الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. نستعين بالله،
ونستفتح المجلس الثالث من مجالس السيرة النبوية للمصلحين، وهذه المجالس ابتدأتها بالحديث عن سؤال؛ هل هناك شيء بقي يقال في السيرة النبوية؟ وأجبت عن هذا السؤال في المقطع الأول. وفي كل مجلس، وفي كل جزء من السيرة يتأكد عندي أهمية الاستمرار في تناول السيرة النبوية. ثم بعد ذلك تناولت قضية ما قبل النبوة، وهل هي فترة مهمة؟ عادة أهل السيرة يتناولون مرحلة ما قبل النبوة. هل هي فترة مهمة؟ ومن أي جهة مهمة؟ وأجبت عن هذا السؤال، واليوم سأستمر في الجواب عن هذا السؤال عملياً تطبيقياً بإثبات أهمية مرحلة ما قبل السيرة النبوية، ليس من الجهة – أحياناً بعض الكاتبين أو الكتاب أو المؤلفين في السيرة النبوية يتناولون مرحلة ما قبل النبوة -عفواً- من زاوية محددة؛ وهي إثبات مثلاً عظمة النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية الإرهاصات التي حصلت، تعرف مثلاً ما يذكر من سقوط شرفات قصر كسرى وما إلى ذلك وانطفاء نارهم، وإن كانت هاتين العلامتان لا تثبتان، أو من إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع في أمور الجاهلية. وباب الإرهاصات وباب شرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة هما بابان صحيحان، ولكنهما لا يكفيان؛ هناك أمور ينبغي أن تتناول في مرحلة ما قبل النبوة، أحياناً حتى لها علاقة بفهم القرآن نفسه. يعني أحياناً هناك أمور في كتاب الله سبحانه وتعالى لا تفهم فهماً جيداً إلا بفهم ما الذي كان يجري قبل نزول القرآن في الجاهلية.
مثلاً قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا، تعرفون حصل استشكال عند بعض التابعين، عروة لما جاء إلى عائشة فقال – يعني استشكل أسلوب الآية – يعني الله سبحانه وتعالى ما قال فمن حج بيته أو اعتمر فليطوف بهما، وإنما قال ايش فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا. فاستشكل عروة هذا الكلام أو هذا الأسلوب وسأل عائشة، فقالت له: نعم، في الجاهلية كانوا يفعلون كذا وكذا وكذا، وبناءً على هذا كرهوا – كأنهم كرهوا – أن يطوفوا بين الصفا والمروة خشية التشبه بشيء من أمر الجاهلية، فانزل الله سبحانه وتعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا. فهم الأنصار أن هناك أمراً من أمور الجاهلية له علاقة بفهم القرآن. وبالمناسبة هناك أكثر من آية، مثلاً قول الله سبحانه وتعالى في آيات الحج في سورة البقرة: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ، ايش المقصود تبتغوا فضلاً من ربكم؟ في التجارة في الحج، ها. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ. ابن عباس في صحيح البخاري يقول: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك في الحج، نقول فيه متجر، جيد مجمع الناس، هذا حتى نزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ، وكان ابن عباس يقول في مواسم الحج. هذا أيضاً مما يفهم القرآن به.
أيضاً مما يفهم القرآن – أو خلنا نقول يتضح أكثر مراد الله سبحانه وتعالى بكتابه – بشيء متعلق بمرحلة ما قبل النبوة، أيضاً في آيات الحج في سورة البقرة في قول الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. ليش أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ؟ من هم الناس؟ وفين المكان الذي كانوا يفيض منه الناس؟ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. هذه متعلقة بأمر كان بالجاهلية، كلها في صحيح البخاري هذه التفسيرات. ايش الفكرة؟ كانت قريش – كانوا يسمون الحُمْس – وهؤلاء الحمس كان لهم أحكام خاصة في الحج في الجاهلية، فمثلاً كان الناس يفيضون من عرفات، وكانت الحمس التي هي قريش ومن ولدت تفيض من مزدلفة ولا يصلون إلى عرفات. حتى إنه في صحيح البخاري في وقت الجاهلية – وهذا من أثبت أو من أقوى الأدلة على مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم أمور الجاهلية هذا في صحيح البخاري – جبير بن مطعم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفا في عرفات. هذا قبل – فقال فقلت: ما شأن هذا واقفاً ها هنا من الحمس وهو من الحمس؟ – أظن أن هذا كان، نعم والله أعلم، كان في الجاهلية أن هذا من الحمس. لماذا؟ أنه يقصد هذا الموقف الذي حصل بين جبير – أقصد هل التبس علي؟ هل هذا قبل إسلام جبير؟ لكن أظنه لا قبل ذلك – كان في الجاهلية كان يقول: ما شأن هذا؟ أي أي النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفات وهو من الحمس؟ أي أن الحمس قريش ومن ولدت ما كانوا يقفون بعرفات وإنما يفيضون من مزدلفة، كأنهم هم يعني يترفعون. وبالمناسبة أيضاً – وهذا في البخاري – كان الناس يطوفون بالبيت عراة، وكانت قريش تحتسب على الناس بأن تعطيهم من اللباس ما يسترهم، ها. حتى في في هذا في هذا في هذه القصة وما شابهها، هذا مما نزل فيه قول الله سبحانه وتعالى أو ورد أنه نزل فيه قول الله سبحانه وتعالى فيما أذكر: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ. هذه أمور من الجاهلية متعلقة بآيات من كتاب الله، يكمل فهمنا لكتاب الله بالمرور عليها وبمعرفتها.
إذاً، مرحلة ما قبل الإسلام ما قبل النبوة مما هو متعلق بشأن النبي صلى الله عليه وسلم مرحلة مهمة، مرحلة مهمة ولكن ليس فقط من الجانب المتعلق بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وإنما هناك أمور كثيرة يمكن أن تتناول في مرحلة ما قبل النبوة. هذا الأمر الأول الآن ذكرته، الأمر الثاني هو – وهذا مبحث شريف جداً في مرحلة ما قبل البعثة – وهو مبحث معرفة عقائد أهل الجاهلية التي كانت منتشرة بينهم، ومعرفة تميز الإسلام ومقدار ما صححه الإسلام وأخرج به الناس من تلك الظلمات التي كانوا عليها. فبمقدار معرفتك لأمر الجاهلية الذي كان منتشرا في تلك المرحلة، ثم بمعرفتك بما جاء به الإسلام من أحكام وتشريعات، يتميز لك فضل الإسلام. يعني أن تنظر إلى تشريعات الإسلام إلى جمالها في ذاتها هذا شيء، وأن تنظر إليها باعتبار جمالها في ذاتها ثمار جمالها مخالفة لما كان قبلها هذا زيادة حسن وزيادة وجمال، فهمتم الفكرة؟
ولذلك – مثلاً وهذا طبعا وارد عن الصحابة وكانوا يلاحظونه، وحتى النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه كان يذكر بعض هذه الأمور – فمثلاً في العدة، عدة التي تتوفى عنها زوجها، كأن كأنه حصل كلام في استطالة تلك العدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هي أربعة أشهر وعشراً، أو عشر، وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول. كانوا يمكثون حولاً كاملاً في الجاهلية، وهذه ترمي بالبعرة، اقرأوا اقرأوا عنها، فيها اعتقاد جاهلي – بين قوسين – سخيف يعني.
وكذلك في قضية المغيرة بن شعبة لما ذهب إلى الفرس، وهذا أيضاً في صحيح البخاري، لما خاطب – لما خاطب أمير الفرس – دعوني إذا وجدت النص سريعا، أي نعم، هذا هو، فقال المغيرة: سل عما شئت، كان يتكلم مع أمير، هذا وقف الجيشين أمام بعض، دعيني اقول دعوني أقرأ عليكم البداية عن نعمان بن مقرن قال: حتى إذا ذكر أمرا ثم قال حتى إذا كنا بأرض العدو وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً، فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم. فقال المغيرة: سل عما شئت. قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبين نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين – تعالى ذكره وجلت عظمته – إلينا نبياً من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم. هذا في صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب. ايش القضية يا جماعة؟ يعني لاحظوا سعة الأمور المرتبطة بقضية الجاهلية، يعني قالوا: كنا نعبد الحجر والشجر، نمص النوى وايش قال؟ والجلد من الجوع، ونلبس الشعر والوبر، حتى أرسل إلينا رب السماوات والأرضين رسولاً منا نعرف أباه وأمه. لاحظ لاحظ قضية الجاهلية ايش كانوا وفي أمور.
ولذلك ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه أنه سئل: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ تابعين يسألونه، طبعا هذه هذه يبغى لها درس لحالها فعلا تتبع أسئلة التابعين للصحابة اللي فيها إنه أيوه ايش كان عندكم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ايش كان فيه؟ أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال جابر بن سمرة: نعم، كثيراً، كان إذا صلى الفجر قعد في مصلاه، فيأخذون في أمر الجاهلية، الصحابة بحضور النبي صلى الله عليه وسلم، فيضحكون ويتبسمون. جيد، هذه اللي هي – تتذكروا لما كنا في مكة ومدري ايش ذكروا قبل ما انت ايش كنت تعمل تمام – هذه فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسمون. وطبعا هذا أنا أفهم هذا السياق كله في سياق ذكر النعمة، أنهم يذكرون النعم، نعمة الله عليهم حين منّ الله عليهم بهذا الإسلام وبهذا النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذ كانوا في تلك الحال، فيأخذون في أمر الجاهلية فيقعدون ويتبسمون. وفائدة بس استطرادية، وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقعد حتى إذا طلعت الشمس خرج من المسجد. وهو أصح من الحديث الذي فيه صلاة الركعتين بعد طلوع الشمس، اللي هو من قعد في مصلاه ثم صلى ركعتين حتى تطلع الشمس ثم صلى كتبت له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، أصلاً حديث ضعيف الإسناد لا يصح، وفي صحيح مسلم أنه كان يجلس حتى تطلع الشمس ثم يقوم النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كانت طبعا صلاة الضحى ثابتة فيما بعد ارتفاع الشمس.
طيب، الآن لاحظوا في مساحة واسعة فيما قبل البعثة، صح؟ طيب، أيضاً أمراً ثالثاً، نذكر أمراً ثالثاً؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى أصحابه عن أمور من أمور الجاهلية التي يعلمون أنها كانت تقع، بل أحياناً – وهذا له علاقة بالامر الأول أنك ما تقدر تفهم أحياناً بعض آيات القرآن، أو لا يكمل فهم آيات كتاب الله، بعض آيات كتاب الله وبعض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بمعرفتك للأمر الذي كان في الجاهلية مما هو متعلق بهذه الآيات والأحاديث. فمثلاً في البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. دعا بدعوى الجاهلية فقط هكذا، ما هي دعوى الجاهلية؟ واضح أن هي دعوة مرتبطة ايش؟ ما قبل النبوة، طبعا هذا في سياق المصيبة: ليس منا من لطم الخدود، قال لي يا ويلي ضرب الوجه، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. قال لك بعض شراح الحديث: دعوى الجاهلية النياحة وندب الميت والدعاء بالويل. صارت الآن شوف النهي صار نهياً عن أمر هو علم من أعلام أفعال الجاهلية التي كانت قبل البعثة وقالت ودعا بدعوى الجاهلية. طب ايش هي دعوى الجاهلية؟
وبالمناسبة أحياناً – وهذا يدخل في تفسير الحديث وشرح الحديث – أحياناً فهم بعض أمور الجاهلية التي كانت يحل بعض مشكلات الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين العلماء. فمثلاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. تعرفون هذا الحديث مما أشكال على الصحابة، مما أشكل على الصحابة، فبعضهم رأى أن هذا اللفظ لم يحفظ بطريقة صحيحة وأنه يتعارض مع قول الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وبعضهم حمله على وجه آخر، وبعض جمع بينه وبين إلى آخره، لكن واحدة من وجوه الجمع يستند إلى فعل كان مستقراً عند أهل الجاهلية؛ وهو أن الميت قبل أن يموت يوصي بالبكاء عليه، ويذكر بعضهم أحياناً أبياتاً من شعر الجاهلية التي فيها: فابكوا علي إلى آخره، أنه كانت كأنها علوة من أعلام الجاهلية. فكأن بكاء أهل الميت عليه الذي يعذب الميت عليه هو البكاء الذي للميت فيه علاقة ودخل، وذلك باعتبار العادة التي كانت موجودة في أن هذا مما يرضاه الميت ويحبه ويدعو إليه حتى، ولذلك بعضهم قال: هذا ما لم ينهَ عنه يعذب، يعني ما لم يكن قد صحح هذا المفهوم لدى أهله بأن لا يبكوا – يبكون، بالا يبكوا عليه ولا يندبوه ولو إلى آخره – واضح الفكرة؟
إذاً، صارت هناك أمور كثيرة في أمر الجاهلية تستحق الوقوف عندها، ملاحظة جمال تشريعات الإسلام كما ذكرت هذا مذكور في كثير من الأحاديث أو يمكن الوقوف عليه في كثير من الأحكام. فمثلاً عائشة رضي الله تعالى عنها – ولاحظوا كل الأحاديث التي ذكرتها لو ذكرتها لكم من الآن كلها في البخاري أو في مسلم.
ودعوني أذكر فائدة استطرادية هنا أيضا، وهي أن مقدار العلم الموجود في صحيحي البخاري ومسلم فوق ما يتصور كثير من طلبة العلم، وفوق ما يتصور كثير من المشتغلين بالثقافة الإسلامية الفكر الإسلامي وما إلى ذلك.
الخير والعلم الموجودان في صحيح البخاري ومسلم خير لا يوصف، علم لا يوصف من الكثرة والتنوع والشمولية. ويا حسرة ووا أسفا على من يسمي نفسه طالب علم ويمضي في طلب العلم سنوات، ويكون حظه من العلم مجموعة متون ومنظومات وحواش، دون أن يكون له حظ وافر من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأهم ما يدخل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما جمعه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، وهو أهم مما جمعه غيره، سواء أكان الإمام أبو الحسين اللي هو من مين أبو الحسين؟ مسلم بن الحجاج النيسابوري، أفمن بعده من الأئمة. ما جمعه أبو عبد الله البخاري هو أهم ما جمع من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وللاحظوا مثل هذا الموضوع، الذي هو موضوع أهمية دراسة مرحلة ما قبل النبوة وعلاقة ذلك بفهم الإسلام، لاحظوا ذكرت لكم عددا من الأحاديث كلها من البخاري ومسلم تبين أهمية دراسة مرحلة ما قبل النبوة، وأن أمورا من الدين يتوقف فهمها أو إنما يكمل فهمها بفهم ما كان في وقت الجاهلية، وهذا عبر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح.
طيب، من الأمور التي أيضا ينبغي أو التي تكشف عن أهمية مرحلة ما قبل البعثة وهي لها علاقة بكتاب الله سبحانه وتعالى، أن ننظر إلى أحوال العرب قبل البعثة، ثم ننظر إلى كتاب الله وما فيه من العلم المتعلق بأخبار الأمم السابقة، وبحتى بالتشريعات والأحكام، ثم مجمل الحال الذي كان عند العرب هل كان يحتمل إخراج علم كهذا؟ هل كان يحتمل؟ هل كان الواقع ولو بالاجتماع ولو بالاجتماعين لو اجتمع سادة العرب، هل كانت العلوم المتوفرة في ذلك العصر في تلك البيئة تحتمل إنتاج علم كالذي في كتاب الله سبحانه وتعالى؟ كلما تعرفت على أحوال العرب في تلك المرحلة ستجد أنه لا يمكن، لا يمكن، وهذا يزيدك يقينا بربانية القرآن، يزيدك يقينا بربانية القرآن.
ومما يدل على هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى كان يذكر في كتابه أو يشير إلى هذا المعنى حين يذكر قصصا من الغيب أو قصصا من الأمور السابقة، فقال سبحانه وتعالى بعد قصة نوح في سورة هود: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٍ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. ايش ذلك من أنباء؟ ولا تلك من أنباء ولذلك أظن تلك من أنباء الغيب تأكد منها تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ. وين الشاهد؟ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا. وهذا المعنى يكثر ذكره في كتاب الله في قصص الأنبياء.
تلك لذلك تجد مثلا في سورة القصص تكرر هذا المعنى ثلاث مرات أو أكثر، وذلك في أي آيات في سورة القصص يا أحمد؟ هم، وَمَاکُنْتَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. ها، وفي وَمَاکُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا. ثم في نهاية السورة: وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ. فهذه معاني مهمة حين تبصر ما الذي كان عليه أهل الجاهلية، ثم ترى ما في كتاب الله من العلم، تعلم أن هذا الكتاب من عند الله سبحانه وتعالى، وتزداد يقينا بأنه لم يكن لمحمد عليه الصلاة والسلام ولا لمن حوله أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولذلك جاء التحدي واضحا في كتاب الله سبحانه وتعالى للعرب بأن يأتوا بمثل هذا القرآن.
هذه الآن فقط صفحة متعلقة بالعرب وأمورهم وأحوالهم، إذا فتحنا صفحة أهل الكتاب وكيف تناول القرآن أمور أهل الكتاب وما الذي هو موجود عندهم في كتبهم، تعلم أن هذا لم يكن من طوق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من أمر العرب. أصلا العرب إيش كانوا يسوون بالنسبة لأهل الكتاب؟ إيش كان موقف العرب من أهل الكتاب؟ أهل الجاهلية أهل الكتاب يقولون بس العرب إيش موقفهم من أهل الكتاب؟ أنه إيش أن هم هم المتعلمون، هم المتعلمون، هم أهل العلم وأهل، ولذلك تعرفون كانوا يستنصرون بأهل الكتاب بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا، وأهل الكتاب أحيانا يؤزونهم لبعض الأسئلة وهم يعني يحاولون أن يأتوا بشيء، يعني أهل الكتاب هم أهل العلم، هم أهل العلم تمام؟ والعرب لم يكونوا معروفين بالعلم.
ثم تجد أن القرآن الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من عند رب العالمين يأتي لا ليس فقط يناقش أهل الكتاب، لا لا يصحح لهم، صح؟ يقول لهم لا أنتم أصلا هذا خطأ، يعني أن يكون السائد والمنتشر بل والمركزي المركزي في عقائد أهل الكتاب هو أن المسيح عليه السلام قد صلب، آه ومن هذا الصلب عاد أخرج ما شئت لماذا، وما بعد وما والذي يتمحور على هذه العقيدة وهي الصليب أصلا، يعني الصليب يأتي القرآن بواضح العبارة وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ. يعني أنت لما تتخيل هذا، من الذي يتجرأ من العرب فيقول مثل هذا الكلام؟ ويأتي بالحجج والبراهين ويا أهل الكتاب، ويستدل عليهم بكتبهم، ويأتي عليهم بأنبائهم وبصحفهم التي يخبئونها عن عامة الناس، جيد.
حتى المفسرين الذين جاؤوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمراحل، خفيت عليهم أمور من صحف أهل الكتاب كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغها من كتاب الله، لم يكتشفوها إلا بعد ذلك بعد انتشار صحف أهل الكتاب في أيدي المسلمين. إقرأ مثلا في تفسير قول الله: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، ستجد أن طوائف من المفسرين خفي عليهم النص الوارد فيما يسمى بالكتاب المقدس الذي يتفق مع هذه الآية تماما، وفي مزامير وفي أسفار المزامير يعني. وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ ها من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. النص موجود إلى الآن بقوله الصديقون يرثون الأرض أو ايش؟ ويسكنونها إلى الأبد يسكنون إلى الأبد، طيب. وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ أن من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، فهذه حتى خفيت على بعض من جاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم سنوات أو بأكثر من قرن.
طيب، إذا معرفة الأمور والأحوال التي كانت قبل البعثة النبوية أمر أو معرفة مهمة جدا، تعين على فهم كثير من أمور كتاب الله سبحانه وتعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
آه حقيقة يعني بقيت أمور كثيرة، بقيت أمور كثيرة؛ كلام عائشة في أنكحة الجاهلية واستحضارها لأنواع الفساد الذي كان في نكاح الجاهلية، ثم كيف جاء الإسلام فصحح وهدم، كذا عبرت بلفظ هدم، هدم صور نكاح الجاهلية وأبقى صورة واحدة وهي الصورة المعتمدة في الشريعة، أن تخطب المرأة إلى وليها أو من وليها. واستحضار مثل هذه المعاني آه إذا ألغيته، إذا ألغيته ستجد أن طرفا آه أو حظا وافرا من العلم المتعلق بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيلغى.
وما أجمل استحضار ابن عباس وهو الحبر المفسر لكتاب الله لهذا المعنى لهذا المعنى أو لقريب منه، وذلك حين قال كما في صحيح البخاري -بس هذا استدلال عكسي، هذا استدلال بالقرآن على أحوال العرب قبل الإسلام- لكن قال كلمة جميلة في هذا المعنى في صحيح البخاري، قال: من سره أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين ومئة من سورة الأنعام. من سره أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين ومئة من سورة الأنعام. عاد ارجعوا لسورة الأنعام وشوفوا الآيات اللي في هذا المعنى. بوب البخاري على هذا الحديث تعرفون ماذا؟ باب جهل العرب، باب جهل العرب.
ما نبغي ندخل طبعا في قضية أنه كان هناك بعض الأمور الحسنة عند العرب أو إلى آخره، حتى هذا نجد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم إثباتا له وحفظا له، وذلك كما في صحيح البخاري في قول النبي صلى الله عليه وسلم: الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.
هناك بعض الأمور التي بقيت من أمور الجاهلية آه حصلت فيها فائدة في وقت الإسلام، مثلا قضية الجوار، تعرفون العرب دائما تفاخر بالجوار، وبعد وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك من أمور الجوار التي انتفع منها انتفع منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أليس كذلك؟ أليس كذلك؟
آه، إذا خلاصة هذا المجلس هو أننا إذا تناولنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهل نبدأ بمرحلة ما قبل البعثة والنبوة أو نبدأ بمرحلة النبوة والبعثة فما بعدها؟ الجواب: من المهم أن نبدأ بمرحلة ما قبل النبوة والبعثة. ولكن يعني التنبيه المهم في هذا هو أن كثيرا ممن يتناول السيرة النبوية قبل البعثة يتناولها من زاوية محدودة، وهي كما قلت أن يتناولها من جهة مثلا بيان مثلا فقط البيان العام لفضل الإسلام على ما كان في الجاهلية، أو لبيان الإرهاصات المتعلقة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وما حصل لإثبات فضل النبي صلى الله عليه وسلم، والموضوع أوسع من ذلك بكثير على ضوء ما ذكر في هذا المجلس.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن تقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد