بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد.
إن المسنين فئة عظيمة ولها من المكانة في الإسلام ما لها، ولا ينفك مجتمع من وجود هذه الفئة العمرية فيه، والمجتمعات والأديان تختلف في التعامل معها، وهي حقيقة ثابتة لا ينكرها عاقل: أن تكون في بداية حياتك طفلاً لا تعي ولا تعلم، ثم تنمو وتدب على قدميك مستوي الظهر، كأن الدنيا وما فيها ملك يديك، حتى إذا شربت من لذاتها وذقت من شهواتها، ظهر الشيب على الشعر وجاءك النذير، فانحنى الظهر ووهن العظم واشتعل الرأس شيبًا.
الإسلام يأمر بالإحسان، خاصة لمن بلغوا ذلك السن. يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: 54]. وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم يدعو الله فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم». ويقول أيضًا: «اللهم إني أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر».
قال الإمام النووي رحمه الله: أما استعاذته صلى الله عليه واله وسلم من الهرم، فالمراد به الاستعاذة من الرد إلى أرذل العمر، كما جاء في الرواية التي بعدها، وسبب ذلك ما فيه من الخرف واختلاف العقل والحواس والضبط والفهم، وتشويه بعض المناظر، والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها. وهذا ملاحظ للاسف؛ كم يمضي الإنسان من عمره وهو يصلي ويصوم ويحافظ على العبادات والطاعات، حتى إذا بلغ المنتهى وأشرف على النهاية، إذ به يترك الصلاة. كم من المسنين الآن إذا دخلوا المستشفى ترك الصلاة شهرًا أو شهرين ومات وهو تارك للصلاة! فإن حدثته قال: أنا على غير طهارة، لا أستطيع استقبال القبلة، أنا في من النجاسات ما في. سبحان الله! لجهله يترك الصلاة، والله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. ما تسقط الصلاة عنك وأنت معك عقلك، إلا إذا أصبح الإنسان خرفًا لا يعرف الليل من النهار، ولا يعرف من يأتي ويقدم عليه، ولا يعرف الخطأ من الصواب، فهذا إن ذاك قد أخذ الله ما وهب، فأسقط بذلك ما أوجب.
المسن له من المكانة في الإسلام ما يجعل الآخرين يجلونه ويحترمونه ويضربون له ألف حساب، لأنهم يعاملون الله تعالى بذلك. سئل النبي صلى الله عليه واله وسلم: أي الناس خير؟ فقال: «من طال عمره وحسن عمله». إذاً طول العمر منقبة بشرط أن يحسن العمل. فسئل: وأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله». إذاً المسألة هي بالإحسان في العمل، بفعل الطاعات واجتناب المحرمات.
قال صلى الله عليه واله وسلم مبيناً للصحابة ما للمسنين عند الله عز وجل: «ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام، لتسبيحه وتكبيره وتهليله». الله أكبر! هذا الشايب الذي شاب في الإسلام، كم له من الحسنات والعبادات والأعمال الصالحة ما يجعله يفوق كثيرًا من الشباب. بل جاء ذلك في الحديث الصحيح أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، يقول: جاء رجلان من بلي، وأسلما وحسنا إسلامهما، وأحدهما كان أشد عبادة من أخيه، أكثر اجتهادًا، وحصل أن هذا المجتهد خرج في الغزو واستشهد في سبيل الله، وبعده بعام كامل مات أخوه ميتة طبيعية. يقول طلحة: فرأيت في المنام أن ثلاثتنا على باب الجنة، ففتح الباب فدخل الذي مات لاحقًا، ثم الذي مات بعده بعام، ثم بعد فترة فتح الباب فدخل الشهيد، فأردت أن أدخل فقيل لي: ليس بعد، فاستيقظت.
والصحابة كانوا رضوان الله عليهم إذا رأوا رؤيا أخبروا بها وسألوا عن تعبيرها وتأويلها، فتحدث طلحة بما رآه فتعجب الناس وتكلموا: كيف هذا الذي كان مجتهدًا واستشهد في سبيل الله يدخل الجنة متأخرًا، بينما ذاك الذي كان أقل اجتهادًا ومات ميتة عادية يدخل الجنة قبله؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه واله وسلم، فدعا طلحة وسأله، فقال: «أليس قد مكث هذا بعده سنة؟». فقالوا: بلى. فقال عليه الصلاة والسلام: «وأدرك رمضان فصامه؟». قالوا: بلى. قال: «وصلى كذا وكذا سجدة في السنة؟». قالوا: بلى. قال عليه الصلاة والسلام: «فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض». لا إله إلا الله! هذا ليس فيه تقليل من شأن الشهادة في سبيل الله أبدًا، حاشا وكلا، ولكن فيه إظهار إلى أن العمر إن كان في عبادة الله وطاعته، فإن فيه رفعًا للدرجات بطريقة غير معقولة. فإياك أن تحتقر طول العمر في طاعة الله عز وجل. كم من الناس من يتمنى الموت وأن يعجل الله بأجله راحة من الدنيا، وما علم هذا المسكين الجاهل أن في طول العمر كسبًا للطاعات، وقربًا من الله عز وجل بفعل ما أمر وباجتناب عما نهى عنه وزجر. كلما طال عمر الإنسان وحسن عمله، كلما ازداد قربًا من الله عز وجل.
يقتل كل عام 6 ملايين شخص تقريبًا، منهم أكثر من 5 ملايين ممن يتعاطون أو سبق لهم تعاطيه، وأكثر من 600 ألف شخص ممن يتعرضون له بشكل غير مباشر. إنه التدخين، مدمر الصحة وقاتل الملايين، ووفقًا لما جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن شخصًا واحدًا يقضي نحبه من جراء التدخين كل ست ثوان تقريبًا، مما يمثل عشر وفيات البالغين. ونظرًا للسنوات العديدة التي تفصل بين بدء الناس في تعاطي التدخين وبدء معاناتهم الصحية منه، فإن العالم قد بدأ يشهد زيادة الأمراض والوفيات ذات الصلة بالتدخين. ففي مقابل 100 مليون وفاة في القرن العشرين قد سببها تعاطي التدخين، قد تبلغ الوفيات في القرن الحادي والعشرين نحو مليار وفاة متى استمر تعاطيه بتلك الصورة المتزايدة.
هذا وقد أثبتت التجارب والأبحاث العلمية الحديثة خطر التدخين المميت على جسم الإنسان بأجهزته المختلفة، حيث يصاب المدخن بأمراض خطيرة منها: سرطان الرئة، ضعف الأعصاب، جلطات القلب وموت الفجأة، التهاب الشريان التاجي المغذي للقلب، الذبحة الصدرية، سرطان المريء، سرطان المثانة والكلى، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
خيركم من طال عمره وحسن عمله، هذا الحديث يحفظه كل منا، لكن يغفل أكثرنا عن حديث آخر وهو مهم لفهم هذه المسألة: النبي عليه الصلاه والسلام يقول: «خياركم أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أعمالًا، وأحسنكم أخلاقًا». إذاً طول العمر وحسن العمل شيء جيد، لكن أن يكون العبد سيئ الخلق وشرس التعامل، هذه علامة سوء. وللأسف المسن ربما تضيق نفسه ويسوء خلقه، خاصة مع أقرب الأقربين. وكم من الأخوات، إن صحت العبارة، كم من الأمهات والجدات من تشتكي من سوء أخلاق الزوج، كبر في السن وأصبح شرس الأخلاق، ينتقد، يصيح، يصرخ، يتذمر، هذه علامة السوء؛ لأن المؤمن إن طال عمره حسن خلقه رغبة فيما عند الله عز وجل.
يقوم الناس حولك سئموا من التعامل معك، فأنت تزيده بشراسة أخلاقك، أنت أصلاً ثقيل عليهم، فلا بد من حسن الخلق من الرحمة والشفقة كي يستطيعوا أن يتواكبوا ويتلائموا مع ما أنت فيه من حاجة وضعف. لا بد للمسلم أن يقدر كبار السن، وأن يعطيهم حقهم من الإجلال والتقدير والاحترام. النبي صلى الله عليه واله وسلم جعل ذلك من تعظيم الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله: إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». من إجلال وتعظيم الله عز وجل أن تكرم هؤلاء الثلاث، أن تكرم المسن كما تكرم ولي الأمر العادل المقسط. إكرام ولي الأمر إن كان عادلاً مقسطًا يخاف الله عز وجل، نظيف اليد، هذا من إجلال الله تعالى، وكذلك حامل القرآن، إكرام حامل القرآن المعتدل الذي لا يغلو ولا يتطرف، وفي الوقت ذاته لا يتهاون ويتساهل. ولاحظ هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام قدم المسن على حافظ القرآن، وقدم حافظ القرآن على السلطان أو على الإمام المقسط العادل.
في مرة جاء رجل مسن فلم يفسح له الصحابة، بعض الأحيان الإنسان يغفل وينسى لا يلاحظ، فهذا شيخ كبير دخل فما أفسح له الصحابة ليجلس، فوقف ينظر ماذا أفعل؟ فقال صلى الله عليه واله وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا». هذا الفعل ما يقبل منكم أيها الصحابة، شيخ كبير دخل لا بد من الاحترام، أفسحوا له، قوموا له، أكرموه. هو كان يقدر المسنين ويذهب هو بنفسه إليهم تقديرًا لضعفهم وسنهم. فلما دخل مكة فاتحًا عليه الصلاة والسلام، جاء أبو بكر الصديق بأبيه أبي قحافة، فلما رآه عليه الصلاة والسلام استنكر لما قال: «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟». والنبي عليه الصلاة والسلام كان ابن الستين، يعني الرسول لم يكن صغيرًا هو نفسه، لكن وهو ابن الستين يوقر ويحترم من كان أكبر منه على الرغم من أن أبا قحافة في ذلك الوقت، كما جاء في بعض الروايات، لم يكن مسلمًا. أبو بكر يعتذر فيقول: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن أنت تمشي أنت إليه. قال: فجلس بين يديه عليه الصلاة والسلام، ثم مسح رأسه وقال له: «أسلم»، فأسلم.
كذلك كان عليه الصلاة والسلام يحسن استقبالهم وإكرامهم، وقد تقدم من قبل كيف أن عجوزًا كانت صديقة خديجة رضي الله عنها وأرضاها أتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأنها لما دخلت عليه جعل يسألها ويقول: «كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟». فقالت عائشة: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: «يا عائشة، إنها كانت تأتينا زمان خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان». الله أكبر! الوفاء، حسن العهد، هذه صديقة زوجتي، رفيقة دربي، حبيبة قلبي، شريكة عمري، إن ماتت هل أنساها؟ لا والله، إنما أتذكرها بخير وأحسن إلى من كانت تحب، فإن حسن العهد من الإيمان. إن كان هذا تعامله صلى الله عليه واله وسلم مع امرأته التي ماتت، فكيف كان تعامله في حياتها؟
بأبي هو وأمي النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم أن المسن في فترة خوف، قلَّ عنده الرجاء وعظم عنده الخوف من الله عز وجل، فما العمل وما الحيلة؟ لا بد للمسلم أن يطمع برحمة الله. يخطئ من يزور المريض فيقول له: إن جهنم تنتظر المسيء، وعذاب الله محيط بمن لا يتوب، وأنت الآن في لحظاتك الأخيرة تب إلى الله واخشَ وخف، ورد المظالم. الرجل أصلاً هو خائف مرتعب، وأنت تزيده همًا على هم، وغما على غم! لا بد أن يبشر بالجنة. إذا مررت بالمريض ما تقول له: والله شكلك عندك الكيماوي وبعدها بتموت، إنما تبشره بالعافية: «طهور إن شاء الله، ما قدامك إلا كل خير. أنا أعرف فلان مرض مثل مرضك والآن ما شاء الله عنده من الذرية كذا وكذا ومن الأموال»، تبشره تأمله. هذه كانت طريقته صلى الله عليه واله وسلم.
عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، شيخ كبير يدعم على عصا له، فقال: يا رسول الله، شيخ كبير، أسلم الحين وهو أتى يستفتي: يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات، فهل يغفر لي؟ أنا عندي مصيبة ماضية أسود، وقد فعلت من الذنوب ما فعلت، فهل في أمل؟ هل يوجد أمل؟ الرسول عليه الصلاة والسلام ما قنطه من رحمة الله، بل قال له: «أليست تشهد أن لا إله إلا الله؟». فقال الرجل: بلى، وأشهد أنك رسول الله، يعني أنا مسلم. قال: «قد غفر لك غدراتك وفجراتك». انتهى الموضوع، أسلمت على ما أسلفت من خير، الإسلام يجب ما قبله، قد غفر لك غدراتك وفجراتك. وفي رواية قال: فخرج الرجل وهو يقول: الله أكبر! الله أكبر! سبحان الله، فتح باب الرجاء، التبشير: «بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا». هذا هو الإسلام الذي تعلمناه من نبينا صلى الله عليه واله وسلم.
وصية الله لعباده قرن حقهما بحقه وشكرهما بشكره، أمر ببرهما ونهى عن عقوقهما، إنهما الوالدان. قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. والبر بالوالدين يعود نفعه على الولد البار بثمرات وفوائد منها: تحصيل مرضاة الله تعالى، إطالة العمر وزيادة الرزق، اكتساب بر الأبناء في المستقبل، فالجزاء من جنس العمل، تكفير الذنوب والخطايا. فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي توبة؟ قال: «هل لك من أم؟». قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟». قال: نعم. قال: «فبرها».
وللبر صور وأشكال، منها ما يكون في حياتهما: كحسن القول إليهما، وخفض الصوت عندهما، وطاعتهما فيما يأمر به، وتعليمهما ما يحتاجان إليه، واستئذانهما عند السفر، وإظهار التقدير والاحترام لهما، وتقبيل أيديهما ورأسيهما، والسعي في إرضائه، وتحمل المشاق في سبيل ذلك. ومنها ما يكون بعد وفاتهما: كالدعاء لهما، والاستغفار لهما، وقضاء دينهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام أصدقائهما. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «...».
أن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نبينا صلى الله عليه واله وسلم كما سمعنا كان يوصي بكبار السن، بالمُسنين، حتى ولو كانوا كفارًا كان يوصي بهم عليه الصلاة والسلام. فالسن له هيبة، له احترام، ولذا كان إذا بعث سرية في غزوة أو نحوها كان يوصيهم بأن لا يقتلوا امرأة، وأن لا يقتلوا شيخًا كبيرًا؛ بمعنى هؤلاء الذين لا يحملون السلاح يحترمون ولا يؤذون ولا يقتلون. ولذلك الجزية لا تقبل أو لا تؤخذ بالاصح من الطفل ولا من المرأة ولا من الشيخ الكبير، إنما تؤخذ من الرجل الذي يعمل ويكد.
وكان صلى الله عليه واله وسلم يقدم المسن وكبار السن في أمور معينة؛ فأن يكون الرجل شيخًا كبيرًا أو متقدمًا على من دونه في السن هذا له أفضلية. فمثلاً نعلم أن في التقديم للإمامة في الصلاة هنالك شروط: أعلمهم بالقرآن، أقدمهم هجرة، أكبرهم سنًا. فإذا السن له أثر، لا كما يفعل البعض إذا أقيمت الصلاة نظر إلى أكبر الناس وقدمهم؛ خطأ! إنما التقديم يكون لأعلم الناس وأحفظهم بكتاب الله عز وجل، ثم أقدمهم هجرة، ثم أكبرهم سنًا.
وكان عليه الصلاة والسلام أيضًا يقدمهم في العطاء، وهذا أمر الله عز وجل، يقول عليه الصلاة والسلام إنه رأى في منام ذات يوم أنه يتسوك، فجذبه اثنان؛ فأراد أن يعطي السواك للصغير منهما أو للأصغر منهما، فسمع من يقول له: كبِّر، فدفعته إلى الأكبر. ورؤيا الأنبياء وحي، فهذا وحي من الله عز وجل على أنه في العطاء يقدم الأكبر سنًا.
بمعنى إذا دخلنا مثلاً إلى مجلس ونريد أن نسكب القهوة كعادة العرب في الضيافة، هل نبدأ باليمين أو نبدأ بالأكبر؟ لا، نبدأ بالأكبر، ثم بعد ذلك اختلف العلماء هل يبدأ بالذي دونه في السن -يعني الأكبر ثم من دونه في السن- أو باليمين؟ لذلك جاء عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي عليه الصلاة والسلام أُتي ذات يوم بشراب، فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ. الغلام كما جاء في الروايات أنه هو ابن عباس ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام. فطبعًا الشراب هذا أول من قدم له هو النبي عليه الصلاة والسلام، فبعد أن شرب فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا. قال: فوضعه أو فتله رسول الله عليه وسلم في يده.
هذه إشكالية؛ هنا الرسول بدأ بالأصغر عليه الصلاة والسلام لأنه عن يمينه، وفي الروايات المتقدمة أنه أمر بأن يكبِّر بالسن، فكيف الجمع؟ قال المهلّب: تقديم ذي السن أولى في كل شيء ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن، فأيمن من الرئيس أو من العالم على ما جاء في حديث شرب اللبن. إذا خلاصة القول: دخلنا مجلسًا وجدنا فيه رجالًا، بمن نبدأ؟ تقديم سكب القهوة للأكبر سنًا أو العالم أو الرئيس، فإن سقيناه بدأنا بعد ذلك بمن عن يمينه، وإن كان هنالك كبار سن آخرين، هذا هو الجمع بين الروايات.
كذلك كان عليه الصلاة والسلام يقدمهم في الكلام؛ يعني إذا كان في اثنين ثلاثة ويريدون أن يعرضوا مسألة، فالكبير هو الذي يتكلم. في قصة عبد الله بن سهل رضي الله عنه الذي وجد مقتولاً عند خيبر وجاء رجلان من قومه ليكلم النبي عليه الصلاة والسلام في أمره، فانطلق عبد الرحمن بن سهل وهو أخوه -أخو الميت- ومحيصة وحويصة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كبِّر كبِّر، يعني أنت أصغر القوم، خلي الكبار يتكلمون. وهذا فيه أدب حقيقة يعني نحن الآن نفتقده في مجالسنا؛ الشباب يتكلمون ويتجرأون ويرفعون الأصوات في المجالس، بينما الأشياخ والكبار والمسنين يجلسون ويستمعون، وهذا من سوء الأدب.
حديث ابن عمر رضي الله عنهما عندما كان في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام وألغاز لهم الرسول عليه الصلاة والسلام، سألهم عن شجرة تشبه المؤمن، لا ينحني جذعها ولا يتساقط ورقها، فجعلوا يضربون الأمثال بالشجر وغفلوا عن أنها النخلة. ابن عمر رضي الله عنهما يقول: فسقط في نفسي وجاء في خلدي أنها النخلة، لكني هبت أن أتكلم وفي القوم أبو بكر وعمر. مع أن الجواب صحيح، لكن انظر إلى الأدب الذي تربوا عليه، أنه ما ذهب يتكلم. كذلك تقدم معنا أنه كان عليه الصلاة والسلام يقدمهم في السقاية والضيافة، هذا بالنسبة إن لم يكن معهم ترتيب في الجلوس، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عليه الصلاة والسلام إذا سقى قال: ابدأوا بالكبير، أو قال: ابدأوا بالأكابر.
وكان أيضًا يقدمهم في البدء بالسلام عليهم، فالكبير له الحق في أن يبتدئ بالسلام، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير». إذاً الصغير هو الذي يبتدئ السلام على الكبير، ولا حرج إن مر الكبير على فتية أو صبيان أن يبدأ تحببًا فيهم، فهذا لا حرج فيه.
كذلك من الأحكام أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخفف بعض الأحكام الشرعية على كبير السن؛ كما نعلم أن كبير السن الذي يعجز عن الصيام فإنه يفدي، كبير السن الذي يعجز عن الحج -حج الفريضة- فلا حرج في شأنه أو في حقه أن يستنيب كما جاء في حديث الخثعمية، تسأل عن أبيها الذي أدركته فريضة الحج وهو لا يثبت على راحلة، فأمرها أن تحج عنه. كذلك في التخفيف في الصلاة، تخفيف القيود الشرعية؛ الصلاة الإنسان قد يصلي لنفسه ويطيل، لكن إن جاء الأمر لمن يؤم المسلمين قال عليه الصلاة والسلام: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير»، إذاً تخفيفًا عن ذي الحاجة.
وكان يحذرهم من الذنوب خاصة لمن لا حاجة له في الوقوع فيها، فقال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم». من هم يا رسول الله؟ قال: «شيخ زان». الشيخ الذي لا حاجة له للزنا والوقوع في الحرام إن عاند فطرته وحاجته البدنية لأنه إنسان هَرِم ما له حاجة في الزنا وزنى، فهذا عقوبته أعظم من عقوبة الشاب وغيره.
وهذا الشيب كان ينهى النبي صلى الله عليه واله وسلم عن نتفه، فيقول: «لا تنتفوا الشيبة فإنه نور يوم القيامة، ومن شاب شيبة في الإسلام كتب له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة». هذا في حق الشيب، وهذا لا يعني أنه لا يغيره، بل يشرع في حق من ابيضت لحيته وشعر رأسه أن يغير ذلك بالحناء وبكتم وشيء من الأشياء الشرعية، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». فأمره هو من الأمور المستحبة، ومن ترك تغيير الشيب فلا حرج ولا إثم عليه إن شاء الله. وبالجملة فإن حقوق المسنين في الإسلام محترمة، ومطالب كل منا بأدائها على حسب قدرته لأن ذلك من إجلال الله عز وجل. هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم