يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم وتتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، والسيرة عطرة الشذا، يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زادنا كاذبين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، حبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تقدم معنا في الدرس الماضي نماذج من تحفيز النبي ﷺ لأصحابه عن طريق تذكيرهم بالآخرة وترغيبهم فيها، وذكر الجنة وما أعد الله عز وجل فيها لمن اتبع سبيله واقتفى سنته. لكن بعض الأحيان النفس البشرية تطمح إلى العاجل؛ بمعنى قال ﷺ: «من قال لأخيه جزاك الله خيراً فقد أعظم في الثناء»، أي أبلغ في شكره. قد تسدي معروفاً للبعض فيقول لك: الله يجزيك الخير، أو جزاك الله خيراً، أو جزاك بس، فنحن نريد شيئاً الآن في العاجلة. هذه النفس البشرية كثيراً ما تريد العاجلة عوضاً عن الآخرة، تريد شيئاً تراه.
ولذلك قد يكون التحفيز بالأمور الدنيوية أمراً مقبولاً، ولا بأس ولا حرج في ذلك. ولو تتبعت القرآن لوجدته يزخر بذكر هذه الأنواع من التحفيز في الدنيا وفي الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]. هذه البركات متى؟ يوم القيامة في الجنة، وأيضاً في الدنيا، لذلك التحفيز بالأمور الدنيوية مذكور في القرآن.
قال عز من قائل: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: 3]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16]. واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً. هذا كله من الاستغفار؛ إذاً هذا تحفيز بأمر دنيوي؛ تبغي الجنة، تبغي الأولاد، تبغي القوة، تبغي المال، تبغي الجنات، تبغي الأنهار، هذا كله إن أكثرت من الاستغفار.
التحفيز بالأمور الدنيوية لا حرج ولا بأس فيه، لكن قطعاً إن كان مراد الإنسان الأمر الذي هو الهدف والغاية، ألا وهي الجنة، فهذا هو الأفضل وهذا هو الأولى. جاء في سنة الرسول ﷺ ذكر التحفيز والتشجيع بالأمور الدنيوية، مما يدل على أن هذا شيء طيب؛ أن تقول لولدك: إن أنت حافظت على صلاة الفجر مع الجماعة لمدة أسبوع أعطيتك كذا وكذا، من باب التحفيز والتشجيع. هو يصلي الولد، فلن يزيد في صلاته لكنه سيتشجع مقابل هذه المكافأة، لا حرج.
قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». أمران دنيويان في الدنيا، خلاف ما يدخره الله لك في الجنة. قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه»؛ تريد البسطة في الرزق وزيادة في المال؟ صل رحمك، هذا أمر دنيوي. «وأن ينسأ له في أثره»؛ وأن يطال في عمرك، وأن يبارك لك في وقتك، هذا في الدنيا. إذاً التحفيز بذكر المحفزات الدنيوية أمر شرعي لا حرج فيه.
قال ﷺ حتى في أمور الجهاد: «تذكرون من قاتل؟ الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل من أجل المغنم، فأيهم في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». إذاً تبيان؛ لأن الجهاد لابد أن يكون فيه الإخلاص، ولكن هذا الإخلاص لا ينافي أن ينال الإنسان شيئاً من متاع الدنيا. بالعامية نقول: حج وبيع مسابح، وبالشرع: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]. هذه الآية نزلت في الحج؛ كان الصحابة يذهبون للحج ويتجرون في الحج، فوجدوا في أنفسهم حرجاً: "إنا في عبادة، كيف نتاجر؟"، فأنزل الله عز وجل إباحة التجارة أثناء الحج. فما دامت النية للحج، فما جاء من خير دنيوي فهو تبع لها وليس بأصل.
ولذا في الجهاد، إن صلحت النية لا حرج في أخذ المغنم. قال النبي ﷺ، والحديث يرويه أبو قتادة، إن النبي ﷺ قال في غزوة حنين: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه». السبب هو الذي يكون على الكافر الذي قتل في المعركة من متاع ومال؛ نحن نتكلم عن ساحات الوغى والجهاد، لا نتكلم عن جريمة إرهابية كما يفعل هؤلاء المتطرفون أو الإرهابيون، ويدعون أنهم في سبيل الله وهم في سبيل الطاغوت والشيطان. نتكلم عن راية الإمام المسلم؛ إذا قاتل الجيش المسلم جيشاً كافراً، فقام أحد جنود الله بارز أو قتل كافراً، فهذا الكافر كل ما يحمله من سيارة، من دابة، من ثياب، من ساعة، من محفظة، من سلاح، من أي شيء، هذا كله لمن قتله من المسلمين، هذه غنيمة خاصة به: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه». ما البينة؟ إما أن تضع علامة، أو توقّع على هذه الأشياء بتوقيعك، أو يكون هنالك من يشهد لك بأنك أنت قاتله، وأن هذا السلب لك، كما جاء في السنة المطهرة.
هذه الغنيمة ما تقدح في النية أبداً، ولا تؤثر فيها البتة؛ لأن هذا فضل من الله عز وجل يقدمه للمسلم إن صلحت نيته في الدنيا. جاء في صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم».
إذاً المسألة فيها تفاوت؛ أنت خرجت في سبيل الله وأتاك رزق الله بارداً مبرداً فأخذت الغنيمة، ثلثي الأجر ذهب مع الغنيمة، انتفعت بها واشترى بها، هذا حقك، ما يبقى لك إلا الثلث عند الله عز وجل. أما إن لم يفتح لك أو هزمت أو استشهدت، فقد استكملت الأجر الكامل بإذن الله.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله عز وجل. من المؤسف أن يفتخر الشباب باللغات الأعجمية ويلونون ألسنتهم بها دون حاجة، حتى أصبح بعضهم يكتب العربية بحروف أجنبية، وكأنه قد غاب عنهم أن اللسان العربي هو شعار الإسلام وأهله. اللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، لذا كره السلف التكلم بغير العربية إلا لحاجة، إذ هي من شعائر الإسلام وحفظها من تمام حفظه، فينبغي للمسلم أن يعتني باللغة العربية وأن يكون حريصاً.
على دراسة المهم من قواعدها واحتساب الثواب في ذلك، إذ هي مفتاح الفهم للقرآن والسنة. واجتناب اللحن خطأ فيها قدر المستطاع؛ عن نافع قال: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن.
مطالعة كتب الأدب في التراث العربي، لا سيما الكتب التي يذكر فيها الشعر والنثر، فذلك مما يقيم اللسان ويزيد الحصيلة اللغوية لدى القلب. وطبق الالتزام بها في المكاتبات والحوارات والشعارات في مواقع التواصل وغيرها، والتزام التحدث بها مع الكبار والصغار ولو لفترة وجيزة كل يوم. تعليم الأبناء قواعدها وتربيتهم على حبها وإتقانها منذ الصغر، إذ هي لغة القرآن الذي وصفه الله بقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [عبس: 13].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إذا أن ينال الإنسان شيئًا من الدنيا على عبادة أو على طاعة هذا لا بأس فيه، كثير من الإخوة يتحرجون من أخذ الأجرة على إمامة المصلين، أو على تحفيظ القرآن، أو على تعليم العلم الشرعي، وهذا لا حرج فيه.
جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، في حديث اللديغ الذي كان من قرية كافرة، ولدغ رئيسهم وكانوا قد امتنعوا عن استضافة المسلمين الذين أصابهم وجاهدهم الجوع، فبعد أن منعوهم حق الضيف جاءوا إليهم وقالوا: إن صاحبنا سليم، لدغ، فهل منكم من راق؟ فقام أحدهم فقال: أنا أرقي، ولكن لا أفعل حتى تجعلون لنا جعلًا، تعطونا مكافأة.
فتصالحوا معهم على ثلاثين من الغنم أو شيء من هذا القبيل، فقرأ عليه الفاتحة حتى قام كأنما نشط من عقال، ما به ولا شيء. بالفاتحة! هذه رقية من أمر حسي من لدغة ثعبان أو عقرب، ومع ذلك شفاه الله عز وجل. وكما قال الشاعر: زمزم فينا ولكن من يقنع الناس بجدوى زمزم؟ الفاتحة عندك أعظم رقية، لكن من الذي يستخدمها؟ لا بد من حبة فولتارين، لا بد من التمبرا، لا بد من الدواء الفلاني، وبعد ساعات طوال لعلنا نجرب الرقية. الأصل أن ترقي أولًا معتمدًا في ذلك على الله عز وجل.
فلما أعطوهم الجعل، أعطوهم هذا النصيب أو تلك المكافأة، أبوا أن يمسوها، قالوا: كيف نفعل؟ شيء ما ندري هو حلال ولا حرام. فأخذوها وذهبوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: «وما يدريك أنها رقية؟»، قال: إنها رقية، «واضربوا لي معكم بسهم»، سهم الخمس. فأقرهم عليه الصلاة والسلام على أخذ هذا الجعل، بل قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله». ما من شيء يستحق أن تعطى عليه أجرًا دنيويًا أكثر من كتاب ربنا عز وجل.
لذا النية إن صلحت، لا بأس من التحفيز بأمور دنيوية، ولا حرج في ذلك. قد يكون التحفيز بأمر معنوي لا بأمر مادي؛ من الأمور المعنوية أن تذكر منقبة عظيمة لمن يقوم بهذا العمل، المديح، ذكر الحسنات، الوصف بمنقبة عظيمة، هذه من المحفزات المعنوية. قال عليه الصلاة والسلام يوم خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله».
هذه منقبة ما بعدها منقبة. عمر رضي الله عنه يقول: ما أحببت ولا طلبت ولا سألت الإمارة قبل ذلك اليوم إلا في ذلك الموضع، لأنها شهادة «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». هذا الذي سيعطيه الراية جمع أبواب الخير كلها؛ إن أحبه الله ورسوله ماذا فقد؟ وشهادة له بأنه صادق الإيمان. فجعل الناس كل منهم يرجو أن يُعطى هذه الراية، وجعلوا يتداولون ويتدارسون من يكون هذا الذي يُعطى. فحفزهم النبي عليه الصلاة والسلام تحفيزًا معنويًا جعل كل واحد منهم يتمنى أن يكون ذلك الرجل، حتى إذا كان الصباح أعطى هذه الراية وفاز بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه.
إذن هذا تحفيز معنوي، كذلك ذكر المناقب والمديح والثناء، هذا تحفيز عظيم، وهذا ينقصنا نحن بدرجة كبيرة؛ فقلما تجد الوالد يثني على ولده ويمدحه ويذكر المناقب. التي فيها نعم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، لكن أن يكون جل كلامك هو نهي عن المنكر: لا تفعل كذا، هذا حرام ما يجوز، كيف تضحك؟ كيف تتبسم؟ لماذا يرتفع صوتك؟ لماذا تتأخر عن الصلاة؟ صلاتك ليست خاشعة، الوضوء لم تحسن، متى قرأت القرآن؟ هل راجعت حفظك؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بعضنا لحبه الخير ولغفلته عن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام يكثر بذكر المعايب والمثالب ويغفل عن ذكر المناقب والأمور الطيبة. استمع إلى ما حصل يوم غزوة مؤتة، النبي عليه الصلاة والسلام يبعث جيشًا صغيرًا نسبيًا لمقابلة جيش الروم الذي أقبل تعداده مئة ألف، وهم لا يتجاوزون الثلاثة آلاف الصحابة؛ ثلاثة آلاف مقابل مئة أو في بعض الروايات مئتا ألف، هذا شيء مستحيل، لكنهم خرجوا وفوجئوا بالعدد، الروم ومن معهم من القبائل العربية المتنصرة ونحو ذلك.
الرسول عليه الصلاة والسلام أمر عليهم ثلاثة، وهذا ما يعرف في علم الإدارة باسم الإحلال الوظيفي؛ المنظمة أو الإدارة تجد فيها مديرًا لو مات المدير ضاعوا في حيرتهم، ما في إحلال وظيفي، ما يوجد من الدرجة الثانية أو الثالثة من يمكن أن يقوم مقامه، لذلك لا يوجد تدريب، لا يوجد تفكير استراتيجي. الرسول عليه الصلاة والسلام من خمس عشرة قرنًا أعطانا هذه المعادلة؛ فأمر عليهم جعفر بن أبي طالب، فإن مات فزيد بن ثابت، زيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه، أمر عليهم زيدًا، فإذا قتل أمرهم أن يتخذوا جعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة.
وضع لهم هذا الترتيب، فالتقى الجمعان واستشهد زيد بن حارثة ابن النبي عليه السلام أبو أسامة، واستشهد بعده جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، واستشهد عبد الله بن رواحة. وأخبر عن ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فنعاهم وهو في المدينة، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب».
ثم اصطلح المسلمون، كما يقول أهل التفسير وأهل السير، اصطلح المسلمون على أن يعطوا الراية خالد بن الوليد الذي أسلم من كم يوم، فترة قصيرة جدًا أسلم وإذ يصطلحون على أن يعطوه الراية وأن يقود الجيش. فيقول عليه الصلاة والسلام واصفًا هذا الفعل: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد». هذه منقبة ما بعدها منقبة، أن يصفك الرسول عليه الصلاة والسلام بأنك سيف من سيوف الله، هذا معناه أنك لك مكانة عظيمة في الإسلام، وأنك ستكون ذا شأن. وبالفعل انظر بعد هذه الكلمة ما الذي فعله خالد؟ ما الفتوحات؟ ما المعارك التي خاضها وأبلى فيها بلاء حسنًا بعقلية عسكرية فذة وبإيمان لا يتزعزع؟ ما السبب؟
السبب كلمة تشجيع وتحفيز أدت به إلى أن يبدع في هذه الحياة الدنيا. النبي عليه الصلاة والسلام كان كثيرًا ما يشجع الناس على الأعمال الصالحة، لكن كما تقدم ربما يكون الدافع الاستجابة للجنة، وربما يضعف اليقين في قلبي فيكون الدافع لي للاستجابة لأمر من أمور الدنيا.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.
«قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة، ولا أرهب نارًا، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة، ولا أدري ماذا أفعل». كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي، والتدرج إلى معاصٍ جديدة، والتهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، وقلة ذكر الله ودعائه، وعدم التأثر بآيات القرآن، وعدم ذكر الموت أو التأثر به.
كل هذه أعراض لها أسباب، منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، والإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات والمرفهات.
فمن أراد النجاة والفلاح فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعاءه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي وتعينه عند الفتور والكسل؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 85]، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28]، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُجًا﴾ [الكهف: 28].
السلام عليكم ورحمة الله. النبي عليه الصلاة والسلام من وسائل تحفيزه كما تقدم أنه ربما ذكرنا بالآخرة، لكن في بعض الأحيان النفوس لا ترتقي بيقينها إلى أن تحفز بذكر أمور الجنة وبذكر الآخرة، لذلك يضرب لها عليه الصلاة والسلام الأمثال بأمور الدنيا.
فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في الصُّفَّةِ -أهل الصُّفَّةِ معروفون الفقراء الذين ليس لهم مال، فهم يجتمعون في المسجد يأكلون ويشربون ويخرجون مع النبي عليه الصلاة والسلام فقراء وأغلبهم من المهاجرين- يقول: خرج علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال -شوف أمر من أمور الدنيا-: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كواميين في غير إثم ولا قطع رحم؟».
بطحان منطقة في المدينة واسعة مفتوحة عريضة، والعقيق وادٍ بالمدينة أيضًا معروف وكبير وموجود. النبي عليه الصلاة والسلام يخيرهم ويقول: من منكم يحب أن يخرج إلى هذه المنطقة الواسعة ما فيها عمل ما فيها تعب فيرجع بناقتين كواميين؟ والناقة الكوامي هي الناقة العظيمة السنام، ضخمة. يعني بتعابيرنا اليوم: من يريد أن يذهب إلى هذه المنطقة ويرجع بسيارتين فارهتين، شيرون ولا فيراري ولا تسلا، شيء فخم وضخم؟ الصحابة كلهم قالوا: يا رسول الله، كلنا نحب ذلك. من يكره المال؟ من يكره الدنيا؟ من يكره أن يأتيه شيء بارد مبرد كما يقال؟
فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن شبه لهم بما تعيه أذهانهم، ضرب لهم المثل بأمر دنيوي: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ من كتاب الله عز وجل، أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل».
حصل التحفيز؛ الآن أنت تخيلت أن يكون بملكك وفي حوزتك هاتان الناقتان، والآن الرسول يخبرك بأنك إن تعلمت أو قرأت آيتين في المسجد أفضل لك عند الله عز وجل، حصل التحفيز بهذا الذكر.
من أنواع التحفيز أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما ألغز لأصحابه، يعني استخدم الألغاز يعطيهم مسألة تشحذ لهم أذهانهم وأفكارهم بحيث أنهم يفكروا، وهذا نوع من أنواع التحفيز الذهني. لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «أرأيتكم لو أني قلت لكم إن جيشًا صبحكم ومساكم؟» سؤال استنكاري، ليس استفهاميًا، إنما هو استفهام ليقرر لهم مسألة وهي أنه صادق أمين.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يسألهم عن بعض الأمور فيحاولوا حزرها، كسؤالهم مثلاً ذات يوم عن شجرة: «كالمؤمن لا يتحات ورقها». ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال صلى الله عليه وسلم: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟».
تحفيز كي يفكروا. وقع الناس في شجر البوادي، قالوا: هذه الشجرة أو هذه الشجرة، مع أن النبي وهو يسألهم عليه الصلاة والسلام كان يأكل من جمار نخلة، يعني مفروض أنها تكون من أوضح الواضحات. لكن سبحان الله، ابن عمر كان صبيًا فوقع في نفسه أنها النخلة، فاستحيا من أن يتكلم وأن يجيب النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأن في القوم أبا بكر وعمر، أجلاء الصحابة، وكانوا قرابة العشرة، فكيف يتحدث وهو صبي وهو أصغرهم؟
فلما انفض المجلس وعاد إلى بيته، قال لابيه عمر: ما وقع في نفسه والله يا أبي ترى الرسول لما قال كذا كذا كذا، وقع في نفسه أنها النخلة. فقال له عمر: لو كنت قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا، يعني يا ليتك تكلمت؛ لأن هذه فيه منقبة لي وشرف أن ولدي الصغير يفهم لغز النبي عليه الصلاة والسلام ويجيب عنه.
تحفيز من النبي عليه الصلاة والسلام: «هل تعلمون كذا؟ من يعرف كذا؟». كذلك لو أنت ذهبت تنظر في أركان الإسلام لوجدت ضمن أركان الإسلام محفزات عديدة، فمثلاً في باب الزكاة، من أصناف الزكاة الثمانية التي جاء ذكرها في سورة التوبة: «سهم للمؤلفة قلوبهم». فعن أنس رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي عليه الصلاة والسلام غنمًا بين جبلين فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قومي أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر. ويقول أنس رضي الله عنه: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
إذًا التحفيز بالأمور الدنيوية له فوائده. وقد أعطى الرسول عليه الصلاة والسلام بعد غزوة حنين، أعطى صفوان بن أمية، وأعطى المغيرة بن شعبة، وأعطى أبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، ممن أسلموا في فتح مكة، أعطى كل واحد منهم مئة من الإبل، أمر ثروة عظيمة، مئة من الإبل لكل واحد.
كما كان عليه الصلاة والسلام يحفز أصحابه بالثناء عليهم، فأثنى على سلامة بن الأكوع عندما استنقذ سرح النبي عليه الصلاة والسلام من قوم غاروا على سرحه من غطفان وسرقوا الإبل وهربوا، فمكث يمشي ويعدو خلفهم على قدميه من فجر.
إلى غروب الشمس، هذا هو الرياضي الذي يجب على المسلمين أن يبرزوا رياضيتهم وقوتهم ولياقتهم للناس. فقال عليه الصلاة والسلام في آخر النهار: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع»، وأعطاه سهمين؛ سهمًا للفارس وسهمًا للرجل، جمعهما له جميعًا.
هذا سلمة هو نفسه الذي في بيعة الرضوان، بايع سلمة بن الأكوع الرسول عليه الصلاة والسلام تحت الشجرة بيعة الموت. وفي نصف البيعة قال: «أين سلمة بن الأكوع؟» فقال: «هأنذا يا رسول الله»، قال له: «بايع»، قال: «بايعت في أول الناس»، قال: «بايع»، فبايعه مرة ثانية في نصف الناس. وعندما جاء آخر الناس قال عليه السلام: «أين سلمة بن الأكوع؟» وقال: «يا رسول الله ها أنا»، قال: «بايع»، قال: «يا رسول الله بايعت في أول الناس وبايعت في وسط الناس»، قال: «فبايع»، فبايعه في آخر الناس. هذا تحفيز معنوي عظيم يدل سلمة أن له مكانته عند النبي عليه الصلاة والسلام.
أنواع المحفزات كثيرة؛ قوله لصهيب الرومي عندما هاجر فتعرض له المشركون فدلهم على ماله وما جمعه طيلة حياته كي يتركوه يهاجر فتركوه، حفزه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع». وكذلك لما صب عثمان في حجر الرسول عليه الصلاة والسلام ألف من الدنانير ليجهز بها جيش العسرة، قال: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم؟» بخ بخ! تحفيز وغيرها كثير جدًا بأمور في الدنيا يضربها لنا النبي عليه الصلاة والسلام.
لذا ينبغي علينا أن نعي ونفهم دور الكلمة الطيبة، دور التشجيع، دور التحفيز الناس، كي نبدأ باستخدام هذا النوع معهم. عسى الله عز وجل أن ينفعنا وإياهم، وأن يجعل أعمالنا وأعمالهم وأعمالكم خالصة لوجهه الكريم. هذا والله أعلم، ونسب العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد أن يأتيك ميسورًا؛ أكاديمية ينبوعها صافٍ، اليوم غلة الظمآن العلياء، أكاديمية للعلم كالآزهار في البستان.
الشيخ عاصم الحكيم