الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تحدثنا وتقدم الكلام به في الدرس الماضي، كان كثيف الشعر صلى الله عليه وآله وسلم، ونقصد بذلك شعر الرأس وشعر اللحية، فجاء في وصفه عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا شعر شديد السواد كثير الشعر، رجلاً. ما المقصود بالرجل؟ مقصود أنه شعره يبدو كأنه متشط؛ فترجل الشعر أي تمشيطه، فكان صلى الله عليه وسلم دائماً يبدو وكأن شعره متشط. وهذا الشعر لم يكن مسترسلاً كشعر الروم، ولا جعداً كشعر الزنوج، وإنما بدا كهيئة المنتش، وقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه في وصفه للنبي عليه الصلاة والسلام أنه كان رجل الشعر، ليس بالسبط ولا الجعد القطط، فكان شعره متوسطاً. وهذا ما جاء في وصفه على الدوام صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خير خلق الله، فكان الوسط في كل شيء، وهذا هو الاعتدال.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا مشط شعره ابتدا بالجانب الأيمن، ثم يفرق رأسه ويمشط الشق الأيمن ثم الشق الأيسر. عائشة أمنا رضي الله عنها تقول: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب التيمن في طهوره؛ أي أثناء الوضوء يحب أن يبتدئ باليمين. وفي هذا إشارة للمسألة الفقهية، ألا وهي: هل يلزم ويجب الابتداء في الوضوء باليمين أم يجوز الابتداء بالشمال؟ فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز الابتداء بالشمال كما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: لا أبالي بأيهما ابتدأت بالشمال أم باليمين. إذا أركان الوضوء التي منها الترتيب والموالاة، الترتيب المقصود به الترتيب في الأركان؛ غسل الوجه وغسل اليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل القدمين، هذه أركان أربعة ترتب بالترتيب هذا، لكن في نفس الركن لو ابتدأت بالشمال خالفت السنة ولكن الوضوء صحيح.
فكان عليه الصلاة والسلام يحب التيمن في كل شيء في طهوره؛ يعني يبدأ باليمين في الوضوء، وفي ترجله؛ إذا ترجل يعني كان يحب أن يبدأ بالجانب الأيمن إذا مشط شعره، وفي انتعاله؛ إذا انتعل يعني حتى عند لبسه للحذاء، كان إذا لبس نعله فإنه يبدأ باليمين، وإذا خلع نعله كان يبدأ بالشمال، فيكون أولها دخولاً وآخرها خروجاً هي اليمين. وهذه سنته صلى الله عليه وآله وسلم، جعلنا الله وإياكم من أصحاب اليمين.
وقالت أمنا عائشة أيضاً في صفتها لترجل عليه الصلاة والسلام، وهذا أمر كانت العرب تفعله منذ قديم الزمان، مسألة الترجيل؛ يعني إذا لم تمتشط أنت ولم تمشط نفسك فإنك تجعل غيرك يفعل ذلك، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت أمنا عائشة ترجله، تمشط شعره. جاء عنها رضي الله عنها وأرضاها قالت: كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول الله عليه الصلاة والسلام صدعت الفرق من يافوخه، ثم أرسلت ناصيته بين عينيه، وسيأتي معنا إن شاء الله بشيء من التوسع الفرق بين السدل والفرق في تسريح الشعر. وجاء أيضاً في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج رأسه من معتكفه كي تغسله وترجله له أمنا عائشة، وهذا أيضاً فيه دليل على جواز فعل ذلك، وأن الغير يقومون بهذا.
وطبعاً شتان ما بين فعل النبي عليه الصلاة والسلام من ابتغاء النظافة وحسن المنظر لشعره، وبين ما يفعله المترفون من ذهابهم إلى مصففي الشعر ودفعهم المبالغ الطائلة للحصول على تصفيفة شعر معينة، وعلى اعتناء بالشعر؛ ربما يدخل الإنسان في منطقة المحظور؛ أن تدفع مبلغاً لهذا المصفف لكي يغسل شعرك ويضع عليه البلسم ثم السشوار ثم يجففه ويضع عليه الكريمات والجل والمصائب، ثم يبدو في آخر المطاف كالجني، هذا أمر يخرج عن الرجولة إلى أمر غير محمود. فعل النبي عليه الصلاة والسلام كان معروفاً محدوداً، وهو أن لا يظهر الإنسان بمظهر الشيطان ثائر الشعر كأنه لم ينعم الله عز وجل عليه بشيء. وهذا الشعر كانت العرب منذ قديم الزمان تعتني به وتكرمه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من كان له شعر فليكرمه».
ومما ورد في سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وكان أبوه أميراً على المدينة وكان صبياً، فتأخر ذات يوم عن صلاة الجمعة، فسأله أبوه: ما الذي أخرك؟ قال: كانت الجارية تصفف أو ترجل شعري، إذاً الجارية كانت مشغولة بترجيل شعره قبل ذهابه إلى صلاة الجمعة، فقال: ترجل شعرك من أجل ذلك تأخرت؟ فأمر بحلق رأسه، أمر بحلق رأسه بالموسى لأنها أخرته عن صلاة الجمعة. وسبحان الله، انظر إلى ما انتهى إليه أمر هذا الصبي الذي حلق رأسه أبوه من أجل أن يربيه، ثم انظر إلى أطفالنا، انظر إلى أولادنا، انظر إلى من نربيهم في بيوتنا؛ فلا شك أن الاهتمام بالشعر وإكرامه من الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من كان له شعر فليكرمه»، ولكن هذا الإكرام لا بد أن يكون مضبوطاً بأوامر الشرع وباتباع السنة النبوية.
الآن قد تبدو هنالك إشكالية، ولا إشكالية بفضل الله عز وجل؛ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له شعر فليكرمه»، وثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجل شعره وأمنا عائشة تفعل ذلك له، الإشكالية في أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الترجل إلا غبا، غبا يعني قليلاً أو نادراً، كما جاء في بعض الأحاديث، وحث بعض أهل العلم: زر غبا تزدد حباً؛ يعني قلل من زيارتك الناس يحبوك أكثر من الزيارة، فالناس يملوك، فنهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن الترجل إلا غبا، فكيف الجامع؟
العلماء لهم كلام طويل في هذا الموضوع، ولكن خلاصة القول هي أن المطلوب شرعاً أن يقوم المسلم باتخاذ الزينة المناسبة، ولكن بدون ترف أو تنعم زائد عن الحد؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى أحد الصحابة ثائر الرأس وقذر الثياب، قال: «أليس لهذا ما يحسن به هندامه؟»، وفي رواية أنه سأله: «هل لك من المال شيء؟»، فقال: نعم، من كل المال لي يا رسول الله، قال: «إن الله يحب إذا أنعم على عبده أن يرى أثر نعمته عليه»، فذهب ذاك الصحابي وغسل شعره وسكنه ورجله ثم أتى، فسر الرسول عليه الصلاة والسلام لذلك؛ مما يعني أن المسلم مطالب بأن يظهر بالمظهر الحسن، لأن المسلم هو عنوان لدينه، عنوان لبيته وأهله وأسرته وقبيلته، فأنت ما تفعله ينعكس إيجاباً أو سلباً على من تنتمي إليه.
ولذلك المسلم منا إن كان في بلاد الخارج فإنه يحاول قدر الإمكان أن يعطي الصورة الإيجابية لهذا الدين؛ ألم تر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال فيه ما قال ذو الخويصرة اليماني زعيم الخوارج، وأيضاً عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين، قالا كلمة الكفر التي يستحل بها دمها، استأذن الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام في قتلهما، قال: «لا، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»؛ إذاً الرسول عليه الصلاة والسلام ترك أمراً مشروعاً لأن الضرر من هذا الأمر أكبر من المنفعة. وعليه، فالمسلم ينبغي عليه دائماً أن يحرص على إعطاء الصورة الناصعة الجميلة عن نفسه بحيث تنعكس هذه الصورة الجميلة على دينه، فالناس عندما يرونه يقولون هذا مسلم، أما لو كان الأمر بالعكس لقالوا هذا هو الإسلام؛ إذا ظهر المسلم بمنظر مزري منظر غير نظيف، فإن ذلك قد يجلب المذمة لدينه، ولذا ديننا دين نظافة، وليس كما يقول البعض "النظافة من الإيمان"، هذا ليس بحديث، ولذلك نحن نغتسل استحباباً على الراجح ووجوباً على قول أهل العلم للجمعة؛ لكي لا يتأذى الناس من روائحنا ولا يتأذى الناس من أشكالنا ونحو ذلك.
فكيف الجمع بين الترجل وعدم فعل ذلك إلا غبا؟ قال أهل العلم ومنهم ابن القيم رحمه الله: إن ذلك محمول على ما لا يوقع الإنسان في الترف؛ لأن الترف مذموم في القرآن: ﴿ذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 44]، أولوا النعمة هؤلاء الذين عندهم النعمة وعندهم المال في الغالب أنهم يكذبون، كما جاء في سورة الواقعة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: 45]، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]، فهذا المال يؤدي بالانسان في كثير من الأحوال إلى الطغيان، وهذا الترف يؤدي بالانسان في كثير من الأحيان إلى الركون إلى الدنيا والخلود إليها، ولذا النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غبا، لا كما يفعله الكثيرون من أنهم يترجلون يمشطون شعورهم كل خمس دقائق؛ أعرف من الناس من يحمل معه فرشاة ومشطاً ومرآة وهو من الذكور ليس من الإناث، كل ما وقف على إشارة نظر في المرآة وأخذ يكد هذا الشعر، كل ما جلس في مكان ينظر في نفسه في المرآة ويمشط شعره ويعتني بنفسه، هذا من الأمور المنكرة، هذا الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وينبغي للمسلم ألا يفعله.
نأتي إلى مسألة النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يرجل شعره، في روايات تذكر لنا أنه كان يسدل الشعر، وفي روايات تذكر أنه كان يفرق الشعر، فما الفرق بين ذلك؟ قال أهل العلم: سدل الشعر هو أن يجمل الناصية على مقدم الرأس كما تسدل ناصية الخيول؛ الخيل شعرها ينزل على فوق عينيها هذا اسمه سدل. الفرق هو أن يأتي بالشعر ويفرقه، كما جاء عن أمنا عائشة أنها تفرق الشعر من يافوخه عليه الصلاة والسلام. طيب الرسول في البداية كان يسدل، ثم بعد ذلك انتهى المطاف به إلى الفرق؛ لماذا؟ ديننا مبني على المحبة والبغض، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله»، فالمسلم يحب ويبغض، وقد نحب الشخص ونبغض في الوقت ذاته، قد يكون إنسان مؤمن لكن فيه من الذنوب والمعاصي فنحن نحبه لإيمانه ونبغضه لعصيانه، وبالمقابل قد يكون هناك إنسان كافر، فهذا كراهيتنا وبغضنا لا لذاته بل لكفره وعصيانه وذنوبه، إلا أن هذا لا يمنعنا أن نحب فيه شيئاً من الأمور الطيبة التي حباه الله تعالى بها مع كراهيتنا الدائمة لكفره لا لشخصه. ولذلك الله عز وجل مدح أهل الكتاب من أن منهم من يؤدون الأمانة: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75]، فالله عز وجل مدحه.
طيب ما دخل هذا بالفرق والسدل؟ أخبركم، الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان في مكة كان بين مشركين وكان يحب موافقة أهل الكتاب إلا فيما أمر بمخالفتهم فيه؛ أهل مكة كانوا يفرقون، فكان صلى الله عليه وسلم في مكة عندما كان بين ظهرانيهم يسدل، فلما هاجر إلى المدينة وكان من الفتوحات والحروب ما كان، وأسلم كثير من المشركين، أهل الكتاب من يهود ونصارى كانوا يسدلون، فخالفهم الرسول عليه الصلاة والسلام كما جاء في الحديث أن جبريل أمره أن يفرق ففرق، فخالفهم الرسول عليه الصلاة والسلام وانتهى به المطاف وانتهى به الأمر إلى أنه يفرق رأسه مخالفة لأهل الكتاب، والصحيح كما يقول الإمام النووي رحمه الله: إن المختار هو جواز السدل والفرق، وأن الفرق أفضل.
المسلم لا يحل له البيع على البيع؛ بأن باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم، قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على بيع أخيه حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
أما الفرق أو السدل في الشعر، فسيان، لكن الفرق أفضل؛ لأن هذا هو آخر ما انتهى إليه أمره صلى الله عليه وآله وسلم، كما هو الحال في الشق واللحد عند دفن الميت؛ لا شك أن اللحد هو أفضل، وهو ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الطريق الذي دفن به، ولكن الشق أيضاً جائز ولا حرج فيه بإذن الله عز وجل.
مسألة فرق الشعر هذه في أزمنة متقدمة كان لها وزنها؛ لماذا؟ لأنه كان يؤمر أهل الكتاب الذين هم من أهل الذمة، يقيمون في بلاد المسلمين ويدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون، كانوا يؤمرون بالسدل كي لا يختلط الحال على الرائي والناظر إليهم، فيعرف الناظر أن هذا مسلم لأنه يفرق شعره، وهذا نصراني لأنه يسدل. أما في هذه الأزمنة المتأخرة التي -للأسف- أصبح ربما بعض المسلمين هو الذي يدفع الجزية، أصبحت لا ترى هذا الفرق. ومما يؤسف له أنك ترى التشبه من المسلمين بالكافرين، ويرون أن هذا مظهر من مظاهر العزة والتمكين، نسأل الله لنا ولكم العافية.
قد يسأل سائل: النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرفنا أنه كان شعره كثيراً، وأنه كان يطيل شعره إلى شحمة أذنيه أو إلى عاتقه من الخلف، وربما اتخذ أربع غدائر؛ ضفيرتين عن اليمين تخرج من بينهما أذنه كأنها اللؤلؤ، واثنتان عن الشمال. لكن هل ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحلق رأسه؟ وهل الحلق أمر محبذ إليه أم لا؟
الحلق له أماكن شرعية يفعلها الإنسان عند التحلل من عمرته أو من حجه، أو عند الإحصار، أو للمولود إذا ولد سواء كان ذكراً -وهو الذي عليه الجمهور- أو أنثى وهو الصحيح المختار. الحلق مشروع عند إسلام الإنسان عند بعض أهل العلم إذا دخل في هذا الدين، وغير ذلك. لكن هل يشرع فعله تعبداً؟ يعني كل أسبوعين واحد يحلق؟ قد جاء في صفة الخوارج أن من سيماهم التحليق؛ لأن هذا يظهر الإنسان كأنه يتعبد الله عز وجل وأنه مطوع وواصل. فمن أهل العلم من كرهه، وإن كان بنية التعبد والقربة إلى الله عز وجل فلا شك أنه إلى التحريم أقرب؛ لأنه يصبح من البدع أنك تحلق شعرك كل ثلاثة أسابيع من باب التقرب إلى الله عز وجل بدون أي دافع أو سبب، لا شك أن هذا لا يصلح.
الرسول -اللهم صل وسلم عليه- لم يرد عنه أنه حلق شعره في السيرة إلا في ثلاثة مواضع: في صلح الحديبية؛ وذلك لأنه أحصر، ونحن نعلم أن المحصر إذا أحصر عن إتمام نسكه فإنه يحلق شعره وينحر هديه. كذلك العام الذي يليه في عمرة القضاء، أو ما يعرف باسم عمرة القضية التي تقاضى النبي عليه الصلاة والسلام مع المشركين عليها، فبعد إتمامه للنسك حلق رأسه. وكذلك في عمرته التي أخذها من الجعرانة، وهذه كانت في السنة الثامنة كما قيل. ثم عام حجة الوداع. فإذاً هذه هي المناطق أو الأماكن التي حلق فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الحلق كان من أجل العبادة والنسك.
الآن نأتي إلى مسألة وهي أن من الناس من قد يحلق لا لعبادة، فهل هذا جائز؟ الجواب: إن كان لعلاج فلا حرج، إن كان للتخفف خاصة في الحر لا حرج. لكن الحرج هو ما قد يفعله البعض وهو ما يعرف باسم القزع، فقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القزع، والقزع محرم؛ لأن النهي يقتضي التحريم ما لم يأت صارف من السنة من الشرع يخفض التحريم إلى الكراهية، ولا صارف هنالك.
ما هو القزع؟ القزع هو حلق بعض الرأس وترك بعضه، وهذا موجود الآن بكثرة وبأشكال مقززة، خاصة عند أولئك الذين يلعبون الكرة أو الرياضيين. وهذا خلل عظيم أن تجد إنساناً من المفترض أن يتمتع بالروح الرياضية وأن يكون قدوة للشباب، تجده مثل الطاسة فوق رأسه ويحلق الجوانب من الخلف، ماذا ولماذا تفعل ذلك بنفسك يا أخي الحبيب؟ ما الذي ألجأك إلى ذلك؟ لا شيء إلا التقليد الأعمى، ينظر إلى المباريات، مباريات الكفار، يرى اللاعبين يفعلون هذه التسريحة ويفعلون ما هو أشنع منها، لكن ما يستطيع أن يفعل ما هو أشنع فيأتي بالذي هو أدنى، نسأل الله العافية، وهذا من ضعف الإيمان ومن قلة اليقين، ومن نزول العزة بهذا الدين عند ذلك الإنسان؛ وإلا النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «ومن تشبه بقوم فهو منهم».
القزع: إما أن تحلق أطراف أو جوانب الرأس وتبقي الأعلى، أو تحلق الأعلى وتبقي الجوانب، أو تحلق القفا بالكلية، ومنهم من يجعل الحلاقة كثيرة في أجزاء ومن الأعلى كعرف الديك. هذه "الموهوك" قبيلة في الهند وفي أمريكا وكذا، كانوا يفعلونها كالمقاتل، وأشكال عجيبة. الآن هنالك تزيين وزخرفة وديكور للشعر، فيأتي الحلاق ويخط تزيين وزخارف وأشياء وأموراً معينة على شعره، ولا شك أن المؤمن ما يفعل هذا الأمر. يا أخي، أنت أما تستحي تدخل بيت الله عز وجل وتصلي بهذا الشكل؟ أغلب من يفعل ذلك لا يدخلون المساجد، لذلك هنالك ما يسمى بقصة "عاصفة الصحراء" أو القصة التي يفعلها المارينز مثلاً أو الجنود، هذه محرمة، ما تجوز للمسلم أن يفعلها، وقد نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام، ويكفيك بذلك أنها لا تفعل من قبل العلماء ولا الدعاة ولا الأئمة ولا القضاة ولا المصلحين، ما يبقى إلا سفهاء الناس هم من يفعلونها.
مسألة أخرى وهي: هل صبغ النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل خضب النبي صلى الله عليه وسلم شعره؟ الخضاب أمر مشروع. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أحسن ما غير به الشيب الحناء والكتم»؛ أنواع من النباتات تجعل ويصبغ بها شعر الإنسان ولحيته، فهذا أمر مباح. ومنهم من قال هو أمر مسنون؛ وذلك إن تغيرت هيئة الإنسان وأصبح شيباً بالكلية، بعضهم قال يستحب له ذلك؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي بكر عندما جاءه بأبي قحافة رضي الله عنه وأرضاه وقد تغير شعره كأنه ثغامة أبيض كله، فقال: «غيروا هذا الشيب وجنبوا السواد».
إذاً، العلماء قالوا: لا يجوز أن يغير الشيب بالسواد، ويجوز أن يغير بما دون ذلك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة»، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. إذاً، المسألة خطيرة، تجنب السواد واستخدم الكتم، استخدم الحنة، استخدم الورس، الزعفران، أي شيء يضفي لوناً أو يخفف من السواد حتى يجعله كالبني مثلاً أو كالأصفر أو الأحمر، فهذا لا حرج فيه. والرسول عليه الصلاة والسلام قد اختضب ولكن في شعره، أما ما يفعله البعض من خضاب اليد والأقدام للرجال فهذه زينة النساء، ما تجوز إلا إن كان من علاج. لكن الخضاب لا يكون للرجل إلا في لحيته وفي رأسه، والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
هذا إن شاء الله يأتي بنا إلى نهاية درس اليوم، حتى نلقاكم في درس آخر، استودعكم الله عز وجل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم