بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في درس اليوم سوف نتدارس شيئاً مما كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يحبه ويتناوله كطعام. فالرسول صلى الله عليه واله وسلم من بني آدم، يمشي في الأسواق، ويأكل الطعام، وينكح النساء، ولا شك أن غذاءه صلى الله عليه وسلم وطعامه هو أكمل الغذاء والطعام؛ لأنه لا يختار إلا الأفضل.
كثيراً ما يسأل الناس عن عدد وجبات النبي صلى الله عليه واله وسلم في اليوم والليلة، فنسمع الأطباء يذكرون أن الإفطار والغداء والعشاء وجبات مهمة. والمتتبع لسنة النبي صلى الله عليه واله وسلم يجد أنه لم يكن يأكل عليه الصلاة والسلام أكثر من وجبتين. ولذلك قالت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «ما أكل آل محمد صلى الله عليه واله وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر». هذا الأصل أنه كان يفطر ويتعشى عليه الصلاة والسلام، في الغالب أنها وجبتان.
حديث أمنا عائشة رضي الله عنها أن في هاتين الوجبتين لابد أن يكون في إحداهما تمر، يدلنا على أهمية تناول التمر، وقد كان كثيراً ما يتناول التمر صلى الله عليه واله وسلم ويحبه، ولذلك يقول: «يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله». وفي رواية: «جاع أهله». وهذا الحديث رواه الإمام مسلم. والنبي صلى الله عليه واله وسلم كما هو معروف لديكم جميعاً، أمر بالاستصباح بتمر العجوة وحث على ذلك، فقال: «من تصبح سبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر».
أهل المدينة أغلب طعامهم كان من التمر، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها لابن أختها عروة بن الزبير بن العوام رحمه الله ورضي الله عنه وأبيه: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم إلى الهلال، ثم إلى الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نار. فقال عروة: يا خالة، ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان؛ التمر والماء. وأخبر أنس رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا صام أفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، وكان يقول: «نعم سحور المؤمن التمر».
هذه الأحاديث كلها تدلك على فضل التمر، ولا شك أن التمر غني بالكربوهيدرات، غني بالسكريات، غني بالمواد النشوية، فيه نسبة من الماء وبعض الزيوت والدهون، وغني بالألياف والفيتامينات، فالتمر غذاء كامل إن أضيف إليه اللبن أو ما نعرفه الآن باسم الحليب. أما اللبن فكان أيضاً أكثر طعامه صلى الله عليه واله وسلم وهو من الفطرة، وعندما خير صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج بين الخمر واللبن، فأخذ اللبن وشرب منه، فقيل له: أصبت الفطرة أنت وأمتك صلى الله عليه واله وسلم، والحديث متفق على صحته، وغني عن الذكر ما في الحليب أو ما في اللبن من فوائد صحية جمة.
من طعامه صلى الله عليه واله وسلم خبز الشعير، فقد كان صلى الله عليه واله وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً هو وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. ونحن الآن نترفع عن هذا الشعير، ومنا من يظن أن هذا الشعير لا يصلح إلا للدواب، لا يدري ما فيه من فوائد صحية جمة، بل وفوائد نفسية، فقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام الشعير للذي أصيب بمصيبة، والذي دخل عليه الحزن، أما لفقدان حبيب أو قريب أو شيء من هذا القبيل. ولذلك جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال الرسول صلى الله عليه واله وسلم: «التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن». مجمة يعني تروح عن قلب المريض المكلوم الذي أصيب في حبيب أو في قريب بوفاة أو بشيء من نحوها.
التلبينة عبارة عن ملعقتين من مطحون الشعير، وعادة يكون لونه أبيض، يوضع عليها شيء من الماء، كوب من الماء، وتطهى على نار هادئة لمدة خمس دقائق، وبعد ذلك يضاف إليها أما لبن وأما ملعقة من عسل ويتم تناولها، وتسمى تلبينة لأنها تشبه اللبن في لونها وفي هيئتها. والعلماء يقولون أن الشعير له فوائد في تخفيض الكوليسترول، وأن له مركبات خاصة تؤثر مباشرة على الدقائق والخيوط العصبية التي تربط الخلايا العصبية بعضها ببعض، وتسبب علاج لكثير من الأمراض النفسية والتوتر التي نعايشها في حياتنا في هذه الأيام.
كذلك مما كان يحبه الرسول عليه الصلاه والسلام ويتناوله العسل، فقد كان يحب الحلوى والعسل، وكان ربما خلط له العسل بشيء من الماء فيشرب منه، وهو من الأدوية النافعة ومن الأدوية النبوية ومن الأدوية القرآنية، فقد جاء الأمر بالاستشفاء به في القرآن، وقد قال صلى الله عليه واله وسلم: «الشفاء في ثلاث»، وذكر منها: «شربة عسل». فلا شك أن فيه من الخير ومن الفائدة ما الله عز وجل به عليم، وكفى به فضلاً أنه قد ذكر في كتاب الله وأنه فيه شفاء.
النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يحب اللحم، فلم يكن بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام نباتياً كما هي الموضة الآن؛ كثير من الناس أخذتهم لوثه تقليد الغرب، فأصبح يمتنع عن أكل اللحم ويفتخر في المجالس بأنه لا يأكل إلا الأمور النباتية، وهذا ليس من السنة. نعم إن كان الإنسان جبلة وطبيعة لا يحبه فلا حرج، لكن لا يؤدي ذلك إلى ترك السنن؛ فقد كان صلى الله عليه واله وسلم في الأضحى في عيد الأضحى يخرج إلى المصلى ولا يطعم شيئاً، ويعود من المصلى بعد صلاة العيد ولا يطعم حتى يأكل من أضحيته، فإذاً هي من السنة أن الإنسان يأكل اللحم في هذا الموضع وفي غيره من المواضع ولا يمتنع عنه.
كان يحب اللحم عليه الصلاة والسلام، وكان المفضل لديه لحم الذراع، وكان يأكل لحم الجزور، ويأكل الكبد من الإبل التي نحرت، ولم يكن يطلب مفقوداً ولا يعيب موجوداً صلى الله عليه واله وسلم. ومن كل اللحم أكل، فجاء في السنة الصحيحة أنه أكل لحم الأرانب، كما جاء عن أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه صاد أرنباً ذات يوم، عجز القوم عن الإدراك واللحاق به، فبعث أبو طلحة رضي الله عنه بوركها أو بفخذيها إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقبلها وأكله صلى الله عليه واله وسلم.
بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أيضاً يأكل لحم الدجاج، وهذا الطائر، هذا النوع من اللحم، يكثر أكله بين المسلمين في هذه الأيام، فقد جاء في السنة عن أبي موسى أنه قال: إنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يأكل من الدجاج، وهذا حديث صحيح. وأكل صلى الله عليه واله وسلم من لحم الحوت، فإذاً أيضاً المأكولات البحرية وهي حلال، صيدها حلال وميتها حلال، فلا يشترط فيها التذكية كما يشترط في صيد البر.
أكل عليه الصلاة والسلام منها، وذلك في حديث أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه، عندما بعثه الرسول عليه الصلاة والسلام على رأس ثلاثمائة من الصحابة في سرية، وفقدوا الطعام إلى أن وجدوا حوتاً ضخماً عظيماً على الشاطئ فأكلوا منه شهراً، فلما عادوا وأخبروا الرسول عليه الصلاة والسلام -لأنهم في البداية تحرجوا من أكله لأنه ميتة- ثم تبين لهم أن أكل ميتة البحر حلال لهم فأكلوا منه، قال صلى الله عليه واله وسلم لهم: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟». يقول: فأرسلنا منه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فأكل، فهذا أيضاً من طعامه عليه الصلاة والسلام.
كثيراً ما كان يتخذ الرسول عليه الصلاة والسلام الخل إداماً، يأكل الخبز ويغمس في الخل، وقال عليه الصلاة والسلام: «نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل». يقول جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه واله وسلم. وهذه أيضاً لفتة؛ الآن الرسول عليه الصلاة والسلام عندما قال هذا، وجابر أصبح يحب الخل لا لطعم الخل، بل لمدح النبي عليه الصلاة والسلام له، يدل على قوة الاتباع وحب التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام.
من الأمور التي كان يأكلها عليه الصلاة والسلام الجبن، ونحن الآن في هذه الأيام أنواع الأجبان كثيرة لا تعد ولا تحصى، والبعض قد يتورع عن أكل الجبن بسبب الأنفحة، لا يعلمون ما يفعلون بهذه الأنفحة، وكان عليه الصلاة والسلام أتي بجبنة في تبوك، فدعا بسكين فسمى وقطع وأكل منها. كذلك جاء في السنة أنه صلى الله عليه واله وسلم كان يحب الدباء، وما هي الدباء؟ الدباء بالعامي الدبة، وهي نوع من أنواع اليقطين أو القرع، ولها أنواع مختلفة وأشكال كثيرة، ولها من الفوائد الطبية الشيء الكثير، حتى إنه قيل أنها من أنفع الأطعمة لخفض مستوى السكر في الدم.
جاء عن أنس رضي الله عنه أن خياطاً دعا النبي عليه الصلاة والسلام لطعام صنعه، يقول: فذهبت مع الرسول صلى الله عليه واله وسلم، فقرب خبز شعير ومرق فيه دباء وقديد. القديد هو اللحم المجفف المملح. إذاً الوجبة هذه الفاخرة عبارة عن قرع أو دبة مع مرق ولحم مجفف مملح وخبز شعير، يقول أنس: فرأيت النبي صلى الله عليه واله وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة، فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذ، هذا رواه الإمام البخاري ومسلم في الصحيح، وفي رواية أبي داود أن معها قديد.
هذه الرواية الزيادة الآن مثل حديث جابر، أنس في البداية ما كان يحب الدباء، ثم بعد رؤيته للرسول عليه الصلاة والسلام يتتبعها أصبح يحبها. وهذه مسألة، هل اتباع ما كان يفعله الرسول عليه الصلاة والسلام عادة يثاب الإنسان عليه أم لا يثاب؟ مسألة فيها خلاف بين أهل العلم. يعني على سبيل المثال فعل ابن عمر رضي الله عنهما عندما كان في سفر، ثم أناخ راحلته وذهب إلى شجرة فتظاهر بأنه يرفع إزاره كي يقضي حاجته وقام ولم يفعل شيئاً، فقيل له: رحمك الله، ماذا صنعت؟ يعني أنت ما تبولت وما قضيت حاجتك؟ قال: كنت مع الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة كذا وكذا، وأتينا إلى هذا الموقع وصنع ما صنعته، فأحببت أن أتبعه.
بعض الناس يقول هذه طيب ليست سنة، قال بعضهم لكنه يثاب على اتباعه لفعله عليه الصلاة والسلام، كما يثاب جابر لحب ما أحبه النبي صلى الله عليه وسلم من الائتمام بالخل، وكما فعل أنس من تتبعه للدباء وأصبح يحب الدباء. فهل هذا الكلام صحيح أن الإنسان يثاب على فعل ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن سنة؟ الصحيح أن الإنسان لا يثاب على هذا الفعل، النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس الرداء والإزار، وكان يركب على البغل، وكان يفعل ويفعل ويفعل عليه الصلاة والسلام مما هو من سنن العادات، فالإنسان لا يثاب على فعله لسنن العادات، لكنه يثاب على اتباعه محبة للرسول عليه الصلاة والسلام.
إذاً أنت لا تثاب على الفعل، إنما تثاب على محبتك للرسول صلى الله عليه واله وسلم، وشدة المحبة هي التي أدت إلى اتباعك لهذه العادة التي فعلها كفعل غيرها، لا مزية ولا فضل فيها، والله عز وجل أعلم.
القرآن بالقرآن، وبالسنة، وأقوال الصحابة والتابعين، ثم بما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية. واختلاف المفسرين إما لفظي؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]؛ قيل في معنى قضى: أمر، وقيل: وصى، وقيل: عهد، والمعنى واحد.
وإما اختلاف تنوع؛ فتفسر الآية بعدة معانٍ لا تعارض بينها فتصح كلها، كقوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: 34]، قيل: مملوءة، وقيل: متتابعة، وقيل: صافية. وأما اختلاف تضاد فيجب الترجيح بين المعاني بدلالة السياق أو غيره؛ كتفسير الذي بيده عقدة النكاح بالولي، وبالزوج، وهو الراجح لدلالة المعنى عليه. ومن أشكل عليه معنى آية، فَلْيَرُدَّ المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا لا اختلاف فيه. وخير القصص وأحسنه وأنفعه هو قصص القرآن، فتعلمه وعلمه أهلك؛ قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحدثنا عن بعض أنواع الطعام الذي كان يحبه النبي صلى الله عليه واله وسلم، ومما كان يحبه ويتناوله عليه الصلاة والسلام الرطب والبطيخ والقثاء. فأما الرطب والبطيخ فهذا عندنا من الفواكه، أما القثاء، والقثاء هو الذي يقال له القتة، وهو مثل الخيار لكن على لون مختلف وطعم مختلف؛ فهذا عجيب لأنه ليس من الطعام الحلو، وإن كان فيه من الفوائد الشيء الكثير. أمنا عائشة رضي الله عنها تحكي فتقول: كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم يأكل البطيخ بالرطب، تشكيلة عجيبة.
لكن الإنسان كما يقال بين العوام: كل ما شئت، والبس كما يحب الناس، لا العكس. ففي الأكل كل ما شئت، كل ما تحب، لا أحد يتحكم فيما تأكل؛ لأن هذه مسألة أذواق. أما اللباس فهي مسألة أعراف، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا في لباسه، يلبس على أعراف قومه ما لم يكن محرما، فلا يلبس الحرير ولا يلبس الذهب، وإن كانت أعراف الناس تجيز ذلك وتبيحه، وكان ينهى عن القزع، وهذا ليس مكان الحديث في هذا الموضوع. لكن كل ما تحب ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس، فكان يأكل البطيخ بالرطب. وابن القيم رحمه الله في زاد المعاد يقول: وفي البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شيء غير هذا. فإذا أكل عليه الصلاة والسلام البطيخ، وأكل الصحابة البطيخ، وكان كما جاء عنهم يتبادحون ويرمي بعضهم بعضًا بقشر البطيخ، يعني يلعبون بهذا النوع من اللعب، فدل ذلك على أنهم كانوا يأكلونه.
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب، فأيضًا ورد هذا عنه صلى الله عليه واله وسلم. وهذه من الأمور الجبلية، ولا يأتي إنسان فيقول: يا أخي أنت ما تحب السنة، يجب عليك أن تأكل القثاء بالرطب أو تأكل البطيخ بالرطب؛ لا، هذا غير صحيح؛ لأن هذه أمور جبلية، أمور قد يحبها الإنسان وقد لا يحبها، ولا يأثم على عدم حبها. فمن كان يحب أكل لحم الضب مثلًا، وهو يعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام عافته نفسه ولم يرغب في تناوله لأنها لا توجد في قومه وفي بلاده؛ فهل يقال له: يا أخ اتق الله الرسول لا يحب أكل لحم الضب فما يجوز لك؟ أكله خالد بن الوليد بمحضر من النبي عليه الصلاة والسلام ولم يعلق على ذلك الرسول صلى الله عليه واله وسلم.
ومن الحلا الذي كان يحبه الرسول عليه الصلاة والسلام الزبدة والتمر، فعن ابني بسر السلميين قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقدمنا زبدًا وتمرة، وكان يحب الزبدة والتمر. فهذه مسألة واضحة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحب هذا النوع، وإن كان فيه شيء من الدسم، وإن كان الأطباء الآن سيقولون لك الكولسترول وما أدراك ما الكولسترول. فهذه كلها أمور اختلف فيها الوضع عما كان على عهده عليه الصلاة والسلام؛ فكان صلى الله عليه وسلم يكثر المشي كثير الحركة، كما كان كل الصحابة يعملون، ويكد ويجتهدون من صباح الله عز وجل إلى آخر الليل، فلذلك ما يأكلونه من طعام فيه من الأمور الصحية الشيء الكثير، ولكن الضار منها كان يذهب بحرقهم لتلك السعرات الحرارية.
ولهذه الأمور التي قد تعتبر اليوم عندنا ضارة، خاصة أن الواحد منا ربما انتقل من بيته إلى المسجد بسيارته، يستنكف أن يمشي تلك الخطوات المعدودة للحر أو للغبار أو لكذا أو لكذا، فلا بد للمسلم أن يكون فيه شيء من التوازن؛ إذا أراد أن يأكل هذا الطعام لابد أن يبذل جهدًا مقابلًا له يساويه.
النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يشرب أنواعًا مختلفة من الشراب، وقد يصعق المرء عندما يقرأ في كتب الفقه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يشرب النبيذ ويحبه، وهذا لجهل الناس؛ لأن المعتاد عندهم أن النبيذ هو الخمر، وليس ذلك تعريف النبيذ في اللغة. فالنبيذ هو الشراب الذي ينبذ فيه شيء من التمر أو الزبيب، كذا يعني شيء من هذه الأمور، يترك فيه يومًا، يعني كما يقال ينقع فيه هذا النوع من الفاكهة كي يطيب طعمه ومذاقه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقع له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقى أو يهراق. رواه الإمام مسلم في صحيحه. معنى ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينبذ له في الماء فيشربه ثلاثة أيام، اليوم الرابع أو في مساء اليوم الثالث، إما أن يأمر أحدًا أن يشربه حتى يفنيه أو أنه يتخلص منه؛ لماذا؟ لأنه بعد اليوم الثالث ربما غلى واشتد وتخمر، فأصبح مسكرًا. أما قبل اليوم الرابع أو نهاية اليوم الثالث، فالنبيذ فيه لا يؤثر في إسكار أو في نحوه لأنه طبيعي ولا يوجد فيه أي شيء مسكر، وهذه من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يحرص على فهمها؛ العلة في الإسكار لا في نسبة الكحول الموجودة. فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يشرب ما نبذ له أول وثاني إلى مساء الثالث، وبعد ذلك يتخلص منه، يأمرهم أن يسكبه؛ لأنه إذا انتظر إلى اليوم الرابع لربما تخمر وأصبح مسكرًا، أما في الأيام الثلاثة الأولى، فلو شرب الكمية كلها ومثلها معها، لما أثر ذلك في عقل الإنسان ولما أسكره، لم التخمر؟
فإذا العبرة ليست بالمسميات، إنما بالحقائق التي قد تؤدي إلى الإسكار أو لا تؤدي. فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يحب أن يشرب الشراب حلو المذاق، ولذلك كان كما جاء في الحديث كان عليه الصلاة والسلام يستعذب له الماء من بيوت السقيا، بيوت السقيا هذه آبار على بعد سفر يومين، ومع ذلك كان يرسل عليه الصلاة والسلام من يأتيه بالماء من تلك الآبار لطيب مذاقها وحلاوتها لا يوجد فيها ملوحة، فلا حرج في ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب من الطعام ويحب الطيب من الشراب، وقد جاء أنه صلى الله عليه واله وسلم كان أيضًا يحب أن يُجْدَح له؛ والجدح هو خلط السويق، والسويق هو البر أو الشعير محمص يخلط مع تمر أو غيره، فالجدح هو خلطه بشيء من الماء، فكان يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم، يفعل له ويحبه.
والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وحتى نلقاكم في درس آخر، استودعكم الله عز وجل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم