تسجيل الدخول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تقدم معنا في الدرس الماضي هديُه صلى الله عليه واله وسلم في تناول الطعام، وشيء من الآداب المتعلقة به. والشراب نوع من أنواع الطعام، ولكن له أيضا آدابا مشتركة وأشياء قد تكون مختلفة نوعا ما.

والأصل أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون أن يتناول الماء، فهو من ضرورات الحياة. فلا يجوز أن يمنع المسلم أخاه فضل الماء الذي عنده. بل إن الله عز وجل غفر لبغي سقت كلبا ماء، فشكر الله تعالى لها وغفر لها. فطلب الماء هذا من الأمور الطبيعية، ولذا دائما ما نجد في كتب الشمائل النبوية، الشمائل المحمدية، مسألة استعذاب الماء؛ بمعنى ذلك طلب العذب من الماء.

لأن من الناس من اختلفت واختلت عندهم المقاييس؛ رأوا أن التدين الحقيقي لا يكون إلا بكبح رغبات النفس، فحرموا ما أحل الله عز وجل. وطلب الماء البارد الحلو ليس من الترفه المذموم بشيء، ولا ينافي الزهد. بل ترك ذلك زهدا يعد من الغلو والتشديد غير المشروع. فالنبي صلى الله عليه واله وسلم وهو أزهد الناس وهو أعلم الناس، كان أحب الشراب إليه الحلو البارد. وقد بوب العلماء على استعذاب الماء، فقال البخاري: «باب استعذاب الماء». وروت أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا؛ يعني كان يطلب الماء العذب.

وماذا نقصد بالعذب؟ الآن نحن في رفاهية؛ تفتح الصنبور يخرج لك الماء عذبا، لكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام المياه كانت تأتي من الآبار، وليس كل بئر فيه ماء عذبة، فهنالك من الآبار ما كانت فيه ملوحة وطعمه قد لا يكون حلوا رائقا للبعض. فكان يستعذب للنبي عليه الصلاة والسلام من بيوت السقيا، وهي على مسافة يومين من المدينة، مسافة يومين، يبعث من يأتي له الماء من تلك المنطقة. قال ابن بطال: وليس في شرب الماء المالح فضيلة، كما يظن بعض المتصوفة أو الذين شددوا على أنفسهم في غير ما شرع الله عز وجل.

ومن أحكام الشرب وآدابه: الجلوس حال الشرب، وأن لا يشرب المسلم قائما إن استطاع ذلك. وهي مسألة خلافية؛ روى أنس بن مالك رضي الله عنه -والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه- أن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى أن يشرب الرجل قائما. قال قتادة -وهو من التابعين ليس من الصحابه-: فقلنا فالأكل؟ فقال: ذلك أشر أو أخبث رواه الإمام مسلم. والقائل هنا «ذلك أشر أو أخبث» ليس النبي عليه الصلاه والسلام، إنما هو من كلام قتادة أو من كلام انس رضي الله عنه وأرضاه، وليس هو بالمرفوع.

وأبو هريرة رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام: «لا يشربن أحدكم قائما، فمن نسي فليستقئ» رواه الإمام مسلم. هذه أحاديث صريحة في أن الشرب قائما ليس بجائز ولا مشروع، ولكنها عارضت أحاديث أخرى؛ منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائما من زمزم، وهذا في الصحيح. وأيضا أن عليا رضي الله عنه أتي بماء فشرب قائما، فقال: إن ناسا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رايتموني فعلت.

فإذا ابن عباس وصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه يفعل ذلك الشرب قائما، وعلي كذلك، وهو فعله ويرى أنه لا حرج فيه مطلقا. وابن عمر رضي الله عنهما يقول: لقد كنا نأكل على عهد رسول الله ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام. إذا الأكل ماشيا والشرب قائما ابن عمر يقول كنا نفعل ذلك. وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رايت الرسول عليه الصلاة والسلام يشرب قائما وقاعدا. وروى الإمام مالك في موطئه عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن الزبير أنهم كانوا يشربون قياما، وأن سعد بن أبي وقاص وعائشه رضي الله عنهما لا يريان في ذلك بَأْسا.

وقال ابن عبد البر: الأصل الإباحة حتى يرد النهي من وجه لا معارض له، فإن تعارضت الآثار سقطت، والأصل ثابت في الإباحة. وأفضل الاقوال -وهي كثيرة- ما حمله الجمهور على الرخصة والجواز، وأن النهي دال على الكراهة للتنزيه. هذه هي طريقة الطبري والخطابي وابن بطال والنووي وغيرهم. ورجح الحافظ ابن حجر ذلك رحمه الله بقوله: وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها عن الاعتراض.

قال ابن القيم: ولشرب قائما آفة؛ منها أنه لا يحصل له الري التام، الإنسان الذي يشرب قائما ما يرتوي، وينزل بسرعة إلى المعدة، فيخشى أن يبرد حرارتها ويسرع النفوذ أو ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب. ولا شك أن الخروج من الخلاف أولى، فإن استطاع الإنسان أن يجلس كان هذا في حقه الأفضل؛ لأنه قد خرج من الخلاف، وجمع بين الأمرين، فإن الرسول قد شرب قاعدا عليه الصلاة والسلام وأمر بأن لا يشرب قائما، فأفضل أن تجلس، ولكن من شرب قائما فلا حرج ولا باس عليه في ذلك، والله عز وجل أعلم.

ثانيا من آداب الشرب: أن يسمي وأن يحمد الله عز وجل كالطعام. إلا أن طريقة شربه عليه الصلاة والسلام تختلف عن الطعام؛ فالطعام الإنسان قد يأخذ وقته في تناول عدد كبير من اللقم، أما الشراب فعاده ما يكون أقل. ولذلك جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس؛ إذا أدنى الإناء إلى فيه سمي الله، فإذا أخره حمد الله، يفعل به ثلاث مرات.

فهذه صفة من صفات الشرب؛ أن يشرب على ثلاثة أنفاس، يقول بسم الله، يشرب، ثم يبعد الإناء ويقول الحمد لله، ويتنفس؛ لأنه تقدم معنا أن الرسول نهى عن النفس عليه الصلاة والسلام في شرابه، فلا يصلح أن يشرب ويتنفس في شرابه ثم يأخذ شهيق وزفير وهو يضع الإناء على فمه، هذا غير مشروع وهو منهي عنه. ثم يقول بسم الله ثانية ويشرب، ويبين الإناء عن فمه ويقول الحمد لله. ثم الثالث يقول بسم الله ويشرب، ثم يبعده ويقول الحمد لله. هذه من السنن المهجورة؛ فالناس عاده يشربون ولا يحمدون الله على هذه النعمه في الغالب.

ثالثا من سنته عليه الصلاة والسلام: أن لا يشرب من في السقاء. السقاء إما أن تكون قربة وإما أن تكون سقاء صغير؛ يعني إناء صغير يوضع فيه الماء. نهى النبي عليه الصلاة والسلام خاصة من القرب الكبيرة أن يشرب الانسان من فيها. كذلك نهى عن أن يشرب من ثلمة القدح أو من أذنه، والثلم يعني المكان المكسور. بعض الأحيان تاتيك الكاسة وفيها كسر، فلا يصلح للمسلم أن يتحرى ذلك المكان ويشرب منه خشية الأذية، خشية أن يكون فيه شيء من يعني الأمراض أو أو نحوها، فيبتعد عن ذلك.

ونهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن الشرب من في السقاء. لماذا؟ أيضا جاء من النهي أن نهى عن اختناث الأسقية. والتخنث هو الميل والتكسر، ولذلك يقال للمخنث الذي يعني يتمايل، فالتخنث هو الميل والتكسر. فنهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن اختناث الأسقية واختناقها. جاء في بعض الروايات أن يجعل عاليها سافلها؛ فتخيل الإنسان ياتي بقربة كبيرة ويجعل عاليها سافلها، الماء يخرج بتدفق، ربما انسكب على ثيابه، ربما تسبب في أن يشرق به ويؤذيه.

وفي رواية البخاري فسر الاختناق: والشرب منها، طبعا كسر في القربة ما هو شيء يكسر مثل الجرة مثلا المصنوعة من الخزف، لا، إنما كسرها بمعنى ثنيها، وهذا لمصلحة الشارب كما يقول الشراح، فإن الإنسان إذا أتى إلى قربة عظيمة وكسر فم السقاء أو القربة، لماذا يفعل ذلك؟ بحيث إذا شرب منه لم يتدفق الماء تدفقا قويا. قالوا في ذلك نهي مصلحة للشارب، لأنه إذا كسر واختنق تسبب ذلك في عدم رؤيته لما يوجد في السقاء، ولربما خرج منه ما لا يدري عنه. جاء عن الإمام احمد قال أيوب: أُنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت له منه حية، فلا يصلح أن يفعل المسلم ذلك. طيب ما المشروع؟ المشروع أن يضع إناء كاسا، ويسكب منه في ذلك الكاس. أما إن كان السقاء صغيرا -يعني مثل قارورة المياه الصغيرة- فلعله إن شاء الله من المقبول.

رابعا: عدم التنفس في الإناء، وهذا تقدم معنا، فمن الأدب أن لا يتنفس في الإناء ولا ينفخ فيه، لما روى أبو سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم نهى عن النفخ في الشراب. فقال رجل: القذاة أراها في الإناء! الرسول نهى عن النفخ، فقال رجل: يا رسول الله، الإناء الآن فيه وسخ، فيه شيء قذر، فانا أنفخ فيه كي يبتعد عشان أشرب. قال عليه الصلاة والسلام: أهرقْه. قال له: لا تنفخ فيه، خذ هات، كب منه شيئا قليلا. فقال الرجل: فاني لا أروى من نفس واحد؛ يعني أني لو شربت في نفس واحد ما استطيع أن أروى من الماء، لابد أن أشرب كثير وأتنفس. فقال: فأَبِنِ القدح إذا عن فيك، إذا كان لابد أنك تنفست وأنت تشرب، أبعد القدح عن فيك، تنفس ثم أشرب مرة أخرى.

وهذا لا شك من مكارم الأخلاق، لأنه الإنسان -خاصة إذا شرب بعده أحد، وهذا من السنة ربما يؤتى بإناء ضخم ويشرب الناس منه ويدور عليهم- فلو أن رجلا شرب وتنفس في الإناء ثم أعطاه لمن بعده، فلا شك أن هذا من باب الغش وهو محرم، لأنه لو علم أنك تنفست في الإناء لتأذى بذلك ولما بافته نفسه له، ما يدري يخرج شيء من أنفك، يخرج شيء من شاربك، شيء من القذاة. فالأصل أن المسلم يتبع السنة ليكون على نظافة.

خامسا: التنفس خارج الإناء ثلاثا. وقد تقدم معنا ذلك. وقال عليه الصلاة والسلام -كما روى الإمام كما روى سيدنا أنس رضي الله عنه وأرضاه- أن النبي كان يتنفس عليه الصلاة والسلام في الإناء ثلاثا ويقول: هو أروى وأمرأ وأبرأ. أروى يعني يصيبك بالرواء التام من الماء، وأمرأ أي أكثر فائده وتلذذا واستساغة، وأبرأ أي أبعد عن الوقوع في المرض. وفي رواية: واهنا رواها البخاري رحمه الله في صحيحه.

وهذه الطريقة -يعني التنفس ثلاثا والشرب بهذه الطريقة- يقول الحافظ: هي أقوى على الهضم وأقل أثرا في ضعف الأعضاء وبرد المعدة. طيب واحد يقول: طيب لو أنا ما أريد أن أتنفس أنا أريد أن أشرب أكرع كما يقولون كرعة واحدة، فهل هذا محرم؟ قال عمر بن عبد العزيز الإامام رحمه الله: إنما نهى عن التنفس داخل إناء، فأما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفس واحد ما دام أنت كاتم نفسك وتشرب دفعة واحدة، ما عندك أية مشكلة ولا حرج.

وقد ورد في ذلك حديث صحيح، وهو حديث أبي قتادة مرفوعا: «إذا شرب أحدكم فليشرب بنفس واحد»، وهذا معناه أنه لا يتنفس. فعلمنا أنه يجوز له أن يشرب بنفس واحد ما يتنفس في الإناء، والأكمل والأولى في حقه أن يشرب على ثلاثة دفوعات، يسمي الله ثلاثا، يحمد الله ثلاثا، ويتنفس خارج الإناء.

سادسا: يشرع له أن لا يسرف في الشرب، وتقدم هذا معنا في درس الطعام أو هديه في طعامه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «فثلث لطعامه وثلث لشرابه». إذا ما يكثر من الشرب بحيث يمتلئ الإنسان، كما يحصل عادة مع الناس قبل الصيام، يعني عند السحور تجد الإنسان تسحر وملأ بطنه، ثم يمسك ب يعني قارورة المياه ويشرب، ويتحرى الفجر ويشرب، ويتحرى الفجر ويشرب، وهو ليس في حاجة ولا يشعر بالعطش، لكن الشيطان يوسوس له أنك على هيئة الجمال، والجمال تخزن الماء والطعام، وراءك سفر، وهي كلها سويعات، فإذا ملأ بطنه من الطعام والشراب وذهب يصلي الفجر سمعت الأصوات المنكرة، فإن ذهب يركع خشيت أن يخرج ما في بطنه، فهو لا يركع الركوع الكامل. وهذا كله من الترف والشره ومن الأمور المخالفة تماما لهديه صلى الله عليه واله وسلم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من هديه عليه الصلاة والسلام حمد الله تعالى بعد الانتهاء من الشرب: أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ فإذا شكر الله عز وجل وحمد على هذه النعمة؛ تخيل لو أن الله جعل كل الماء الذي على وجه الأرض ماءً مالحاً! نحن الآن يأتينا الماء إلى أطراف أصابعنا بدون جهد منا، وقليل من عبادي الشكور. النبي عليه الصلاة والسلام تقدم معنا أن الله لا يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها، رواه الإمام مسلم في صحيحه، فالله يرضى عنك وهو الذي رزقك.

ثم إن الله من فضله ومنه بعد أن رزقنا، جعل لما رزقنا مخرجا؛ فتخيل لو أن الانسان يشرب ولا يخرج منه ما يشرب ويأذى ويمرض! كان صلى الله عليه واله وسلم إذا أكل أو شرب قال: «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا». إذا تناول الشراب نعمة في حد ذاتها، ولكن خروجه والفضلات الموجودة في الجسد نعمة أخرى تحتاج إلى تقدير وشكر. يروى أن جليسا لهارون الرشيد، ويقال إنه الشافعي، ويقال إنه غيره؛ سمع الرشيد يطلب كأسا من ماء فاحضر له، فقال له هذا الجليس: يا أمير المؤمنين لو منعت هذا الكاس من الماء أتشتري بنصف ملكك؟ أنت الآن في مفازه في صحراء وستموت من العطش، وقيل لك نعطيك هذا الكاس من الماء مقابل أن تعطينا نصف ملكك أو تشتريه. فقال هارون الرشيد: نعم. قال: فإذا انحبس في جوفك أتدفع نصف ملكك لاخراجه؟ قال: نعم. قال: فملكك إذا لا يساوي كاس ماء. وهذه حقيقة الدنيا كلها لا تساوي ذلك، ولكنها نعم الله تعالى علينا ونحن المحتاجين اليه عز وجل وإلى فضله وجوده واحسانه.

ثامناً من هديه عليه الصلاة والسلام في الشراب أن يبدأ باليمين، وهي مسألة اختلف فيها أهل العلم هل نبدأ بالأكبر أو نبدأ باليمين؟ لوجود الأحاديث التي ظاهرها التعارض ولا تعارض بإذن الله. ففي الأحاديث مثلاً أن ثلاثة أتوا يشتكوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قتيلاً لهم يتهمون اليهود به، فأراد ولي الدم -أقرب الناس إلى القتيل- أن يتكلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «كبر الكبرى» يعني الكبار هم يتكلمون. وفي بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام أتي بسواك فأراد أن يعطيه أحدهم، فقيل له: كبر كبر، يعني اعطي هذا المسواك للأكبر. ولكن جاءت روايات عن أنس رضي الله عنه والحديث في الصحيحين، أن الرسول أوتي عليه الصلاة والسلام بلبن قد شيب بماء يعني لبن ومخلوط بماء، وعن يمينه أعرابي وعن شماله أبو بكر، فشرب عليه الصلاة والسلام ثم أعطى الأعرابي وقال: «الأيمن فالأيمن»، ترك أبا بكر لأنه كان عن شماله.

وعن سهل رضي الله عنه ابن سعد قال: أتي الرسول عليه الصلاة والسلام بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام -جاء في بعض الروايات أنه ابن عباس رضي الله عنهما- وعن يساره الأشياخ أبو بكر وعمر وغيرهم، فقال للغلام بعد أن فرغ عليه الصلاة والسلام: أتاذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا. فتله رسول الله عليه وسلم في يده، يعني وضعه في يده، وهذا أيضا في الصحيحين. ومفهوم الأحاديث التعارض، ولكن لا تعارض بححمد الله، فالأصل أن يبدأ الإنسان بالأكبر، إلا أن يكون في وضعية يبدأ فيها باليمين؛ فمثلاً لو أن الناس كانوا أمامك -يعني مدرس وأمامه يجلسون الطلاب- فذاك كما يقول اهل العلم، قال النووي رحمه الله في هذه الأحاديث بيان هذه السنة الواضحة، وهو موافق لما تظاهرت عليه الدلائل من استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام، وفيه أن الأيمن في الشراب ونحوه يقدم وإن كان صغيراً أو مفضوضاً. عليه الصلاة والسلام قدم الأعرابي والغلام على أبي بكر رضي الله عنه، أما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف؛ بمعنى إذا كانوا متساوين أو كانوا يجلسون امام الكبير أو كلهم يجلسون عن يساره، فتخص في هذه الصورة من عموم تقديم الأيمن. الان نبدا بالكبير اما إذا كانوا لا بهذه الطريقه فيختلف.

تاسعاً: الساقي يشرب اخيراً، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «ساق القوم آخرهم شربا». ويعني الأحاديث الموضوعة المنتشرة عند العوام: لعن الله الشارب قبل الطالب؛ هذا ما له أي اصل، لكن الصحيح أن الذي يقوم على خدمة الناس وسقيهم ما يصلح أنه يشرب قبلهم، فهو اخر الناس شرباً.

ومن السنة كذلك تغطية الأواني، فهذه الأشياء التي تشرب منها المشروع أن تغطيها إن تركتها، قال عليه الصلاة والسلام: «غطوا الإناء وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء». وجاء في بعض الروايات: ولو أن يضع الإنسان عليه أن يعرض عليه مسواك أو سواكاً؛ لابد أن وضع ذلك كي لا يبيت هذا الأمر والإناء يدخل فيه شيء من الأذى. كذلك تغطية الإناء تمنع من دخول الهوام والحشرات ونحو ذلك.

وكذلك من هديه عليه الصلاة والسلام أنه إن لم يجد إناء يشرب فيه فانه يشرب بيده أو يكرع من الشراب كرعاً، والكرع هو أن يشرب مباشرة بفمه. قال صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار: «إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة -أو يعني في قربه- وإلا كرع، إذا ما عندك إياها في كذا نكرع منه كرعاً». فالكرع هو الشرب من النهر أو الساقية بالفم من غير إناء ولا باليد. فهذا من هديه صلى الله عليه وسلم لا حرج أن الإنسان ينزل بنفسه ويشرب بفمه، وهو من فعله عليه الصلاة والسلام.

بقي معنا مسألة أخيره، وهي من سنته لكن أفهام الناس فيها تختلف، وهي قال عليه الصلاة والسلام: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم لينزع؛ فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء» رواه البخاري في صحيحه. هذا الحديث صحيح لا مرية فيه، لكن بعض المعتزلة والعقلانيين الذين يحكمون العقل على الشرع رفضوا هذا الحديث، وقالوا هو من القذاره وهو مما تعافه النفس و و و، وهذا خلل عظيم في الاعتقاد لأن الأصل التسليم والاستسلام. ولذا لما أثبتت البحوث المخبرية من جامعات أمريكية مرموقة قبل عشر سنوات تقريبا أو أكثر أن هذا الحديث حديث مثبت علمي لا مرية فيه؛ قبل أولئك المعتزلة والعقلانيون هذا الحديث وقالوا: نعم سلمنا مادام أتى مختوما بختم الجامعة الأمريكية فهذا مقبول! سبحان الله هل يتوقف اعتقادنا وإيماننا بنص نبوي على ما تثبته المعامل والمختبرات؟

طيب هذا حديث صحيح لكن ما حكم إذا الإنسان رأى الذبابة قد سقطت في وعائه وعفته نفسه، هل نلزمه أن يغمسها ويشرب؟ لا، لأن الحديث في الأعرابي عندما نهى الرسول عن النفخ في الشراب، وقال: يا رسول الله إنى أرى القذى في شرابي فأنا انفخ فيه؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «أهرق، لا تنفخ» واسكب هذا الشراب أو هذه القذى. ولا شك أن الذبابة من باب أولى أن تهراق لو عافت الإنسان عافتها نفسه ولم تقبلها، فلا حرج ولا باس في ذلك والله أعلم ونسبه العلم إليه أسلام. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.