دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 11 - كراهته ﷺ لبعض السلوكيات

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، والسيرة عطرة الشذى، يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زدنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تكلمنا فيما مضى عن بعض الأمور وبعض الأشخاص وبعض الأماكن التي يحبها نبينا عليه الصلاة والسلام، وتكلمنا عن شيء مما يبغضه صلى الله عليه وآله وسلم. ونتحدث في درسنا في هذا اليوم عن بعض الأمور التي كان عليه الصلاة والسلام يكرهها. وكان عليه الصلاة والسلام إذا كره شيئا عرف في وجهه، أي وجهه يتغير، فلا يعني بالضرورة أنه ينهاهم عنه، لكنهم يعرفون كراهيته.

لذلك الأمر، من الأمور التي كان يكرهها نبينا عليه الصلاة والسلام أن يمتثل الناس له قياما عند دخوله المجلس، وهذه العادة لم تكن موجودة عند الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين. أنس رضي الله عنه يقول: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا»، لماذا؟ لما يعلمون من كراهيته.

وكان عليه الصلاة والسلام يكره أن يقوم له الناس لكي لا يحصل نوع من الغلو، ولأن ذلك من صفات المتكبرين والجبابرة؛ لذلك أراد أن يخالف عاداتهم وأن يتواضع لربه عز وجل. أما حكم القيام للداخل إلى المجلس، فهذه مسألة اختلف العلماء فيها، والأصل أن المسلم يتبع هدي نبيه عليه الصلاة والسلام.

للأسف في هذه العصور المتأخرة نجد كثيرا من يذكر اختلاف العلماء وهم سادة كرام، لكن إن وجد النص الصريح من القرآن أو من السنة، كيف يأتي للمسلم أن يفتح هذا الباب، وأن يعرض عن آية أو عن حديث نبوي صحيح صريح، ويأخذ عوضا عنه بأقوال بنيات الطريق؟ يأخذ بأقوال أئمة أعلام لكنهم خالفوا حديث النبي عليه الصلاة والسلام. هذه مشكلة من المشاكل العويصة في أيامنا هذه؛ أنه إذا بحث في مسألة ما قالوا: الإمام فلان قال، والإمام العلامة قال، وفلان قال، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ لذا خير الهدي هو هديه صلى الله عليه وآله وسلم.

بالنسبة للقيام هذا الذي كان يكرهه، ينقسم إلى مراتب؛ فمن ذلك النوع المحرم وهو قيام الرجل على رأس الرجل، وهو فعل الجبابرة. كيف يعني؟ مثل ما نراه في بعض الأحيان عند الرؤساء، معظمين من الناس والأثرياء، تجده يجلس والناس على رأسه قائمون، ما يمكن أن يجلس أحد، وهذا أمر محرم.

الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: «اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرض، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياما، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال: إن كدتم أنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا».

عجيب هذا الحديث في الصلاة! والرسول عليه الصلاة والسلام أمر الصحيح القادر على القيام، والقيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة، أمرهم جميعا أن يصلوا جلوسا؛ وذلك كي لا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود، وهذا هو من أخلاق الإسلام.

طبعا المسألة فيها خلاف، والصحيح الراجح أنه إذا ابتدأ الإمام الراتب صلاته قاعدا، وجب على المأمومين خلفه أن يصلوا قعودا أجمعين. أما إذا صلى قائما ثم طرأ عليه شيء في صلاته فاضطر إلى الجلوس، فإناذاك يكمل المأمومون صلاتهم كما بدؤوها قياما.

اليوم قد تجد في الناس من يغضب ويجد في نفسه أن لم يقم له الحاضرون، ويعتبر ذلك انتقاصا في حقه وإهانة، وهذا من الكبر. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». أنت إذا دخلت المجلس إلى عرس أو إلى اجتماع ولم يقم لك الناس، إن وجدت في نفسك شيئا من الضيق والشعور بالنقص والمذلة والمهانة، فاعلم أنك متكبر.

نظير ذلك، ما نجده من أمر الطلاب بالقيام للمعلم إذا دخل الفصل، ظنا أن ذلك احتراما للمعلم وتقديرا له ومعرفة لمكانته، وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأحق الناس بالقيام لو كان ذلك مشروعا. لذا ما ينبغي للطلاب أن يؤمروا بالقيام للمدرس أو للمعلم، لأن ذلك مخالف لهديه صلى الله عليه وآله وسلم.

في بعض الأحيان ربما تكون هنالك مفسدة أعظم؛ بمعنى إذا دخل رجل إلى مجلس وهو من الجهلة أو لا يعلم الحكم، أو ربما يلقي الشيطان في قلبه بذرة التباغض والشحن لأنه يعتقد أنهم ما قاموا له إلا لإهانته وانتقاص من قدره، فانذاك إن كانت تلك هي الحالة، فدرءا للمفسدة الأعظم لا حرج في أن يقوم الناس لمثل هذا الرجل، خاصة أنه لا يفهم ولا يعلم السنة.

أما إن جاء إمام بعده وكان عالما بسنة النبي عليه الصلاة والسلام وليس في ترك القيام أي أذية له، لأنه يعرف الحق، وهذا ما نفعله كثيرا في المجالس؛ يأتي إنسان لا يظهر عليه معرفة بالسنة فنقوم، ثم يأتي بعده آخر أو إمام أو طالب علم ونحن نعلم أنه يعرف السنة ويقدرها، فلا نقوم له ونسلم له ونحن جلوس.

ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار». هل هذا في كل أنواع القيام؟ كلا، يعني هذا في القيام لمن يجد في نفسه حرجا من أن لا يقوم الناس إليه. ولذلك فرق بين ما قال بعض أهل العلم من أن يقال: قمت إليه، وقمت له؛ فإن قمت من أجله فهذه فيها إشكالية، أم أن قمت إليه فهذه لعلها مقبولة إن شاء الله. وذلك تفرقوا بين أن يقوموا لمجيء الشخص إذا جاء، وأن يقوموا له وهو قاعد، ومسألة فيها خلاف، ولكن خير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

فاصل قصير بعدها نواصل بإذن الله. فانتظرونا، به تنكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتستجلب الرحمات؛ إنه الدعاء، مخ العبادة وباب الخير والسعادة. وللدعاء آداب، منها: توحيد الله تعالى والإخلاص له في الدعاء، إطابة المأكل والملبس، استقبال القبلة ورفع اليدين، حضور القلب مع اليقين في الإجابة، الثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، الإكثار من المسألة والإلحاح فيها، إخفاء الدعاء وعدم الجهر به، الجزم في الدعاء وقوة اليقين، وعدم استعجال الإجابة. ومن الأمور...

تنبيه على إجابة الدعاء، وتحري الأوقات والأماكن الفاضلة والأحوال المناسبة؛ فمن الأوقات الفاضلة: وقت السحر، الثلث الأخير من الليل، آخر ساعة من يوم الجمعة، وقت نزول المطر عند سماع الأذان، وبين الأذان والإقامة. ومن الأماكن الفاضلة المساجد عموماً، والمسجد الحرام خصوصاً.

ومن الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء: دعوة المظلوم، دعوة المسافر، دعوة الصائم، دعوة المضطر، دعوة الوالد لولده، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب. قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

السلام عليكم ورحمة الله. من أنواع القيام: القيام إلى الداخل عند قدومه، وهذا لا بأس به؛ فالرسول ﷺ كان يقوم لفاطمة رضي الله عنها إذا دخلت المجلس، وهي كانت تقوم إذا دخل المجلس كذلك. طلحة أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه وأرضاه، طلحة بن عبيد الله، عندما دخل كعب بن مالك بعد نزول آيات توبته -وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا- عندما دخل المسجد لم يقم له أحد من الصحابة، ونحن نعلم أنهم قد أمروا بهجره قرابة الشهرين، يعني خمسين يوماً تقريباً، وألا يتحدث معه وأن يقاطعوه كل من في المدينة. فلما نزلت آيات توبته قام إليه طلحة بن عبيد الله يلتزمه ويحييه ويهنئه، فعرفها في نفسه رضي الله عنه وأرضاه.

كذلك عند دخول سعد بن معاذ بعد أن جرح ونزف الدم الكثير، أحياه الله عز وجل وأبقاه حتى يحكم في بني قريظة، وحكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات، عندما جاء على أتَان أو على حمار له إلى المسجد ليحكم في بني قريظة وكان منهكاً متعباً مريضاً؛ قال ﷺ: «قوموا إلى سيدكم»، وما قال قوموا لسيدكم، بل قال: «قوموا إليه» لتعينوه على النزول ونحوها. وكذا إذا قدم الإنسان من سفر، فهذا لا بأس به.

ومن أنواع القيام: القيام عند رؤية الشخص، وهذا مثل أن يقوم لغيره واقفاً لدخوله المجلس أو لخروجه من دون مقابلة ولا مصافحة، بل لمجرد التعظيم، وهذا موجود عند العظماء والملوك والرؤساء؛ أول ما يدخل المجلس الجميع يقفون. لماذا تقفون؟ لا تريد السلام عليه ولا تريد المقابلة! هذا القيام أمره أقل ما يقال فيه إنه مكروه إن لم يكن حراماً.

ونظيره ما يفعله الصوفية في مجالس الموالد، عندما يأتي ذكر النبي ﷺ ومولده يهب كلهم قائمين واقفين وينشدون: "مرحباً نور عيني، مرحباً جد الحسين"، وينشرون المعاطر الطيبة. أيش هذا؟ قالوا والله هذا قيام لأن روح النبي ﷺ يسمونها الحضرة. حضرت أيش الكلام هذا؟ من أين أتيتم به؟ وقد سألت أحدهم ذات يوم فقلت له: هذه عبادة، والقيام لا يكون إلا لله، قال: حاشا وكلا، بل هي من التشريف. فسألته: لو أن رجلاً كان بالمجلس فلم يقم هل هنالك من بأس؟ قال: هذا يصيبه الشلل الفوري، والعياذ بالله! أي شرك يكون في الاعتقاد في مثل هذه التراهات والخرافات؟ أكبر من ذلك.

كذلك يكره -كان عليه الصلاة والسلام- من الأمور التي يكرهها أن يمشي أحد خلفه، وهذا خلاف ما هو موجود الآن عند العظماء، بل وحتى عند العلماء وطلبة العلم؛ يشعر الإنسان بالزهو والخيلاء عندما يمشي الناس خلفه، يسألونه أو يتبعونه احتراماً أو تقديراً أو تعظيماً أو أي شيء من هذا القبيل.

عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: كان النبي ﷺ يكره أن يطأ أحد عقب عقبه، يعني يكره أن يمشي أحد خلفه ولكن عن يمينه وعن شماله. وكان عليه الصلاة والسلام يكره أن يمشي أمام القوم، يعني النبي ﷺ ما كان يحب التصدر والبروز وأنا ها أنا ذا، بل كان يمشي في وسط الجمع أو في آخرهم تواضعاً لله، استكانة لربنا عز وجل، ولكي يتفقد أحوال أصحابه وحركاتهم وسكناتهم، فإن لتعليم جاهلهم عن شيء معين فعله، فإنه يكون مراقباً له وناظراً إليه.

وعن جابر رضي الله عنه قال: كان عليه الصلاة والسلام إذا مشى مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة؛ إذ ما كان يخاف من أن يأتي أحد من خلفه ويتعرض إليه، لأن الملائكة تحمي ظهره عليه الصلاة والسلام. هذا في بداية الأمر، كان عليه الصلاة والسلام ربما اتخذ الحراس؛ فعن جابر يقول: غزونا مع النبي ﷺ غزوة، وارتاح الناس وذهبوا يستظلون بظل الشجر، فذهب عليه الصلاة والسلام تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها وتفرق الناس، فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن تجمع أصحابه مرة أخرى: «إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتاً في يده».

يعني هذا رجل أراد أن يغتال النبي ﷺ ووجد فرصة فأخذ سيف الرسول ﷺ وقال للنبي ﷺ: «من يمنعك مني؟»، فقال عليه الصلاة والسلام: «الله»، أعادها الرجل ثانية فقال: «الله»، أعادها ثالثة فقال: «الله»، فشام السيف، أي أدخله في غمده، يقول عليه الصلاة والسلام: فها هو ذا جالس، يعني الرجل الله عز وجل رد كيده في نحره فأغمد السيف ولم يستطع أن يفعل شيئاً، لأن الله عز وجل عاصم وحمى نبيه ﷺ، ثم لم يعرض له عليه الصلاة والسلام وتركه في شأنه وحاله.

كذلك روى الإمام مسلم عن أمنا عائشة في مسألة اتخاذ الحراس، مسألة أن الرسول لماذا كان يمشي في مؤخرة الركب وكان لا يحب أن يمشي أحد خلفه، يقول: سهر الرسول ﷺ مقدمة المدينة ليلة فقال: «ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة»، فجاء سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو مرتد سلاحه، فقال عليه الصلاة والسلام: «من هذا؟»، فرد عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما جاء بك؟»، قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسُه، فدعا له النبي ﷺ ثم نام.

وهكذا ورد عن سعد بن معاذ وعن جمع من الصحابة أنهم كانوا يتناوبون على حراسته عليه الصلاة والسلام، إلى أن نزل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۗ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67]؛ فعصمه الله تعالى من الناس فصرف حراسه ولم يتخذ حارساً بعد، لأن هذه حماية الله تعالى لنبيه، فما اتخذ بعد ذلك حارساً ﷺ. فأصل قصير.

نواصل بعدها بإذن الله. كثيرة هي تلك المجالات التي يمكن للمرأة أن تظهر فيها مهارتها وتثبت فيها جدارتها، وتاريخنا الإسلامي حافل بمجموعة كبيرة من النساء بلغن غاية عظمى، وأثبتن جدارتهن في كثير من الجوانب التي تناسب المرأة وطبيعتها.

فيمكن للمرأة أن تشارك المجتمع وتتفاعل معه ويصل أثرها عالميًا دون إخلال بضوابط الشرع وميزان العفاف، وذلك عبر مجالات كثيرة تناسبها وتتفق مع طبيعتها؛ كتدريس الفتيات، وتدريب الممرضات، ومعالجة النساء ومداواتهن. ويمكن أن تشارك بقوة في العلم وتدريسه، والدعوة إلى الله تعالى من خلال المنتديات والمواقع الإلكترونية الخاصة بالنساء، كما يمكنها أن تسهم في الكتابات الأدبية المثمرة كالشعر والقصة والمقالة، فتعالج بعض الأفكار الخاطئة وتتصدى لبعض الظواهر الاجتماعية السلبية، فتثبت بذلك كفاءة لا مثيل لها.

هذا كله فضلاً عن المجال الذي يمكنها أن تثبت فيه جدارتها دون منافس، وهو القيام بحقوق زوجها وتربية ورعاية أبنائها. قال النبي ﷺ: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت».

السلام عليكم ورحمة الله. من الأمور التي كان يكرهها النبي ﷺ أمور متعلقة بآداب الطعام، وهي من الأمور التي ربما يغفل عنها صغارنا وكبارنا، فكان عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه آداب الطعام كما جاء في الحديث: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».

وكان كما يقول عبيد الله بن علي بن أبي رافع يروي عن جدته قالت: كان رسول الله ﷺ يكره أن يؤخذ من رأس الطعام، يعني هذا الطعام موجود كومة، كان عليه الصلاة والسلام يكره أن يأخذ الإنسان من رأس الطعام. لماذا؟ النبي ﷺ أخبرنا أن الله عز وجل يبارك في هذا الطعام، والأصل أن البركة من الله عز وجل، والأصل أن المسلم يبحث عن البركة في كل شيء؛ يبحث عنها في طعامه، ورزقه، وذريته، ووقته، وعافيته. بدون البركة من الله عز وجل نحن لا شيء حقيقة، أي حياة هي إن لم يبارك الله عز وجل فيها؟ وأي سعادة يجدها الإنسان إن لم تكن هنالك البركة في قلبه وفي حياته وفي كل ما يفعله؟

الرسول ﷺ أخبرنا أن الله يبارك في الطعام، فطعام السحور بركة، وماء زمزم بركة. ومن أسباب نزول البركة على الطعام أن يجتمع الناس عليه، وألا يأكل القوم وهم متفرقون في المجلس؛ هذا نظير ماذا؟ نظير طعام البوفيه، يأتي كل إنسان بطبق يغرف، ثم يذهب في ناحية من الصالة أو من المنزل ويأكلون متفرقين.

اشتكى الصحابة ذات يوم أن الطعام لا يكفيهم، فقال عليهم الصلاة والسلام: «لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه»، وكفاهم لما فعلوا ذلك، لما اجتمعوا ولما أكلوا من قصعة واحدة، من صحن واحد، من تبسي واحد؛ هذا فيه بركة عظيمة. الآن يعني أهل الترف يقولوا: لا ما يصلح، لابد تغرف في صحنك، يتوسخ الطعام، أو تستخدم البكتيريا، هذا كله كلام فارغ مع احترامنا الشديد للعلم والعلماء، العلم الطبيعي؛ لكن البركة من الله عز وجل. لذلك أنا لا أؤمن إلا بما جاء في القرآن والسنة، فإن قال العلم الحديث هذا خطر أو هذا خلل أو هذا خطأ، أقدم كتاب الله وسنة النبي ﷺ.

النبي ﷺ عندما اشتكوا له أنهم يأكلون ولا يشبعون قال: «اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه». إذا أنت تبحث عن البركة والسنة كما تقدم، أن تأكل مما أمامك؛ النبي ﷺ يقول البركة تنزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه. إذا وضع الإناء، تأكل من أمامك، ما تأكل من وسط الطعام لكي لا تزول البركة عن هذا الطعام.

ومن آداب الطعام، ومن آداب البحث عن البركة -فعل تجد القليل من المسلمين من يفعلهم- يقول عليه الصلاة والسلام عندما أمر أصحابه بلعق الأصابع والصحفة: «إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة». يعني قد تبقى فتات من الطعام من الأرز وأنت لا تأبه له، وقد تكون فيه البركة من الله عز وجل، فأمرهم بأن يلحسوا أصابعهم وأن يلحسوا الإناء بحثًا عن هذه البركة. وفي رواية أخرى، كان عليه الصلاة والسلام لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، إذاً هذه سنة ثابتة عن النبي ﷺ، ما أنت فاعل بها؟ كم فرط المسلمون اليوم في هذه السنة!

تجد أن المعايير والمقاييس اختلت، أنا أحكم على فعلك من باب الذوق العام، الإتيكيت، البرستيج؛ كيف تأكل باليمين والناس يمسكون الشوكة بالشمال والسكين باليمين ويقطعونها ويأكلون بالشمال؟ أنت الوحيد الذي تخالف وتأكل باليمين، هذا ليس من آداب الطعام ويؤنبك الجاهل على هذا الفعل. إذا ذهبت تأكل مثلا في مطعم ولعقت أصابعك، ماج الناس وهاجوا في وجهك، ولربما ترك السنة هنا أمام هؤلاء الجهلة الذين لا يقدرونها يكون من الحكمة؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. إن ترتب على فعل السنة مفسدة أعظم ومنكر أكبر، أتركه الآن وعلمهم لعلهم أن يتعلموا.

عجيب أن الناس من جهلهم ربما اشمأزوا إن رأوا من طبق هذه السنة المباركة، والإنسان يفعلها؛ يعني هل يفعلها حبا في أن يثير اشمئزاز الناس؟ هل يفعلها من أجل الشهرة؟ أم يفعلها حبا للنبي ﷺ وتصديقا بكتاب الله وإيمانا بما جاء به رسول الله ﷺ؟ البركة هذه من الأمور التي يطلبها الإنسان في كل شيء، في أفعاله في حركاته وسكناته، في ماله وفي أهله، لكن قل إن تجد من يؤمن بمفهوم البركة في زمن استهلك الناس فيه الأموال عن طريق الحرام ولا يبالون، مع أنهم سيسألون. لذا تجد أن البركة في أمور كثيرة والناس لا يعرفون؛ في سورة البقرة تجد البركة في الأماكن المشهودة بالملائكة مثل مجالس الذكر، تجد البركة في أمور نحن أغفلناها عن جهل أو عن علم.

كذلك من الأمور التي كان يكرهها نبينا ﷺ النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها؛ فإما النوم قبل صلاة العشاء خشية أن يؤدي ذلك النوم إلى فوات صلاة العشاء على المسلم، والأصل أنه إذا نام الإنسان ما بين المغرب والعشاء، وإن صلى العشاء في وقتها ومع المسلمين، فإن ذلك سيدعو إلى سهر معظم الليل. وكان يكره الحديث بعدها لأن الحديث مشغل عن مناجاة الله عز وجل.

نحن للأسف، يبدأ الليل عندنا بعد العشاء، فيشعر الإنسان إلى الثانية عشرة أو إلى الحادية عشرة وينام، فيغفل عن قيام الليل، وربما تأخر في القيام لصلاة الفجر، ناهيك عن أن الإنسان ربما أمضى هذا الوقت في مشاهدة الحرام وفي سماع الحرام.

لذا، عليه الصلاة والسلام، إنه كان يكره النوم قبل العشاء ويكره الحديث بعدها؛ كي يتفرغ المسلم لقيام الليل وصلاة الفجر بنشاط وقوة. هذا والله أعلم. ونسبة العلم إليه أسلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً بزيادة الإيمان، وتريد يأتيك ميسوراً بأي مكان، العلياء.