تسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسير العلياء وعطره الشذا طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الدرس الخامس من شمائل النبي صلى الله عليه واله وسلم فيه ذكر هديه في اللباس.

فالنبي صلى الله عليه واله وسلم كان يلبس الثياب، وقد اعتنى العلماء بذكر أنواع الثياب التي كان يلبسها. فهنالك من الثياب ما كانت غير مفصلة على الجسد، يعني مثل قطعة من القماش ليست لها أكمام، لا تلبس من على الرأس، قطعة غير مفصلة. وهنالك من الثياب ما كان مفصلاً على الجسد. واعتنى العلماء بذكر هذه الأنواع.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم أن يلبسها الحبرة، وهذا متفق على صحته. والحبرة هي برد من برود اليمن، وهي من القطن المنسوج، لكنها غير مفصلة على قدر البدن. قال أهل العلم لونها أخضر وعادة تكون مخططة، وسميت حبرة لأنها محبرة أي مزينة، فالتحبير هو التحسين والتزيين. كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عندما استمع النبي صلى الله عليه وسلم لتلاوته ذات ليلة فقال: «قد أوتيت مزماراً من مزامير داوود». قال: لو علمت أنك تستمع يا رسول الله لحبرته لك تحبيراً، أي لزينتها وجملت ذلك. والحبرة هي للعرب من أشرف الثياب عندهم، فهي لباس يوضع ويلبس، ليست له أكمام، لكنه نوع فخم ويحبه العرب. ولا زال في كثير من القوميات المختلفة من يلبس مثل هذه الحبرة ويستخدمونها للالتحاف بها والتدفئة بها، وبعضها من ثمين الثياب.

النبي صلى الله عليه واله وسلم أيضاً كان يلبس الخميصة. الخميصة هي كساء مربع من صوف أو من غيره، وأيضاً فيه خطوط. وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه واله وسلم صلى ذات يوم في خميصة أهديت له من أبي جهم، لكن فيها تصاوير، فيها أعلام، فيها زخارف وألوان، فقال صلى الله عليه واله وسلم: «شغلتني أعلام هذه، فاذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بإنبجانيته». يعني أبو جهم هو الذي أرسلها، إذاً أرجعوها له. لكن إذا الإنسان أرجع الهدية لمن أهداها إليه، ربما وجد حاجة في نفسه لماذا ترد هديتي، فطلب منهم أن يأتوا بإنبجانيته لأنها نوع من الصوف الخشن، لكي يطيب بذلك قلب أبي جهم.

كذلك من الثياب غير المفصلة التي تأتي كقطعة واحدة، كان صلى الله عليه واله وسلم يلبس المِرْط. المرط هذا كساء مربع غير مفصل، يلتحف به الإنسان ويلبسه غالباً كإزار؛ لأننا نعلم أن هنالك الرداء وهو ما يلبس على الجزء العلوي من الجسد، وهنالك الإزار وهو ما يتزر به الإنسان. فلبسه عليه الصلاة والسلام من الشعر الأسود، هذا المرط وهو غير مصبوغ، وعليه كما جاء صورة رحال الإبل. فهذه بالنسبة لثيابه عليه الصلاة والسلام غير المفصلة.

أما الثياب المفصلة فقد لبس عليه الصلاة والسلام الجبة. فعن أحاديث مثل حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس هذه الجبة، وهي ثوب مفصل واسع له أكمام واسعة، يلبس فوق الثياب. فالجبة هي ثوب خارجي، يعني ممكن تشبهه بالبشت أو المشلح أو الفروة التي تلبس في البلاد الباردة، يلبسون هذا الثوب الفضفاض الواسع لكنه أكمامه واسعة لغرض التزين به.

كذلك لبس النبي صلى الله عليه واله وسلم القباء، والقباء لباس ضيق الأكمام، ضيق الوسط، مشقوق من الخلف، يلبس عادة فوق الثياب في السفر والحرب. فإذاً هذا ثوب آخر له غرض محدد معين، إذا سافر الإنسان لبسه كي يقي ثيابه التي يلبسها عادة من الغبار ومن القاذورات ومن مشقة السفر، لذلك هو ضيق الأكمام ضيق الوسط بحيث يمنع من دخول الغبار ونحو ذلك.

ومن ألبسته عليه الصلاة والسلام أنه كان يلبس القميص، والقميص هو ثوب له أكمام وجيب؛ يعني تدخل رأسك منه، هذه الفتحة التي يدخل الإنسان منها رأسه هذه تسمى جيباً، وله أزرار. والقميص قد يكون ما نعرفه الآن ما يلبس مع البنطال، وقد يكون سابغاً طويلاً يصل إلى أو يغطي القدمين أو الجزء السفلي. فهذا الثوب الذي نلبسه يدعى قميصاً لأنه ثوب واحد لكنه طويل، وتختلف أشكاله وأحجامه من بيئة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى. هذه بالجملة صفة ثيابه عليه الصلاة والسلام. واختلف أهل العلم هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس السراويل؟ السراويل هو ما يشبه البنطال وهو يختلف عن التبان أو الملابس الداخلية. فالسروال هو البنطال وجمعه سراويل، أما البعض بأن المفرد هو سروال فهذا خطأ. النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن المحرم لا يلبس السراويلات، فسروال هو المفرد. اختلف أهل العلم هل لبس النبي صلى الله عليه واله وسلم السراويل أم لم يلبسها؟ هذا ما سوف نتدارس بإذن الله عز وجل بعد الفاصل، فابقوا معنا.

لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة، وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهم.

ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

السلام عليكم ورحمة الله. قبل الفاصل كان السؤال: هل لبس النبي صلى الله عليه واله وسلم السراويل أم لم يلبسها؟ جاء أن سيدنا إبراهيم وموسى عليهم السلام لبسا السراويل، وأنه عليه الصلاة والسلام لبس السراويل كذلك، وقد جاء أيضاً أن سلمان الفارسي كان يلبسها، وأن علي رضي الله عنه وأرضاه كان يأمر بأن تلبس. وقد مال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ورجح ذلك أيضاً الحافظ ابن حجر أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يلبسها. ولا شك أن السراويل ساترة، وأهل الصلاح ما زالوا يلبسونها منذ قديم الزمان لأنها تستر العورات. كثير من الجلسات التي نهى عليه الصلاة والسلام عنها مرد ذلك إلى خشية تكشف العورات، وورد عن السلف الصالح لبس السراويل والترغيب فيه. ولا شك أن لبس هذه السراويل الطويلة السابغة التي تغطي الساق والقدم والفخذين، وتضفي نوعاً من الستر، لا شك أنها في حق النساء أعظم؛ لأن المرأة تتكشف إذا ركبت السيارة أو صعدت الدرج وقد ينكشف ساقها إن سقطت أو كذا، فلا شك أن أمهاتنا وجداتنا من قبل كانوا يلبسون هذا الثوب الساتر السابغ الجميل تحت ثيابهن ولا يظهر، ولذلك كان الستر عنوانهن. أما الآن فالنساء حقيقة أحوالهن يرثى لها.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يلبس ما تيسر له من الألوان، فكان يلبس الأبيض ويحبذه ويرغب فيه، ويقول عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالبياض من الثياب فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من خير ثيابكم». وكان يلبس غير ذلك من الألوان، كان يلبس الأخضر والأسود والمخطط بالأبيض والأسود. وصح أو روي عنه أنه لبس الأصفر، وجاء عن صحابة النبي عليه الصلاة والسلام أنهم كانوا يلبسون الأصفر، فهذا كله مباح ولا حرج فيه.

لكن هنالك أمور قد نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام، فمثلاً نهى عن لبس الأحمر الخالص وهو المعصفر كما يقول بعض أهل العلم. وقد يشكل على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد جاءت أحاديث تدل على أنه كان يلبس شيئاً فيه اللون الأحمر، لكن المحققين من أهل العلم كابن القيم وغيرهم عليهم رحمه الله عز وجل جمعوا بين الأحاديث، فقالوا: أحاديث النهي خاصة بما كان أحمر أو بما كان أحمر خالصاً، أما أحاديث لبسه عليه الصلاة والسلام لثياب فيها اللون الأحمر فهذه تكون مخلوطة أو مخططة بالأسود أو بغيره من الألوان، فلا تكون من الأحمر الخالص، وبهذا تجمع الأدلة بفضل الله عز وجل.

والرسول عليه الصلاة والسلام نهى أيضاً عن لبس الثوب المصبوغ بالزعفران، وهذا نوع من الثياب كان المشركون يلبسونه ونهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام. جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه أتى النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم وعليه ثوبان معصفران أو مصبوغان بالزعفران، فقال له: «أما علمت أن هذه من ثياب الكفار؟». وفي رواية قال له: «أأمك أمرتك بهذا؟»، وهذا تأنيب وتغليظ عليه لرجل قرشي، لكن أن يخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بأنك تفعل هذه الأمور بناء على أوامر أمك، فقال: يا رسول الله أغسلهما؟ هذول ثياب هل أذهب فأغسلهما؟ قال: «لا، بل أحرقهما». فأمره بإتلاف المال المحترم تغليظاً له في العقوبة كي لا يعود إلى مثله، وليعلم المسلمون أن هذا أمر محرم، ألا وهو التشبه بالكفار.

وأيضاً نهى الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كنا نعلم أنه كان يلبس ما كان موجوداً من قطن أو كتان أو صوف ولم يكن يقصد لباساً بعينه، يعني ما يفعله البعض من لبس الصوف فقط ويدعون أن الصوف هو لباسه عليه الصلاة والسلام، فهذا كذب وبهتان. فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يلبس من كل الثياب ومن كل النوعيات، لكنه كان ينهى عن لبس الحرير، وقد أخبرنا أن الحرير والذهب حرام على ذكور أمته حلال لإناث الأمة. فلا يجوز للرجل أن يلبس الحرير الخالص أو الحرير الطبيعي، أما ما يعرف باسم الحرير الصناعي أو قماش السلك فهذا لا حرج فيه؛ لأن العبرة ليست بالمسمى، إنما العبرة بالحقيقة. فلو قيل مثلاً إنه والله هذا الشيء اسمه ذهب أسود على البترول على النفط، ما يأتي أحد يقول الرسول حرم الذهب إذاً هذا حرام؛ لأن العبرة بالحقيقة، إنما حرم عليه الصلاة والسلام هذا المعدن أو المعدن المعروف الأصفر الذي يستخرج من الأرض، لم يحرم الاسم فقط، وكذا بالنسبة للحرير الطبيعي الذي يخرج من دودة القز أو يستخلص منها بالطريقة المعروفة، فهذا هو الذي كان محرماً.

وجاء عن هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يرد موجوداً ولا يطلب معدوماً، ولكنه إذا ارتدى الثوب اعتبر أن ذلك عبادة، ولذا كان يدعو الله عز وجل فيقول: «اللهم لك الحمد كما كسوتني، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له». سبحان الله! كم نرتدي في اليوم والليلة من الثياب ولا نستحضر هذا الدعاء؟ دعاء جميل تظهر فيه عرفان لله عز وجل بأن امتن عليك وكساك، وكم من غيرك من هو عارٍ، لكن حالنا كقول الله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. لابد للمسلم أن يعترف بنعمة الله عز وجل عليه، وانظر إلى فضل الله وكرمه يرزقك ويكسوك ويستر عورتك، لا ويغفر لك ذنبك! قال عليه الصلاة والسلام: «من لبس ثوباً فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه». الله أكبر! يرزقك ويستر عورتك، وإن قلت هذا الدعاء وحمدت الله غفر لك ذنبك.

طبعاً هنالك من الناس من ذهب إلى طرفين نقيض، فمنهم من حرم على نفسه الطيب من الرزق والطعام والثياب ظناً أنه يتقرب إلى الله، ومنهم من لا يأكل إلا الفاخر والطيب من الطعام، ولا يلبس إلا الفاخر من الثياب تكبراً على الخلق. وكلتا طرفي قصد الأمور ذميم، ولذلك قال بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي والمنخفض. فما ينبغي للمسلم أن يكون عنده مثل هذا التفاوت، البس ما وجد، لا تطلب معدوماً، إياك أن تتكبر على الخلق؛ لأن التكبر أمر محرم ولا يجوز للمسلم أن يفعله. لدينا فاصل وبعدها نواصل بإذن الله.

﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. من رحمة الله تعالى بعباده رخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلاً من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى، وأعلى الخف الأيسر باليسرى، مفرجاً أصابعه، مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معاً أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر، فالأمر في ذلك واسع بشرط أن...

يكون الخف طاهراً من النجاسة، وأن يكون ساتراً للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل. ومدته يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء.

فلو توضأ لصلاة الفجر مثلاً ولبس الخفين، ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحاً، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدأ احتساب المدة من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة. ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل. ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح، فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر، فإن أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضأ أولاً وضوءاً كاملاً يغسل فيه قدميه، ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مما تقدم عرفنا هديه صلى الله عليه وآله وسلم في الثياب وأنواعها، وهذه الثياب هل هي مقصودة لذاتها؟ أضف إلى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يلبس مما يلبس منه المشركون، فكان يلبس لباس قومه، لكننا نعلم أنهم مشركون، فليس في هذا شبه بالكفار، أليس هذا الفعل منهياً عنه؟

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه له كلام جميل، يقول: سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يلبس الرجل وأن يطعم مما يسره الله ببلده من الطعام واللباس، وهذا يتنوع بتنوع الأمصار. فإذاً الملابس التي كان يلبسها النبي عليه الصلاة والسلام كانت من ملابس قومه، فلم يفعلها عليه الصلاة والسلام تعبداً لله عز وجل، إنما كانت بمقتضى العادة.

ولذا لو أراد إنسان مثلاً اليوم أن يلبس الإزار والرداء -هذا الذي نفعله إذا ذهبنا في الإحرام- لكنه كان من لبس العرب، لو أراد رجل أن يذهب إلى العمل بهذا الثوب أو أن يخطب جمعة وهو يلبس مثل هذه الثياب لما كان ذلك مقبولاً، ولا يستطيع أحد أن يقول: هذه سنة، أنا أفعل سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنها ليست بسنته، إنما هي من العادة.

فالسنن نوعان: سنن عبادة يتقرب فيها الإنسان إلى ربه، وسنن عادة. فكان صلى الله عليه وسلم يركب البغل، هذه سنة عادة، ما يأتي إنسان يذهب إلى المسجد يركب بغلاً أو يذهب في سفره على ناقة، نقول له: هذا غير صحيح، يقول: سنة، نقول له: ليست سنة، إنما هي عادة من عادات العرب، فلا ينبغي للمسلم أن يخلط بين الأمرين.

أما إن سأل سائل فقال: كيف كان عليه الصلاة والسلام يلبس ثياب الكفار؟ فنقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يلبس ثياب قومه، وكان المسلمون والمشركون يلبسون الثياب ذاتها، فلا حرج ولا إشكال في ذلك. ولذا لو سئل الإنسان عن حكم لبس البنطال أو البدلة التي يلبسها الفرنج، فنقول: هذا الثوب أو هذا الرداء أو هذا لباس الآن يلبسه نصف المسلمين في أنحاء العالم؛ يعني إذا ذهبت إلى دول شمال أفريقيا لباسهم الرسمي البدلة وربطة العنق، لو ذهبت إلى بلاد الشام، لو ذهبت هنا وهناك، لا تجد أن العالم الإسلامي يلبس هذه الثياب.

فما الضابط في معرفة إذا كانت هذه ثياباً محرمة أو ثياباً جائزة مباحة؟ يقول ابن عثيمين رحمه الله وغفر له: التشبه بالكفار يكون في المظهر واللباس والمأكل وغير ذلك، لأن التشبه كلمة عامة، ومعناها أن يقوم الإنسان بشيء يختص به الكفار بحيث يدل من رآه أنه من الكفار، وهذا هو الضابط. أما إذا شاع هذا الشيء بين المسلمين والكفار فإن التشبه يجوز، وإن كان أصله مأخوذاً من الكفار، ما لم يكن محرماً لعينه كلباس الحرير.

يعني مثال، يأتي إنسان فيقول: ما يجوز تلبس الساعة، لماذا؟ قال: لأن الكفار هم الذين اخترعوها وهم يلبسونها، نقول: نعم، ولكنها شاعت بين المسلمين وأصبح من تراه يلبس ساعة ما تدري أمُسلم هو أم كافر لأن الجميع يلبسها. لكن لو مثلاً امرأة ارتدت ثوباً خاصاً بالكفار، يعني مثلاً ثوب "الكيمونو" وهو رداء وطني تلبسه مثلاً النساء في اليابان، وأرادت مسلمة أن تلبسه، نقول لها: ما يصلح هذا خاص بالكفار، ومن يراك يظن أنك كافرة. ولو أراد شاب مثلاً يأتي ويلبس قبعة رعاة البقر التي ما يلبسها إلا رعاة البقر، هذا أيضاً نقول له: ما يجوز، هذا لباس خاص بالكفار، ما يجوز لك أنت كمسلم أن تلبسه في بلاد المسلمين أو في غيرها لأن من يراك يظن أنك منهم ومثلهم، فهذا ضابط لعله إن شاء الله يكون مفيداً.

النبي عليه الصلاة والسلام من شمائله أنه جاء وصفه بأن بين كتفيه خاتم النبوة، وخاتم النبوة ليس هو ما يرتديه الإنسان في إصبعه، إنما هو مثل الوحمة أو الشامة الكبيرة التي تكون في الجسد. جاء عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان خاتم رسول الله عليه الصلاة والسلام غدة حمراء مثل بيضة الحمامة، رواه الإمام مسلم. إذاً حجمها صغير مثل هذا الحجم تقريباً، وكانت بين كتفيه غدة، يعني مثل قطعة من اللحم طارئة أو بارزة ما بين الجلد واللحم وفيها احمرار. وفي رواية الإمام مسلم قال: رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده، يعني هذا الاحمرار ما هو احمرار شديد إنما لونها مثل لون الجسد باختلاف طفيف. وقال القرطبي: اتفقت الروايات على أن خاتم النبوة كان شيئاً بارزاً عند كتفه الأيسر صلى الله عليه وآله وسلم، إذاً هو عند أو بين كتفيه لكنه أميل إلى الكتف الأيسر.

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: أما ما ورد من أنها كانت كأثر المحجم، أو أنها كانت كالشامة السوداء أو الخضراء، أو مكتوب عليها: محمد رسول الله، أو "سر فإنت منصور"، فكل ذلك ليس بثابت في السنة، إنما هي صفة له عليه الصلاة والسلام جاء ذكرها في الكتب السماوية السابقة وبه يعرف أنه النبي الموعود، وهذه روايات ثابتة كرواية المعروفة المشهورة عن سلمان الفارسي عندما سافر وتغرب بحثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رآه في المدينة اجتهد أن يأتي من خلفه، فلما فطن الرسول عليه الصلاة والسلام لما يريد أن يفعل أرخى رداءه كي يرى سلمان خاتم النبوة، فإذاً هذه صفة معروفة وهي علامة بارزة يعرف بها النبي عليه الصلاة والسلام عند أصحاب الأديان الأخرى.

ووردت صفة هذا الخاتم في السنة الصحيحة أنه كما تقدم كان بارزاً في حجم بيضة الحمامة، وكان بين كتفيه عليه الصلاة والسلام، وجاء أن حوله خيلان -جمع الخال- وهي نقطة تضرب إلى السواد وتسمى شامة، وكانت عليه شعرات مجتمعات، كما جاء في وصفه صلى الله عليه وآله وسلم، وبهذا ينتهي هذا الدرس على أمل اللقاء بكم في درس آخر، إلى ذلك الحين أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.