تسجيل الدخول

النوم قد يكون صفة نقص وقد يكون صفة كمال. فالنوم نعمة من نعم الله عز وجل على خلقه، ولكنه صفة نقص يجب نفيها عن الله عز وجل؛ إذ أنها لا تنبغي للحي القيوم سبحانه؛ لأن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]. إذاً النوم صفة نقص في حق الخالق عز وجل، ولكن في حق المخلوق هي صفة كمال؛ لأن البشر إذا لم ينم منهم أحد عُد ذلك خللاً ومرضاً ينبغي علاجه. الإنسان إذا لم ينم فهذا فيه عيب ونقص، لذا سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم كان ينام كما ينام الناس وهذا من كمال بشريته، ولكنه لم يكن يتعامل مع النوم كغاية، بل كان يتعامل على أنه أمر ضروري حتمي للبشر.

الآن إذا رأيت في أحوال الناس تجد عندهم شيئاً من الإسراف والتبذير؛ فهم ينفقون الغالي والنفيس في شراء غرف نوم تصل إلى مبالغ عجيبة وتصميمات غريبة وأمور لا يحتاجها الإنسان، سرير بآلاف الريالات، وأثاث بعشرات الآلاف من الريالات، وتصاميم وديكور في غرفة النوم. بينما إذا درسنا سيرته صلى الله عليه وسلم وشمائله، وجدنا أن فراشه كان أدماً حشوه ليف؛ والأدم هو الجلد. إذاً كان صلى الله عليه وسلم ينام على فراش على مرتبة صغيرة محشوة بالليف، وهي مصنوعة من الجلد وليست من القطن الفاخر أو من الحرير أو من الإسفنج ونحو ذلك، وكان يتغطى باللحاف. قال لنسائه عليه الصلاة والسلام ذات يوم: «ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكن غير عائشة». فكان ينام على فراش وكان يتغطى بلحاف، وكان كما جاء عنه له وسادة (مخدة) أيضاً من جلد حشوها ليف. إذاً ما كان عليه الصلاة والسلام ينفق المال كما نفعل، لابد أن الوسادة والمخدة حشوها من ريش النعام الذي صادوه بأستراليا وفيه كذا وفيه كذا، أبداً كان صلى الله عليه وسلم لا يتكلف. ولذلك جاء عنه أنه كان ينام على الفراش تارة، وربما نام على النطع تارة أخرى وهو البساط المصنوع من الجلد، وربما نام على الحصير كما جاء في حديث أنس أنه أتوه بحصير قد اسود من كثرة ما لبس، يعني من كثرة ما جلس عليه واستخدم اسودّ، فكان ربما نام على حصير ما عنده مشكلة، وربما نام على السرير، وتارة ينام على كساء أسود.

بعض الناس عنده نوع هوس أو وسوسة أو تعود، يقول: أنا ما أستطيع أنام إلا على فراشي، لماذا؟ لأن هذا الفراش فراش وثير، اعتاد على النوم عليه بحيث إنه ما يستطيع ينام على غيره، وهذه مشكلة؛ لأننا جعلنا من النوم من الأساسيات ومن الأمور التي يعتاد عليها، حتى لو ما فيك نوم، جاء وقت القيلولة لابد أنك تذهب إلى الفراش، جاء وقت معين في الليل لابد أن تذهب إلى الفراش حتى لو ما يوجد فيك نوم. ولذلك يكثر الأرق عند الناس، وربما استيقظوا من جوف الليل وتقلبوا الساعات على الفراش وما يدري أحدهم ماذا يصنع؛ لأنه لا يستطيع أن ينام وقد تعود على أنه لا يقوم من فراشه حتى وقت معين.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو ذهبت تبحث عن طريقة نومه، الغالب في نوم النبي عليه الصلاة والسلام -وهو السنة الشرعية التي يثاب عليها الإنسان ويأخذ عليها أجراً، وهو الممدوح صحياً- كان صلى الله عليه وسلم ينام على جانبه وعلى شقه الأيمن في أغلب الأحوال، وهذا ثابت في الأحاديث. طيب بعض الناس يقول: يا أخي أنا ما أستطيع إلا أنام على يميني، نقول هذه السنة وهذا المشروع، ولكن جاء في الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم ربما نام على ظهره مستلقياً على قفاه، كما جاء عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. وهذه مسألة أيضاً مهمة أن نعيها، لا حرج البتة في أن تنام في المسجد، أن تستلقي في المسجد فقد فعل ذلك سيد البشر اللهم صل وسلم عليه. الآن تجد ناس يأتونك يقولون: يا أخي لا تنام في المسجد، أو أنت قدماك في اتجاه القبلة، ويش المشكلة؟ قال: هذا ما يجوز، هذا حرام. ائتني بالدليل، الحرام هو أنه لا يجوز أن تستقبل أو تستدبر بقدميك في اتجاه القبلة، لا حرج في ذلك وهذا من التنطع، لكن الاستلقاء على القفا أو على الظهر جاء فيه حديث؛ فعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى».

طيب كيف الرسول نهى عن هذه الوضعية وعبد الله بن زيد يقول إنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك؟ العلماء جمعوا بين الحديثين بأن حديث جابر محمول على من لم يكن يأمن عن عورته الانكشاف. زمان كانوا يلبسون الإزار أو الفوطة أو الأزر، ولم يكونوا يلبسون تحتها شيئاً من السراويلات أو من الملابس الداخلية، فربما إذا استلقى أحد أحدهم على ظهره ورفع رجلاً على الأخرى أدى ذلك لانكشاف عورته، فهذا محرم، ويحمل حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آمناً من انكشاف عورته فلذلك فعل هذا الفعل، فلا حرج. إذاً تنام على جنبك اليمين هذا الأولى، تنام على ظهرك هذا أمر مباح فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

بقي معنا وضعان اثنان؛ لأنه طبعاً إما أن تنام على جنبك اليمين، وإما تنام على جنبك اليسار، وإما تنام على ظهرك، وإما أن تنام على بطنك، ما في وضعية خامسة إلا إذا تحذلق إنسان وقال أن تنام واقفاً، وهذا يصلح للأحصنة ولا يصلح لبني البشر. فسنأتي على ذكر هذين الوضعين بإذن الله عز وجل ولكن بعد الفاصل.

تحدثنا قبل الفاصل عن هيئة نومه عليه الصلاة والسلام في الغالب وأنه كان ينام على شقه الأيمن وفي ذلك أحاديث سنأتي على ذكر بعضها إن شاء الله. الهيئة الثانية أنه كان ينام على ظهره ويرفع ساقاً على الأخرى وهذا فيه نهي إذا لم يكن الإنسان يأمن على نفسه من انكشاف العورة، فأما إذا أمن ذلك، كأن يكون مرتدياً للسراويل مثلاً أو بنطال تحت الأزر أو تحت الفوطة أو ما نحو ذلك، فلا حرج فيه لفعله عليه الصلاة والسلام. الصفة الثالثة أن ينام على شماله، وبعض أهل العلم قالوا هذا لا يجوز، وكلمة لا يجوز لا تجوز؛ لأنه إن أردت أن تذكر أن هذا الفعل حرام أو لا يجوز هذا كله بنفس المعنى، لا بد من دليل، وإلا ما يصلح أن الإنسان يحرم شيئاً بلا دليل، وهذا أي النوم على الجانب الأيسر إن لم يرد فيه نص فهو من الأمور التي سكت عنها الشرع، وما سكت عنه الشرع فهو عفو وهو مباح، فلا حرج البتة في أن ينام الإنسان على شماله، وإن كان الأطباء يقولون إن هذه النومة ليست نومة صحية، ولكن هي من المباحات.

الوضعية الرابعة أن ينام الإنسان على بطنه، وهي مسألة مختلف في صحتها، وسبب الاختلاف هو هل ثبتت صحة الأحاديث التي جاءت في المنع منها أم لا؟ فأما الإمام البخاري رحمه الله ذكر إلى أنه لا يصح فيها شيء، ومن أهل العلم من صحح أحاديث المنع، ولكن الأقرب أن الأحاديث التي جاءت في المنع من النوم على البطن الأقرب أنها ليست بصحيحة، خاصة بالنسبة للحديث الذي جاء فيه أن رجلاً كان مستلقياً على بطنه نائم، ركضه النبي صلى الله عليه وسلم برجله يعني رفسة خفيفة كي يوقظه وقال: «إن هذه ضجعة أهل النار» أو «يبغضها الله ورسوله». وهذا أمر يقدح في متن الحديث لا في سنده؛ لأن الرجل نائم، والنائم مرفوع عنه القلم، فكيف يوقظه الرسول صلى الله عليه وسلم ويخبره أن هذه الضجعة ضجعة أهل النار، أن مبغوضة لله ونبيه عليه الصلاة والسلام، والرجل لا يملك اتخاذ قراره لنومه، هذا أمر لعله فيه نظر، لذا الأقرب أن أحاديث التحريم والمنع ضعيفة، ولكن خروجا من الخلاف ينبغي للمسلم أن لا يستلقي على بطنه إلا لحاجة وأن يتجنب ذلك ما استطاع، والله عز وجل أعلم.

طيب، هذه الهيئات، فلننظر إلى الأوقات؛ كيف كان نومه عليه الصلاة والسلام بالنسبة لليوم والليل؟ صلى الله عليه وسلم كان ينام أول الليل ويقوم آخره، إذاً نومه صلى الله عليه وآله وسلم كان استعداداً لقيام الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح أنه كان يكره النوم قبل العشاء ويكره الحديث بعدها. هذا الأصل أنه قبل العشاء يكره النوم؛ يعني ما بين المغرب والعشاء، لماذا؟ لأنك إذا نمت بين المغرب والعشاء، إما أنك ستفوتك فتضيع عليك الجماعة، وإما أنك ستستيقظ لأداء صلاة العشاء لكن النوم قد طار منك بعد ذلك، فلربما سهرت معظم الليل في أمور تافهة. وللأسف هذا حال الناس في هذه الأيام؛ كثير من الناس يناموا من العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء؛ كي يستطيع أن يظل بقية الليل ساهراً، وعلى ماذا؟ على لعب، وعلى مشاهدة تلفاز، وعلى غيبة، وخروج مع الرفاق، رفاق السوء، على أمور محرمة، وهذا ليس بحال المسلم. النبي عليه الصلاة والسلام كان يكره الحديث بعد العشاء، لماذا؟ لأنه كان ينام، الآن إذا أحد قلت له والله أنا نمت أمس الساعة التاسعة أو الساعة العاشرة في الليل أول ما يقال لك وينكر عليك: ويش، دجاجة أنت؟ دجاج تنام بدري؟ أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً. الأصل أن الإنسان ينام أول الليل بحيث يحيي آخر الليل بالتهجد، بصلاة الوتر، بقراءة القرآن، بقراءة الورد.

أكثر المسلمين اليوم ما عندهم ورد، تسأله: متى ختمت القرآن آخر مرة؟ قال: والله في رمضان عام 1432، يعني خمس سنوات، لكن إن شاء الله بإذن الله السنة القادمة أكمله مرة أخرى، سبحان الله! هل هذه حال أقوام يؤمنون بالله واليوم الآخر؟ ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]. لماذا؟ لأنهم أضاعوا أوقاتهم فيما لا طائل من ورائه؛ لا عبادة، لا ذكر، لا طلب علم، لا مراجعة لكتاب الله عز وجل، إنما ضياع الوقت في الحديث بعد صلاة العشاء. اذهب إلى أي وليمة لعقيقة، لفرح، متى يضعون العشاء؟ أحسنهم وأفضلهم الذي يضعه عند منتصف الليل، الساعة الثانية عشرة، ومنهم من يضعه الواحدة بعد منتصف الليل أو الثانية، هؤلاء الذين ملؤوا بطونهم من الطعام، متى يصلون الفجر؟ سبحان الله! كان يكره الحديث بعده، طبعاً إلا إذا كان فيه فائدة، أو كان فيه مداعبة للزوجة، والسهر مع الأولاد، ولذا جاء أنه ربما سهر في مصالح المسلمين، نعم بعد صلاة العشاء إذا كانت هنالك مصلحة، ربما سهر في مدارسة أحوال المسلمين فيما يحتاجونه، في أمور الغزو، في أمور العلم، هذا لا حرج فيه.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم ينام لكنه كما جاء في الحديث: «تنام عيناي ولا ينام قلبي». فكانت له خاصية صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يحتاج إذا قام من نومه أن يتوضأ؛ لأنه كان يقظ القلب، يعلم إذا خرج منه شيء أو حصل منه ناقض من نواقض الوضوء، أما من هم دونه عليه الصلاة والسلام فلا يجوز لهم ذلك، يجب عليه إذا أفاق من نومه أن يذهب فيتوضأ. وكان عليه الصلاة والسلام إذا نام لم يوقظه حتى يكون هو الذي يستيقظ، ونومه كان خفيفاً وقليلاً، لكن ما كان أصحابه يوقظونه ولا زوجاته، ولذلك كما جاء في الصحيح عندما ماتت امرأة كانت تقم المسجد، كانت تنظف المسجد، امرأة سوداء دفنوها بليل ولم يوقظوه، فلما استيقظ عليه الصلاة والسلام وأخبروه غضب وقال: «ألا آذنتموني؟» وسأل عن قبرها وذهب إليه فصلى عنده صلاة الجنازة، صلى عليها رضي الله عنها وأرضاها.

النوم لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما هو لنا؛ انقطاعاً كاملاً عن الحياة، أو هروباً من المشاكل، أو تنصلاً من المسؤوليات. النوم ما كان كذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، لنا نحن هو كذلك؛ إذا أردنا الهروب من الدنيا من المشاكل، إذا أردنا الخروج من المسؤوليات الملقاة على عواتقنا ذهبنا إلى النوم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام.

لم يكن كذلك؛ لأن الله خاطبه بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]. ولذلك كان يتعامل مع النوم كما يتعامل مع سائر العبادات تحقيقاً لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قبل الفاصل ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعامل مع النوم كما يتعامل مع سائر العبادات، وهذا للذي لا يعرف الشمائل المحمدية ولا يعرف السنة النبوية أو سيرته صلى الله عليه وسلم قد يستغرب من ذلك؛ فالناس أغلبهم إذا جاء وقت النوم ارتمى على فراشه ونام. والله عز وجل كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام يبغض كل جعظري جواظ جيفة بالليل. هذه الجيفة التي تستلقي على الفراش فلا تعرف ذكراً ولا تعرف سنة متبعة، ولا تقوم ربما إلا لصلاة الفجر، وهذا أفضلهم وأحسنهم، وربما نامت عن صلاة الفجر إلى وقت الدوام الرسمي للعمل أو للجامعة أو للمدرسة؛ هذه جيفة للأسف الشديد.

جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه فمر رجل، فقالوا: يا رسول الله، هذا ما صلى حتى أصبح، وهذا الحديث ذكره البخاري في كتاب التهجد؛ يعني هذا محمول على معنيين، إما أنه ما أوتر ما صلى قيام الليل حتى صار الصبح، وإما معناها أنه ما صلى الصبح. فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه». أعوذ بالله! الذي لا يصلي الوتر، أو على المعنى الآخر الذي لا يصلي صلاة الصبح، هذا قد اتخذ إبليس من أذنه مرحاضاً عاماً يبول فيه، والبول هو.. فكيف إن كان من أنجس المخلوقات وهو إبليس؟ هذه مشكلة ومصيبة، كم من المسلمين اليوم لا يصلي الفجر، فضلاً عن أولئك الذين لا يصلون الوتر ولا يقومون الليل، جيفة بالليل، نسأل الله العافية.

طيب، ما هذه العبادات التي كان يقوم بها عليه الصلاة والسلام؟ الرسول كان يتوضأ قبل أن يأوي للفراش ويأمر أصحابه بذلك، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة». أحدهم يقول: يا رسول الله، النوم يطير! هذا كلام فارغ، هذه سنة طيبة أن تتوضأ قبل أن تأوي إلى فراشك، لما فيها من نومك على طهارة، ولا تدري كم يأتيك من الملائكة يدعون لك ويستغفرون لك، ويحفظك الله بحفظه. يقول: «ثم اضطجع على شقك الأيمن». وهذه الهيئة المحبوبة المسنونة في النوم أن تنام على شقك الأيمن، ثم قل، استمع إلى هذا الدعاء الجميل: «اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك. اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». يقول عليه الصلاة والسلام، واستمع إلى الفائدة: «فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به». إذا ربما وأنت مضطجع على الفراش سألتك زوجتك سؤالاً فأجبتها، ارجع فردد هذا الدعاء مرة أخرى واجعله آخر ما تتكلم به؛ لأنك إن مت مت على التوحيد ودخلت الجنة.

من منا يا ترى إذا ذهب إلى فراشه تعامل مع النوم بمثل هذا الرقي والكمال، بمثل هذا الذل والعبودية لله عز وجل؟ وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم باسمك أحيا وأموت». إظهار لملك الله عز وجل وقدرته على هذا العبد الضعيف الذي هو في أمس الحاجة إلى أن يحفظه الله تعالى. من السنن والعبادات عندما تأوي إلى فراشك ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخله إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه». كيف يعني؟ يعني إذا جئت للفراش بملابسك أو بفوطتك أو بإزارك أو بأي شيء في يدك، انفض الفراش؛ لأنك ما تدري ما جاء عليه بعد ما قمت منه، ما جاء عليه من مثل ماذا؟ قد يكون المقصود بذلك الشياطين، قد يكون مقصوداً بذلك الهوام والدواب مثل البق هذا الموجود في الفراش، فأنت إذا فعلت ذلك أمنت من عدم أذيته لك. يقول عليه الصلاة والسلام: «ثم يقول» يعني بعد أن تنفض الفراش: «باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».

انظر إلى النفسية التي عند هذا الذي يتوجه إلى النوم، الآن هو مقتنع ومؤمن إيماناً يقينياً أن هنالك احتمالاً أن الله يمسك التي قضى عليها الموت، الله هو يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها، فمن الاحتمال أنت، وهذا النوم اسمه الوفاة الصغرى، احتمال أنك أنت تنام ولا تصحى، وأنا أعرف شخصياً من قرابة من نام ولم يستيقظ، نسأل الله له الرحمة والمغفرة والتوبة. يذهب الإنسان إلى نومه ولا يستيقظ، فأنت عندما تذهب إلى فراشك وتدعو بمثل هذه الأدعية، إذا أرسل الله روحك واستيقظت، كيف سيكون أداؤك في العمل وفي الحياة ومع الناس؟ لا شك أنه سيكون عملاً على خير؛ لأنك لا توقن هل ستعيش لليوم الذي بعده أو لا، فأنت تعمل كأنك تموت غداً.

طيب، من السنن الواردة والثابتة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل نومه يجمع كفيه ثم ينفث فيهما، يعني تجمع كفيك هكذا، ثم أول شيء تنفث في كفيك، ثم يقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. يمسح بعد ذلك بهما ما استطاع من جسده، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده، ثم يجمع يديه ثانية وينفث ويقرأ المعوذات مع سورة الإخلاص ويفعل ذلك ثلاث مرات. هذا قبل النوم، هذا ما يعرف باسم التحصين والذكر الذي يعصمك بإذن الله من العين والحسد والجن والسحر وكل الأمور التي تخشاها.

وكان يأمر أصحابه بأذكار النوم، ففاطمة وعلي رضي الله عنهما قال: «إذا ختمما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبحا 33، واحمدا 33، وكبرا 34، فهو خير لكم من خادم». شيخ الإسلام يقول: من حافظ على هذا الذكر أتاه الله قوة في النهار تقوم مقام الخادم، وهذا ذكر أي مسلم يقوله قبل نومه. واستمع، كان صلى الله عليه وسلم يقرأ قبل النوم سورة تبارك وهو على الفراش، وسورة السجدة، وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وربما قرأ سورة الزمر وسورة بني إسرائيل سورة الإسراء. تخيل هذا فعله عليه الصلاة والسلام وهو على فراشه يذكر الله عز وجل ويقرأ هذه السور.

وكان ينام على شقه الأيمن، يضع يده تحت خده الأيمن ويقول: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك». وكان يقول إذا أوى إلى فراشه كما ذكر ذلك الإمام مسلم في صحيحه: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي». وكان يقول أيضاً أذكاراً كثيرة خلاصتها ربط العبد بربه، فإن حافظت عليها ضمنت بإذن الله أنك محمي، أنك محافظ عليك في نومك وفي يقظتك، فلا تخاف عيناً ولا حسداً ولا سحراً؛ لأن الله تعالى يحفظك.

يقول عمر مخبراً عما رآه وأن النوم ليس بغاية يطلبها الإنسان بل هي حاجة لا بد له منها: رأيت أثر الحصير في جنب النبي عليه الصلاة والسلام فبكيت، فقال: «ما يبكيك؟» فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه يعني في قصورهم وفي رفاهيتهم، وأنت رسول الله يعني أنت تنام على حصير يؤثر في جنبك؟ فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟». فإذاً عباد الله ينبغي علينا أن نتعامل مع النوم كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل معه، بمثل هذا الذل والعبودية الخالصة لله عز وجل، هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.