تسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية، ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء عطرة الشذا، طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا زاد أكاديمية، للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في بداية الفصل الثاني مع مادة جديدة نتعرف فيها على حبيبنا ونبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. كنا قد درسنا وتدارسنا سيرته بشكل مبسط في الفصل الماضي، واليوم نشرع في درس جديد لمادة علمية اعتنى العلماء بدراستها وتدريسها، ألا وهي ما يعرف باسم الشمائل النبوية.

هذا علم شريف عرفه العلماء بتعريفات عديدة، لعل من أنسبها أن هذا العلم هو علم يختص بذات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشمائله وأخلاقه وبعض ما يتصل به. أما عند قولنا: هو علم يختص بذاته صلى الله عليه وآله وسلم، فمعنى ذلك أننا نعتني بدراسة ما جاء عن صفاته الخلقية والخلقية. فأما صفاته الخلقية، فما جاء في وصفه صلى الله عليه وآله وسلم كأنك تراه رأي العين؛ لأنك إذا استحضرت هيئته وجسده وصورته وشكله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا أمر مطلوب ومرغب فيه؛ إذا حصل ذلك وكانت لك صورة في مخيلتك له صلى الله عليه وآله وسلم، أورثك ذلك حبه. فنحن نعتني بدراسة صفته بدنياً، كطوله ولونه وجسده الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، وشعره وهيئته، وطريقة مشيته وجلوسه، كل ما فيه صفة النبي عليه الصلاة والسلام؛ من وصف عينيه، ومن وصف نوعية شعره، ومن وصف طوله مقارنة بغيره، ومن وصف بياضه مقارنة بالآخرين، هذا العلم يختص بدراسة صفاته صلى الله عليه وآله وسلم الخلقية.

كذلك يختص بدراسة صفاته الخلقية، كما جاء في بعض الأحاديث: «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي». فنحن لا نهتم بالصورة فحسب؛ لأن الصورة ليست بذي بال إن قرنت مع الأخلاق، ومع التصرفات، ومع المواقف التي يتخذها الإنسان في الخطوب وفي الأمور المشكلة، إذ هذه أهم من تلك بكثير. جاء في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فإذاً الأخلاق لها مكانتها، فنحن ننظر إلى أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سواء كانت تلك الأخلاق عقدية؛ بمعنى ما كان عليه الصلاة والسلام من توكل على الله عز وجل، ومن خوف منه سبحانه وتعالى، ورجاء فيما عنده، ومحبة لا يضاهيها حب أحد لأحد صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل، من أنابة وإخبات ودعاء وارتباط غير مشروط به عز وجل.

كذلك من الأخلاق ما هو معروف عنه صلى الله عليه وآله وسلم مع زوجاته على سبيل المثال لا الحصر؛ فنعرف كيف كان يعدل بين زوجاته عليه الصلاة والسلام، كيف كان يتعامل معهن عند الغيرة، كيف كان حبه لعائشة أكثر من حبه لأي امرأة أخرى ومع ذلك كان يعدل صلى الله عليه وآله وسلم قسمه في المبيت وأحواله حال الجماع صلى الله عليه وآله وسلم. كل ذلك من أخلاقه مع زوجاته. أخلاقه مع الأطفال: كيف كان يعلمهم، يحنو عليهم، يرحمهم، يلاعبهم، يأتي إلى الصغير وهو يأكل معه فيقول له: «يا غلام، سمِّ الله، كل بيمينك، وكل مما يليك»، لا كما يفعل بعضنا من نهر وترهيب ووعيد للأطفال؛ وهذه طبيعتهم اللعب وعدم التركيز والانتباه. يأتي إلى الصغير قد مات له عصفور كان يربيه فيقول له مداعباً: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». يأتي إليه أحد أبنائه رضوان الله عليهم فيرتحله ويركب على ظهره وهو ساجد يؤم الصلاة حتى ظن الناس أنه قد مات من كثرة ما أطال في السجود، فيقول: «إن ابني هذا ارتحلني»، يشير إلى الحسن أو الحسين أولاد فاطمة رضي الله عنهم أجمعين.

فأخلاقهم مع الأطفال كيف كانت صلى الله عليه وآله وسلم! أخلاقه مع الكفار: هل كان يتعامل معهم بما نرى من سوء أدب حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم وهو أكمل الناس أخلاقاً؟ هل كان يتعامل معهم بخضوع وتبعية وذل حاشاه صلى الله عليه وسلم كما نرى البعض ممن ينتسبون للإسلام يفعلون؟ هذا العلم يرشدنا إلى أفضل الطرق والسبل لاتباع سنته وللتعامل معهم. من أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم مع الجاهل والمتعلم، فنرى أنه مع الجاهل يأمره بأمر طيب سهل هين، أما مع المتعلم الذي يعلم ولكنه خالف نراه كيف يشتد عليه في الكلام وربما يغلظ عليه شيئاً ما من أجل علمه. نرى ذلك في أخلاقه عليه الصلاة والسلام أثناء التعاملات المالية والتجارية، وكيف يرشدنا إلى السماحة في الاقتراض وفي الأداء وفي البيع وفي الشراء، هذا كله من أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه؛ فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحيي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة. فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».

إذاً، علم يختص بدراسة ذاته صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من أخلاق؛ أخلاق عقدية اعتقادية، وأخلاق تعاملية سجايا طبيعية. كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم في تعاملاته في التجارة، في البيع والشراء، في الاقتراض وفي الأداء، نتعلمه في هذا العلم الشريف. كذلك نتعلم أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته اليومية في طعامه، كيف كان يأكل وماذا كان يأكل؟ وهل كان أكله لهذا الطعام جزءاً من السنة النبوية أم من طبيعته البشرية؟ كيف كان شربه صلى الله عليه وسلم؟ ماذا كان يحب أن يشرب؟ كيفية نومه وطبيعة هذا النوم، هل كان ينام مستغرقاً في نومه ساعات طويلة كما يفعل البعض؟ هل كان يحيي ليله أم كان ينام؟ وكيفية السنن المشتملة على ذلك.

يأتي في وصف هيئته عليه الصلاة والسلام وصف ثيابه، كيف كان يلبس؟ ما هي نوعية اللباس؟ ما هو لون اللباس المحبب إليه؟ هل كان عليه الصلاة والسلام يلبس لباساً خاصاً بالعيد والجمعة واستقبال الوفود، أم أنه كان يرتدي فقط ثوباً واحداً طيلة حياته؟ الأمور المتعلقة بهذه كلها تأتي في وصف هذا العلم. وأيضاً كما تقدم فإنه علم يختص بذاته وشمائله وأخلاقه وبعض ما يتصل به، فمن الأمور التي تتصل به ذكر دوابه؛ هل كان يمتلك شيئاً من الدواب؟ وماذا كان يحب أن يركب من هذه الدواب؟ فهنالك البغلة، هنالك الفرس، هنالك ناقته القصواء، أيها كان يفضل ومتى كان يركب هذه ومتى يركب تلك عليه الصلاة والسلام؟ فهذا متعلق به. كذلك متعلق بآنيته، فقد كانت له آنية معينة، وكانت هنالك أسماء لآنيته؛ طبعاً ليست مثل آنيتنا نحن متعددة وكثيره ومتغيرة، بل كانت له آنية محددة ومعينة.

بالنسبة لوصف فراشه، كيف كان سريره عليه الصلاة والسلام؟ هل كان وثيراً؟ هل كان كبيراً؟ هل كان متصلاً أم منفصلاً؟ كل هذا يأتي في وصف هذا العلم. وكذلك في وصف بيته، هل كان بيتاً كبيراً متعدد الغرف؟ هل كان سقفه مرتفعاً أم منخفضاً بحيث إن الرجل المعتدل الطول لا يستطيع أن يقف به؟ هل كان مضاء ذا أنوار؟ هل يوجد فيه فرش؟ هل يوجد فيه متاع؟ هل يوجد فيه أثاث؟ هذا كله يأتي في وصف هذا العلم. كذلك من أهل العلم من ألحق بأخلاقه وشمائله وما يتعلق به ما كان يفعله عليه الصلاة والسلام من أمور عبادية أو تعبدية؛ فيذكرون صومه، وصلاته، وحجه، وعمره. يذكرون كل ما يتعلق بذكره صلى الله عليه وآله وسلم، وتسبيحه، ودعائه، ويجعلون هذه العبادات أيضاً داخلة في ضمن شمائله عليه الصلاه والسلام.

ولعل من أجمع الكتب التي تكلمت في هذه الأمور بالإضافة إلى شيء من سيرته كتاب "زاد المعاد في هدي خير العباد" للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله ورضي الله عنه؛ كتاب قيم نفيس، أنصح الأطفال والصبيان والشباب بقراءته؛ لأنه يؤسس لهم قاعدة إيمانية وتربوية في سيرته عليه الصلاة والسلام، كما أن فيه نقاشات علمية جميلة قوية تثري ثقافة الإنسان وتزيد في علمه وتؤسسه بإذن الله عز وجل. طبعاً من الكتب المشهورة هنالك كتب كثيرة تكلمت في شمائله، في مواهبه اللدنية في كذا، لكن من أشهرها كتاب أبي عيسى الترمذي الإمام المعروف، معروف باسم "الشمائل المحمدية". فالشمائل المحمدية، الشمائل النبوية، ما جاء في سيرته في شمائله عليه الصلاة والسلام فيها الكثير من العلم الطيب والنافع. لكن ينبغي دائماً -وهذه حال طالب العلم- إياك أن تتبع من تحب من العلماء اتباعاً أعمى، فلا يصلح أبداً أن تحب عالماً وتقول بكل ما قال به؛ لا بد أن تراجع ما قال ذلك العالم على جلالته ومكانته وحبنا له، أن تراجع ما قاله مع القرآن والسنة، وأن تتأكد أن ما استدل به من السنة هو من صحيحها لا من سقيمها. فلا عصمة لأحد من الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أقول هذا لأن الكثير من كتب الشمائل وبعض كتب السير قد وضع فيه ما ليس منه، وربما يصل الحال بالبعض إلى الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم خلافاً لما أمر به، فهو قد نهانا عن الغلو فيه. فتأتي في بعض كتب الشمائل الجميلة تقرأها، وإذا بك تمر على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نوراً، ونوره في الليل كضوء الشمس في النهار؛ يعني كيف؟ يعني النبي عليه الصلاة والسلام إذا خلد إلى النوم هو وأهله، هل معنى ذلك أنه في ظلمة الليل كان يشع؟ كلام غير صحيح ولا يمت إلى الحقيقة بصلة، بل الأحاديث تنفيه وترده؛ كحديث أمنا عائشة رضي الله عنها أنها استيقظت ذات يوم فتحسست النبي عليه الصلاة والسلام بجانبها فلم تجده، فجعلت تتحسس في الغرفة -ما يوجد مصابيح- وإذا بها تلمس قدميه منتصبتين متجاورتين وهو يدعو: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك» إلى آخر الدعاء. فهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يشع نوراً كما يقول بعض الغلاة. فإذاً لا بد من مراجعة هذه الشمائل بما يرضي الله عز وجل من كتاب الله وصحيح سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ما هي أهمية دراسة هذا العلم؟ الله عز وجل يقول في محكم التنزيل: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69]. من أهمية دراسة هذا العلم أنك تتعرف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حق المعرفة، وهذا أمر ضروري مصيري؛ ما يصلح أنك تقول أنا موحد وأنت لا تعرف صفات الله عز وجل وأسمائه الحسنى، ما يصلح أنك تقول أنا أعرف النبي عليه الصلاة والسلام وأنا أشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك ما تعرف سيرته، ما تعرف شمائله، ما تعرف وصفه صلى الله عليه وآله وسلم.

اقرأ، إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. إن الأمم القارئة هي الأمم القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغاً عظيماً، قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي 70% من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك. ولكي تكون قراءتك واعية، فابدأ بالمرحلة التأسيسية حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء. ولدفع النفور من القراءة ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرات قبل المطولات. ولدفع الملل استرح وأرح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب واستفد بما تقرأ لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من فوائد دراسة هذا العلم؛ علم الشمائل النبوية، أنك كلما درست وتعلمت وسبرت أغوار هذا العلم الجميل، ازددت حباً للنبي عليه الصلاة والسلام. ولا يؤمن أحد حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين. فإذاً هذا هو سبيل الإيمان، محبته صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من حبك للناس أجمعين.

ومن فوائد هذا العلم أنك كلما توغلت في دراسته، كلما ازددت في حبه عليه الصلاة والسلام، الذي يدعوك إلى اتباعه والتأسي به. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]. فكلما ازددت معرفة بشمائله وصفاته وأخلاقه، كلما ازددت اتباعاً له وتأسياً به وحباً له عليه الصلاة والسلام. إن واجهتك امرأتك يوماً بكلام غليظ، تذكرت كيف كان يصبر صلى الله عليه وسلم على أذية أزواجه وغيرتهن، وكيف كان يحلم عليهن صلى الله عليه وآله وسلم.

وإذا أردت أن تتقاضى ممن أقرضته، تذكرت حلمه عليه الصلاة والسلام وصبره، وما أعد الله عز وجل لمن ينظر معسراً وييسر عليه في البيع والتقاضي. وإذا أغلظ لك أحد في الكلام، تذكرت كيف رد على ذلك الأعرابي الذي جبذه من ردائه النجراني الذي أثر على عاتقه، وقال له: «يا محمد، أعطني من مال الله الذي عندك». فهذه كلها ترفع من معنوياتك، وتحسن من أخلاقك، وتزيد في حسناتك إذا أنت اتبعت النبي عليه الصلاة والسلام واتخذته قدوة لك في كل الأمور.

ولا شك أن في دراسة شمائله عليه الصلاة والسلام تثبيتاً للمؤمنين؛ لأنهم يرونه صلى الله عليه وسلم كأنهم يرونه رأي العين، ورداً لشبهات المعاندين من الكفرة أو من المنافقين، الذين ربما يضعون العوائق والعراقيل تجاه الدعوة، وربما تحدثوا عن النبي عليه الصلاه والسلام بما ليس فيه. هذه الشمائل ترد عليهم، وتجعل أولئك الكفرة يقفون بخشوع وإجلال للنبي عليه الصلاة والسلام وعظمته، وما حباه الله تعالى به من صفات. لذلك تجد في كتب النصارى المعاصرين والقدامى ما يبينون فيه إجلالهم وتقديرهم للنبي عليه الصلاة والسلام.

وستجدون في المنهج عندكم إن شاء الله بعض هذه النقول؛ لمايكل هارت في كتابه العظماء الخالدون المئة، حيث اختار النبي عليه الصلاة والسلام كأعظم العظماء على مر التاريخ، على الرغم من أنه نصراني، ولم يختر عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، إنما اختار النبي عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله. برنارد شو كذلك تحدث عن عظمة النبي عليه الصلاة والسلام في كتابه محمد، وقال: لو كان بين ظهرانينا لوجد الحل لكل مشاكل الدنيا وهو يشرب ويرتشف الشاي. لماذا؟ لأنهم كانوا منصفين، وعرفوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو خيرة خلق الله عز وجل، وهو المصطفى المجتبى الذي كمله الله تعالى الكمال البشري الذي لم يؤتَه أحد صلى الله عليه وآله وسلم.

قد يسأل سائل فيقول: نحن درسنا على مر فصل كامل دراسي السيرة النبوية، فما الفرق بين السيرة والشمائل؛ لأن الأصل أنهما الموضوع ذاته؟ نقول وبالله نستعين: الشمائل مقارنة بالسيرة علم خاص، كدراستنا لأسباب النزول كعلم منفصل عن علم التفسير. فالشمائل تجمع المفردات المتنوعة والمواقف المختلفة في الموضوع نفسه؛ فلما نأتي عند ذكر شجاعته صلى الله عليه وآله وسلم، تجد شجاعته مبثوثة في السيرة لكنها في مواطن متفرقة وعديدة، وقد يصعب على الإنسان استحضارها. العلماء أتوا في علم الشمائل بذكر كل ما جاء في شجاعته عليه الصلاة والسلام من السيرة مجموعاً في باب واحد.

إذا أردت أن تتحدث عن كرمه، ستجد كرمه في المدينة، ستجد كرمه في غزوة حنين، ستجد كرمه في فتح مكة، لكن على مراحل متباعدة. في الشمائل تجدها في باب واحد، فتجمع لك هذه الأمور مما تفرقت في السيرة. كذلك جوانب الشمائل تركز على حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بينما السيرة تتحدث في مرحلة عامة؛ تتحدث عن حياة الناس قبل البعثة وأثناء البعثة، والفترة المكية وما حصل فيها من أمور، الهجرة إلى الحبشة الأولى والثانية، الهجرة إلى المدينة، حياة المسلمين عامة، المغازي عامة، بالاضافة إلى حياته صلى الله عليه وآله وسلم. لكن علم الشمائل يختص بجوانب حياته صلى الله عليه وسلم بشكل خاص ولا يذكر الأمور الأخرى.

ثالثاً: السيرة عامة تذكر كل شيء؛ فربما استطرد كاتب السيرة شيئاً ما في حياة سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، أو تكلم عن سلمة بن الأكوع، أو تكلم عن عمر رضي الله عنه وكيف أنه أسلم في العام السادس للبعثة، وكذا هنا وهناك. تتحدث عن الصحابة، ربما تحدثت لنا السيرة عن فرعون هذه الأمة عن أبي جهل ماذا فعل، وأين ذهب، وكيف تصرف، وهذا مبثوث في كتب السيرة. لكن شمائل النبي صلى الله عليه وسلم لا تذكر إلا حياته، إلا جوانب حياته وما يتعلق بها صلى الله عليه وآله وسلم.

رابعاً وأخيراً: التركيز على خصائصه ومعجزاته بشكل عام، وذلك لإبراز عظمته، لإبراز جلاله عليه الصلاة والسلام ومكانته عند الله رب العالمين، ومكانته في قلوب المؤمنين. إذاً علم الشمائل علم متخصص بذكر جوانب حياته عليه الصلاة والسلام من جميع النواحي والزوايا؛ لزيادة محبته في القلوب، وللتعرف عليه إذا رأيته، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وهذا مهم وضروري لأولئك الذين يرون النبي عليه الصلاة والسلام في أحلامهم، فهل كل من يرونه في الحلم هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام، أم لا بد أن تكون هنالك صفة معينة؟

أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بهذا العلم الشريف، وأن يزيد من حبنا لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم حباً يقربنا منه في مجالس يوم القيامة في جنات النعيم. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وإلى أن نلتقي بكم في الدرس الثاني، أترككم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.