دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة العطرة، يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إن الدارس لسيرة النبي ﷺ لا يجد إلا قممًا متنوعة ومختلفة؛ قمة في العبادة، قمة في الأخلاق، قمة في الكرم، قمة في الشجاعة. حيثما قلبت بصرك وجدت عجبًا عجابًا. ولا شك أن النبي ﷺ مدرسة في الإدارة، وإن من أساسيات الإدارة أن يكون المدير مربيًا على خلق عظيم، وعلى معرفة بالنفوس البشرية يستطيع أن تستخلص منها أمورًا عظيمة بكلمة طيبة.

ولذا قال ﷺ: «والكلمة الطيبة صدقة». قد لا تعيرها أي انتباه ولا تلقي لها بالًا، لكنها تفعل العجائب. كلمة يقولها لغلام عندك في التحفيظ، أو لابنك وهو يأتيك بعلاماته الدراسية، تقول: «ما شاء الله يا بني، أنا أتوقع أن يكون لك مستقبل عظيم وأن تكون إمامًا من أئمة الإسلام»، انظر إلى الفرحة وقد ملأت جنبيه! بل إن هذه الكلمة تؤثر في الناس أثرًا عجيبًا، كما حصل مع البخاري رحمه الله عندما سمع شيخه يحثهم على تصنيف مصنف يجمعون فيه الصحيح من كلام النبي ﷺ.

الأم تمدح وتحفز وتشجع ابنتها فتقول: «ما شاء الله، جعلك الله عز وجل أمة من أمة الله، وزينك بالحجاب، زينك بالخلق الحسن، زينك بالعلم النافع»، كلمة تفعل الأعاجيب. ولذا أنت لو ذهبت تقرأ في كتاب الله عز وجل لوجدت هذا التحفيز وهذا التشجيع؛ يقول ربنا عز وجل حاثًا المؤمنين على العمل للآخرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ * وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: 10-12].

انظر إلى هذا التحفيز وشحن الهمم إلى الفوز بالجنة! هذا المنهج الرباني في التحفيز بالدنيا وبالآخرة اتبعه نبينا ﷺ. التحفيز بأمور الدنيا واضح، وسيأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله، أما التحفيز بالآخرة؛ بالجنة وبالقيامة، فهذا كثير في سنته عليه الصلاة والسلام.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. الرجل يريد إرشادًا، فالنبي ﷺ شجعه بذكر الأساسيات، وهذا فيه درس لنا معاشر الدعاة. النبي ﷺ ما ثبته وقال له: «أية جنة هذه التي تريد أن تدخلها؟ وأنت امرأتك لا تلبس الحجاب، وأنت ثوبك مسبل، وأنت لا تصلي في الصف الأول، وأنت لا تحضر حلق تحفيظ القرآن والتفسير والفقه؟». كثيرًا ما ننفر أكثر مما نبشر، ولذلك كان ﷺ يغضب من أولئك المثبطين الذين لا يحثون الناس ويشجعونهم بل ينفرونهم، قال: «إن منكم منفرين، بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا».

يأتي إلى معاذ بن جبل فيقول: «أفتان أنت يا معاذ؟». ماذا فعل معاذ؟ كل خطيئته أنه أطال في صلاة العشاء، وكفى بها خطيئة؛ من أراد منكم أن يطول فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، وإذا أم الناس فليخفف. تشجيع وتحفيز! هذا الأعرابي يريد أن يدخل الجنة، والرسول ﷺ ما رده عنها إنما حفزه فقال: «تعبد الله، تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». رواه البخاري ومسلم.

نعم، الرسول ﷺ يحفزه، إن أتى بهذه الأمور فما بعدها من الأمور أصغر، سوف تأتي تباعًا، ولكن لا داعي لتنفير الناس، لا داعي لصدهم عن سبيل الله عز وجل. فتحفز الناس على التمسك بأركان الإسلام من خلال ذكر العاقبة وهي أنها تجعل صاحبها في الجنة. كذلك قوله عليه الصلاة والسلام للناس: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، هذا محفز. الآن أنت تريد الفلاح؛ أغلب الناس يريدون الفلاح في الدنيا: أريد وظيفة وأن أكون المتفوق فيها، أريد المال وأريد جمع الأكثر منه، أريد الزوجات وأريدهن من الأجمل والأحسن أخلاقًا والأفضل نسبًا، إلى آخره، هذا الفلاح. لكن النبي ﷺ يحفز الناس على الفلاح الأعظم وهو الفوز بالجنة. لا شك أن من قال لا إله إلا الله أفلح في الدنيا وفي الآخرة، لكن لابد أن يقولها القائل بيقين. لذلك الرسول ﷺ يحفز الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا وفي الآخرة عن طريق قول "لا إله إلا الله"، كلمة توزن بها السماوات والأرض، كلمة أرسل بها الرسل، وهذا هو الفلاح الذي دلنا عليه النبي ﷺ وأتى به.

إن أنت ذهبت تقرأ في القرآن أو تتدارس السنة المطهرة، لوجدت أن من أعظم المحفزات التي يذكرها لنا ربنا عز وجل، والتي كما جاء في الحديث يدندن حولها النبي ﷺ، لوجدت أنها الجنة. كما جاء في بعض الروايات أن ذلك الأعرابي الذي انصرف من الصلاة لأن معاذًا رضي الله عنه أطال، فسأله الرسول ﷺ: «ماذا تقول في صلاتك؟»، قال: «لا أدري، ما تدندن أنت ومعاذ، ولكني أسأل الله الجنة وأعوذ من النار». جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال حولها ندندن، أو كما ورد عنه، فإذاً هذه الجنة لا شك أنها من أعظم المحفزات.

فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.

هل تشعر بالقلق حيال تصفح أولادك لشبكة الإنترنت وإبحارهم عبر وسائل الاتصال الحديثة؟ هل ينتابك الخوف من أن تتصيدهم الشياطين الإلكترونية تنحرف بهم عن النهج القويم والطريق المستقيم؟ هل لا زلت حائرًا بين منعهم من ذلك أو السماح لهم به؟ إن كنت كذلك فكن مطمئنًا، كل ما عليك هو الالتزام ببعض النصائح التربوية والقوانين الإلكترونية التي تجعلك مطمئنًا لتصفح أولادك لشبكة الإنترنت.

لا تمنع أولادك من تصفح الإنترنت، ولكن كن واضحًا معهم بوضع قوانين في التعامل معه؛ لا تسمح لهم بتصفح الشبكة ليلاً، واحرص على أن تقطع الاتصال بالشبكة وقت النوم، واحرص على تفعيل برامج الأمان في أجهزة الاتصال كي لا يقع أبناؤك فريسة للمواقع المخلة بالآداب أو المواقع المدمرة للفكر والاعتقاد. صادق أبناءك على شبكة التواصل الاجتماعي، وتابع حواراتهم ومشاركاتهم مع أصدقائهم، وتحدث مع أبنائك حول سلبيات الإنترنت وما قد يرتكب فيه من جرائم إلكترونية وأخلاقية.

ألا يصدقوا كل ما يقرأونه عبر الإنترنت، وأن يتثبتوا منه إن أمكنهم ذلك؛ فصفحات الشبكة فيها الكثير من المعلومات والأخبار غير الصادقة. ألا يستجيبوا لمن يطلب منهم الصداقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلا إذا كانوا يعرفونه جيدًا. ألا يقوموا بنشر أو إفشاء أي معلومات تخصهم أو تخص عائلتهم بأسمائهم الكاملة، أو أرقام هواتفهم، أو حساباتهم البنكية، أو غير ذلك من معلومات قد يقع الضرر بانتشارها. ألا ينقروا أي رابط إلكتروني غير مألوف قد يجدونه في حسابهم أو بريدهم الإلكتروني، خاصة إذا كان المرسل مجهولًا. ألا يمارسوا عبر الشبكة بيعًا أو شراءً إلا بعد إبلاغ الوالدين بهذا القرار. ألا يخرجوا للقاء أحد من أصدقاء الإنترنت خارج المنزل إلا بموافقتكم أو صحبتكم. حفظ الله أبناءنا وجنبهم كل سوء ومكروه.

السلام عليكم ورحمة الله. إذاً الجنة، أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهلها. هي من أعظم المحفزات، ما يشك في ذلك عاقل، اقرأ إن شئت قول الله عز وجل: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. كلام عجيب يسطر بماء الذهب: «فقد فاز».

أنت ماذا تريد في حياتك؟ في مباراة تقول أنا سأخسر اليوم في زواج، قال: والله أنا أريد أن يكون زواجي زواجًا فاشلًا. في تربيتك للأولاد، قال: أنا أحب أن يكون ولدي مدمنًا للمخدرات وابنتي... هكذا أعوذ بالله. ما من أحد إلا وهو يريد الفوز، الله عز وجل أعطاك المعادلة: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]. فتش في كمبيوترك، فتش في جوالك، فتش في وسائل التواصل الاجتماعي، هل أنت من الفائزين أو من الخاسرين؟

لذلك النبي ﷺ عندما أراد أن يحفزنا بالجنة استمع إلى ما قال، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل» -إذن هذا حديث قدسي- قال تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخراً». بل ما اطلعتم عليه، يعني هذا خلاف ما اطلعتم عليه وأخبرتم عنه؛ الجنة فيها ما لا تستطيع أن تتخيل، ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17].

إذن الجنة، التحفيز بها يفوق أي تحفيز، ولذا عند القتال وعند اقتراب وقت الجروح وإزهاق النفوس والتدمير في سبيل الله عز وجل، كان النبي ﷺ يقول لأصحابه: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». أربع كلمات، يعني ما فيها ذاك الشيء؟ بلى والله فيها ذاك الشيء لمن كان في قلبه إيمان وتوق واشتياق إلى الجنة: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض».

قال عمير بن الحمام رضي الله عنه: «جنة عرضها السماوات والأرض؟» قال: «نعم». قال عمير: «بخ بخ!». قال عليه الصلاة والسلام: «ما يحملك على قول بخ بخ؟» -يعني بالعربي يا سلام- فقال: «لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها»، قال: «فإنك من أهلها». انتهى الموضوع، يرجو والرسول يحفزه بأن يخبره بأن مكانك محجوز في الجنة: «إنك من أهلها». فأخرج تمرات من قرنه -يعني من كيس كان معه- فجعل يأكل منهن، ثم قال: «لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة». ثم رمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.

تحفيز عجيب، لكن لمن ممن كان يريد الجنة، لمن أراد أن يزحزح عن النار، لمن رأى يقينًا في قلبه أن وعد الله حق. تحفيز جعل عمير رضي الله عنه يتوق إلى الجنة ويراها رأي العين، ويرى أنه لو أكمل هذه التمرات فإنها حياة طويلة.

من التحفيز بالجنة أيضًا، حثه أصحابه على التعفف وعلى عدم سؤال الغير. أبو ذر رضي الله عنه يقول: بايعني رسول الله ﷺ وقال: «هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟». شف التحفيز! من يقول له: بيعة وتأخذ الجنة بالمقابل؟ قطعًا سيبادر إليها أي عاقل. قال أبو ذر: «نعم وبسطت يدي» -أي للمبايعة-. فقال عليه الصلاة والسلام وهو يشترط عليَّ: «ألا تسأل الناس شيئًا؟»، قلت: «نعم»، هذي بسيطة ما أسأل الناس أي شيء بس بايعني وأنا لي الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: «ولا صوتك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه». يعني وأنا راكب على الناقة أو على البعير وسقط مني السوط، إياك أن تقول لأحد المارة: لو تكرمت ناولني هذا، إنما تنزل وتأخذه بدون أن تسأل أحدًا.

سبحان الله، يحفزه بالجنة مقابل التعفف عن سؤال الناس، ونحن نسأل الناس ليل نهار مسائل قد تجعل الإنسان منا يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال المسألة في وجه أحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم». ما فيها لحم من كثرة ما هو يسأل الناس: أعطني مالًا، أعطني وظيفة، أعطني سيارة، أعرني كذا؛ هذا لا يصلح.

كذلك تحفيز الرسول ﷺ بأمور الثواب والجنة، فعن أبي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من تبع جنازة حتى يصلى عليها ويفرغ منها -أي تدفن- فله قيراطان، ومن تبعها حتى يصلى عليها فله قيراط، والذي نفس محمد بيده لهو -أي القيراط- أثقل في ميزانه من أحد». لا إله إلا الله، أثقل من أحد! يعني أحد كم طن؟ عشرة آلاف مليون طن، جبل! إن صليت على الجنازة كتب لك أجر قيراط، وإن صليت عليها وتبعتها حتى تدفن كتب لك قيراطان. أمر عجيب لكنه التحفيز، وهذا التحفيز قل من يعمل به؛ فمن منا يذهب إلى أماكن الصلاة على الجنائز رهبة في الأجر؟ أن تصلي في الحرم وبعد الصلاة مباشرة يقومون فيصلون على الجنائز، وترى من الناس من يخرج غير آبه راغب عن الأجر، وهذا والله خلل في الإيمان.

النبي ﷺ كثيرًا ما كان يحث الناس ويحفزهم عن طريق التشجيع وذكر الجنة، خاصة أن يكون الناس معه يوم القيامة: «أقربكم مني مجلسًا محاسنكم أخلاقًا». يمتنع عن حسن الخلق إن عرف أن في حسن خلقه وصبره على أذية الناس أنه يكون مع النبي ﷺ يوم القيامة قريبًا منه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم كهاتين»، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما، إذاً إن استطعت أن تكفل يتيمًا، ولا شك أن لك من الأجر الشيء العظيم.

وكثير ما كان يستخدم هذا الأسلوب النبي ﷺ. مسألة حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وعن أبيه، هو صاحب السر، وفي يوم من الأيام...

كان جماعة من التابعين عند حذيفة، فقام رجل فقال: «لو أدركت رسول الله ﷺ لقاتلت معه وأبليت». فقال له حذيفة مستنكراً: «أنت كنت تفعل؟ عجيب هذا الكلام!». الرجل يخبر عن مشاعره، وينكر عليه حذيفة بن اليمان مثل ما نحن نقول الآن: «الله أكبر! لو كنت مع النبي ﷺ لدافعت ولنافحت ولقاتلت دفاعاً عنه ﷺ».

سلام واحد منا ربما تأخر عن صلاة الفجر، وربما فاتته أيام طويلة، وربما يقع في الغيبة وفي أكل الحرام والرشوة ونحو ذلك، وهو يدعي! فما هذا القول الذي قاله التابعي عند حذيفة؟ ما هو بالقول المستهجن، لكن استمع إلى ما قاله حذيفة رضي الله عنه وأرضاه.

بعد الفاصل، انتظرونا به تنكشف الكربات، وتستنزل البركات، وتستجلب الرحمات؛ إنه الدعاء، مخ العبادة، وباب الخير والسعادة. وللدعاء آداب، منها: توحيد الله تعالى والإخلاص له في الدعاء، وإطابة المأكل والملبس، واستقبال القبلة ورفع اليدين، وحضور القلب مع اليقين في الإجابة، والثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، والصلاة على النبي ﷺ، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والإكثار من المسألة والإلحاح فيها، وإخفاء الدعاء وعدم الجهر به، والجزم في الدعاء وقوة اليقين، وعدم استعجال الإجابة.

ومن الأمور المعينة على إجابة الدعاء: تحري الأوقات والأماكن الفاضلة، والأحوال المناسبة. فمن الأوقات الفاضلة: وقت السحر، الثلث الأخير من الليل، آخر ساعة من يوم الجمعة، وقت نزول المطر، عند سماع الأذان، وبين الأذان والإقامة. ومن الأماكن الفاضلة: المساجد عموماً، والمسجد الحرام خصوصاً. ومن الأحوال التي يستجاب فيها الدعاء: دعوة المظلوم، دعوة المسافر، دعوة الصائم، دعوة المضطر، دعوة الوالد لولده، ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب.

قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿رَّبِّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۖ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. غزوة الأحزاب معروفة، غزوة الخندق أو الأحزاب، عندما حاصر مشركو قريش وغطفان واليهود النبي ﷺ وأصحابه في المدينة، وكان الحصار في أيام برد وظلمة وريح. قام ذات يوم النبي ﷺ في أصحابه وقال: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة».

كان هذا تحفيزاً، ما بعده تحفيز في القوم، من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجميع الصحابة -على فرض أنهم كانوا موجودين-. الرسول يقول: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة»، ما قام أحد! لاحظ؛ برج وريح وظلمة وخوف، بلغت القلوب الحناجر، فأعادها مرة ثانية: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة»، ما قام أحد. أعادها ثالثة، ما قام أحد.

انذاك كان لابد من التعيين، فقال: «يا حذيفة، قم فاتنا بخبر القوم». فذهب حذيفة رضي الله عنه وأرضاه، فهو يرد على التابعي؛ يقول له كيف تتمنى أنك كنت مع النبي ﷺ وأنت لا تدري ما كنت لتفعل؟ انذاك نفس الموضوع، هذا حصل مع المقداد بن الأسود رضي الله عنه وأرضاه. مر به رجل من التابعين، فقال يتحدث مع المقداد -مع الصحابي- يقول له: «طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ، والله لوددنا أننا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت».

فاستغضب، زعل، فجعل أبي جبير بن نفير يقول: فجعل أعجب. ما قال إلا خيراً، ثم أقبل عليه مستنكراً، يقول: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضراً غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه؟ «والله لقد حضر رسول الله ﷺ أقواماً كبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوا» إلى آخر الحديث. إذاً إنكار الصحابة رضوان الله عليهم لأن الإنسان لا يدري هل يكون مع المنافقين أم مع المؤمنين لو كان على عهد النبي ﷺ.

لكن الشاهد هو تحفيز الرسول ﷺ للصحابة بقوله: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة»، وهذا من سنته ﷺ؛ التحفيز بالجنة. كان يحفز الناس ولا يصدهم عن الله عز وجل، فيذكر أموراً في الدنيا وأموراً في الآخرة، يدلهم على أفضل الأقوال وأفضل الأعمال.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله علمني خيراً». النبي ما قال له كما نفعل نحن، "الخير كثير والخير عظيم وأوله كالقطر وآخره كالمحيط، ما أستطيع أن أدلك على كذا". بعض الإخوان محترفين في الصد والتنفير، رجل يأتي يطلب الخير، أعطه الخير ما استطعت، ولو دعاءً ولو آية ولو حديثاً.

قال عليه الصلاة والسلام، والأعرابي يريد الخير، أخذ النبي ﷺ بيده، مسك يد الأعرابي هذا بحيث تتحفز عنده وسائل الاستقبال ويعي ويفهم ماذا يقول له الرسول ﷺ، قال: «قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». الرجل يريد الخير، أعطاه أفضل أربع كلمات، فعقد الأعرابي على يده ثم مضى وتفكر، ثم رجع. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، عقدها على يده وتفكر فيها ومشى، ثم كأنها ما ناسبت معه فرجع.

فتبسم عليه الصلاة والسلام قال: «تفكر البائس». قال: مسكين هذا، تفكر في الطريق ورجع. فجاء فقال: «يا رسول الله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هذا لله، فما لي؟». قال: «هذه عبادة، هذا تسبيح». نعم، عظمت الله وشكرته ووحدته، شيء جميل. "طيب، أنا أبغى شيء، فلوس، أبغى شيء في الدنيا ماذا؟". فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أعرابي، إذا قلت سبحان الله، قال الله: صدقت. وإذا قلت الحمد لله، قال الله: صدقت. وإذا قلت لا إله إلا الله، قال الله: صدقت. وإذا قلت الله أكبر، قال الله: صدقت».

ثم أضاف إليه فقال: «وإذا قلت اللهم اغفر لي، قال الله: قد فعلت. وإذا قلت اللهم ارحمني، قال: قد فعلت. وإذا قلت اللهم ارزقني، قال: قد فعلت». فعقد الأعرابي على يده سبعاً ثم ولى. تحفيز وتشجيع؛ ما قال له عندما رجع "فما لي؟" قال: "ما تخاف الله؟ هذه عبادة وأنت توحد الله، وإن تفعل والله يفتح أبداً أبداً". زاده ثلاثاً؛ هذه لله خالصة، وهذه لك فيها نصيب.

انظر إلى التشجيع والتحفيز منه ﷺ؛ من التحفيز أنه كان يأتيه الرجل ﷺ فيقص عليه الرؤيا فيعبرها له. يقول ابن عمر: تمنيت أن أرى رؤيا أقصها عليه ﷺ، يقول: فنمت في المسجد فرأيت كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتم.

فجعلت أقول أعوذ بالله من النار، فلقينا ملك آخر فقال لي: «لم ترع». فقصصت هذه الرؤيا على حفصة، وقصتها حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «وانظر إلى التحفيز».

ما قال عمر بن الخطاب ترى هذا فيه ويخطيه، تب إلى الله، تفكر في معاصيك أبدا. قال: «نعم العبد»، وفي رواية: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل». فرصة الرؤية طيبة، أنت لست من أهلها، لا تخف. ماذا نفعل؟ قال عليه الصلاة والسلام وهو عالم بحاله: «كل أمورك طيبة يا عبد الله ابن عمر، لكن عندك مشكلة أن قيامك لليل ليس زينًا». قال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل»، فكان بعده لا ينام من الليل إلا قليلا.

كذلك في أحد الرسول عليه الصلاة والسلام تكالب عليه المشركون من كل جانب، معه سبعة من الأنصار واثنان من قريش، فقال عليه الصلاة والسلام: «من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟». فقام الأنصار واحدًا تلو الآخر، كلما يقاتل منهم رجل فيموت ويستشهد، يقول عليه الصلاة والسلام: «فمن يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟». فيقوم الثاني والثالث، سبعة استشهدوا أمام النبي عليه الصلاة والسلام.

فقال عليه الصلاة والسلام للقرشيين صاحبيه: «ما أنصفنا أصحابنا»، أحد هذين القرشيين هو طلحة بن عبيد الله. ماذا فعل؟ قام رضي الله عنه فقاتل قتال السبعة وذب عن النبي عليه الصلاة والسلام ووقاه بجسده وبيده، حتى ضربت يده وقطعت أصابعه وشلت يده دفاعًا عن النبي عليه الصلاة والسلام. لدرجة أن أبا بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة، يعني ما أحد أبلى بلاء حسنًا مثلما أبلى طلحة رضي الله عنه وأرضاه.

ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله». لا إله إلا الله، تحفيز ما بعده تحفيز! فكيف لو عرفنا أن طلحة هذا أحد العشرة المبشرين بالجنة؟ لذلك كلام الرسول عليه الصلاة والسلام كلام أنبياء أوتي جوامع الكلم، وما ينطق عن الهوى، يحفز، يتكلم الكلمة الطيبة، يشجع الناس، وهكذا ينبغي علينا كمسلمين أن نتعامل مع كل من حولنا؛ تشجيع وإيجابية وتحفيز، لا بانتقاد، لا بسخرية، لا بتهكم، فما ذلك هو نهجه صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا والله أعلم، ونسب العلم إليه أسلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد السبل العلياء، عطر الشذا يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا، زادنا كاذبين، للعلم كالآزهار في البستان.