تسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسير العلياء وعطره الشذا طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في هذا الدرس الثامن نتحدث بإذن الله عز وجل عن مشيته صلى الله عليه وآله وسلم، وطريقة جلسته، وكيف كان يجلس لتناول الطعام.

فأما مشيته، فالمشية تختلف من إنسان لآخر، ونحن نرى ذلك لو تأملنا في أحوال الناس الذين يمشون مثلاً في الطواف والسعي في العمرة، هذا يمشي بطريقة وهذا يمشي بأخرى. فكيف كانت مشيته صلى الله عليه وآله وسلم؟ جاء في وصفه أنه كان إذا مشى تكفأ تكفؤاً، وكان أسرع الناس مشية، وأحسنها وأسكنها؛ هذه كيف تجتمع؟ سريع في المشية ولكنه كان ساكناً فيها.

قال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، كأنما الأرض تطوى له، وإنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث. يعني الذين يمشون مع الرسول عليه الصلاة والسلام يكادوا أن يركضوا ليلحقوا به وهو غير مكترث؛ لأن طبيعته أنه إذا مشى مشى مشية الأقوياء الأسوياء، مشية سريعة لكنها ساكنة.

علي رضي الله عنه وأرضاه يقول: كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤاً، بمعنى أن مشيته صلى الله عليه وسلم كأنه يميل إلى الأمام، وهذا الميل للأمام يدل على أن الإنسان مقدم ويمشي مشية صحية قوية تدل على جدية في السير. يقول: إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما ينحط من صبب. انظر إلى حال الذي ينزل من منحدر وهو يمشي، لا شك أن الجاذبية بالإضافة إلى مشيته تضفي عليه سرعة فهو يحاول أن يكبح جماح تقدمه، مشية الرسول عليه الصلاة والسلام كانت كتلك.

وقال مرة: إذا مشى تقلع، والتقلع هو الارتفاع من الأرض بجملته كحال المنحط من الصبب، يعني كان الذي ينزل من منحدر. التقل يقول أهل التفسير -تفسير الأحاديث- أنه رفع القدم والرجل بقوة. يعني كيف بعض الناس إذا مشى؟ وهذه للاسف موجودة عند بعض الشباب المراهقين، تجده لا يحسن ارتداء نعله؛ المداس أو النعل أو الحذاء، تجده يلبس نصفه ما يلبسه كله، إنما يجعله على أطراف أصابعه ويجر أقدامه جراً يسحبها سحباً، حتى إن الحذاء ربما ما يكمل معه شهراً ثم إذ به يهترئ. هذه مشية التماوت، هذه ليست مشية رجال، ليست مشية جادين، إنسان متموت هكذا يمشي. النبي عليه الصلاة والسلام كان يتقلع، بمعنى أنه يرفع رجله ويضعها بقوة وهو يمشي، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم.

هذه المشية هي أعدل المشيات؛ لأنها وسط بين طرفي نقيض. من الناس من يمشي كالمتيم، ويمشي وتعد خطواته على نسق بطيء جداً، ولا تتحرك يداه، وهو يمشي كأنه قطعة خشبة، وهذا ليس من الأمر المحبذ. عمر رضي الله عنه كان يعلوهم بالدرة ويقول: لا تميتوا علينا ديننا. أنت ما شاء الله خاشع راهب زاهد في الدنيا، ما شاء الله ميت تمشي! لا، امشي بقوة تكن لك سجية. أما أن تتماوج فمذمومة قبيحة.

وعلى طرف النقيض تجد من يمشي بهوج، مشية الجمل الأهوج، تجده يتحرك بعنف وبقوة يمنة ويسرة، ويضفي إلى ذلك كثرة التلفت. بعض الشباب تجدهم يمشون بهذه الطريقة في الأسواق، صوته مرتفع، كما جاء في الحديث: «صخاب في الأسواق، جيفة بالليل»، يمشي يتلفت يمنة ويسرة، أي شيء ينظر إليه، ويكثر من الحركة ويكثر من الاهتزاز كالجمل الأهوج، فلم يكن النبي عليه الصلاه والسلام يمشي بهذه الطريقة؛ لأنها طريقة مذمومة تدل على خفة عقل صاحبها.

أما مشيته عليه الصلاة والسلام فكانت بين ذلك وذاك، كان يمشي هوناً. ولذلك جاء في وصف عباد الرحمن قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]. الهون هذا هنا ليس مقصود به التماوت كما سبق، إنما قال غير واحد من السلف: يمشون بسكينة ووقار وتواضع من غير تكبر ومن غير تماوت. مشية النبي عليه الصلاة والسلام كان يمشي على الأرض هوناً، وهذا لا ينافي أبداً القوة والنشاط والتقلع، وكأنما ينصب من حدر أو كأنما ينحدر من صبب، أو كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، هذه كلها تعطي صفة الجدية والنشاط والهمة والقوة في مشيته عليه الصلاة والسلام، حتى إن الذي كان يمشي معه يجتهد ويجاهد في اللحاق به.

واستمع إلى قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18]، أي لا تلوي خدك وعنقك تكبراً وإعراضاً عن الناس؛ تجد بعض الناس يشمخ بأنفه إذا مشى، مشى هكذا، وإن مر أحد أمامه نظر إلى الناحية الأخرى معرضاً عنه تكبراً. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: 18]، هذا المشي الذي نراه من البعض، هذا مما حمل بعض أهل التفسير أن يقول: هذا فيه نهي صريح عن الرقص، المشي في الأرض مرحاً. بعض الناس تذهب إلى مهرجانات تجدهم يستمعون إلى الشيلات ويرقصون، رجالاً وربما إناثاً، نسأل الله العافية، هل هذه من أخلاق المسلمين؟ هذا نهي صريح أن لا تمشي في الأرض مرحاً، إن الله لا يحب كل مختال فخور. ثم قال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: 19]، القصد أي لا تخيلاً ولا رعاعاً، بالوقار والسكينة، هذا هو طبيعة المسلم. ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]. هذا أمر عجيب، أنكر الأصوات لصوت الحمير.

ولقد سمعت أحدهم -ولا أعني بذلك الحمير، لكن من ينتسبون إلى العلم- وهو يتحدث عن قرار وزارته في منع رفع الأذان بالمكبرات، ويقول: نعم هذا قرار صحيح، لأن رفع الأذان بمكبرات الصوت والجهر بالأذان هذا من أصوات الحمير! نسأل الله العفو والسلام، إن وصل العلم بهذا الرجل أن يصف الأذان إلى الصلاة والدعاء إليه بأنه صوت الحمير، فلا شك أن هنالك خللاً عظيماً ما ندري كيف نصلحه، ونسأل الله لنا ولكم العافية.

العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأدى به إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة، ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ومنه نفل كالتبر في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.

ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصر قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، تفقه في طلب العلم حتى تكون من الراسخين، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان بشراً، وهو خير البشر، صلى الله عليه وآله وسلم، هو سيد ولد آدم، ولكن من الأمور البشرية أن يمشي الإنسان، وتحدثنا عن مشيته عليه الصلاة والسلام، كذلك من الأمور البشرية أن يجلس، فكيف كانت جلسته صلى الله عليه وآله وسلم؟ جاء عن قيلة رضي الله عنها قالت: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام قاعداً القرفصاء، فلما رأيته صلى الله عليه وسلم متخشفاً خفت منه، ولذلك قال أهل العلم: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه صلى الله عليه وآله وسلم.

طيب، ما هي جلسة القرفصاء؟ القرفصاء اختلف العلماء فيها، منهم من قال أنها جلسة المتربع، ونحن كلنا إذا جلسنا على الأرض جلسنا جلسة المتربع، وهي أن يجلس الإنسان على مقعدته على مؤخرته ويجعل قدميه بعضهما أو ساقيه بعضهما في بعض على هيئة الأربع. والصحيح أن جلسة القرفصاء هي جلسة المحتبي، والاحتباء نوعان: احتباء بالثوب، وهي التي يفعلها إخواننا الحضارم عندما يأتي أحدهم إلى المسجد ويأتي معه بثوب أو بحزام، ويجعل ركبتيه إلى صدره ويربط ساقيه من أسفل الركبة بهذا الحزام ويشده مع ظهره، هذه الجلسة تريح الإنسان وتخفف الضغط على الظهر، فهذا الاحتباء يكون بالثوب. أما إن كان الاحتباء بالذراعين بمعنى أن الإنسان يضم إليه ركبتيه إلى صدره ويجعل ذراعيه على ركبتيه وقدميه فهذا يسمى جلسة القرفصاء، تكون بذراعين، وأما الاحتباء فيكون بالثوب.

وعن سليم بن جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي عليه الصلاه والسلام وهو محتب في بردة، إذاً هذا هو الاحتباء، يأتي ببردته ويربطها فيشد ركبتيه إلى ظهره ويرتاح بذلك. وجاء في الحديث وصايا لسليم هذا رضي الله عنه، وعن حنظلة بن حذيم قال: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام فرأيته جالساً متربعاً. إذاً الجلوس يكون بالتربع، فإذاً هذه من جلساته عليه الصلاة والسلام: إما أن يجلس القرفصاء يحتبي بيديه، أو أن يجلس محتبياً بثوب، أو أن يجلس متربعاً.

وأيضاً من أنواع جلساته عليه الصلاة والسلام، وهي التي يفعلها الإنسان، أن يجلس متكئاً، والاتكاء نوعان. النوع الأول هو أن يميل على أحد شقيه، إذا أعطاك إنسان وسادة واتكأت عليها هكذا فهذا اسمه اتكاء. جاء عن أبي بكرة الثقفي رضي الله عنه، وأبو بكرة هو غير أبي بكر، أبو بكرة الثقفي قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، قلنا: بلى، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئاً فجلس، فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور»، إلى آخر الحديث. قوله كان متكئاً فجلس دل على أن الاتكاء يختلف عن الجلوس، ولا شك، فالاتكاء الميل إلى أحد الجانبين، والجلوس هو الجلوس على المؤخرة، على المقعدة، على الصفة المعروفة في التربع.

كذلك جاء عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه قال: رأيته صلى الله عليه وآله وسلم مستلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، إذاً يجوز للمسلم أن ينام على ظهره وأن يضع رجلاً فوق الأخرى، لا حرج في ذلك، الرسول فعله عليه الصلاة والسلام. لكن يشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه النهي عن ذلك، فقال: «لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى»، والحديث رواه الإمام مسلم في الصحيح.

عندنا تعارض، والتعارض عادة وغالباً ما يكون في ذهن الإنسان لا في شرع الله، لا يمكن أن يكون هنالك تعارض في دين الله عز وجل، ولذلك أهل العلم لهم طرق متبعة للجمع بين النصوص المتعارضة. فيقولون: نحاول أولاً أن نجمع، يعني حديث عام وهذا الذي يعارضه يكون خاصاً، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: 3]، الميتة والدم حرام، يأتي حديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان»، آه، إذاً الجمع يكون بأن هذا خاص وبقية الأمور هي على عمومها.

فإن لم نستطع الجمع بمثل هذه الطريقة، ننظر إلى الناسخ والمنسوخ، فربما أحد هذين النصين متقدم عن الآخر فيكون الآخر ناسخاً له رافعاً لحكمه. فإن لم نعرف التاريخ ما نستطيع أن نعرف أيهما المتقدم على الآخر نذهب إلى الترجيح، فأحدهم يقول يكون مثلاً إما آخر حديث، أو النص الأول يكون في البخاري والآخر مثلاً في الدارقطني أو في المستدرك فيكون أقوى وأرجح من هذا. فإن لم نتمكن لا من الجمع ولا من معرفة الناسخ من المنسوخ ولا من معرفة الراجح، فإنا نتوقف، ونقول: نحن نتوقف مع الجزم بصحة هذين النصين، ولا تعارض بينهما إلا في أذهاننا، ولعل غيرنا يكون له أو يكون عنده العلم الذي نستفيد منه.

قال الإمام النووي للجمع بين استلقائه على ظهره ووضع الرجل على الأخرى وعن نهيه قال: قال العلماء أحاديث النهي عن الاستلقاء رافعاً إحدى رجليه على الأخرى محمولة على حالة تظهر فيها العورة أو شيء منها، وأما فعله عليه الصلاة والسلام فكان على وجه لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به ولا كراهة فيه على هذه الصفة، وهذا هو القول المختار الصحيح، أنه يجوز فعل ذلك إلا في حال خشية الإنسان أن تظهر عورته أو أن تتكشف فإن ذاك يحرم. لدينا فاصل قصير بعدها نواصل، فابقوا معنا.

عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي، بل هو مستمر إلى آخر العمر، قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة، فلا أن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات، قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة، وقال الخطيب البغدادي.

قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة. وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة. فاطرح عنك الكسل، واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

السلام عليكم ورحمة الله. تحدثنا عن جلسته عليه الصلاة والسلام، وأرجو أن يكون الحديث عنها مختصراً اختصاراً لا يخل. ولكن هل توجد جلسات مثلاً منهي عنها؟ عن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا جالس، واستمع إلى وصف هذه الجلسة، قال: وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على ألية يدي، يعني على باطن اليد إذا كانت يده مفتوحة وخلف ظهره متكئاً عليها هكذا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقعد قعدة المغضوب عليهم». إذاً هذه جلسة محرمة لا يجوز للمسلم أن يجلسها.

وهل المقصود بالمغضوب عليهم اليهود كما جاء في تفسير قول الله تعالى في الحديث المرفوع الصحيح غير المغضوب عليهم؟ قال: هم اليهود، ولا الضالين: قال هم النصارى. فهل المقصود بأن هذه جلسة اليهود؟ هذا علمه عند الله عز وجل، لا بد أن ننظر في أحوال اليهود، فإن كانوا يجلسون هذه الجلسة إذاً المغضوب عليهم هم اليهود، وإلا فالمغضوب عليهم اسم أو لفظ أو وصف عام يدخل فيه كل أهل النار ممن غضب الله عز وجل عليهم.

ثانياً: هل هذه الجلسة منهي عنها في الصلاة أو في غير الصلاة؟ الصحيح أن النهي عنها عام، ما يجوز لك يا عبد الله ولا لك يا أمة الله أن تعتمدي على باطن كفك الأيسر وراء ظهرك وترتاحي كنوع من فرد الظهر للذي يطيل الجلوس على الأرض. والمخرج أن الإنسان إذا أراد أن يرتاح فليتكئ على يديه الاثنتين أو على اليد اليمنى، لا حرج، لكن يتجنب الاتكاء فقط على اليد اليسرى وعلى باطنها. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: هذه القعدة وصفها عليه الصلاة والسلام بأنها قعدة المغضوب عليهم، وأما وضع اليدين كلتيهما من وراء ظهره واتكأ عليهما فلا بأس، ولو وضع اليد اليمنى فلا بأس.

إذاً هذا هو حال هذه الجلسة المنهي عنها، ولو ذهبت تسأل الناس حولك من المسلمين عن هذه الجلسة لما سمع بها أحد، ولربما كذبوك للجهل الذي انتشر في الناس. الناس أعرضوا عن دراسة سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أعرضوا عن دراسة الحديث، فلذلك ما يعرفون كثيراً من الأمور المتعلقة بدينهم لجهلهم، فيجب على كل مسلم أن يحرص على التعلم، على الازدياد من الفقه في دينه كي يستطيع أن يعبد الله عز وجل على بينة.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا جلس للأكل له جلسة خاصة معينة، وهذه الجلسة هي جلسة مستحبة ومن السنة، وقد كان ينكر عليه بعض من يراه، كما جاء في بعض الأحاديث أن أعرابياً دخل على النبي عليه الصلاة والسلام وأنكر عليه جلوسه للطعام، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه كما قال: «أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد». وجاء في بعض الروايات أنه ليس بجبار، فأن الرسول عليه السلام يخبر عن نفسه أني لست بجبار. فإذاً الجلوس للطعام الأصل فيه أن يكون بتواضع، بعبودية لله عز وجل. وأهل العلم يقولون: المسلم يستطيع أن يجلس كما يحب للأكل، لكن السنة أتت بأمور، فمنها كراهية الأكل متكئاً، قال عليه الصلاة والسلام: «لا آكل متكئاً».

الآن ما هو هذا الاتكاء؟ جاء معنا في حديث الشريد بن سويد، أو في حديث أبي بكر الثقفي رضي الله عنه وكان متكئاً فجلس، فهل هذا الاتكاء مقصود به أيضاً هنا عند الطعام أنه الميل إلى أحد الجنبين؟ من أهل العلم من قال هذا، ولكن الصحيح أن الاتكاء عند الطعام هو الجلوس باطمئنان على مقعدته أو على مؤخرته، يعني مثل ما نجلس كلنا، هذا هو الاتكاء والرسول ما كان يأكل متكئاً.

استمع غفر الله لنا ولك، قال النووي: ومعناه لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام ويقعد له متمكناً، بل أقعد مستوفزاً وآكل قليلاً، انتهى من شرح صحيح الإمام مسلم. إذاً الاتكاء له معنيان: المعنى الأول أن يكون على أحد جنبيه، المعنى الثاني أن يجلس جلسة المتوسع الإنسان الذي لا يريد أن يرتاح في جلسته.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: واختلف في صفة الاتكاء فقيل أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان، فإذاً الاتكاء هو أن تتمكن في الجلوس على أي صفة، إذا تمكنت هكذا وارتحت واطمأننت فهذا اسمه اتكاء، وقيل أن يميل على أحد شقيه، وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض. قال الإمام الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته. قال: ومعنى الحديث أني لا أقعد متكئاً على الوطاء عند الأكل، يعني ما يقعد على مؤخرته، ما يقعد على إليتيه كما يفعل المتربع، فعل من يستكثر من الطعام؛ لأن الذي يريد أن يأكل إذا وضعوا أمامك المفطح والأكل الطيب تريد أن تأكل فتتربع وتفترش وتستعد إلى التهام جميع ما أمامك، فهذا فعل من يريد الاستكثار من الطعام، ليجلس مرتاحاً وجنبه الشراب إذا أكل شرب بحيث تتوسع معدته حتى إذا فرغ من الطعام احتاج إلى من يرفعه، ربما أتوا برافعة أو أتوا بشيء بحيث إنه يستطيع أن يقوم بعد ما أكل أكل الدواب وشرب شرب الهيم، نسأل الله العافية.

يقول الإمام رحمه الله: فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، الشيء القليل الذي يبلغني حاجتي، فلذلك أقعد مستوفزاً، وهذا في فتح الباري ومعالم السنن للخطابي. قال القاري في المرقات: نقل في الشفاء عن المحققين أنهم فسروه بالتمكن للأكل والقعود في الجلوس كالمتكئ على وطاء تحته، لأن هذه الهيئة تستدعي كثرة الأكل وتقتضي الكبر، نسأل الله العافية.

إذاً الرسول عليه الصلاة والسلام كما جاء في وصف جلسته كان على ثلاثة جلسات: إما أنه يجلس الإقعاء، والإقعاء هو أن تنصب قدميك وتجلس على عقبيك، يعني تنصب القدمين هكذا ثم تجلس على عقبيه كهيئة الذي يريد أن يقوم، هذا ما يستطيع الإنسان يجلسها ولا نصف دقيقة يتعب وتخدر قدمه فيأكل ويقوم. وإما أن يعتمد على ركبتيه وظهور قدميه، فظهور القدمين تكون نائمة هكذا تشير إلى الخلف ويجلس يعتمد على ركبتيه كما في الصلاة، بعض الناس يصفها كجلسة اليابانيين مثلاً بتوفز وخشوع. والثالثة أن يجلس على قدمه اليسرى وينصب اليمنى، هذه يسمونها ركبة ونصف، يعني عند العوام يسمونها هكذا، وهي تسمح للكثير من الجلوس على السفرة، بينما المتربع يأخذ مكان اثنين أو ثلاثة، هذا الذي يجلس بهذه الطريقة يجلس على القدم اليسرى وينصب اليمنى رجله وساقه، يأكل بطريقة سريعة ولا يستطيع أن يملأ بطنه. فهذا ما جاء في صفة جلسته للأكل صلى الله عليه وآله وسلم، وكما تقدم يستطيع المسلم أن يجلس كما شاء ولكن الأفضل والمستحب أن يتبع هذه السنة. وبهذا نأتي إلى نهاية هذا الدرس الثامن، إلى أن نلقاكم في حلقة أخرى أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.