دخولتسجيل الدخول

يا راغبًا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته، ومعه يطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد والسيرة يفوح لأهل كل زمان بالعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خلال الدروس الماضية تكلمنا بشيء من الإيجاز والاختصار عن أمور، عن أشخاص، عن أماكن، عن أطعمة كان يحبها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم. الرسول عليه الصلاة والسلام بشر من البشر، يحب ويبغض، إلا أن بغضه يكون لله وفي الله، لا كسائر البشر الذي قد يبغض انتصارًا لنفسه أو لرغباته أو لأمر في نفسه.

فمن الأمور التي كان يبغضها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الكذب، ولا شك أنه عرف في الجاهلية بالصادق الأمين، فلا شك أن الكذب والخيانة من أبغض الأمور إلى فطرته وجبلته، فكيف وقد جاء دينه بما هو ضد ذلك؟ الكذب معصية عظيمة وهي من الأخلاق السيئة التي كان يبغضها عليه الصلاة والسلام.

أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها تقول: «ما كان خلق أبغض إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام من الكذب»، ولقد كان الرجل يحدث عند النبي عليه الصلاة والسلام بالكذبة فما يزال في نفسه عليه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة. لذلك أصحابه يهابون الكذب ولا يكذب عنده إلا من كان منافقًا، ولذلك كان المنافقون يأتون الرسول عليه الصلاة والسلام ويتعللون ويتعذرون كذبًا لعدم خروجهم معه، كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال في نفسه: لو كذبت سيطلعه الله عز وجل عليها.

ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. ونعلم قصته مع الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك، فكان يعرض عن هذا الذي يكذب عليه حتى يعلم أنه قد أحدث توبة. ولم يكن هذا الأمر مختصًا بأصحابه أو بالأغراب، بل كان إذا اطلع على أحد من بيته كذب كذبة لم يزل معرضًا عنه حتى يحدث توبة، أي أحد.

وهذا الفعل منه عليه الصلاة والسلام فيه إظهار لكرهه الكذب، وفيه تأديب لفاعله وزجر عن العود لمثل ذلك. كيف لا وهذه المعصية العظيمة الكبيرة تؤدي بأن يدخل صاحبها نار جهنم؟ قال صلى الله عليه وسلم: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».

الكذب من أبغض الأخلاق لكثرة ضرره وما يترتب عليه من المفاسد والفتن. الكذب أصبح اليوم سياسة، أصبح دبلوماسية، أصبح سياسة وفطنة وذكاء؛ إذا كذبت وخنت وغششت فأنت التاجر المحنك الذي يعرف من أين تؤكل الكتف. المسلم لا يكذب لأن الكذب ضد الإيمان، يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه: «لا تجد المؤمن كذابًا».

الكذب خلق شنيع، لكن ليس كل الكذب محرمًا، فهنالك حالات يجوز فيها الكذب. أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها تقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرًا أو ينمي خيرًا» (رواه الإمام مسلم في الصحيح). المسلم الذي قد يكذب ليصلح بين المتخاصمين، فهذا الرسول عليه الصلاة والسلام وصف فعله بأنه من الخير وليس من الكذب.

وفي حديث آخر، تقول أم كلثوم رضي الله عنها: رخص النبي عليه الصلاة والسلام من الكذب في ثلاث: في الحرب، في الإصلاح بين الناس، وقول الرجل لامرأته. تخيل لو أن رجلًا احتمى بك من عدو جائر، بدأ أدخلته بيتك واختبأ، وجاء كذلك الظالم الذي تعلم أنه سيلحق به أذى أو سيقتله أو سيسجنه ظلمًا وعدوانًا فقال: أين فلان؟ قلت له: والله في غرفة المعيشة. أنا ما أستطيع الكذب سيأخذه وينحره، وأنت لا تستطيع الكذب، لا شك أن هذا يعني ليس من الذكاء في شيء وليس من الحنكة والحكمة في شيء. الكذب مفسدة لكن هنا أصبح لازمًا وواجبًا لدفع مفسدة متعينة.

ولو استطاع الإنسان أن يستخدم المعاريض وأن يوري بكلامه لكان خيرًا. عمر رضي الله عنه يقول: «إن في معاريض الكلام ما يغني الرجل عن الكذب»، والمعاريض هو الكلام الذي يظنه السامع شيئًا ويقصد المتكلم به شيئًا آخر. «لا تكذب، وإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» كما جاء في الأثر.

الرسول عليه الصلاة والسلام عندما رخص في الكذب عند الإصلاح بين الناس لأن منفعة هذا الكذب أعظم من مفسدته، وكذلك عندما رخص في الحرب. أنت الآن تحارب أقوامًا وتقاتلهم في سبيل الله، يسألونك: متى ستخرجون بالجيش؟ تقول: إن شاء الله غدًا الساعة السابعة صباحًا، وأنت صادق فيما تقول، يتربصون بك يهجمون على الإسلام والمسلمين وربما استأصلوا شأفتهم. قال: أنا ما أكذب، لا والله، فهذا الكذب مشروع بل هو واجب في الحرب؛ لأن الحرب كما قال علي رضي الله عنه كما يروى في ذلك أثر: «الحرب خدعة». وكذا الكذب في الإصلاح بين الناس. أما الكذب في قول الرجل لامرأته فهذا ما سوف نعرج إليه بعد الفاصل، فارتقبونا.

هل تشعر بالقلق حيال تصفح أولادك لشبكة الإنترنت وإبحارهم عبر وسائل الاتصال الحديثة؟ هل ينتابك الخوف من أن تتصيدهم الشياطين الإلكترونية، فتنحرف بهم عن النهج القويم والطريق المستقيم؟ هل لا زلت حائرًا بين منعهم من ذلك أو السماح لهم به؟ إن كنت كذلك فكن مطمئنًا، كل ما عليك هو الالتزام ببعض النصائح التربوية والقوانين الإلكترونية التي تجعلك مطمئنًا لتصفح أولادك لشبكة الإنترنت.

لا تمنع أولادك من تصفح الإنترنت، ولكن كن واضحًا معهم بوضع قوانين في التعامل معه. لا تسمح لهم بتصفح الشبكة ليلًا، واحرص على أن تقطع الاتصال بالشبكة وقت النوم. احرص على تفعيل برامج الأمان في أجهزة الاتصال كي لا يقع أبناؤك فريسة للمواقع المخلة بالآداب أو المواقع المدمرة للفكر والاعتقاد. صادق أبناءك على شبكة التواصل الاجتماعي وتابع حواراتهم ومشاركاتهم مع أصدقائهم.

تحدث مع أبنائك حول سلبيات الإنترنت وما قد يرتكب فيه من جرائم إلكترونية وأخلاقية؛ ألا يصدقوا كل ما يقرؤونه عبر الإنترنت وأن يتثبتوا منه إن أمكنهم ذلك، ففي صفحات الشبكة الكثير من المعلومات والأخبار غير الصادقة. ألا يستجيبوا لمن يطلب منهم الصداقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلا إذا كانوا يعرفونه جيدًا. ألا يقوموا بنشر أو إفشاء أي معلومات تخصهم أو تخص عائلتهم كأسمائهم الكاملة أو أرقام هواتفهم أو حساباتهم البنكية أو غير ذلك من معلومات قد يقع الضرر. ألا ينقروا أي رابط إلكتروني غير مألوف قد يجدونه في حسابهم أو بريدهم الإلكتروني خاصة إذا كان المرسل مجهولًا. ألا يمارسوا عبر الشبكة بيعًا أو شراءً إلا بعد إبلاغ الوالدين بهذا القرار.

ألا يخرجوا للقاء أحد من أصدقاء الإنترنت خارج المنزل إلا بموافقتكم أو صحبتكم، حفظ الله أبناءنا وجنبهم كل سوء ومكروه.

السلام عليكم ورحمة الله. الأمر الآخر هو كذب الرجل على زوجته وكذب الزوجة على زوجها؛ هذا الكذب مباح إن كان فيما يزيد المحبة. رجل تسأله زوجته عن شكلها بعد أن ارتدت فستانًا جديدًا فيقول لها: ما شاء الله أنت جميلة، أنت كذا، لا أعلم أيكم زاد الآخر جمالًا، أنتِ زدتي الفستان جمالًا أو هو زادك جمالًا، وهي كالغوريلا مثلاً شكلاً وقالبًا وقلبًا! لا شك أن هذا الكذب محمود ومرغوب فيه؛ لأنه يزيد في الألفة والجمال والمحبة. تسأله عن الطعام فيقول لها: ما شاء الله طعام جميل، تسلم الأيادي، أنت وكذا وكذا، ويمدح الأكل لا يستسيغه، لكن من باب إدخال السرور في قلبها، لا شك أن هذا الكذب مثاب عليه. وهي تكذب على زوجها بمحبتها له، وبمدحها لوسامته ولشكله، وهو قد يكون عطن الرائحة، أو سيء الخلق، أو كرشه أمامه بأربع أو خمسة أمتار؛ كذب ممدوح.

أما الكذب المحرم، فإن كان يذهب إلى أصحابه في الديوانية أو في الاستراحة وعندهم ليلة بلوت، وتسأله فيقول: والله عندنا حالة وفاة في مكة، لنذهب إليهم نعزيهم أو نساعدهم، فهذا لا شك أنه محرم ولا يجوز. الشاهد أن الكذب بالجملة محرم، ولكن إذا ترتبت عليه مصلحة أو أن ترتب على تركه مفسدة عظيمة، فإن الإنسان يباح له آنذاك أن يكذب، ولكن الضرورات تقدر بقدرها. فيجب أن ينظر إلى هذه الأمور ويحكم عليها من منظار الشرع، لا من منظار الهوى واتباع الرغبات والشهوات.

من الأمور التي كان يبغضها نبينا عليه الصلاة والسلام -تكلمنا عن الكذب- هو كان يبغض أعظم من ذلك، كان يبغض سيء الأخلاق. فعن أبي ثعلبة الخشاني رضي الله عنه قال: قال الرسول ﷺ: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني في الآخرة محاسنكم أخلاقًا»، أسأل الله أن يحسن أخلاقي وأخلاقكم، «وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة مساوئكم أخلاقًا». فصاحب الخلق السيء مبغوض من الله عز وجل، وهو مبغوض من النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو أبعد الناس عنه في الآخرة.

كم نجد من الناس من ربما يصلي في الصف الأول، بل ربما قد تكون عليه مظاهر الصلاح من إعفاء للحية، ومن تقصير للثوب، ومن فعل بعض أنواع السنن، لكن للأسف هنالك منهم من هم أشد على الدين من العصاة والمذنبين. لماذا؟ لأن سمت الصلاح والأخلاق، فالأخلاق السيئة دليل على عدم التزام العبد بشرع الله عز وجل؛ لأن الدين يهذب الأخلاق، والاتباع للسنة والتمسك بكتاب الله والعلم الشرعي هذا يهذب الأخلاق. فإذا وجدت من يحفظ المتون، ومن يعلم أقوال السلف، وفلان قال وفلان قال، وفي كتابه الأجري وفي كتاب فلان، ما شاء الله، نقولات جميلة، لكن هنالك شراسة في أخلاقه، هنالك سوء خلق في التعامل؛ فاعلم أن هذا من أبغض الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأبعدهم منه مجلسا يوم القيامة.

ربما يبرر لهم الشيطان أفعالهم فيقولون: نحن نغتاب في الله عز وجل، نحن نفعل ذلك دفاعًا عن الإسلام. ونقول لهم: كذبتم! والله لقد نجا المبتدعة منكم، ونجا الرافضة، ونجا الكفار من لسانكم، ولم ينجُ هذا المسلم ذو العقيدة الصحيحة المتبع للسنة من كلامكم ومن سلاطة لسانكم. لا شك أن هذا فيه خلل.

الأخلاق السيئة كان يبغضها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ كان يبغض الظلم، كان يبغض الحسد، وهذا موجود بيننا كثيرًا، خاصة بين الأقران، بين طلبة العلم، بين الدعاة؛ الحسد موجود بين الإخوة بعضهم بعضًا، بين الزوجات، بين الزملاء في العمل. والظلم فحدث عنه ولا حرج، هذا يحتاج إلى فصل دراسي كامل للحديث عن أنواعه. الغش: «من غشنا فليس منا»، غش في الأسواق، غش في الدراسة، غش في العمل، غش في التصنيع، غش في البيع، ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾.

سبحان الله! الغرور والكبر والعجب ورؤية النفس؛ هذه كلها أمور موجودة وأخلاق مذمومة. والكسل، وما أدراك ما الكسل! عندما تقرأ إحصائية بأن انتشار السمنة أكثر ما يكون في مصر وفي المملكة العربية السعودية سبحان الله، لماذا؟ الترف لكثرة المال، للبذخ، لعدم وجود هدف عند شبابنا وبناتنا، ما عندهم هدف يعملون من أجله، فينتشر فيهم هذه الأخلاق الرذيلة: الكسل وعدم الرغبة. انظر إلى ما يفعلونه في الإجازة الصيفية، أربعة أشهر أو خمسة أشهر -هذا ما يوجد في أي مكان في العالم ماذا يصنعون؟- ينامون في النهار ويحيون الليل، القيام بالذكر، بطلب العلم، بقراءة القرآن، حاشا وكلا! هل هذه من الأمور المحمودة في شرع الله؟ هذه من الأخلاق المذمومة: الكسل والعجز، والبخل، «وإياكم والبخل»، «ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون».

إذاً هذه أخلاق مذمومة كان يكرهها نبينا عليه الصلاة والسلام. ما موقفك أنت يا عبد الله، وأنتِ يا أمة الله من هذه الأخلاق؟ متى كانت آخر مرة جلست فيها مع نفسك وراجعتها وحاسبتها حساب الشريك الشحيح؟ لابد أن نصفي أنفسنا وأن نتعهدها بالرعاية والتربية؛ لأنه لن يوجد أحد آخر يفعل ذلك سوى أنفسنا إن لم نتفطن إلى تلك العيوب. أمور يبغضها نبينا عليه الصلاة والسلام، المشروع في حقنا أن نبتعد عنها وأن نفر منها فرارنا من المجذوم. أما أن نرضى بواقعنا ونقول قدر الله وما شاء فعل، أبداً! ما يجوز لك الاحتجاج بالقدر على المعايب والمثالب؛ فلا تبرر لنفسك بأن هذه هي الطريقة التي خلقت بها وجبلت، بل استعن بالله، فإنما الصبر بالتصبر والعلم بالتعلم. فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.

من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية، ويلونوا ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]. فاللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة؛ إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه.

فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية، وأن يكون حريصًا على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك، إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة، واجتناب اللحن والخطأ فيها قدر المستطاع، فقد كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن. ومطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القارئ، والالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، والالتزام بالتحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة.

وجيزة كل يوم، تعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر؛ إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تقدم معنا في درس ماض أن النبي ﷺ كان يحب الفأل الحسن، وهذا معناه أن النبي ﷺ يكره التطير والتشاؤم.

عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه أن النبي ﷺ قيل له؛ فقد سأل الرسول ﷺ وقال: «يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يتطيرون». قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم». وفي رواية: «فلا يصدنكم». إذن التشاؤم والتطير شيء في القلب قد لا ينجو منه أحد، لكن المذموم هو ما يترتب عليه من أحكام وأفعال.

أما الشعور، كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «وليس منا إلا»، ولم يكمل، يعني الطيرة شرك وليس منا إلا؛ ما منا واحد إلا وجاءه هذا الشعور، لكن المذموم هو العمل وما يترتب على ذلك الشعور من أفعال، أما ذات الشعور فإن الله عز وجل يذهبه بالتوكل.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: «إن النبي ﷺ كان يكره الطيرة». فهذا من الأمور الثابتة التي يبغضها رسولنا ﷺ. وهل نبغضها نحن؟ ما هي الطيرة؟ التطير هو التشاؤم بمرئي أو بمسموع، بزمن أو بعدد أو بنحوه، وكان النبي ﷺ يكرهه لأنه سوء ظن بالله عز وجل.

ومن صور التطير التشاؤم بفلان من الناس، الله أكبر! فلان أتى، والله يا أخي أنا أتشاءم، اليوم سيكون يومًا أسود، اليوم منيل بنيلة، لماذا؟ قالوا فلان أتى. وهذا ما يأتي، الأحوال كلها تختلف. التشاؤم بلبس معين، بشارع معين، بيوم معين. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الطيرة شرك».

وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك». أنا خارج من البيت وقبل أن أركب السيارة، وإذا مثلاً هرة سوداء أو طائر ميت عند السيارة وأنا ذاهب لمقابلة شخصية لعمل، قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه بدايتها كذا، فعاد إلى بيته تطيراً. قال عليه الصلاة والسلام: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك». فقالوا: ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك».

إذن الطيرة أمر عظيم، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من تطير، ولا من تطير له، أو تكهن له، أو سحر له». هذه أمور تخرج من الملة، وليست من الأمور التي يستهين بها الناس.

وأصل الطيرة، والذي هو التشاؤم، أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا أن يفعلوا أمرًا، مثلاً عندهم سفرة للتجارة إلى اليمن أو إلى الشام -ونسأل الله أن يعيد اليمن والشام إلى ما كانا عليه من رخاء وغناء وأمن وسعادة، ونسأل الله عز وجل أن يعيد الأمن على شعوب المسلمين أجمعين- فلو أراد الرجل منهم أن يسافر أو أن يذهب في تجارة، كان يأتي بطائر وينفر هذا الطائر؛ فإن ذهب الطائر إلى اليمين ذهب واستمر في رحلته، وإن طار الطائر إلى الشمال تشاءم فعاد عن فعله ذلك وتشاءم منها.

فجاء الإسلام ليبين للناس أن ذلك من أفعال الجاهلية، وأنه لا تأثير لطيران الطير أو لما تراه من مناظر على قدر الله عز وجل، وأن ذلك كله مضاد لشرع الله سبحانه وتعالى. ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا طيرة». هنالك من يتطير، والمشكلة أنك تجد ذلك حتى في الدول المتحضرة المتقدمة؛ تجد في بعض ناطحات السحاب أن هنالك طابقًا مفقودًا، تجد الطابق العاشر، الحادي عشر، الثاني عشر، الرابع عشر؛ لأنهم يتشاءمون برقم ثلاثة عشر. تجدهم لا يمرون من تحت سلم لأن ذلك يأتي بسوء الحظ، يتشاءمون ويتطيرون إذا رأوا غرابًا أسودًا أو رأوا مثلاً هرة سوداء أو ألوانًا من هذه الأمور، هذه كلها من الشركيات التي كان يبغضها النبي ﷺ.

إذا سمع أحد يقول: «يا راشد، يا نجيح»، يتفاءل. التفاؤل حسن ظن بالله، ولو سمع غير ذلك لم يتشاءم، وإن تشاءم لم يرده ذلك التشاؤم عن فعله وعن الخروج لما أراد لأنه متوكل على ربه، محسن الظن به.

من الأمور التي كان يبغضها ويكرهها رسولنا ﷺ الثوم والبصل من أجل رائحتهما. عندما نزل النبي ﷺ على أبي أيوب الأنصاري، كان إذا أكل طعامًا بعث إليه بفضله، فبعث إليه يومًا بطعام ولم يأكل منه النبي ﷺ، فلما سأله قال: فيه ثوم؟ فسأله: «أحرام هو؟»، قال: «لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه». يقول النووي رحمه الله: هذا تصريح بإباحة الثوم وهو مجمع عليه.

إذن الرسول ﷺ كان لا يأكل الثوم ولا يأكل البصل، وينهى من أكل منهما أن يدخل المسجد النبوي خاصة والمساجد عامة، وعلل ذلك بأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وكان لا يأكل من هاتين الشجرتين عليه الصلاة والسلام لأنه يجالس المسلمين ويرغب عن أن يجد أحد من المسلمين منه ريحًا تؤذيه، كما أنه كان يناجي الملائكة عليه الصلاة والسلام، يناجي جبريل عليه السلام، فلم يكن يرتاح أن يجد منه الملك عليه السلام ذاك الملك الكريم شيئًا مما يستحب لأحد أن يجد الناس منه مثل تلك الرائحة.

من الأمور التي كان يكرهها النبي ﷺ المشروبات الحارة. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يكره شرب الحميم»، والحميم هو الماء الحار، وإنما كان يحب النبي ﷺ الحلو البارد كما تقدم معنا من قبل. وهل في هذا كراهية أن يشرب الإنسان الشاي مثلاً أو القهوة على حرارتها؟ الظاهر أن ذلك مختص بالماء الذي يشربه الإنسان لحاجته، أما ما شرب وهو من أصله وطبعه لا يشرب إلا ساخنًا، فهذا مثله مثل الحساء أو الشوربة؛ هذه لا تؤكل ولا يستخدمها الناس إلا وقد سخنت وقد علت حرارتها. لا يؤذي الإنسان نفسه بتناولها وهي حارة ساخنة تؤذيه أو تؤدي إلى ضرره، إنما يشربها أو يتناولها وفيها شيء من الحرارة والسخونة ولا يخالف ذلك السنة.

هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.