دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، والسيرة العطرة، يفوح لأهل كل زمان بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أكمل البشر، ومن كمال بشريته عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن كالصخر لا أحاسيس له؛ قد ترى من الناس ومن الرجال من لا يتأثر، من لا يضحك، من لا تظهر مشاعره، وهذا مرض، هذا ليس بالأمر السليم، فإن أكمل الرجال من ملئ بالأحاسيس والمشاعر؛ يفرح إن كان هنالك سبب للفرح الشرعي، ويحزن إن كان هنالك سبب للحزن.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يضحك وكان يمازح أصحابه، لا كما يريد البعض من هذا الدين أن يكون دينًا متماوتًا لا مزح فيه ولا ضحك ولا لعب أبدًا، الدين فيه هذه الأمور كلها، ولكنه كان عليه الصلاة والسلام بالمقابل يبكي، وهذا البكاء ليس عيبًا عند الرجال بل هو ميزة، فسيد الرجال كان يبكي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يكن يبكي من ضعف، لم يكن يبكي من أمور تافهة، إنما حتى في بكائه كان في عبادة لربه عز وجل.

يقول ابن القيم رحمه الله: «وكان عليه الصلاة والسلام بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن»، وهو بكاء اشتياق ومحبة مصاحب للخوف والخشية. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم عندما مات ابنه إبراهيم: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

تخيل رجلًا قارب الستين من عمره، وليس له من ذريته إلا الإناث، يرزق بهذا الغلام على كبر، ولا شك أنه أمر مفرح للقلب يتعلق القلب به، ثم يشاء الله عز وجل فيقبض روحه فيموت هذا الغلام الذي كان الإنسان يتطلع إليه، فماذا كان من النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «إن العين تدمع والقلب يحزن».

إذًا النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يتأخر عن إظهار مشاعره، ولا يجد حرجًا في أن يبكي ولو أمام أصحابه، حتى عندما أنكر عليه سعد بن أبي وقاص ذات يوم عندما بكى على ابن ابن له قد توفاه الله عز وجل، قال: «إنما هذه رحمة من الله»، هذا البكاء رحمة من الله عز وجل. كان بإمكان النبي عليه الصلاة والسلام أن يتظاهر بالجلد والشدة وعدم التأثر، لكنه أسوة لأمته وأتباعه عليه الصلاة والسلام.

من المواضع التي كان يكثر فيها بكاؤه عليه الصلاة والسلام الصلاة، فعن مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، أي كسوط غليان الماء، يعني أنه يبكي، وهذا من كمال الخوف والخضوع لله عز وجل.

القرآن من أعظم أدوية القلوب، الذي عنده قسوة في قلبه عنده مشكلة عظيمة، هذا عنده خلل كبير؛ تجد الإنسان ربما يشاهد فيلمًا أو يقرأ رواية، الحبيب والحبيبة، واحد يأخذ سمًا والثاني يلقي بنفسه من شاهق وينتحر وكذا، وتجد هذا المسكين يذرف الدموع يبكي على ما حصل تأثرًا، يرق قلبه لما سمع أو قرأ. بينما إذا سمع كلام الله عز وجل، يقرأ الصلاة من إمام خاشع والناس حوله يبكون ويذرفون الدموع، وهو ينظر حوله متعجبًا: ما الذي حصل؟ من الذي مات لماذا يبكي الناس هذا البكاء؟ هذا المسكين ما يدري أن قلبه قد مات وهم يصلون عليه ويدفنونه.

هذا البكاء، أنت إذا لم تستشعره فإن قلبك أشد قسوة من الحجارة، مع أن الحجارة منها ما يتفجر منه الماء ويتشقق وتتشقق منه الأنهار ويهبط من خشية هذه الحجارة، لكن قلوبنا -نسأل الله العافية- أشد قسوة من الحجارة. وأشد قسوة من القرآن إذا قرأه المسلم بتفكر وتدبر وتأمل قربه من ربه.

والحديث يدل على أن البكاء لا يبطل الصلاة؛ «لجوفه أزيز كأزيز المرجل»، البكاء لا يبطل الصلاة سواء ظهر منه حرفان أو لا، يقول شيخ الإسلام: «فإن هذا لا يسمى كلامًا في اللغة التي خاطبنا بها النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يتناوله عموم النهي عن الكلام في الصلاة»، بمعنى أن الإنسان إذا بكى ربما يخرج من فمه حرف أو حرفان من البكاء وهذا ليس بكلام، بعض المذاهب تقول الصلاة تبطل وهذا غير صحيح لأنه ليس من الكلام المعروف.

لكن يتنبه المسلم إلى أن البكاء يكون من خشية الله، وأن لا يصحبه كما يفعل البعض من نحيب وارتفاع في الصوت وربما كلام يخرج الصلاة عن صحتها، البكاء المحمود هو ما كان مكبوتًا خالصًا لله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يبكي عند سماع القرآن ولو لم يكن في صلاة، كيف هذا؟ ما سوف نتدارسه بعد الفاصل بإذن الله، فانتظرونا.

«قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة ولا أرهب نارًا، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة ولا أدري ماذا أفعل». كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي، التدرج إلى معاصٍ جديدة، التهاون في أداء الصلوات، التكاسل عن الطاعات، قلة ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به.

كل هذه أعراض لها أسباب، منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات والمرفهات. فمن أراد النجاة والفلاح فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعاءه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي، وتعينه عند الفتور والكسل. فإن الله تعالى يقول: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُذْكَرُونَ﴾ [الأحزاب: 42]، ﴿وَلَا تُدْحِضْ أَعْيُنَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28]، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتفاعل مع القرآن، كان يتفاعل مع الظواهر التي نحن نسميها الطبيعية، إن رأى غيمًا جثى على ركبتيه واجتهد في دعاء ربه خشية أن يكون ريح فيها عذاب كما قال الأولون: «عارض ممطرنا»، ما يدريكم أنه عارض ممطر، ربما يكون عذابًا من الله عز وجل.

فكان يتفاعل عليه الصلاة والسلام إن رأى الخسوف أو الكسوف، هرع إلى الصلاة. الناس اليوم إن علموا بوجود الخسوف والكسوف ربما أخذوا صورًا وأخذوا سيلفي وأخذوا كذا، ولم يهرعوا إلى الصلاة، ويسارعوا إليها ويتصدقوا ويخشوا الله عز وجل ويكثروا من الدعاء والاستعاذة بالله من عذاب القبر.

النبي كان يتفاعل عليه الصلاة والسلام، ومن تفاعله أنه كان يبكي عند سماع القرآن. كما جاء أنه ذهب إلى عبد الله بن مسعود ليأمره أن يقرأ عليه قرآنًا، فقال: «اقرأ عليَّ»، قال: «أقرأ عليك وعليك أنزل؟»، قال: «نعم». فالرسول عليه الصلاة والسلام يحب أن يسمع القرآن من غيره.

وعبد الله بن مسعود أحد الأربعة الذين أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نتعلم القرآن منهم، أن نتعلم القرآن من ابن أم عبد رضي الله عنه وأرضاه، فهو أحد المتقنين الحفظة لكتاب الله عز وجل، أخذ من فم النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة أكثر من بضع وسبعين سورة. فقرأ عليه صدر سورة النساء، حتى إذا جاء إلى قول الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: «حسبك».

توقف يقول: فنظرت فإذا عيناه تذرفان؛ أخرجه البخاري ومسلم. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علم أنه سوف يؤمر بأن يشهد على الأمم كافة وعلى أمته بعملهم، وهذه الشهادة ربما تكون على أمور لا تنفعهم بل تضرهم، فهو يبكي شفقة بالناس من أن تكون شهادته سببًا في حصول العذاب لهم. سبحان الله، أي رفق وأي شفقة كانت في قلبه صلى الله عليه وآله وسلم.

كان النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا يبكي إذا قام على قبر، ولذلك كان يرشد أمته فيقول: «ألا إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة». إذًا زيارة القبور ترقق القلب، عندما يدخل الإنسان إلى مقبرة فينظر حال من تقدم من الملوك والوزراء والأثرياء والجبابرة، عاشوا حياتهم بالطول والعرض ثم ماذا؟ ثم هذه المقبرة. ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء: 203-204]. ما أغنى عنهم ما كانوا يتمتعون، ما الفائدة؟ أين ذهب ذلك الملك والجاه؟ أين ذهبت تلك الليالي الحمراء؟ أين ذهبت تلك الأوقات الممتعة التي استمتع بها أصحابها وقد قُبروا في قبورهم؟ ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ ذهب كل ذلك عنهم.

زيارة القبور هذه لها من الفوائد الشيء العظيم. أذكر أني ذات يوم أخذت أحد الإخوة ممن كان على استقامة وصلاح، ولكن انتكس على عقبيه وزين له الشيطان هذه الحياة الدنيا، وترك الالتزام وانغمس في المعاصي. حضر عندي صلاة الجمعة، ثم ذهبت أنا وهو إلى مقبرة بعد صلاة الجمعة مباشرة في يوم حار. وقفنا عند القبور، رأينا قبرًا مفتوحًا لم يُدفن فيه أحد بعد. خلع هذا الشاب نعليه ومشى على الحصى وعلى الرمال من شدة الحر، حاولت أن أقتفي أثره فما استطعت، ووقف على شفير القبر عشر دقائق أو ربع ساعة يبكي بكاءً مريراً. هذا من علامة الإيمان في القلب، وإن التوبة لا شك ولا محالة قريبة ممن تلك حاله، لكن يحتاج إلى مجاهدة الشيطان وهوى النفس.

البراء بن عازب رضي الله عنه يقول: «كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة، فجلس على شفير القبر -أي على طرفه- فبكى حتى بل الثرى». هذا رجل غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه تفاعل مع ما يرى، ثم قال: «يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا»، أي لمثل يوم نزولكم إلى القبر استعدوا وأعدوا الزاد ليوم السفر الطويل. أنتم اليوم تدخلون المقبرة حاملين، وسوف تدخلونها غدًا محمولين.

تفاعل مع ما يرى عليه الصلاة والسلام، وكان عليه الصلاة والسلام يبكي شفقة بأمته. أي رحمة هذه؟ أن تبكي خوفًا على غيرك! قد يبكي الإنسان منا خوفًا على وظيفته، خوفًا على ولده، خوفًا على حبيب له، لكن أن يبكي لما يرى من أحوال الأمة الإسلامية قاطبة وهم يُضطهدون، يُقتلون، يُشردون، تُكاد لهم المكائد، هذا عجيب.

عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بعد قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، وقال عز وجل في عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فرفع نبينا عليه الصلاة والسلام بعد هاتين الآيتين يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي» وبكى.

لا إله إلا الله! يبكي عليه الصلاة والسلام من أجلنا، فماذا فعلنا نحن من أجل ديننا؟ بل ماذا فعلنا من أجل أنفسنا؟ أوبقناها وأثقلناها بالذنوب، وأتلفنا قلوبنا وأمتناها بالأحقاد والضغائن والحسد والكبر. الرسول يناجي ربه: «أمتي أمتي» ويبكي. قال الله عز وجل لجبريل: «يا جبريل، اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟»، فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسولنا عليه الصلاة والسلام بما قال، وهو أعلم. الله عز وجل أعلم بذلك، فقال: «يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك».

شوف البكاء هذا له فائدة: التضرع والتذلل والخشوع والإخبات لله عز وجل، لا يخلو من أن تكون له فائدة عظيمة. الله عز وجل قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ﴾. الإمام النووي يقول: هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد، منها بيان كمال شفقته عليه الصلاة والسلام على أمته، واعتناؤه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة، زادها الله تعالى شرفًا بما وعدها الله بقوله: ﴿إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ﴾. وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله.

لقد شرع الله الدين للناس رجالًا ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قاموا بواجبهم، فقال: ﴿فَمَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانًا رفيعًا، مشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتبارًا واحترامًا لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين.

وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: «إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة». فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة وسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسرة وأفرادا. وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم مرارًا وتكرارًا هو أكمل البشر، وكان من كماله عليه الصلاة والسلام أنه كان بارًا بوالديه، ولم يجعلنا ربنا عز وجل جبارًا عصيًا شقيًا، فكانت هذه المشاعر تظهر عليه. دُفنت أمه بالآباء بمنطقة بين مكة والمدينة وهي أقرب إلى المدينة، وكان في زيارة مرة لتلك المنطقة وهو ذاهب إلى عمرته عندما حصل صلح الحديبية. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله».

انظر إلى هذه الواقعة، النبي عليه الصلاة والسلام توفيت أمه وهو ابن ست سنين، ومعظم وقته قضاه بعيدًا عنها عند حليمة السعدية رضي الله عنها التي أرضعته وربته، فما يذكره عن أمه عليه الصلاة والسلام لا يكاد يذكر. ومع ذلك الحب الفطري والشفقة والبر بالوالدين كان على أكمل ما يكون صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت». أخرجه الإمام مسلم، وصحيح الإمام مسلم مثل صحيح الإمام البخاري أصح الكتب على الأرض بعد كتاب الله عز وجل.

هذا الحديث فيه إظهار لجمال شفقته بأمه وحبه لها، لأنها لم ييسر الله عز وجل أن تدرك ولدها وقد نُبئ وأُرسل فتؤمن به، ولما فاتها من الإيمان به كان عليه الصلاة والسلام يبكي من أجلها. وكثيرًا ما تجد من الطوائف الضالة من ينكر مسألة أن أبوي النبي عليه الصلاة والسلام في النار، وقد جاء في صحيح الإمام مسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ فقال له: «أبوك في النار»، ثم قال للرجل: «إن أبي وأباك في النار».

وهذا الحديث في شأن الاستغفار لأمه الذي مُنع عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فيأتي آتٍ ويقول: والدا النبي عليه الصلاة والسلام من أهل الفترة، فلا نقبل هذا الحديث ونرد. يا أخي، كيف ترد حديثًا في صحيح الإمام مسلم؟ أنتم تكرهون النبي عليه الصلاة والسلام، وأنتم تتحدثون في والدي النبي عليه الصلاة والسلام! يا أخي، نحن ننافح في اتباع سنته وتطبيق الصغير منها قبل الكبير، وتعليم الناس والدعوة إلى التمسك بالسنة في كل الأمور، وتتهمون بكراهية السنة أو بكراهية النبي! أما تتقون الله عز وجل؟ ما لهذه الحزبية وتلك المذهبية والعصبية القبلية العمياء للعقيدة الفاسدة أو المذهب الفاسد أو الفرقة الضالة؟ أما آن لهذا كله أن ينتهي؟

والله ما أحب على قلوبنا أن يكون والدا النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة إرضاءً للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن الأمر ليس بأيدينا، والامر هو الذي أخبرنا عنه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يجوز لنا أن نعرض عن تعليمه وعن قول النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا؟ أما لماذا فعل ذلك؟ عند ربي عز وجل. من أهل العلم من قالوا إنهم ليسوا من أهل الفترة، لأن كانت لديهم معتقدات إبراهيم عليه السلام، فهم أهل الحرم، وكانت عندهم تعاليم الحنيفية السمحة، وما بدلها إلا عبد الله بن جدعان عندما سيب السائم وأدخل عليهم الأصنام ونحو ذلك، وإلا فأصل الدين موجود. ولذلك زيد بن عمرو بن نفيل القرشي كان على التوحيد، ورق بن نوفل كان على التوحيد، وكان هنالك أناس على التوحيد، فمن أعرض عن التوحيد فقد أعرض عن دين كان موجودًا. ولكن أن يغلو الناس فيقول إن الله أحيا أبوي النبي عليه الصلاة والسلام وأبا طالب كي يسلموا ثم أماتهم مرة أخرى، هذا الكلام لا دليل عليه ولا يجوز للمسلم أن يتحدث عنه.

كذلك من أسباب بكائه عليه الصلاة والسلام تأمله ومناجاته في كتاب الله عز وجل وفي عظمته سبحانه وتعالى. عن عطاء قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: حدثيني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبكت رضي الله عنها ثم قالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلة حتى إذا دخل معي في لحافي والصق جلده بجلدي، فقال: «يا عائشة، أتأذنين في عبادة ربي؟»، فقلت: إني لأحب قربك وهواك، لكن أحب أيضًا ما تهواه من عبادة ربك. قالت: فقام إلى قربة في البيت فلم يكثر صب الماء، ثم قام فقرأ القرآن، قالت: ثم بكى حتى رأيت دموعه بلت حجزته، ثم اتكأ على جنبه الأيمن ثم وضع يده اليمنى تحت خده، ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض.

أي بكاء هذا؟ وممن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فجاءه بلال رضي الله عنه يؤذنه بالصلاة فرآه يبكي، فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟». إذاً البكاء هذا من شكر الله عز وجل، ثم قال: «وما لي لا أبكي وقد أنزل الله علي الليلة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]».

إذاً بكاؤه عليه الصلاة والسلام قمة في التفاعل مع كتاب الله عز وجل والتأمل في مخلوقاته وعظيم خلقه سبحانه وتعالى لهذا الكون الفسيح. لو نظر الإنسان إلى آيات الله الكونية وتأمل في آيات الله الشرعية لوجد خيرًا عظيمًا. وكان عليه الصلاة والسلام إذا دعا ربه واجتهد في الدعاء بكى خوفًا ورجاء. فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا وما فينا قائم أي يوم بدر إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كلنا نائمون ليلة بدر قبل التقاء الجمعين إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. وهذه حال المسلم، إن نزل بك بلاء إن خفت شيئًا فالجأ إلى الله، ففروا إلى الله وابكوا واجتهدوا تدركوا حاجتكم لا محالة.

هذا والله أعلم ونسب العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.