش ويتنفس هم الإسلام وهم نصرة الدين.
اسمع يا أبو عمر، عشانك تحب دمشق كثير، اسمع.
قال العماد -اسمع الكلام-: حضرت عند الملك العادل نور الدين بدمشق في العشرين من صفر، ووجهه بنور البشر قد سفر، والحديث يجري في طيب دمشق وحسن آلائه ورقة هوائها وبهجه بهائها وأزهار أرضها كزهر سمائها، وكل منا يمدحها ويحبه وبحبه يمنحها، وكل منا يطريها، فقال نور الدين: أنا حب الجهاد يسليني عنها فما أرغب فيها.
فارتجلت هذا المعنى في الحال، فقلت: ليس في الدنيا جميعا بلدة مثل دمشق ويسلينا عنها في سبيل الله عشقي وتقى الأصل ومن يتركها ومن يتركها يشقى ويشقي كم رشيق شاغل عنه بسهم بسهم الغزو رشقي وأمت الشاق البيض يغني عنه بالأقلام مشقي
هذا نور الدين رحمه الله تعالى.
طيب، في تلك السنة، طب ما في شك، طيب، في تلك السنة 500 وكم؟ 68، فتحت بلاد النوبة، فتحها صلاح الدين الأيوبي.
وبلاد النوبة تعد اليوم جنوب مصر وشمال السودان، وأرسل صلاح الدين إليها أخاه توران شاه، توران شاه واضح أنه هو كان صاحب مهام عسكرية، صح؟ تذكروا معنا في دمياط أرسله أرسله قبل ما يأتي الصليبيون ويحاصرون دمياط، فأرسله يدخل داخل دمياط هو اللي هو تورانشاه ومين كان معه؟ تذكروا أحسنت تقي الدين عمر.
يقول العماد الكاتب في جمادى الأولى: غزى شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخو صلاح الدين بلاد النوبة واراهم سطوة المرهوب، وفتح حصنا لهم يعرف بابري وإلى الأيريم أو يريم، وهي بلاد عديمة الجدوى عظيمة البلوى، ثم جمع السبي وعاد به إلى أسوان وفرقه على أصحابه في الغنائم السودان.
طيب، اخترت بيتا واحدا فقط من قصيدة فيه: لابد للنوبة من نوبة ترضي بسخط ترضي بسخط الكفر دين الإله
يعني منا في التفاصيل، الشاهد أنه فتحوا تلك الديار، وكان من الجمل التي مر علي ذكرها ربما تاتي بعد ذلك، أنه وصلت كما يقال سنابك الخيل المسلمة لا البلدان تصل إليها لأول مرة، لما سبق أن وصلت إلى هذه الأماكن في تاريخ المسلمين، في بعض الجمل التي كانت تعبر عن
هذا المعنى في هذه السنة أيضاً 568، توفي السياسي المحنك وصاحب الخبرة بالعمل السياسي الكبير، اللي هو والد صلاح الدين الأيوبي نجم الدين أيوب رحمه الله تعالى، ومر معنا في الحلقة الماضية الموقف الذي فعله مع ابنه بعد ما توفي بسنوات. نقل هو وأخوه أسد الدين شيركوه إلى المدينة النبوية الشريفة، وقبره ما في تربة، مين جمال الدين الوزير الموصلي يتذكره كان له تربة قريبة من المسجد النبوي، وكان هو تعاهد، ذكر تعاهد هو وشيركوه اللي يموت يودي الثاني المدينة. فعموماً بهذه الوصية نقل شيركوه ومعه أخوه اللي هو نجم الدين أيوب رحم الله الجميع. كان سبب وفاته وقوعه من الفرس، يقول ابن شداد يقول كان رحمه الله شديد الركض ولعاً بلعب الكرة اللي هي من الفرس، بحيث من رآه يلعب بها لما تشوف نجم الدين في العادة يلعب بها يقول ما يموت إلا من وقوعه على ظهر الفرس، من كثر ما هو يخاطر فيها مخاطرات ويحترف فيها احترافات، يقول لك خلاص إذا بيموت بيموت من هذه القضية.
من الأحداث أيضاً ونحن نحاول الاستعجال حتى ندرك وصول قطب الدين النيسابوري، هذا قطب الدين النيسابوري سيكون له شأن مع صلاح الدين صح ولا مو صح؟ صح، سيكون له شأن مع صلاح الدين بإذن الله تعالى. يقول العماد في هذه السنة وصل الفقيه الكبير الإمام قطب الدين النيسابوري وهو فقيه عصره ونسيج وحده، فسره نور الدين به وأنزله بحلب بمدرسة باب العراق، ثم أطلعه إلى دمشق فدرس بزاوية الجامع الغربية إلى آخر الكلام، تمام هذه من الأحداث أيضاً بشكل سريع.
نور الدين، راح تتذكروا في الحلقة الماضية لما صارت المشكلة بينه وبين حاكم أذربيجان، شفتوا كيف كان نور الدين يتكلم؟ اللي فاتهم يعني باختصار شديد كان إيش؟ تذكروا الحادثة إيش سببها؟ لما توفي قطب الدين أخو صلاح الدين أخو نور الدين قطب الدين، تعرفون أتابك الموصل لما توفي صارت قصة طويلة عريضة، فالوزير الظالم اللي كان معاهم اللي هو فخر الدين عبد المسيح راح أرسل لرئيس أذربيجان وشمال غرب إيران وإلى همذان هذا اللي هو أتابك أحد السلاجقة اللي هو إيلدكز، أرسل له أنه بالله لا تخلي نور الدين يجي يأخذ الموصل هو مات أخوه الآن قطب الدين. فأرسل له قال له يا نور الدين لا تجي الموصل ترى هذه بلاد السلطان، احنا قلنا سابقاً كان أصلاً في بداية حكم نور الدين كان أصلاً السلطان السلجوقي سيأخذ الموصل فنور الدين قال له: أقول ترى أنت عندك نص بلاد المسلمين وما أنت جالس تحميها من الكفار وأنا عندي الفرنج الأبطال وأسرت ملوكهم وترى أنت المفروض تأخذ منك بلادك أصلاً يعني؛ لأنه هي ما هي صك ملكية كذا أنت على كيفك، أنت مطلوب منك تحمي بلاد المسلمين أنت تسلط كفار على بلادك وبعدين مالك دخل، أنا أولاد أخي أنا أبر بأخي في أولاده وبعدها نتفاهم على باب همذان.
إيه، فيعني قال أكيد أنه خلاص ما حيجي، فكان نور الدين عجيب في تعامله مع الملوك أصلاً، وكان عارف أنه يفرض معايير جديدة، جاي يفرض معايير فكرة أنه أنتم عندكم ملك طيب تمام، ترى في معيار أساسي في الملك لبلاد المسلمين اللي هو حمايتها من أعداء المسلمين، فإذا أنت ما قمت بهذا الدور ترى أنت تستاهل من يجيك أصلاً إلى بلادك يتفاهم معك، شوف إيش الوضع تستحق أصلاً هذا المكان ولا ما تستحقه أصلاً جيد.
طيب ليش ذكرت هذه الآن؟ لأنه صارت حادثة ثانية نفس الشيء، فهو نور الدين الله يرحمه ما كان شايف أحد، ففكرة أنك أنت ملك عندك تاريخ سليل دولة كبيرة كذا تمام، أنا عندي قواعد أقدر أتفاهم معاك وعندي سياسة، لكن ترى ماني خايف منك وبالعكس أنا جاي أقول لك المعايير التي يجب أن تكون أنت عليها. هذه المرة مع سلطان السلاجقة سلاجقة الروم جيد، تعرفوا السلاجقة بعد ما تفككوا صاروا في عدة سلاجقة أو في عدة بلدان أو عدة دول للسلاجقة من أهمها وأشهرها وأكبرها سلاجقة الروم كان السلطان هو قلج أرسلان. يقول لك ابن الأثير في سنة بس خلينا قبل الأثير نجيب لك العماد عشان في كذا موقف لطيف نجيبه وبعدين نكمل. الحين وين بلاد قلج أرسلان؟ أظن أقصى جنوبها أو من أقصى الجنوب تقريباً مرعش وبعدين عنده قونية وما قونية وأظن ملاطية ومن الكلام من المناطق هذه. يقول لك العماد أنه قصد نور الدين بلاد قلج أرسلان ملك الروم ففتح مرعش ثم بهسنا واتبع في كل منهما الطريقة الحسنى. طيب مين اللي كان مع نور الدين في هذا الموقف الطريف يعني جميل، يعني اسمع أنت يا شامي كمان تعال لازم تسمع، نقولك مواقف الشامية لازم تسمعها، مين اللي مع نور الدين راح جهة مرعش وجهة بلاد قلج أرسلان؟ العماد الكاتب، فكتب العماد الكاتب إلى صديق له بدمشق وكان سافر عنها مع نور الدين في أطيب فصولها، أطيب فصول دمشق وهو زمن المشمش، تمام هو كذا يقول العماد، هو راح في زمن المشمش كان في مرعش، واضح أن الشين واضح أنها حتكون هي المسيطرة في هذه القصيدة يعني، فكتب العماد الكاتب إلى صاحبه الشامي أو الدمشقي عن المشمش من مرعش فقال له: كتابي فديتك من مرعشي وخوف نوائبه مرعشي وما مر في طرقها مبصر صحيح النواظر إلا عشي وما حل في أرضها آمن من الضيم والضر إلا خشي ترنحني نشوات الغرام كأني من كأسه منتشي أسر وأعلن برح الجوى فقلبي يسر ودمعي يشي بذلت لكم مهجتي رشوة فحام حبكم مرتشي وكيف يلذ الكرى مغرم بنار الغرام حشاه حشي بمرعش وبلوطها مضاهات جلق والمشمش يعني معادلة غير عادلة.
طيب هذه القصة قصة مسير نور الدين إلى الشمال بلاد الروم بلاد سلطان الروم أو سلطان سلاجقة الروم، احنا قلنا فكرة أن هو كيف كان يتعامل نور الدين وإيش المعايير وكيف عجيب كان، يعني سبحان الله هو فعلاً الله سبحانه وتعالى مقدر الأقدار وعالم الغيب والشهادة، لو عاش نور الدين كان أتصور أن المعادلة تكون مختلفة في مقدار الإصلاح الذي يحصل في بلاد المسلمين، فعلاً هو كان رجلاً استثنائياً نادراً، لكن الله سبحانه وتعالى مقدر الأقدار وقد بارك في هذه المسيرة التي عاشها نور الدين ثم بعد ذلك إن شاء الله يأتينا صلاح الدين. قال ابن الأثير في سنة 568 سار نور الدين نحو ولاية الملك عز الدين قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان السلجوقي، وهي ملاطية وسواس وقونية وأقصر التي هي أقصرى الآن، عازماً على حربه وأخذ بلاده منه، وكان سبب ذلك أن ذو النون بن دانشمند صاحب مالطية وسواس وغيرها من تلك البلاد قصده قلج أرسلان وأخذ بلاده وأخرجه عنها طريداً فريداً، فسار إلى نور الدين مستجيراً به وملتجئاً إلى ظله، فأكرم نزوله وأحسن إليه وحمل له ما يليق أن يحمل للملوك، ووعده النصر والسعي في رد ملكه إليه.
هنا تجي جملة متعلقة بالكلام اللي تكلمنا عنه بعد اللقاء الماضي، شوف الكلمة هذه من كلام ابن الأثير وهي جملة ملخصة، يقول: وكانت عادة نور الدين أنه لا يقصد ولاية أحد من المسلمين إلا ضرورة؛ أما ليستعين بها على قتال الفرنج أو للخوف عليها منهم، كما فعل بدمشق ومصر وغيره. هذا ضابط من الضوابط اللي كانت تلخص في قضية نور الدين. فلما قصده ذو النون راسل قلج أرسلان وشفع إليه في إعادة ما غلبه من بلاده يعني ما ذهب مباشرة يقاتل لا، وإن قال له ابن الحلال صالحوا والأمور كذا وما يصير وهدوا المشاكل وكذا، فلم يجبه إلى ذلك فسار نور الدين نحوه. وكان قلج أرسلان لما بلغه قصد نور الدين بلاده قد سار من أطرافها التي تلي الشام إلى وسطها خوفاً وفرقاً، هذا سلطان السلاجقة الفرنج ما أزعجه! فأجابه إلى الصلح، الآن كل هذا مو موضع الشاهد، أنا جبت هذه القصة عشان موضع الشاهد أنه كيف كان نور الدين يتعامل بمعايير مختلفة وبنفس مختلفة وكان ما هو شائم أحد في الحياة. يقول: وكان في جملة رسالة نور الدين إليه أني أريد منك أموراً وقواعد، هذا الآن في الصلح، ومهما تركت منها فلا أترك ثلاثة أشياء، اسمع إيش هي ثلاثة أشياء:
أحدها أن تجدد إسلامك على يد رسولي حتى يحل لي إقرارك على بلاد الإسلام، فإني لا أعتقدك مؤمناً، شوف من فين جاي ما يمزح! وكان قلج أرسلان يتهم باعتقاد مذاهب الفلاسفة هذا السبب يعني، مين اللي يعلقك اليوم من الشباب يقول هذا قبل ما يخترعوا المجاملات قبل ما يخترعوا جبل الخواطر، إيه يعني عارف أول شيء تجدد إسلامك عند رسولي اللي أنا راح أرسل لك إياه عشان أطمئن أنك أنت تؤمن على بلاد المسلمين، هذا أول شيء أصلاً.
والثاني إذا طلبت عسكرك إلى الغزاة تسيره، فإنك قد ملكت طرفاً كبيراً من بلاد الإسلام وتركت الروم وجهادهم وهدنة، فإما أن تنجدني بعسكر لأقاتل بهم الفرنج وإما أن تجاهد من يجاورك من الروم وتبذل الوسع والجهد في جهادهم، كلام سليم ولا مو سليم؟ كلام سليم عشان كذا نعرف ليش تغيرت المعادلة، كان المسلمون قبل نور الدين كم قلنا قرابة الـ 50 سنة الصلبيون يحتلون بلاد المسلمين يعيثون فيها فساداً ولا أحد يسوي شيء، يعني محاولات بسيطة جداً، لازم لازم في معايير جديدة تفرض.
والثالث أن تزوج ابنتك لسيف الدين غازي ولد أخي، طبعاً هذه الزواجات بالنسبة للملوك والحكام كانت تؤثر تأثيرات كبيرة جداً على المستوى السياسي، راح يجينا هذا حتى بعدين في أولاد صلاح الدين كيف لما صارت المشاكل أن هذا جامل هذا عشان هذا متزوج بنت هذا اللي هو واحد من أولاد صلاح الدين متزوج بنت عمه اللي هو ابن أخ صلاح الدين، وكيف أنه هذا أدى إلى خفة المشاكل وهذه تؤثر جداً جداً عندهم في قضية الحسابات السياسية. طيب الشاهد هذه إشارة سريعة إلى فكرة رسالة نور الدين، لو تشغله مرة ثانية معلش نختم بشيء واحد وبعدين نروح لسنة كم 569 اللي فيها إيش؟ اللي فيها وفاة نور الدين زنكي رحمه الله تعالى.
أنا حريص أنه إذا مر ذكر القدس قبل تحريرها أني أذكره حتى أبين مقدار حضور المشروع أو واحدة من الوجهات الأساسية في المشروع أنها حاضرة، هذا أنا حريص عليه. 266 صفحة يعني أنا يبغالي والله أذكر الصفحات بعد كذا عشان اللي بيتابع معنا في الكتاب، لكن عموماً احنا في سنة كم 568. لسه مين يتذكر في الحلقات الأولى لما قلنا أنه نور الدين كان يسايس وصاحب دهاء؟ ولذلك كان في واحد من ذكروا النصارى مدري الأرمن كان موالي لدولة نور الدين وكان يقاتل الصليبيين اللي في مكانه هو كافر زيهم، تتذكروا؟ بعدين قال فلما توفي نور الدين عاد إلى سيرته الأولى وتضرر المسلمون منه، تتذكروا؟ أيوه هذا أظن هو نفسه هذا اللي هو مليح بن لاون مقدم بلاد الأرمن، هذا كان يقاتل الروم مع أنه هو نصراني مثلهم، أخذ منهم 30 أسيراً وأرسلها إلى نور الدين.
فالشاهد أن نور الدين أرسل رسالة إلى وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أرسل رسالة إلى الخليفة العباسي، طبعاً يا جماعة الخط ساخن، خط ساخن جداً بين مين ومين؟ نور الدين والخليفة العباسي، خط ساخن جداً، واضح أن نور الدين كان يعني أن يشرك الخليفة العباسي في كل التفاصيل جيد. فأرسل نور الدين إلى الخليفة العباسي يبشره بهؤلاء الذين قتلهم شو اسمه هذا لاون هذا ابن لاون، ويبشره كذلك بفتح النوبة اللي قبل شوية صارت ها في وقت صلاح الدين، رسالة واحدة فاحنا بس الرسالة عشان فيها إشارة للقدس قلنا خلينا نذكرها. هذه الرسالة ذكرها بطبيعة الحال من اللي كتبها؟ العماد، فأرسل نور الدين القاضي كمال الدين بن الشهرزوري بالأسارى والهدايا، تتذكروا كمال الدين من شهر هذا القاضي اللي مر معنا مراراً، هو نفسه هذا أرسله، لاحظوا ما تلاحظوا أن الرسل اللي يرسلهم نور الدين فقهاء؟ تتذكروا الحلقة الماضية أرسل مين؟ ابن أبي عصرون، تتذكروا هو اللي أرسله بإيش؟ تتذكروا أرسله بإيش؟ أرسله بفتح مصر، كان معه المنشور كل ما مر قرية ولا مدينة ولا شيء أيها الناس أبشركم سقطت الدولة العبيدية الفاطمية صار كذا، تتذكروا دائماً يرسل الفقهاء.
فهنا الآن هذا اللي هو ابن الشهرزوري اللي هو أحد أكبر الفقهاء في زمن نور الدين الذين معه في المشروع كما يقال. طيب وفيه في الكتاب وقسطنطين والقدس يجريان إلى أمد الفتوح في مضمار المنافسة، وكلاهما في وحشة ليل الظلام المدلهم على انتظار صباح المؤانسة، والله تعالى بكرمه يدني قطاف الفتح لأهل الإسلام ويوفق الخادم لحيازة مراض الإمام، من الخادم؟ نور الدين، والإمام؟ الخليفة العباسي. وفي آخره: ومن جملة حسنات هذه الأيام الزاهرة ما تسنى في هذه النوبة من افتتاح بعض بلاد النوبة.
والوصول إلى مواضع منها لم تطرقها سنابك الخيل الإسلامية في العصور الخالية، وكذلك استولت عساكر مصر أيضاً على برقة وحصونها، هو فعلاً راح توسع المغرب جهة طرابلس الغرب وإلى آخره، وتحكموا في معاقلها ومصونها حتى بلغوا إلى حدود المغرب، فظفر من السؤل بعنق مغرب، وفي آخر ذلك الكتاب وهنا أيضاً موضع الشاهد: ونسأل الله التوفيق لاستدعاء قواص المنى وإقصاء عبدة الصليب الأنجس من المسجد الأقصى، وأن يجعل فتح البيت المقدس مفتتح مراده، ومقتدح زناده، ومقترح في جهاده، وأن يملكه الساحل بجميع بلاده.
طيب، الآن بقي معنا بقيت معنا أمور قليلة جداً، الله يزك، بقيت معنا أمور قليلة جداً وبس لو ترجع، وحتى يعني تنتهي الأحداث المتعلقة بنور الدين رحمه الله تعالى. من الأحداث المهمة جداً جداً والتي بقيت فتح اليمن. فتح اليمن، إيش؟ مبسوط، الله المستعان، أنت ما أنت يمني بس عشان نك، والله المستعان، طيب ماشي، يلا أحمد متحمل، مين اللي فتح اليمن؟ تورانشاه نفسه اللي فتح مين؟ النوبة، أرسله صلاح الدين إلى فتح بلاد اليمن، يعني اللي صاير فرع من مصر، فاهمين الفكرة؟ وليس فرعاً من وين؟ وليس فرعاً من الشام، كما أنه ليس فرعاً من بغداد، وإن كانت تابعاً للسلسلة متابعة، لكنها اللي صاير صاير المشروع خلينا نقول مشروع نور الدين زنكي صاير يروح في مكان ويستقر ويتولد منه مشاريع مشاريع فرعية، فاهم؟ يعني يعني أول شيء مصر أصلاً كانت بعيدة، فاستقر الأمر بمصر صار في قاعدة إصلاحية، ها، بعدين انطلقت منها قواعد إصلاحية فرعية، راح جهة المغرب، راح جهة اليمن، راح كذا.
قصة اليمن كذلك وفتحها وما يتعلق بها أيضاً لا أريد أن أدخل في تفاصيلها، لكن دعوني أذكر عبارة سريعة لابن شداد يقول: لما كانت سنة 569 رأى صلاح الدين قوة عسكره وكثرة عدد إخوته وقوة بأسهم، وكان بلغه أن باليمن إنساناً استولى عليها وملك حصونها، وهو يخطب لنفسه يسمى عبد النبي بن مهدي، ويزعم أنه ينتشر ملكه إلى الأرض كلها، واستتب أمره، فرأى أن يسير إليها أخاه الأكبر المعظم تورانشاه، وكان كريماً أريحياً حسن الخلق، سمعت منه يعني من صلاح الدين الثناء على كرمه وحسن أخلاقه وترجيحه إياه على نفسه، فمضى إليها وفتح الله على يديه وقتل الخارج الذي كان بها.
يهمني في موضوع اليمن سلمكم الله، البشارة فتح إرسال البشارة إلى بغداد بفتح اليمن. يقول العماد الكاتب: ثم سير نور الدين -ها، الفتح من صلاح الدين والتسيير البشارة من نور الدين- سير إلى بغداد بشارة بأمرين، أحدهما فتح اليمن، والآخر كسر الروم مرة ثانية. ومما تضمنه كتاب البشارة، أنا طبعاً جبت كتاب البشارة هذا عشان كسرة الروم، كسرة الروم واضح أنها قوية جداً، لكن مما تضمنه كتاب البشارة في سطر واحد يقول: ولم ينج من عشرة آلاف من الصليبيين غير عشرة، حمر مستنفرة فرت من قسورة، وسلم لي على سلطة الثقافة الغالبة.
طيب السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، طيب، باقي لنا آخر حدث ثم ننتقل إلى الموضوع الذي نحن بصدده، من آخر التحديات التي واجهها نور الدين رحمه الله في حياته، من آخر التحديات واجه محاولة انقلابية أخرى، هذه المحاولة الانقلابية كانت كبيرة وخطيرة، لكنها وئدت في مهدها، كانت قوية وخطيرة؛ لأنه الشخصيات التي خططت لهذه المحاولة هي شخصيات اعتبارية وكبيرة في الدولة، بقايا الدولة العبيدية الفاطمية. قال العماد الكاتب: اجتمع جماعة من دعاة الدولة المصرية المتعصبة المتشددة المتصلبة، وتوازوا فيما بينهم خفية وخيفة، واعتقدوا أمنية عادت بالعقبة عليهم منية، وعينوا الخليفة والوزير، وأحكموا الرأي والتدبير، وبيتوا أمرهم بليل وستروا عليهم بذيل. وكان عمارة اليمني الشاعر عقيدة ودعاة للدعوة قريبهم وبعيدهم. هذا عمارة اليمني واحد قصته قصة، أصله سني وجاء من اليمن إلى بلاد العبيديين الفاطميين في مصر، فأكرموه وأحسنوا إليه، ففتن بهم، وهو شاعر، كأنه خلق شاعراً، شيء ما هو طبيعي، شعره فعلاً شاعر فذ يعني، وكان له أشعار كثيرة ذكرت في الكتب هنا عند أبي شامة ومنقولة، يعني سأتجاوز ما ذكر من أشعاره إلا أبيات كتبها في واحد مصلوب، واحد من اللي صلبوه في وقت الدولة الفاطمية، كتب أبياتاً يصف حاله، وبعدين عمارة اليمني هذا بسبب محاولة الانقلاب إيش صار فيه؟ صلب، فلما صلب جاءوا بالأبيات التي كان كتبها في المصلوب فجعلوها عليه، راح تشوف كيف الوصف اللي وصف فيه هذا المصلوب.
طيب، هذا المخطط يا جماعة الخير كان مخططاً خطيراً جداً، يقول العماد: وكانوا قد أودعوا سرهم عند من أذاعه واستحفظه، الناصرية في جملتهم وعرفوهم بجهلهم. اللي فضح المؤامرة وطلع وسرب، طبعاً كمان هم مسوين مؤامرة ضد صلاح الدين الأيوبي بيرجعوا الدولة العبيدية، ومدخلين معهم ناس ما هم مهم كمان إيش، إيش الحسبة الغلط هذه؟ فكان الفقيه الواعظ زين الدين علي بن نجا الحنبلي يناجيه فيما زين لهم من سوء أعمالهم ويداخلهم في عزم خروجهم، مطلعاً على أحوالهم، وتقاسموا الدور والأملاك؛ أبداً بعد الانقلاب إيش راح يصير؟ أنت لك كذا وأنت لك كذا وهذا لك كذا، وكادت آمالهم تدنو من الإدراك، فجاء زين الدين الواعظ وأطلع صلاح الدين على فسادهم وما سولوه من مرادهم، وطلب مال ابن كامل الداعي من العقار والدور، هذا الآن اللي هو داعي الدعاة في الدولة العبيدية الفاطمية اسمه ابن كامل، هذا فجاء زين الدين بن نجا هذا الحنبلي قال لصلاح الدين: ترى أنا عندي سر خطير جداً وكذا وكذا، بس لكن إيش الأملاك اللي حق هذاك داعي الدعاة ترى يعني الله يجزيني الخير إني أنا قلت لك هذا السر، فيعني لو سمحت، وكل ماله من الموجود والمذخور، فبذل له السلطان كل ما طلبه وأمره بمخالطته ورغبه، ثم أمر السلطان بإحضار مقدميهم واعتقالهم لإقامة السياسة فيهم، وصلب يوم السبت ثاني شهر رمضان جماعة منهم بين القصرين، منهم عمارة، وأفنى بعد ذلك من بقي منهم، ومات بموتهم الخبر عنهم. وكان منهم داعي الدعاة ابن عبد القوي، هذا اللي عذب عشان يعترف بالأموال حق الدولة العبيدية فما اعترف. وشاهد أنه هذه المؤامرة كانت خطيرة ومذكورة، عامة من يؤرخ لتلك المرحلة يذكرها لأنها فعلاً كانت مؤثرة جداً، والحمد لله تم القضاء عليها، كانت هذه تقريباً آخر تحدي يواجهه صلاح الدين الأيوبي فيما يتعلق ببقايا الدولة العميقة المصرية الفاطمية التي قضى عليها وكسرها.
خلينا نروح لشو اسمه الأبيات التي كتبها في الصليب أو في المصلوب هذا، اللي هو عمارة اليمني، هي أربع ثلاث أبيات بس، بس شوف كيف الوصف ببساطة وغريب يعني، يقول: أراد علو مرتبة وقدر، فأصبح فوق جذع وهو عالي ومد على صليب الجذع منه يمين لا تطول على الشمال ونكس رأسه لعتاب قلب، دعاه إلى الغواية والضلال شوف المعنى، مصلوب يكون يمين وشمال زي كذا، فيقول: ونكس رأسه لعتاب قلب دعاه إلى الغواية والضلال.
طيب، وأحسن من هذه الأبيات وأجمل كتابة مين صاحبنا؟ لا مو العماد، القاضي الفاضل. إحنا إذا جاء القاضي الفاضل، يعني الله يجزيهم الخير جميعاً، لكن القاضي الفاضل كتابته دائماً مختلفة وعالية وكبيرة وبيان فيها عجيب، فكتب كتاباً في هذه الحادثة الخطيرة جداً، كتب كتاباً يصف فيه هذه الحادثة ببيانه المعتاد العجيب، صفحة 286، شوفوا يا جماعة، شوفوا الكتاب العجيب هذا. الكتاب طبعاً موجه لمن؟ الكتاب هو كاتب صلاح الدين لنور الدين، موجه إلى نور الدين زنكي، جيد، يقول: قصر هذه الخدمة على متجدد سار للإسلام وأهله وبشارة مؤذنة بظهوره، بظهور وعد الله في إظهاره على الدين كله، بعد أن كانت لها مقدمات عظيمة إلا أنها أسفرت عن النجح، وأوائل كالليث البهيم إلا أنها انفرجت عن الصبح، فالإسلام إلى آخر الكلام.
خلينا نجي لموضع الشاهد، يقول: لم يزل يتوسم من جند مصر ومن أهل القصر بعد ما أزال الله من بدعتهم ونقض من عرى دولتهم وخفض من مرفوع كلمتهم أنهم أعداء وإن قعدت بهم الأيام، وأضداد وإن وقعت عليهم كلمة الإسلام، وكان لا يحتقر منهم حقيراً ولا يستبعد منهم شراً كبيراً، وعيونه لمقاصد موكلة، وخطرات في التحرز منهم مستعملة، لا تخلو سنة تمر ولا شهر يكر من مكر يجتمعون عليه، وفساد يتسرعون إليه، وحيلة يبرمون، ومكيدة يتممون، وكان أكثر ما يتعللون به ويستريحون إليه الكتابات المتواترة. بالمناسبة هم قبل ما يسووا الانقلاب كاتبوا الفرنج أنهم بيرجعوا الدولة الفاطمية والعبيدية وينسقوا مع بعض، وكان أكثر ما يتعللون به ويستريحون إليه الكتابات المتواترة والمراسلات المتقاطعة إلى الفرنج خذلهم الله تعالى، التي يوسعون لهم فيها سبل المطامع، ويحملونهم فيها على العظائم الفضائح، ويزينون لهم الإقدام والقدوم، ويخلعون فيها ربقة الإسلام خلع المرتد المخصوم، ويد الفرنج بحمد الله قصيرة عن إجابتهم، إلا أنهم لا يقطعون حبل طمعهم على عادتهم، ممتاز ولا لا؟ وكان ملك الفرنج كلما سولت له نفسه الاستتار في مراسلتهم والتحيل في مفاوضتهم، سير جورج كاتبه رسولاً إلينا ظاهراً وإليهم باطناً، عارضاً علينا الجميل الذي ما قبلته قط أنفسنا، وعقداً معهم القبيح الذي يشتمل عليه في وقته علمنا، ولأهل القصر والمصريين في أثناء هذه المدد رسل تتردد وكتب إلى الفرنج تتجدد، ممتاز ولا ممتاز يا جماعة؟
ثم قال: والمولى عالم أن عادة أوليائه المستفادة من أدبه ألا يبسطوا عقاباً مؤلماً، ولا يعذبوا عذاباً محكماً، وإذا طال عليهم الاعتقال ولم ينجح السؤال، أطلق سراحهم وخلى سبيلهم، فلا يزيدهم العفو إلا ضراوة، ولا الرفق عليهم إلا قساوة. وبين كيف أن جورج هذا لما جاء المرة الأخيرة، كيف كانت الاحتيال اللي رصدته أجهزة المخابرات الأيوبية، سيد أجهزة المخابرات الأيوبية تنبهت إلى هذا الرسول الفرنجي الصليبي اللي جاي على أساس أنه رسول إلى صلاح الدين وكذا، ولكن هو عنده لقاءات سرية تعقد مع الطابور الخامس داخل البلد عبر هذه السفارة الصليبية.
فيقول: وعند وصول جورج في هذه الدفعة الأخيرة رسولاً إلينا بزعمه، ورد إلينا كتاب ممن لا نرتاب به من قومه، يذكرون أنه رسول مخاتل لا رسول مجاملة، وحامل بلية لا حامل هدية، فأوه أناه الإغفال عن التيقظ لكل ما يصدر منه وإليه، فتوصل مرة بالخروج ليلاً، ومرة بالركوب إلى الكنيسة وغيرها نهاراً، إلى الاجتماع بحاشية القصر وخدام وأمراء المصريين وأسبابه، وجماعة من النصارى واليهود وكلابهم وكتابهم، فدسسنا إليهم من طائفتهم -شغل المخابرات- فدسسنا إليهم من طائفتهم من داخلهم، فصار ينقل إلينا أخبارهم، ويرفع إلينا أحوالهم، ولما تكاثرت الأقوال وكاد يشتهر علمنا بهذه الأحوال، استخرت الله وقبضنا على جماعة مفسدة، وطائفة من هذه الجنس متمردة، قد اشتملت على الاعتقادات المارقة والسرائر المنافقة، فكلاً أخذ الله بذنبه، فمنهم من أقر طائعاً عند إحضاره، ومنهم من أقر بعد ضربه، فانكشفت أمور أخر كانت مكتومة، ونوب غير التي كانت عندنا معلومة، وتقريرات مختلفة في المراد متفقة في الفساد.
جيد، ثم قال: وفي أثناء هذه المدة كاتبوا سناناً صاحب الحشيشية، يعني المجرمين ذول ما اكتفوا بمكاتبة الصليبيين، راحوا يكاتبوا مين كمان؟ حشاشين، ثم كاتبوا سناناً صاحب الحشيشية بأن الدعوة واحدة والكلمة جامعة، وأن ما بين أهلها خلاف إلا فيما لا يفترق فيه كلمة، يعني أن الفاطميين هذول بقايا العبيديين أرسلوا للحشاشين الباطنية والآخرين أنه ترى صح قد يكون بيننا اختلافات شوية مذهبية وكذا، لكن ترى إحنا الخلافات اللي بينا بسيط، وأن ما بين أهلها خلاف إلا فيما لا يفترق به كلمة ولا يجب به قعود عن نصرة، واستدعوا منه من يتمم على المملوك غيلة، من المملوك صلاح الدين الأيوبي؛ ليش يقول المملوك؟ لأنه يكتب للسيد اللي هو مين؟ نور الدين زنكي، يقول: واستدعوا منه -من الحشاشين- من يتمم على المملوك غيلة، يعني طلبوا اغتيال صلاح الدين الأيوبي عن طريق الحشاشين، بعد ما تم الاتفاق أيضاً كذلك مع الصليبيين، أو يبيت له مكيدة وحيلة، والله من ورائهم محيط. وكان الرسول إليهم عن المصريين خال ابن قرلة المقيم الآن هو وابن أخته عند الفرنج. ولما صح الخبر، وكان حكم الله أولى ما أخذ به، وأدب الله أمضى في من خرج عن أدبه، وتناصر من أهل العلم الفتاوى، وتوالت من أهل المشورة بسبب تأخير القتل فيهم المراجعات والشكاوى، قتل الله بسيف الشرع المطهر جماعة من الغواة الغلاة الدعاة إلى النار، الحامدين ثقال وأثقال من أضوه من الفجار، ونُصِبوا على أبواب قصورهم، وشُنوا على أبواب قصورهم، وصلبوا على الجذوع المواجهة لدورهم. ووقع التتبع لأتباعهم، وشردت الطائفة الإسماعيلية، ونودي بأن يرحل كافة الأجناد وحاشية القصر وراجل السودان إلى أقصى بلاد الصعيد إلى آخر الكلام.
هذه مراسلة زي ما كنا نقول في اللقاء الماضي، مراسلة سياسية، تخيلوا يا جماعة مستوى البيان والأدب، مراسلة رسمية سياسية بين ممثل الدولة الزنكية في مصر اللي هو صلاح الدين الأيوبي إلى الملك نور الدين. نختم هذه الحادثة بأبيات أربعة أبيات، صنعة الأدب كانت رائجة جداً جداً جداً، رائجة ويعني تقال في كل مقام من المقامات، يعبر عنه بأبيات بأشعار بنثر بهذا المستوى الذي رأيناه قبل قليل وسمعناه قبل قليل، كان شيئاً عجيباً، هذه أربعة أبيات ذكرت في...
عماره اليمني اللي هو قائد عملية الانقلاب، يقول: شوف عماره في الإسلام أبدى جناية، وبايع فيها بيعة وصليبا. وأمسى شريك الشرك في بغض أحمد، فأصبح في حب الصليب صليبا. وكان خبيث الملتقى إن عجمتك، تجد منه عوداً في النفاق صليبا. سيلقى غداً ما كان يسعى لأجله، ويسقى صديداً في لظى وصليبا.
كل أربع بيات صليباً، صليباً، صليباً، صليباً، الأولى بيعة وصليبه اللي هو صليب النصارى، هو قال أصلاً الثاني: فأصبح في حب الصليب صليبه، إيش معنى صليبه؟ مصلوبة، والثالثة اللي هي: وكان خبيث الملتقى إن عجمتك، تجد منه عوداً في النفاق صليباً من الصلابة، الرابعة هي هي الصعبة اللي يعني ما تفهم بداهة: سيلقى غداً ما كان يسعى لأجله، ويسقى صديداً في لظى وصليباً، يقول الرابع ودك العظام وقيل هو الصديد، جيد.
ثم بعد ذلك وبعد هذه المسيرة الطويلة العظيمة العجيبة لحقت سنة الله سبحانه وتعالى في الأحياء هذا الملك العظيم نور الدين زنكي رحمه الله تعالى، فقبض عبده إليه وتوفاه بعد هذه المسيرة العظيمة المليئة بالخير والمليئة بالعز، والتي نقلت حال الأمة الإسلامية في قلب بلادها وديارها في بلاد الشام، نقلتهم من حال الاجتماع، من حال الفرقة والتضاد والحروب الداخلية إلى حال اجتماع الكلمة واتحاد الوجهة، ووظف بحول الله تعالى الطاقات المتفرقة المتناحرة لخدمة الإسلام والمسلمين، وذلك في مواجهة المشكلة الكبرى التي كانت في زمنه وهي مشكلة الاحتلال الصليبي لبلاد المسلمين لبلاد الشام، وبالفعل عاش هذه الحياة صالحاً هو في نفسه، مقيماً للعدل في البلاد التي سيطر عليها، وفي نفس الوقت وجه طاقات الأمة وجهودها إلى نصرة الإسلام والمسلمين وقتال الصليبيين وكسر شوكتهم وكسر كلمتهم، فرحمه الله من ملك عادل ومن إمام مقسط ومن رجل عظيم ومن مجدد من المجددين الذين كان لهم في الإسلام الأثر العظيم والمكانة الكبيرة، رحمه الله رحمة واسعة.
نقرأ سريعاً ما ذكره العماد الكاتب في قضية وفاته، يقول: وفي يوم الاثنين ثاني العيد بكر وركب، وجمل الموكب وكان الفلك بنيره جار، والطود الثابت يمر مر السحاب في وقار، وكأنه القمر في هالته، والقدر في جلالته، والبدر في دائرته سائر بين سيارته، ودخل الميدان والعظماء يسايره، والفهماء يحاورون، وفيهم همام الدين مودود وهو في الأكابر معدود، وكان قديماً في أول دولته والي حلب، وقد جرب الدهر بحنكته، ولا شطره حلب، فقال لنور الدين في كلامه عظة لمن يغتر بأيامه: هل نكونها هنا في مثل هذا اليوم في العام القابل؟ فقال نور الدين: قل نكون بعد شهر فإن السنة بعيدة، فجرى على منطقهما ما جرى به القضاء السابق، فإن نور الدين لم يصل إلى الشهر، والهمامية جاهزة أن يلعبوا من ظهر الخيل واحتساب نية الجهاد فيه، مرت معنا هذه مع خواصه البررة، فاعترضه في حاله أمير آخر اسمه يرنق، وقال له باش، فأحدث له الغيظ والاستيفاء، واغتاظ نور الدين يعني اغتاظ على خلاف مذهبه الكريم وخلقه الحليم، فزجره وزبره ونهاه ونهره، وساق ودخل القلعة ونزل واحتجب واعتز، فبقي أسبوعاً في منزله مشغولاً بناز، مغلوباً عن عاجله بحديث أجله، والناس من الختان، ختان ولد نور الدين كان ولد له ولد هو أصلاً هذه كله احتفالات الختان لاهون بأوطانهم في الأوطان، فهذا يروح بجوده وذاك يجود بروحه، فما انتهت تلك الأفراح إلا بالتراحم، صلح الملك بعده إلا بملك الصلاح، وما صلح الملك بعده إلا بملك الصلاح اللي هو صلاح الدين الأيوبي، قال: واتصل مرض نور الدين وأشار عليه الأطباء بالفسطاط، وكان مهيباً فما روجع، وانتقل حادي عشر شوال يوم الأربعاء من مربع الفناء إلى مرتع البقاء، ولقد كان من أولياء الله المؤمنين وعباده الصالحين، وصار إلى جنات عدن أعدت للمتقين إلى آخر الكلام، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
نمر مروراً سريعاً جداً على كلام الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء عن نور الدين زنكي، ثم بعد ذلك نأخذ النصف ساعة المتبقية نرجو أن ندرك بها الموضوع الأهم في هذا اللقاء وهو السيرة المجملة لصلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى. طيب، الآن هذه السيرة جماعة وأنتم تسمعونها المفروض تكونوا مستحضرين، إيش تكونوا مستحضرين؟ كل الحلقات الماضية عن نور الدين زنكي، لأنه الذهبي هذه السيرة المجملة لخص الكلام الطويل العريض الذي ذكر عن نور الدين رحمه الله، وطبعاً لا أقرؤها كاملة سأنتقي منها سريعاً، يقول عن نور الدين: صاحب الشام، الملك العادل، ناصر أمير المؤمنين، تقي الملوك، ليث الإسلام أبو القاسم محمود ابن الأتابك قسيم الدولة أبي سعيد زنكي ابن الأمير الكبير آق سنقر التركي السلطاني الملك شاهي، الملك شاهي نسبة إلى ملك شاه اللي هو السلطاني اللي هو إيش؟ سلطان سلاجقة. ذكر النشأة والجد والكذاب، قال ذكروا الكلام قبل شوي أبو خالد لما قلنا تلخيص نور الدين في كلمات يقول عنه الذهبي: وكان نور الدين حامل رايتي العدل والجهاد، هذا هو نور العدل والجهاد، قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق ثم تملكها وبقي بها 20 سنة، افتتح أولاً حصوناً كثيرة، أفامية والراوندان وقلعة البيرة وعزاز وتل باشر ومرعش وعينتاب، وهزم البرنس صاحب أنطاكيا وقتله في 3000 من الفرنج، ذكروا هذا القتال اللي في البداية، وأظهر السنة بحلب وقمع الرافضة، وبنى المدارس بحلب وحمص ودمشق وبعلبك والجوامع والمساجد، وسلمت إليه دمشق للخوف فحصنها ووسع أسواقها وأنشأ المارستان ودار الحديث والمدارس ومساجد عدة، وأبطل المكوس من دار بالطي وسوق الغنم والكيال وضمان النهر والخمر، ثم أخذ من العدو بانياس والمنيترة وكسر الفرنج مرات ودوخ وأذلهم، وكان بطلاً شجاعاً وافر الهيبة، حسن الرمي، مليح الشكل، ذا عبد وخوف وورع، وكان يتعرض للشهادة، سمعه كاتبه أبو اليسر يسأل أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، وبنى دار العدل وأنصف الرعية، ووقف على الضعفاء والأيتام والمجاورين، وأمر بتكميل سور المدينة النبوية، إلى أن قال: وكانت الفرنج قد استضفت على دمشق وجعلوا عليها قطيعة، تتذكروا في بداية الأحداث لما كانت دمشق حاكم دمشق يعني تابع مو يعني خلينا نقول خاضع للصليبيين وكان يرسل لهم الجزية وكذا.
طيب، وأتاه أمير الجيوش شاور مستجيراً به فأكرمه، وبعث معه جيش ليرده إلى منصبه، فانتصر لكنه تخابر ثم استنجد بالفرنج، ثم جهز نور الدين رحمه الله جيشاً لجب مع نائبه أسد الدين شيركوه، فافتتح مصر وقهر دولتها الرافضية، وهربت منه الفرنج، وقتل شاور وصفت الديار المصرية لشيركوه نائب نور الدين، ثم لصلاح الدين فأبى العبيديين واستأصلهم وأقامت دعوة العباسية، وكان نور الدين مليح الخط كثير المطالعة، يصلي في جماعة ويصوم ويتلو ويسبح ويتحرى في القوت ويتجنب الكبر ويتشبه بالعلماء والأخيار، ذكر هذا ونحوه الحافظ ابن عساكر، ثم قال ابن عساكر -مر معنا ابن عساكر في اللقاء الماضي- ابن عساكر اللي جمع كتاب الأربعين الجهادية، 40 حديث جهادية لنور الدين، وذكر في مقدمة الكتاب أنه إنما جمعه لطلب نور الدين زنكي، وأسمعه بالإجازة، وكان من رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره، حكماً صاحبه حضراً وسفراً أنه ما سمع منه كلمة فحش برضاه ولا في ضجره، وكان يؤاخي الصالحين ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم وزوج بجواريه.
قال ابن الجوزي -طبعاً ابن الجوزي كان أحد أكبر العلماء في تلك المرحلة لكنه لم يكن تبع نور الدين، وإنما كان في بغداد تبع الخلافة العباسية مباشرة- قال أبو الفرج بن الجوزي: جاهد وانتزع من الكفار نيفاً وخمسين مدينة وحصناً، وبنى بالموصل جامعاً اللي هو الجامع النوري، موجود إلى الآن آثار الجامع النوري، غرم عليه 70 ألف دينار، وترك المكوس قبل موته، وبعث جنوداً فتحوا مصر، وكان يميل إلى التواضع وحب العلماء والصلحاء، يقول ابن الجوزي: وكتبني مراراً وعزم على فتح بيت المقدس، هكذا يقول ابن الجوزي وتوفي في شوال سنة 569، الكلام كثير وسيرة نور الدين رحمه الله قد ذكرتها في بداية اللقاءات، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرضى عنه وأن يبارك فيه وأن يبارك في سيرته، أن يجعلها سوابق خير ونفع، وأن يكتب له من أجور ما نتذاكر ونتدارس، فلا شك أن سيرته فيها إحياء للقلوب والنفوس، رحمه الله رحمة واسعة، طبعاً إيش أهم الآثار وكذا هذه ذكرناها في الحلقة السابقة، ذكرنا كيف أنه ما كان بإمكان الأمة الإسلامية أن تخرج من تلك الحال إلا بما يسره الله له من جمع الكلمة، وذكرنا الكلام صح ولا لا؟ في الحلقة الماضية ذكرنا، ذكرت كلاماً كثيراً، الآن ننتقل إلى صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى.
صلاح الدين الأيوبي، أولاً بعض الناس لم يكن يعرف إلا صلاح الدين وكان يجهل نور الدين زنكي، وفي الحقيقة أنه يعني بإذن الله وقدره لولا نور الدين لما راح صلاح الدين ولا جاء، وهذه الكلمة هي كلمة حقيقية، يعني صلاح الدين الأيوبي رحمه الله كما مر معنا كان جندياً من الجنود، عسكرياً من العسكر، ابن أمير أبوه أيوب أمير من الأمراء، وعمه قائد عسكري كبير اللي هو أسد الدين شيركوه، وهو التحق في صف عمه من البداية، وكان أكبر ما يمكن أن يصل إليه والله أعلم لولا أن الله سبحانه وتعالى هيأ نور الدين ومشروع نور الدين كان أكبر ما يصل إليه أن يكون جناحاً أو قائد جناح عسكري لدولة من دول المسلمين المتفرقة الصغيرة المتنازعة، يعني ترى كان ممكن أكبر ما يصل إليه أنه هو يكون القائد العسكري الفذ لمدينة حلب، وعد شوف وين يوصل، يمكن يقاتل الصليبيين شوية، ممكن يقاتل بعض الحصون اللي حوله شوية كذا، الأمة كانت تعيش هذه المعاناة وهذه المأساة، وهذا ليس توقاً وإنما هو كان واقعاً، متى تغيرت البوصلة؟ متى تغيرت الوجهة؟ لما جاء نور الدين وجلس يجمع من هنا ويجمع من هنا ويروح يقدم القضية للإمام، يقدمها للإمام، ومن هنا مثل ما ذكرنا في اللقاء السابق جاءت استثمار الطاقات، قائد عسكري فذ مثل أسد الدين شيركوه كان يحتاج إلى هذا المشروع حتى توجه هذه الطاقة في مكانها الصحيح، وإلا لبقيت مشتتة يميناً وشمالاً، يميناً وشمالاً ليش؟ ما في بوصلة، ما في مشروع شمولي، ما في شيء يأخذ بأيدي الأمة وشبابها إلى تلك الوجهة. هذا الكلام طبعاً توسعت فيه جداً في اللقاء السابق وهو من أهم ما ينبغي أن يوقف عنده في هذه السلسلة.
طيب، صلاح الدين أيوبي رحمه الله تعالى كان يترقى يترقى شيئاً فشيئاً، فالذي ينظر إلى صلاح الدين في بداية مسيرته على أنه صلاح الدين الذي في نهاية مسيرته لن يفهم صلاح الدين، شهيد صلاح الدين الأيوبي كما ثبت عنه وذكره الشراح وذكره أصحاب التاريخ كما هو معلوم وذكرته في هذه السلسلة مراراً، لما تولى وزارة مصر سنة 564 وكان عمره إذاك بالضبط 32 عاماً ترك شرب الخمر، ترك شرب الخمر لما تولى الوزارة بمصر، كان عسكرياً من العساكر له جهود وله قتال وله كذا، لكنه لم يكن في بداية مشروعه منطلقاً من يعني خلينا نقول صلاح سابق وتربية شمولية، لا، وبالتالي فكرة هكذا ظهر جيل صلاح الدين فيها إشكال كبير جداً، لكنه لم يبقَ على الحالة التي بدأ منها، ترقى وترقى وترقى وترقى حتى صار في رأيي والله تعالى أعلم من خيار الصالحين في هذه الأمة في نصرة هذا الدين والجهاد في سبيل الله والتضحية والبذل، وصار يعيش للإسلام حقاً، صار يعيش للإسلام حقاً، وترقى كما قلت شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى هذه الدرجة، هو بدأ من ما تحت الصفر ثم ترقى ترقى ترقى ترقى حتى وصل إلى تلك المرتبة العلية، ولذلك أكرمه الله سبحانه وتعالى بفتح بيت المقدس وخلد ذكره في التاريخ، حتى إنك ترى صغار المسلمين وكبارهم وجاهلهم وعالمهم إذا تذكروا أبطال الإسلام فإن من أوائل ما يقفز إلى أذهانهم صلاح الدين الأيوبي، أليس كذلك؟ فرضي الله عنه وهنيئاً له ما كتبه الله له من الخير والفتح.
إحنا الآن بعد عشر حلقات مطولة قرابة الـ10 ساعات سنفتح صفحة صلاح الدين، كانت كل الصفحات الماضية عن نور الدين وعن هذا المشروع العظيم الذي إيش مهد الأرض لصلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، الآن صلاح الدين لما بدأ في مسيرته بدأ على مثال سابق، على مثال سابق، ليس مثالاً سابقاً أخذه من كتب التاريخ، وإنما مثال سابق رآه بعينيه، هو نشأ في الدولة النورية الزنكية، ورأى العدل ورأى ورأى ورأى وكان تحت إشراف نور الدين زنكي، فكان استفاد من هذه التجربة العملية التي عاشها كثيراً في حياته رحمه الله، والفرق بين الرجلين ذكرته أكثر من مرة، نور الدين كان صاحب شخصية مختلفة عن شخصية صلاح الدين، نور الدين كان صاحب شخصية استقلالية بشكل كبير جداً، كان على ثقة كبيرة جداً جداً جداً برأيه بقراراته، كل من حوله لهم حدود معينة يستفيد منهم، لكن هو الذي يقرر إنه هل هذا القدر مناسب، غير مناسب، يضع حدوداً، ما يهاب أحداً، شفت الملوك لما هذا راسله، قال له أنت أصلاً أنت جاي تقول لا تدخل موصل، أنت أصلاً المفروض أروح آخذ بلادك أصلاً، أنت ملك من ملوك المسلمين بس ما أنت جالس تدافع عن بلاد المسلمين، وين وين رايح؟ يعني فكان كان مختلفاً رحمه الله تعالى في ثقته، في قوته، في قدرته، صلاح الدين رحمه الله كان أبسط الشخصية وكان.
يحتاج إلى التوجيه ممن حوله من أهل العلم ومن أهل الخبرة، وشيئاً فشيئاً كما قلنا حتى أخذ تلك الخبرة الكبيرة. جيد، هذا الآن مدخل مهم جداً حتى نقف الآن على نبذ مختلفة من صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، وبعد ذلك نبدأ مثل ما بدأنا مع نور الدين، أول شيء بدأنا بالسيرة المجملة ثم بعد ذلك أخذنا عشر حلقات مطولة في تسلسل الأحداث والفوائد الإصلاحية منها. الآن نأخذ سيرة مجملة غير متوزعة على الزمن، فقط متعلقة بشخصية صلاح الدين وخلاله وما يعني وفقه الله له سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك من الحلقة القادمة إن شاء الله نبدأ نقول بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، ودخلت سنة 569، تمام.
طيب، هذه السيرة ميزتها، هذه السيرة الإجمالية السريعة ميزتها أنها كتبها مرافقه الشخصي، وهو أحد العلماء وأحد القضاة اللي هو القاضي ابن شداد رحمه الله تعالى، كتب هذه السيرة المجملة وكثير منها معتمد على مشاهدته الشخصية، سأنق منها وأذكرها في بداية الكتاب مثل ما ذكر أبو شامة ذلك في سيرة نور الدين، أول شيء في بداية الكتاب ذكر السيرة المجملة لنور الدين ثم بعد ذلك انتقل إلى تفصيل الأحداث. طيب، سأنتقل كما قلت سريعاً لأهم ما ذكر في هذه السيرة المجملة، وهي سيرة حقيقة ترقق القلب ويعني أيضاً تفتح لنا صفحة على ماضٍ عظيم وكبير.
عفواً، إي نعم، طبعاً زي ما قلت باستحضار أنه من يقرأ صلاح الدين يجب أن يدرك أن هذا ترى ما كانت البدايات وإنما هذا صلاح الدين في النهايات، هذا أو يعني خلينا نقول بعد الترقي شيئاً فشيئاً، وإلا فكان هذا الحال وهذا يعني هذا مما يمدح به الإنسان بطبيعة الحال. طيب، يقول ابن شداد رحمه الله: وأما الصلاة فإنه رحمه الله كان شديد المواظبة عليها بالجماعة، حتى أنه ذكر يوماً أنه له سنين ما صلى إلا جماعة، وكان إذا مرض يستدعي الإمام وحده ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة، وكان يواظب على السنن الرواتب، وكان له ركعات يصليها إن استيقظ بوقت في الليل وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح، وما كان يترك الصلاة ما دام عقله عليه.
وأما الزكاة فإنه مات ولم يحفظ أو يُحفظ ما وجبت به عليه الزكاة، وأما صدقة النفل فإنها استنفدت جميع ما ملكه من الأموال، طبعاً هذه معروف صلاح الدين تذكروا الكلمة اللي قالها أظن العماد الكاتب، تذكروا إيش قال في وصفه؟ وفرق ما جمعه عمه، مين عمه؟ أسد الدين شيركوه، اللي جمعه من الغنائم والفتوحات وكذا صلاح الدين جاء فرق، وهذه كانت سمة واضحة في صلاح الدين. وأما صوم رمضان فإنه كان عليه منه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة، وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام، تمام، القاضي الفاضل مسجل الأيام اللي فاتت صلاح الدين في الصيام، وشرع رحمه الله في قضاء فوائت ذلك في القدس الشريف في السنة التي توفي فيها، وواظب على الصوم مقداراً زائداً على شهر فإنه كان عليه فوائت رمضانين، شغلته الأمراض وملازمة الجهاد عن قضائها، وكان الصوم لا يوافق مزاجه، فألهمه الله تعالى الصوم بقضاء الفوائد فكان يصوم وأنا أثبت الأيام التي يصومها لأن القاضي كان غائباً، والطبيب يلومه وهو لا يسمع ويقول لا أعلم ما يكون، فكأنه كان ملهماً ببراءة ذمته رحمه الله، ولم يزل حتى قضى ما كان عليه.
وأما الحج فإنه لم يزل عازماً عليه وناوياً له، سيما في العام الذي توفي فيه فإنه صمم العزم عليه وأمر بالتأهب وعملت الزوادة ولم يبق إلا المسير، فعتا عائق، يعني فعتا عن ذلك بسبب ضيق الوقت وفراغ اليد عما يليق بأمثاله، فأخره إلى العام المستقبل فقضى الله ما قضى، وهذا شيء اشترك في العلم به الخاص والعام. وكان رحمه الله يحب سماع القرآن العظيم حتى أنه كان يستحضر ويشترط أن يكون عالماً بعلوم القرآن متقناً لحفظه، وكان يستقرئ من يحضره في الليل وهو في برجه الجزئين والثلاثة والأربعة وهو يسمع، برجه يعني في برج العسكري في القتال، يستحضر من يقرأ عليه الجزء والجزئين والثلاثة، وكان يستقرئ في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشر والزائد على ذلك، وكان رحمه الله رقيق القلب خاشع الدمع إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته.
وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع الحديث، ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضر وسمع عليه، فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه والمختصين به، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له، وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين، يعني الحين إذا كان الشيخ اللي يسمع الحديث إن كان يجي عند السلاطين، ها، فإيش يسوي؟ يجيبه ويخلي المماليك والأولاد يسمعوا الحديث معه، وإن كان الشيخ لا يطرق أبواب السلاطين، لا يطرق أبواب السلاطين اللي هم مين السلاطين هنا؟ صلاح الدين أيوب، فهمتوا الفكرة يا جماعة؟ يعني أنه في مشايخ كانوا يتورعوا عن أنه يطرقوا باب صلاح الدين الأيوبي.
إن السلاطين، لا، نحن توارثوا هذه السنة عن السلف الصالح وهذه طريقة السلف اللي يقول السلف وموقفهم في القضية السياسية وما إلى ذلك، الأصل في طريقة السلف هي البعد والتنزه عن قضية السلاطين والخوف والخشية، هل المال الذي يأخذونه حلال حرام؟ وكانت معروفة وعلى رأسهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى معروفة جداً، وهجر الإمام أحمد ابنه في قصة معروفة لما قبل مالاً هدية من السلطان. السلاطين أولئك ترى كانوا يقيمون الجهاد وكانوا كذا، ولكن كان يتورع العلماء عن مخالطتهم أو كذا لأنه يخشون أنه يكون في شيء من باب الورع، في شيء غير محسوب، في شيء مالي متجاوز فيه، قد يكون في ظلم من شيء معين، قد يكون كذا، قد يكون كذا، المهم الشاهد أن صلاح الدين إذا كان الشيخ المحدث هذا ممن يحضر عند السلاطين، ها، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذا كان ممن يحضر عند السلاطين فإيش؟ أيوه يجيبه يسمع الحديث، أما إذا كان الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن مجالسهم، سعى إليه وسمع عليه، تردد إلى الحافظ الأصبهاني أو الأصفهاني بالإسكندرية، هذا الحافظ اللي هو أبو الطاهر السلفي رحمه الله تعالى، من أجل وأكبر علماء الحديث، وتتذكرون الموقف لما تكلم هو وأخوه في الدرس صلاح الدين الأيوبي وأخوه وتكلموا شوية وقت هذا فنهره أبو الطاهر وقال: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وأنتما تتكلمان؟ طيب، وعلى هذا تعليق في وقتها.
وكان رحمه الله يحب أن يقرأ الحديث بنفسه، وكان يستحضرني في خلوته، يستحضرني هذا القاضي ابن شداد يقول: يستحضرني في خلوته ويحضر شيئاً من كتب الحديث ويقرأ هو، فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت عينه، يعرف ما الذي يراد من الحديث ترى، جاي يتعلم الحديث ويسمع الحديث ليرق قلبه ويصلح حاله، يرى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فما بال بعض طلاب الحديث لا يزدادون إلا قسوة وشدة وغلظة وجفاء بعد سماع الحديث؟ ما يعني إيش ليش؟ يعني الحديث النبوي ترى يرقق القلوب ويصلح الأحوال ويزكي النفوس وتتعلم هدي سيد المرسلين عليه صلاة الله وسلامه، تقتدي تستنير تستضيء، تعرف ما ينبغي العبودية لله سبحانه وتعالى. فصلاح الدين الأيوبي ببساطته وأريحية، لم يكن طبعاً صلاح الدين مثل نور الدين في العلم، نور الدين أعلم، نور الدين أصلاً كان معتنياً، وعبرة رق قلبه ودمعت عينه.
وكان رحمه الله كثير التعظيم لشعائر الدين، قائلاً ببعث الأجسام ونشورها ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار، القضايا الكبرى، مصدقاً بجميع ما وردت به الشرائع، منشرحاً بذلك صدره، مبغضاً للفلاسفة والمعطلة والدهرية ومن يعاند الشريعة.
طيب، أيوه نعم، هذه قصة مهمة جداً قصة مهمة جداً، يقول: وكان قدس الله روحه حسن الظن بالله، كثير الاعتماد عليه، عظيم الإنابة إليه، ولقد شاهدت من آثار ذلك ما أحكيه، هذه الحكاية الآن شاهدت هذا القاضي بنفسه، ها، يقول: وذلك أن الفرنج خذلهم الله كانوا نازلين ببيت نوبة أو نوبة، وهو موضع قريب من القدس الشريف حرسها الله تعالى، هذا الآن بعد تحرير المسجد الأقصى، هذه القصة بعد تحرير المسجد الأقصى يكون بينهما بعض مرحلة، وكان السلطان بالقدس، وقد أقام يزكاً، يقول يزك: طلائع الجيش لفظ فارسي، وقد أقام يزكاً على العدو محيطاً به، وقد سير إليهم الجواسيس والمخبرين، فتواصلت الأخبار بقوة عزمهم على الصعود إلى القدس ومحاصرته وتركيب القتال عليه، واشتد خوف المسلمين بسبب ذلك، فاستحضر الأمراء وعرفهم ما قد دهم المسلمين من الشدة، وشاورهم في الإقامة بالقدس.
طبعاً يا جماعة الخير هذا بعد تحرير القدس، بعد تحرير القدس حصلت معركة من أشد المعارك إن لم تكن أشد المعارك في تاريخ صلاح الدين، وكانت معركة مؤلمة جداً جداً جداً على المسلمين، وهي معركة عكا. جيد، فلا تظنوا أنه بعد القدس وبعد حطين خلاص ما في إلا انتصارات، صار في انتصارات في البداية، بعدين جاءت إمدادات هائلة للصليبيين من أوروبا وحصلت معارك وأشياء تشيب لها الولدان فعلاً، وستأتي إن شاء الله في الحلقات تفاصيل هذه المعارك، شيء شديد، فالآن لما هم الآن في بيت المقدس بعد مشروع طويل بدأ من 541 من نور الدين زنكي، حرروا القدس، الآن جاء الصليبيون يريدون استرداد القدس، وما تركوا الصليبيون فكرة هذه، استرداد القدس كانت حاضرة دائماً عندهم.
الآن استرداد القدس بذاكرة عكا، بذاكرة ما حصل في عكا من المصائب، طبعاً قصة عكا طويلة ما أقدر أختصرها حتى هنا لكنها كانت مؤلمة جداً وشديدة، فالوضع كان مخيفاً جداً، يعني لا تظنوا أنه هي الآن جاية بعد انتصارات، جاية بعد انتصارات وانكسارات مؤلمة جداً. يقول فاستحضر الأمراء، طبعاً الأمراء هذه حق صلاح الدين راح أقف معها بإذن الله لما تطفشه، لأنه في أشياء توجع القلب والصدر بشكل مزعج جداً جداً جداً، الله يرحمه ويعظم أجره صلاح الدين، يعني فعلاً فعلاً هو كان شايل القضية على كتفيه.
وأرجع مرة ثانية فكرة جيل صلاح الدين بالنسبة لي فكرة باطلة بكل ما تعنيه الكلمة، باطلة، وأنه الأمراء اللي كانوا معاه جننوه وطلعوا في رأسه إيش يقول؟ منخوليا ولا إيش شيء لا يوصف، يعني على أن فيهم طبعاً أبطالاً وفيهم من ساعد وفيهم، لكنه كان متعب، الوضع متعب جداً، مو أنه ترى كل الناس على قلب واحد والناس راح لا، كان متعب، الوضع متعب جداً، وحزين، بعض المواقف مزعجة، فهنا إيش يقول؟ يقول وشاورهم فاستحضر الأمراء وعرفهم ما قد دهم المسلمين من الشدة وشاورهم في الإقامة بالقدس، فأتوا بمجاملة باطنها غير ظاهرها، هذا كلام ابن شداد، موقف سلبي، أتوا بمجاملة باطنها غير ظاهرها، وأصر الجميع على أنه لا مصلحة في إقامته بنفسه، فإنها مخاطرة بالإسلام، وذكروا أنهم يقيمون هم ويخرج هو بطائفة من العسكر يكونوا حول العدو كما كان الحال بعكا، حال بعكا كان المسلمين محاصرين في عكا والصليبيون محاصرين المسلمين، وصلاح الدين محاصر الصليبيين.
فهمت الفكرة؟ عكا فيها مسلمين فيها طبعاً مفتوح وفيها صليبيين، الصليبيون في الخارج حاصروا عكا وحفروا خنادق وضبطوا الوضع وصلاح الدين ضارب الخيام ومعسكر ومحاصر الصليبية من ورا، كم استمر هذا الحال؟ سنتين، سنتين، سنتين كلها طحن كلها قتال، يعني ربما لا تتصورون مقدار ما كان فيها من أهوال، كلها جهاد كلها في الخيام، لا راح ارتاح لا راح بيوت لا راح زوجات، لا راح كلها قتال كلها جهاد، وبعد ذلك مع الأسف انتهت باستيلاء الصليبيين على عكا، وقصة مؤلمة تأتينا إن شاء الله في وقتها. فهم الآن العسكر يقترحوا على صلاح الدين يقولوا: خلنا نسوي زي عكا، أنه إحنا نبقى جوا وأنت تخرج وتحاصر الصليبيين من برا، تمام الفكرة؟ ويكون هو ومن معه بصدد منع ميرتهم والتضييق عليهم، ويكونوا هم بصدد حفظ البلد والدفع عنه، وانفصل مجلس المشورة على ذلك، وهو مصر على أن يقيم بنفسه، كأنه قلبه ما طاوعه بعد اللي صار بعكا، لا أنا أبغى أجلس هنا، أنا أبغى أدافع عن البلد، علماً منه أنه إن لم يقم يعني هو بنفسه ما يقيم أحد، لن يقوم أحد أصلاً.
فلما انصرف الأمراء إلى بيوتهم جاء من عندهم من أخبر أنهم لا يقيمون إلا أن يقوم أخوه الملك العادل أو أحد أولاده، هذا الحين أمراء صلاح الدين بعد تحطين بعد بيت المقدس، القدس محاصرة من الصليبيين، فهو يقول أول شيء قالوا له، إيش يقول لهم؟ أنا بجلس بنفسي، لا ما مصلحة الإسلام كذا، تخرج تحاصر الصليبي من ورا، فهو يقول أنا عارف أن الوضع ما هو ضابط، فبعدين إيش فعلاً أكد له هذا لما قالوا: ترى إحنا لن نقيم هنا في القدس ندافع عنها إلا إذا أقمت أخاك أو أحد أولادك. يقول وجاء من عندهم من أخبر أنهم لا يقيمون إلا أن يقيم أخوه الملك العادل أو أحد أولاده حتى يكون هو الحاكم عليهم والذي يأتمرون بأمره، فعلم صلاح الدين أن هذه إشارة منهم إلى عدم الإقامة، وضاق صدره وتقسم فكره واشتدت فكرته.
تمام، الحين هذا كله لسه ما جاء موضع الشاهد، لأنه موضع.
الشاهد، إيش موضع الشاهد في السطر اللي قالوا في البداية؟ اللي كان حسن الظن بالله، كثير الاعتماد عليه، عظيم الإنابة إليه، صح؟ ولقد جلست في خدمته تلك الليلة. الحين أنت في تخيل في المسجد الأقصى بعد التحرير، والصليبيون أمامك، ونفس هؤلاء الصليبيون قد أسقطوا قبل قليل عكا، يعني احتمال تطيح القدس مرة ثانية، تروح القدس مرة ثانية، تخيل الشعور يعني، وعندك أمراء فيهم وفيهم حقين حرب وقتال، يقاتلوا، بس يعني الوضع ما هو مرة، خلينا أخوك، احنا مدري ايش، كذا، أنت لا اطلع، لا تنزل، كذا إلى آخره. لكم أن تتخيلوا يا جماعة شعور صلاح الدين الأيوبي في تلك الليلة، وهو قد أوقف نفسه على قضية الجهاد في سبيل الله، وهو السلطان المسؤول عن بلاد المسلمين، هذه المسؤولية، إيش الشعور؟ يا محمود، إيش تتوقع الشعور؟
يقول: ولقد جلست في خدمتي تلك الليلة، وكانت ليلة الجمعة من أول الليل إلى أن قارب الصبح، وكان الزمان شتاء، وليس معنا ثالث إلا الله، ونحن نقسم أقساماً ونرتب على كل قسم مقتضاه، حتى أخذني الإشفاق عليه والخوف على مزاجه، فإنه كان يغلب عليه اليبس، فشفع إليه حتى يأخذ مضجعه لعله ينام ساعة. فقال رحمه الله: لعلك جاءك النوم؟ ثم نهض، فما وصلت إلى بيتي وأخذت لبعض شأني إلا وأذن المؤذن وطلع الصبح، وكنت أصلي معه الصبح في معظم الوقت، فدخلت عليه وهو يمر الماء على أطرافه، فقال: ما أخذني النوم أصلاً. فقلت: قد علمت. قال: من أين؟ قلت: لأني ما نمت، وما بقي وقت للنوم. ثم أشغلنا بالصلاة، وجلسنا على ما كنا عليه.
فقلت له: قد وقع لي واقع أظنه مفيد إن شاء الله. قال: ما هو؟ قلت له: الإخلاد إلى الله تعالى، الإخلاد إلى الله تعالى، والإنابة إليه، والاعتماد في كشف هذه الغمة عليه. فقال: وكيف نصنع؟ فقلت: اليوم جمعة، يغتسل المولى عند الرواح، ويصلي على العادة بالأقصى موضع مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقدم المولى التصدق بشيء خفية على يد من يثق به، ويصلي المولى ركعتين بين الأذان والإقامة، ويدعو الله في سجوده، فقد ورد فيه حديث صحيح. وتقول في سجودك: إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبقَ إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل. فإن الله تعالى أكرم من أن يخيب قصدك.
شوفوا يا جماعة، طبعاً صلاح الدين في هذا الوقت ترى كان كبير في السن، بعد مسيرة في الجهاد، وتعب، وحم هم الإسلام. ها شوفوا، شوف إيش يصف شداد الحال، يقول: ففعل ذلك كله، وصليت إلى جانبه على العادة، وصلى الركعتين بين الأذان والإقامة، ورأيته ساجداً دموعه تتقاطر على شيبته، شوف شوف الوصف، دموعه تتقاطر على شيبته وعلى سجادته، ولا أسمع ما يقول. فلم ينقضِ ذلك اليوم حتى وصلت رقعة من عز الدين جورديك، وكان على اليزك، اليزك طلائع الجيش هذول اللي خرجوا، يخبر فيها أن الفرنج تحيروا، وقد ركب اليوم عسكرهم بأسره إلى الصحراء، ووقفوا إلى قائم الظهيرة، ثم عادوا إلى خيامهم. لسنا موجودين لكن واضح أنه في حركة مريبة داخل المعسكر الصليبي. وفي بكرة السبت جاءت رقعة ثانية تخبر عنهم بمثل ذلك، ووصل في أثناء النهار جاسوس أخبر أنهم اختلفوا، فذهبت الفرنسيس إلى أنهم لا بد لهم من محاصرة القدس، وذهب الإنكتار اللي هو هذا ريتشارد الملقب بقلب الأسد وأتباعه إلى أنه لا يخاطر بدين النصرانية ويرميهم في هذا الجبل في عدم المياه؛ فإن السلطان صلاح الدين كان قد أفسد جميع ما حول القدس من المياه جيد، وأنهم خرجوا للمشورة، ومن عادتهم أنهم يتشاورون للحرب على ظهور الخيل الصليبيين، وأنهم قد نصوا على عشرة أنفس منهم وحكمهم، فبأي شيء أشاروا به لا يخالفونه. ولما كانت بكرة الاثنين جاء البشير يخبر أنهم رحلوا عائدين إلى جهة، فهذا ما شاهدته من آثار استنابته وإخلاده إلى الله تعالى، رحم الله صلاح الدين.
طيب، بقي لنا دقائق يسيرة، ذكر عدله رحمه الله تعالى، يقول: لقد كان رحمه الله عدلاً، رؤوفاً، رحيماً، ناصراً للضعيف على القوي، كان يجلس للعدل في كل اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء، يفتح الباب للمتخاصمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفراً وحضراً.
طيب، يعني نأخذ أهم ما يمكن أن يذكر سريعاً، طيب في قصة عجيبة وطويلة تدل على سماحته، احنا تتذكروا قبل شو قلنا إيش؟ نلخص صلاح الدين في كلمتين إيش؟ الجهاد والرحمة. فعلاً هو إنسان كان متسماً بهذه الصفة بشكل واضح جداً، حتى أنها أخذت عليه أحياناً الرحمة هذه، طيب ربما يأتي وقت أذكر فيه بعض هذه القصص، سأتجاوز، آتي بالأهم. المهم في قضية، ثم بعد ما قال في عدله ذكر فصلاً في كرمه رحمه الله تعالى، كان في كلمة عجيبة بصراحة يقول: وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب، وما سمعته قط يقول أعطينا لفلان، وكان يعطي الكثير، ويبسط وجهه للمعطي بسط من لم يعطه شيئاً.
أنت الآن إذا جاء واحد يبغى منك شيء وأنت ما تجد معك ما تعطيه، إيش؟ أقصد إيش ستستعيد عن المال بطلاقة الوجه والابتسامة، ومعلش الله يسامحنا والله يا أخي نعتذر منك ما عندنا شيء، نتأسف كذا. فهو يقول لك بعد ما يعطي، يبسط وجهه للمعطي بسط من لم يعطه شيئاً، بالمناسبة ترى معنى بسط الوجه أو الإحسان إلى من لم تعطِ شيئاً مذكور في القرآن في قوله: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا. جيد.
ذكر شجاعته، لقد كان رحمه الله من عظماء الشجعان، قوي النفس، شديد البأس، عظيم الثبات، لا يهوله أمر، ولقد رأيته رحمه الله مرابطاً في مقابلة عدة عظيمة من الفرنج. طبعاً هو صلاح الدين كان في من الشجاعة، خاصة الشجاعة في الميدان الشيء العجيب، وأصلاً رجل هو عاش حياته مقاتلاً في سبيل الله لا يهوله أمر، ولقد رأيته مرابطاً في مقابلة عدة عظيمة من الفرنج، ونجدهم تتواصل، تتذكروا كلام العماد، وللنجم روعة ها، قلت أو كثرت، ونجدهم تتواصل وعساكر تتواتر، وهو لا يزداد إلا قوة نفس وصبر. ولقد وصل في ليلة واحدة منهم نيف وسبعون مركباً على عكا، وأنا أعدها من بعد صلاة العصر لغروب الشمس، وهو لا يزداد إلا قوة نفس. ولقد كان رحمه الله يعطي دستوراً في أوائل الشتاء، ويبقى في شرذمة يسيرة في مقابلة عدتهم الكثيرة.
طيب، وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو في كل يوم مرة أو مرتين إذا كان قريباً منهم، وكان رحمه الله إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبي واحد وعلى يده جنيب، ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة، ويرتب الأطلاب ويأمر بالتقدم والوقوف في مواضع يراها، وكان يشارف العدو ويجاوره رحمه الله، ولقد قرئ عليه جزء من الحديث بين الصفين، وذلك أني قلت له، شوفوا الالتقاطة، هذا القاضي ابن شداد يقول لصلاح الدين: لقد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة، ولم ينقل أنه سمع بين الصفين، فإذا رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسناً. فأذن في ذلك، فأحضر جزء، وهناك أحضر من له به سماع، فقرئ عليه ونحن على ظهور الدواب بين الصفين، نمشي تارة ونقف أخرى، وما رأيته استكثر عدواً أصلاً، ولا استعظم أمرهم قط. وكان مع ذلك في حال الفكر والتدبير، يذكر بين يديه الأقسام كلها، ويرتب كل قسم على مقتضاه من غير حدة ولا غضب تعتريه، رحمه الله.
طيب، ولقد انهزم المسلمون يوم المصاف الأكبر بمرج عكا، هذا شوف سمى المصاف الأكبر، هذه حادثة عكا، الله أعلم يكفيها حلقة واحدة ولا لا، قد يمكن نأخذ فيها أكثر من حلقة، ولقد انهزم المسلمون يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله، ووقع الكوس والعلم، كأنه شيء زي الصولجان أو الشيء اللي يعني زي طبول الحرب أو شيء، وهو ثابت القدم في نفر يسير، قد انحاز إلى الجبل يجمع الناس ويردهم ويخجل، حتى يرجعوا، خجل الناس اللي معه حتى يرجعوا من الفرار، ولم يزل كذلك حتى نصر عسكر المسلمين على العدو في ذلك اليوم، وقتل منهم زهاء سبعة آلاف بين راجل وفارس، ولم يزل رحمه الله مصابراً لهم وهم في العدة الوافرة إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح، وهو مسؤول من جانبهم إلى آخره. ثم قال: وكان رحمه الله يمرض ويصح، وتعتري أحوال مهولة، وهو مصابر مرابط، وتتراءى الأران ونسمع منهم صوت الناقوس، ويسمعون منا صوت الأذان، إلى أن انقضت الواقعة على أحسن حال وأيسر.
طيب، باقي أهم فصل برأيي أو أهم جانب ذكره ابن شداد، وهو ذكر اهتمامه بأمر الجهاد، ذكر اهتمامه بأمر الجهاد، قد أختم بهذا أو أذكر بعده موقفاً أو موقفين سريعاً. هنا أنت جئت ليعني جوهر صلاح الدين، يقول ابن شداد: لقد كان رحمه الله شديد المواظبة عليه، عظيم الاهتمام به، ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد ديناراً ولا درهماً إلا في الجهاد أو في الفداء لصدق وبر في يمينه، شوف، ولقد كان الجهاد وحبه والشغف به قد استولى على قلبه، استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاء عظيماً، بحيث لم يكن له حديث إلا فيه، ولا نظر إلا في آلة، ولا اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه.
شوف، ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذه، وقنع من الدنيا بالسكون في خيمة، في ظل خيمة تهب بها الرياح يمنة ويسرى، ولقد وقعت عليه الخيمة في ليلة ريح على مرج عكا، فلو لم يكن في البرج إلا وقتلته، ولا يزيده ذلك إلا رغبة ومص واهتمام. اسمع يا أبا السيد، اسمع جيداً ها، وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه، إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد أو يذكر شيئاً من أخبار الجهاد، سلطان ملك ها، تبغي تتقرب للملك هذا، إيش الباب اللي تقدر تدخل منه عليه عشان ينتبه لك ويلتفت لك وكذا ها؟ إما أن تحثه على الجهاد أو أن تذكر شيئاً من أخبار الجهاد. ولقد أُلّف له كتب عدة في الجهاد، وأنا ممن جمع له فيه كتاباً جمعت فيه آدابه، وكل آية وردت فيه، وكل حديث روي فيه، وشرحت غريبها، وكان رحمه الله كثيراً ما يطالعه حتى أخذه منه ولده الملك الأفضل، رحمه. ما ذكر إيش هو الكتاب، لكن قال إنه أنا جمعت له هذا الكتاب، ثم ذكر موقفاً حصل بينه وبينه في حصار عكا، واضح أننا حصار عكا هذا راح يكون له شأن كبير جداً بعدين في الشرح.
ذكر موقفاً سريعاً في حبه للجهاد في أثناء حصار عكا، ذكر كلاماً، المهم يقول: ثم سرنا في خدمته على الساحل طالبين عكا، وكان الزمان شتاء عظيماً، والبحر هائجاً هيجاناً شديداً، وموجه كالجبال كما قال الله تعالى، وكنت حديث عهد برؤية البحر، فعظم أمر البحر عندي، حتى خيل إلي أنني لو قال لي قادر إن جزت في البحر ميلاً واحداً، إن جزت في البحر ميلاً واحداً ملكتك الدنيا، لما كنت أفعل تمام، واستسلم ركب البحر رجاء لكسب دينار أو درهم، واستسمح سنت رأي من لا يقبل شهادة راكب البحر، كل الحين جاء عشان جاءت في رأسه لما شاف الأمواج، هذا كله خطر لي لعظم الهول الذي شاهدته من حركة البحر وتموجه، فبينما أنا على ذلك والآن مع صلاح الدين، التفت إليه رحمه الله وقال: أما أحكي لك شيئاً؟ قلت: بلى. قال: في نفسي أنه متى يستر الله تعالى فتح بقية الساحل، قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت البحر إلى جزائر، أتتبع فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله، أو أموت. فعظم ما وقع هذا الكلام عندي، حيث ناقض ما كان يخطر لي، ناقض ما كان يخطر لي، قلت له: ليس في الأرض أشجع نفساً من المولى، أشجع نفساً من المولى ولا أقوى نية منه في نصر الدين.
قال: كيف؟ قلت: أما الشجاعة فلان مولانا ما يهوله أمر هذا البحر وهوله، وأما نصرة دين الله فهو أن المولى ما يقنع بقلع أعداء الله من موضع مخصوص في الأرض، حتى تطهر جميع الأرض منهم. واستأذنت في أن أحكي له ما خطر في بالي، فأذن فحكيت له، ثم قلت: ما هذه إلا نية جميلة، ولكن المولى يسير في البحر العساكر، وهو سور الإسلام ومنعته، لا ينبغي له أن يخاطر بنفسه. الحين بس كل شيء عارف أماني بس، فهو يقول له بس ما ينبغي أن تخاطر، فقال: أنا أستفتيك، ما أشرف الميتات؟ قلت: الموت في سبيل الله. قال: غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتات. فانظر إلى هذه الطوية ما أطهرها، وإلى هذه النفس ما أشجعها، وأجز رحمه الله عليه. ثم يقول ابن شداد: اللهم إنك تعلم أنه بذل جهده في نصرة دينك رجاء رحمتك، فارحمه اللهم آمين.
رحمه الله، رحمه الله. عموماً بقيت أشياء في هذه النبذ، تعي أذكرها في اللقاء القادم، حتى لا يطول بنا المقام أكثر من ذلك، ونحن في انتظار الصلاة، قد أذن قبل ربع ساعة.
تقريبا أو نحو ذلك أو ثلث؛ فننهض للصلاة إن شاء الله، ثم بعد ذلك بإذن الله في الحلقات القادمة أكمل هذه النبذ التي بقيت من سيرة هذا الإمام الفذ رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وإن شاء الله بعد ذلك بعد ما ننهي النبذ ننتقل إلى، لا مو عكا على طول، عكا وين؟ عكا في آخر الدنيا، لا، ننتقل إلى بداية ما عمل صلاح الدين، البداية ترى لا تحسبها كذا، البداية فيها مشاكل وخلافات وقصة ولين ما تجمعت الأمور وضبطت بعدين يعني.
إيه، الله المستعان، اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم إنا نسالك العفو والعافية، اللهم إنا نسالك العافية في ديننا ودنيانا وأهلنا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وجهلنا وإسرافنا في أمرنا كله وما أنت أعلم به منا، اللهم اغفر لنا خطأنا وعمدنا وهزلنا وجدنا وكل ذلك عندنا، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم إنا نسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نسالك العافية، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم إنا نسالك أن ترحم أمة نبيك محمد، اللهم ارحم أمة نبيك محمد، اللهم الطف بأمة نبيك محمد، اللهم فرج عن أمة نبيك محمد، اللهم إنا نسالك أن تفرج هم المهمومين من المسلمين، وأن تنجي المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، اللهم عليك بالذين يحاربون دينك ويصدون عن سبيلك ويسعون في الأرض فساداً، اللهم اقطع دابرهم واجعل دائرة السوء عليهم، وسلط عليهم يا ربنا من يسومهم سوء العذاب، لا حول ولا قوة إلا بك، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم آته الوسيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، واحشرنا في زمرته واجعلنا من الواردين على حوضه، واجمعنا به في جنتك جنة الخلد، لا إله إلا أنت، اللهم يا ربنا إنا نسالك، اللهم يا ربنا إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك، لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
الشيخ أحمد السيد