بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الإسلام دين الوسطية، وإذا ذهبت تنظر في أحوال الناس في هذه الأيام لوجدت بونًا شاسعًا بين شرائح المجتمع الإسلامي، فتجد أقصى اليمين وتجد أقصى الشمال، وقل أن تجد من يتبع النهج الوسطي. وكل يدعي الوسطية، لكن الوسطية لا تعرف إلا عن طريق السنة؛ سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
إذا أردنا أن ننظر في هذا المجتمع الذي نعيشه، في هذا العالم الذي أصبح قرية كونية صغيرة، كيف نتعامل فيها مع غير المسلمين؟ تجد أن الناس يختلفون. فعلى جانب تجد من المسلمين من يتعامل مع غير المسلمين بفظاظة وسوء خلق، ولربما شتمهم وآذاهم، بل منهم من قد يستحل أموالهم وربما استحل دماءهم وأعراضهم بحجة أنهم كفار، وأن هؤلاء لا حرمة لهم؛ كما نرى من أفعال أولئك الإرهابيين أعداء الله عز وجل، الذين يروعون الآمنين، الذين يسفكون دماء معصومة محرم عليهم سفكها، ويعيثون في الأرض الفساد. وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون.
هؤلاء قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم محذرًا إياهم إن كان في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا». هذا المعاهد، هذا الكافر، إن قتلته لم تجد رائحة الجنة، فكيف بمن يقوم بعمليات التفجير وسفك الدماء وترويع الآمنين والعمليات الإرهابية؟ هو يقول أنا هدفي الجنة، أخطأت الجنة. والله أنت الآن بقتلك نفسك بتفجيرك نفسك تذهب إلى جهنم كما أخبر الله عز وجل في كتابه، وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. أنت قتلت نفسك بحديدة، أو ترديت من جبل، أو تجرعت سمًا؛ أنت هذا تعذب به في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، فأنت الذي قتلت وأنت الذي تعذب.
بالمقابل هنالك من المسلمين من أصبح ممسحة أقدام للكفار، يطؤون عليه ويمشون. من المسلمين للأسف الشديد من اتخذ الكفار بطانة واتخذ منهم أولياء، تشبهوا بهم في عاداتهم وأعيادهم ومظاهرهم، وأصبحت كونهم وثقافاتهم وأفلامهم وأغانيهم هي المثل الأعلى في حياتهم. بل وصل ببعضهم الحال إلى أنهم يستنكرون اللفظ الشرعي الذي أطلقه الله تعالى عليهم، فيقول: لا تقولوا لغير المسلمين إنهم كفار، لكن استخدموا لفظًا أفضل منه، فقولوا الآخر. يعني هؤلاء كيف نتعايش مع الآخر؟ إيش الآخر هذه؟ ومن أين أتيتم بها؟ الله عز وجل يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: 2]. الناس ما يكونون إلا مؤمنين أو كفار. والرسول عليه الصلاة والسلام بعث أصحابه أن ينادي في الناس أنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة؛ فهذا النصراني، اليهودي، الدرزي، النصيري، الأحمدي، القادياني، البهائي، هذا ليس بمؤمن، هذا كافر، فأنت تسمي الناس بما سماهم الله عز وجل به.
كذلك أنت باتخاذك إياهم بطانة وأولياء وأصدقاء تتحالف معهم، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51]؟ إذا طرفان قبيحان وبينهما وسط، وهو شرع الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
الإسلام دين رحمة، دين عدل، لذلك أمرنا عز وجل أن نحسن، إذ يقول: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. هذا عام، إن الله كتب الإحسان على كل شيء، حتى إذا أتينا لتذكية الدابة أمرنا الله عز وجل أن نحسن، نحسن الذبحة، نحسن القتل؛ فالإحسان هو شعار دين الإسلام. فمن لم يعادنا كمسلمين، الذي لا يتعرض لشرع الله ولا لعباد الله المسلمين، فالإسلام يأمرنا أن نحسن إليهم. قال عز من قائل: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. الله عز وجل ما ينهاك، لا، برهم وأقسط إليهم.
لذلك نخطئ عندما نتعامل مع غير المسلمين كأنهم سواء؛ هنالك من هو عدو لله ولدينه وللمسلمين، وهنالك من لا يحمل للمسلمين وللإسلام إلا كل الاحترام والحب والتقدير، ونجدهم يقفون مع المسلمين في الأزمات. هل يتعامل المسلم مع كلا الطرفين بنفس الأسلوب؟ إن أردنا أن نعرف كيف نتعامل معهم، فلا مناص ولا مفر من التعلم من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف تكون مسلمًا؟ هو إمامك، هو قدوتك، هو أسوتك، فكيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الكفار، مع المشركين، مع الطوائف المختلفة من غير المسلمين؟ فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل بفظاظة مع الكفار والمشركين؟ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم دمث الأخلاق، طيب الشمائل، كان لينًا هينًا سهلاً. تجد في سيرته عليه الصلاة والسلام أنه لم يترك فرصة للدعوة إلا وانتهزها. كان يستخدم مع الكفار أساليب متنوعة ومختلفة، فلا توجد طريقة أو أسلوب واحد مع جميع الناس. كان يغشى المشركين في نواديهم ومجالسهم ليدعوهم إلى الله عز وجل ويقرأ عليهم القرآن، ويجيب دعوتهم ويقبل هداياهم، وكل ذلك تأليفًا لقلوبهم. ومصداق ذلك كله مجموع في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم».
النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن متقوقعًا في بيته، بل كان يختلط بالناس. والفارق عندما يسأل الإنسان عن حكم غشيان المسلمين العصاة المذنبين في نواديهم، في مراقص، في خمارات، في نواديهم الثقافية التي فيها من المنكرات ما فيها؛ هذا أمر مختلف. هؤلاء مسلمون، هؤلاء مخاطبون بالقرآن والسنة، فلا يجوز أن يرى المسلم المنكر ويسكت عنه. بخلاف المشرك والكافر، فهذا ليس بعد الكفر ذنب، أنت تذهب إليه لتدعوه إلى الله عز وجل، وربما غضضت الطرف عن منكر أو آخر ابتغاء هدف أسمى وأعلى. أما المسلم الذي على معصيته، فهذا لا يصلح لك أن تخالطه، بل تدعوه.
كان عليه الصلاة والسلام ربما عاد الكافر وزاره تأليفًا لقلبه. كلنا يعلم قصة ذلك الغلام الخادم اليهودي الذي كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام. وذكرنا في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الخدم أن كان له من الخدم الكثير، ولكن منهم كان هنالك غلام يهودي، والظاهر أنه كان يخدم الرسول عليه الصلاة والسلام بأجر بخلاف خدمة أنس وعبد الله بن مسعود وغيرهم من الصحابة الذين كانوا يتبرعون ابتغاء الأجر والثواب وابتغاء العلم من النبي عليه الصلاة والسلام. فمرض هذا الغلام اليهودي ذات يوم، فذهب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيته ليعوده. سبحان الله! النبي عليه الصلاة والسلام بجلاله ومكانته يذهب إلى بيت يهودي. أين أنت يا من تقتل النصارى وتقتل غير المسلمين وترهب وتفجر عليهم مطاعمهم؟ أين أنت من هذا الحديث؟ تقول هذا جزاء السيئة وهم فعلوا ذلك بشعبنا وبقومنا! يا أخي، هذا طبيب جاء يعمل لخدمة هذه البلاد، هذا مهندس، هذا مدرس، هؤلاء أناس نافعون للبلد، نافعون للمسلمين، لا يملكون بغضًا ولا حقدًا، وليسوا من الأعداء، هؤلاء معاهدون. كيف وبأي دين أو عقل أو شرع تقتل وتروع مثل أولئك؟ عاد النبي عليه الصلاة والسلام اليهودي، هل أخرج سكينًا وطعنه؟ وقف عند رأسه وقال له: أسلم. فنظر الغلام إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، لأنه يعلم أنه على حق. فأسلم الغلام ومات، فتهلل وجه النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار».
سبحان الله، الرغبة عند النبي عليه الصلاة والسلام هي لدعوة الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن جهنم إلى جنات الفردوس. قارن هذه الرغبة وذلك العمل وتلك الصالحية بمن لا يعامل الكفار إلا كأنهم حشرات، ويسخر منهم، وربما آذاهم وأكل أموالهم. النبي عليه الصلاة والسلام كان عدلاً رحيمًا. كثيرًا ما نسمع من بعض المسلمين في مجالسنا أنه إن جاء ذكر كافر أو مجموعة من الكفار نسمع اللعن والسباب والشتم، وليست تلك من أخلاق المسلمين. يعني هذا الحقد الذي يظهر على فلتات اللسان هذا خلل، لابد أنت أن تربي نفسك وتربيها بالقرآن والسنة، لا بما يجول في خاطرك. ولا شك أن الاشتغال بسبهم وشتمهم صاد لك عما ينفع من دعوتهم، والاجتهاد فيما يشغل المسلم بالتقدم لا بالتأخر؛ إياك أن تشغل نفسك بالاحتقار والازدراء والشتم.
لذلك إن رأيت سنته عليه الصلاة والسلام، يأتيه الطفيل بن عمرو الدوسي، فيقول يا رسول الله: إن دوسًا قد هلكت، عصت وأبت، فادع الله عليهم. الطفيل هذا ذهب إلى قومه يدعوهم، هو صاحب العصا التي في طرفها نور، فلم يستجب له كثير، فرجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام غضبان أسفًا، ويطلب من الرسول أن يدعو الله تعالى عليهم. النبي عليه الصلاة والسلام تهيأ للدعاء، فظن الناس أنه سيدعو عليهم، فقال: «اللهم اهد دوسًا وأت بهم». شوف تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام، ذلك الحب والشفقة والرحمة على الناس كلهم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
بل في صحيح الإمام مسلم، عن أبي هريرة قال: إن جماعة أتوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا له: يا رسول الله، ادع على المشركين. هل في.. هل هنالك شك أنهم أعداء الله؟ ادع عليهم. قال: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة». وفيه أيضًا عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة». كم نسمع للأسف الشديد من بعض من يمكن أن نسميهم دعاة، من يخرج علينا بقذائف أرض أرض وأرض جو بشتائم وبأمور منكرة؛ كالذي يقذف من تدرس في جامعة، وأباء يقذف أهلها بالدياثة! وسبحان الله، هل هذا هو نهج النبي عليه الصلاة والسلام؟ هؤلاء منفرون، ينفرون الناس عن الدين، وهم من أجهل الناس بسنة النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر بالإحسان إلى الكفار وحسن جوارهم، فالإحسان إليهم واضح إن لم تكن هنالك عداوة بينهم وبين الإسلام والمسلمين، كما تقدم في أول الدرس في الآية في سورة الممتحنة. أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها تقول إن أمها دخلت عليها وهي مشركة في الصلح الذي كان بين النبي عليه الصلاة والسلام وأهل مكة، تريد المساعدة. فاستأذنتها؛ طبعًا أم أسماء ليست هي أم رومان أم عائشة رضي الله عنهم جميعًا، إنما كانت مشركة أتت المدينة تريد المساعدة. أسماء ما كانت لتتصرف من تلقاء نفسها، فأتت تستفتي النبي عليه الصلاة والسلام: أصلها هذه أمي، هل أصلها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «صليها». ومع ذلك مع أنها مشركة، أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإحسان إليها، كما أمر الله عز وجل في محكم التنزيل بأن يصاحبهما في الدنيا معروفًا، حتى ولو أمرا بالشرك، حتى لو أمراك بالكفر، فلا بد من أن لا تطيعهم في ذلك ولكن أن تحسن إليهم. فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله.
الدعوية المحترفة إعلامياً، ومنهجية تخاطب الرجال والنساء، الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر. بشرى لنا أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
السلام عليكم ورحمة الله. أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما يأمرها النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان إلى أمها المشركة، ويأمر أيضاً بالإحسان حتى للجار المشرك والجار الكافر. هذا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم؛ فعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما تُذبح شاة في بيته، فيقول لأهل بيته: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ يكررها، قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
إذاً فهم الصحابة إلى أن الإحسان إلى هذا الجار اليهودي هو من صلب الدين. الرسول صلى الله عليه واله وسلم في تعامله مع الكفار كان واضحاً، فكان يقبل هدايا الكفار إذا أتوه بهدية، كما فعل رؤوس الأمم الكافرة كالمقوقس عظيم الأقباط وغيره. كما أنه يستجيب لدعوتهم، كما استجاب لدعوة اليهودية التي دعته إلى شاة جعلت السُم في كتفها؛ لأنها عرفت أن الرسول يحب عليه الصلاة والسلام من الشاة الكتف.
كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل مع اليهود ومع المشركين بالبيع والشراء والاقتراض. فعن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام فجاء رجل مشرك مشعان طويل جاء بغنم يسوقها، فقال عليه الصلاة والسلام: «بيعا أم عطية؟» -أي هذا الغنم الذي عندك تعطينا منه بالبيع ولا كهبة أو عطية؟- فقال: بل بيع، فاشترى منه عليه الصلاة والسلام شاة، فكان يشتري. وعن أمنا عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً بنسيئة.
السلام كان مرناً في التعامل معهم. أما ما نسمعه من وجوب مقاطعتهم اقتصادياً والامتناع عن شراء المنتج الفلاني أو المنتج كذا لأنه من دولة كذا وكذا وهم يساعدون أعداء الله؛ فهذا أمر مرده إلى أن الشخص نفسه، أما لا يعمم. فالرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة كانوا يشترون من أعداء الله عز وجل، يشترون من الروم، يشترون من الفرس، يشترون من اليهود، ويتعاملون معهم بيعاً وشراءً، وهذا أمر على حسب المصلحة الشخصية. فمن أراد أن يمتنع مقاطعاً ومعانياً في إيذائهم اقتصادياً فهذا جزاه الله خيراً، أما أن ينكر على من لا يفعل ذلك ويتهمه بالعمالة، فهذا من الغلو ولا شك في ذلك.
الرسول عليه الصلاة والسلام حتى في الهجرة من مكة إلى المدينة استأجر هو وأبو بكر رجلاً مشركاً من بني الديل، من بني عبد بن عدي، استأجراه لأنه كان هادياً خريتاً -أي ماهراً في الطرق- وائتمناه على راحلتيه، ووعدهما بعد ثلاثة أيام من بدء الهجرة عند غار ثور. فهذا دليل على أن معاملة المشركين استئجاراً والانتفاع فيما فيه نفع للمسلمين لا حرج فيه ولا بأس.
انظر إلى تعامله عليه الصلاة والسلام مع اليهود غير المسلمين، لهم تعامل يكفل لهم حياة كريمة في ظل الإسلام. النبي عليه الصلاة والسلام عامل وزارع أهل خيبر على النصف مما يخرج منها، فوافق على أن يعملوا في الأرض وأن يكون نصف ريعها للمسلمين عوضاً عن إجلائهم أو قتلهم أو كذا، وهم قد خانوا الأمانة ونقضوا العهد. لو نظرت إلى خيانات اليهود وكذبهم وظلمهم في أيامنا هذه، ثم نظرت إلى كيف كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يعاملهم بضد ما يعاملون به الآن؛ لأنهم قوم حقد وكذب ونقض للعهود والمواثيق.
النبي عليه الصلاة والسلام كفل لليهود حق الحياة، فلم يقتل يهودياً إلا أن خان أو غدر، وهذا معلوم ومعروف ومشاهد. كفل لهم حق اختيار الدين، حيث أقرهم على ديانتهم ولم يكره أحداً على الإسلام، لأن الله يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. كفل لهم حق التملك، فلم يصادر أملاك أحد منهم، بل أقر المسلمين على تجارتهم معهم. ضمن لهم العدل في المعاملة ورفع الظلم، ولو كان على حساب المسلمين.
فمثال الأشعث بن قيس رضي الله عنه، اختصم مع يهودي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، سبب الخصومة أرض في اليمن، عبد الله ما كانت له بينة فيها، لذلك قضى النبي عليه الصلاة والسلام لليهودي بيمينه، الرسول يقضي لليهود بيمينه. كذلك لما سحره صلى الله عليه وسلم يهودي وهو لبيد بن الأعصم وعافاه الله من السحر، لم ينتقم منه ولا أمر بقتله، بل جاء في سنن النسائي عن زيد بن أرقم قال: فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في وجهه قط. اليهودي الذي سحر النبي عليه الصلاة والسلام، الرسول كان يقابله ولم يذكر له أني أعلم أنك الذي صنعت السحر في مشط.
كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعامل معهم بعدل وإحسان، لدرجة أنهم كانوا يتعاطسون عند النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء عن أبي موسى، اليهودي يعطس أو يتظاهر بالعطاس عند النبي عليه الصلاة والسلام ويحمدون الله، رجاء أن يقول لهم الرسول عليه الصلاة والسلام يرحمكم الله. لكن النبي عليه الصلاة والسلام بالعدل والإحسان ما كان يشتمهم، ما كان يلعنهم، لكن ما كان يدعو لهم بالرحمة؛ لأن الرحمة لا تجوز على الكافر، ولا يدعو لهم بالمغفرة لأن المغفرة لا تجوز على الكافر، إنما كان يقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم».
سبحان الله! إذاً الإسلام دين توازن، الإسلام دين رحمة من غير ضعف، ودين عزة من غير كبر وفخر وخيلاء، ودين قوة من غير عنف، ولن تجد ذلك إلا في سنته صلى الله عليه واله وسلم. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم