بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كما تذكرون، تحدثنا في الدرس الماضي عن معاملة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكفار، وأنه بأبي هو وأمي كان أعدل الناس، فكان عادلاً معهم لا يظلمهم. والله عز وجل لم ينهنا عن أن نقسط وأن نبر الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم، فدين الإسلام يأمر بالعدل والإحسان، يأمر بالقسط، وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مع الكفار.
ولكن بالمقابل، هذه الرحمة وذاك العدل لا يعني أبداً أن يتنازل المرء عن دينه. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ليتخذ الكفار أولياء أو بطانة، كما جاء في الحديث الصحيح: «ما بعث الله من نبي ولا كان بعده من خليفة إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهيه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً، فمن وقي بطانة السوء فقد وقي».
إذاً، من توفيق الله عز وجل لأنبيائه وللخلفاء من بعده أن ييسر لهم البطانة الطيبة الحسنة الصالحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وهذا مصداق قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].
هذه الآية ينهانا ربنا عز وجل فيها أن نتخذ من هم دوننا، أي من الكفار والمشركين والمنافقين ومن ذوي الأديان الأخرى، ينهانا أن نتخذهم بطانة. وبطانة الثوب هي اللصيقة بالجسد، هي الشعار، وكما جاء في الحديث: «الأنصار شعار والناس دثار»، وهي الشيء الذي يكون لصيقاً بالإنسان. نهانا الله تعالى عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين؛ لأنهم لا يألوننا خبالاً، أي لا يقصرون ولا يدخرون جهداً ولا وسعاً في إيقاع الإفساد بيننا.
وبين الله عز وجل صفة أخرى من صفاتهم فقال: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. فهذا وصف آخر، أن المسلم يلمس في فلتات لسانهم ذاك الحقد الدفين على الإسلام والمسلمين. لأنه لا يخفى على أحد أن الإنسان لا بد أن يعمل بحسب معتقداته؛ فذاك الذي ليس بمسلم وإن أظهر حسن النية وحسن التعامل فهذا شيء جيد، ونقابل إحسانه بإحسان، لكن ما يجوز للمسلمين أن يتخذوهم بطانة، أن يتخذوهم أولياء يطلعونهم على أسرار المسلمين، يطلعونهم على أسرارهم وعلى نقاط ضعفهم، ويقربونهم ويضعون ثقتهم فيهم؛ هذا أمر محرم.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، إن كان لديكم عقل، إن كان لديكم شيء من الرشد، تعرفوا أن هؤلاء هم أعداء الله فلا تتخذوا منهم أولياء. والآية تحرم على المؤمنين اتخاذ الكفار كمستشارين أو كأصدقاء أو كأولياء، وتبين لنا رحمة المؤمنين عندما أحسنوا الظن بالكافرين فاتخذوهم بطانة، وتبين أيضاً نفسيات الكافر، فإن نفسية الكافر جبلت على الانتصار لما يعتقده، وهذه طبيعة بشرية؛ فلا يصلح للمسلم أن يتخذهم أولياء أو بطانة.
إن عرفنا هذا التوجه واعتنقناه واتخذناه مبدأً في الحياة، لا شك أن هدي النبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك، لا يتخذهم أولياء ولا بطانة، ولكن في الوقت ذاته لم يظلمهم ولم يؤذهم، بل أحسن إلى المحسن منهم. وهذا الإحسان لا يقتصر فقط على الكلمة الطيبة، بل يوجد الإحسان في التعامل، يوجد الإحسان في الإهداء، يوجد الإحسان في حسن الجوار، كما قال عز من قائل: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
وهذا ما تعلمه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، تعلموا الإحسان إلى الكافر، إهداء الهدايا له تأليفاً لقلبه وترغيباً له في الإسلام، وكم يسأل الناس عن أفضل الطرق لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ولا شك أن المعاملة الحسنة من أجمل أساليب الدعوة. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عندما ذبحت شاة في بيته تفقدها فقال: هل أهديتم لجارنا اليهودي؟ ثم يكرر ذلك: هل أهديتم لجارنا اليهودي؟
سبحان الله! لماذا الحرص على هذا اليهودي؟ هل هو حباً فيه أو في ديانته؟ كلا والله. ولذلك برر سؤاله فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل الهدايا من الملوك والرؤساء والزعماء وإن كانوا على كفرهم، ولكنه بالمقابل أيضاً كان يهدي لهم. وهذا عرف جرت عليه العادة إلى يومنا هذا، وإن كان بعض الدول يجعل شيئاً من التحرز كي لا تكون هذه الهدية في هيئة رشوة تؤثر على اتخاذ القرار من المسؤول ومن المدير، ولكن هذا ليس مكان فصل ذلك والبسط.
فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله عز وجل.
من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والناس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. من هنا حق للمرأة أن تسعى للتفقه في الدين، تعلم الضروري من أحكامه وتصحح عبادتها وتقوم بمسؤوليتها تجاه زوجها وأولادها وأهل بيتها ومجتمعها. وينبغي للمرأة أن تبدأ بفروض الأعيان فتتعلم الطهارة والصلاة والصيام، وما يخصها من أحكام كالحيض والحمل والرضاعة وغير ذلك. فإذا أرادت معاملة وجب عليها تعلم أحكامها، كأن تريد الحج فتتعلم أحكامه، ويتوفر لها مال فتتعلم كيف تخرج زكاته.
وتاريخ الأمة زاخر بالعالمات الفقيهات، ويأتي على رأسهن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قال عروة بن الزبير: ما رأيت أحداً أعلم بشعر ولا فريضة ولا أعلم بفقه من عائشة. ومنهن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، قال القاسم بن محمد للزهري: عليك بعمرة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة، قال: فأتيتها فوجدتها بحراً لا ينزف.
ومنهن فاطمة بنت علاء الدين السمرقندي، كانت فقيهة عالمة، وقد بلغ من فقهها أن والدها كانت لا تأتيه الفتوى إلا وعرضها عليها وسمع رأيها بها، فكانت الفتوى تخرج وبها توقيعان: توقيعه وتوقيع ابنته. حفظت فاطمة كتاب أبيها المسمى تحفة الطالب، والذي شرحه الكاساني في بدائع الصنائع، ففرح به علاء الدين، زوجه ابنته فاطمة فقال الفقهاء: شرح تحفته وزوجه ابنته. وبعد زواجها من الكاساني استمرت الفتوى تخرج من بيت أبيها السمرقندي بتوقيعه وتوقيع ابنته فاطمة، وانضم إلى توقيعهما توقيع ثالث جديد، هو توقيع زوجها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل إن أهديت له الهدايا، ولكنه لم يكن يقبل الصدقة، وهذا معروف وتقدم معنا مراراً. فالنبي عليه الصلاة والسلام قبل هدية المقوقس عظيم أقباط مصر لما أهدى له جاريتين وبغلة. وقبل من النجاشي كما جاء في الحديث الصحيح عندما أهدى له خاتماً من ذهب وله فص حبشي، فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام يبعده عنه ويتنزه عن الإمساك به، حتى أتت حفيدته أمامة بنت أبي العاص بن الربيع رضي الله عنهما وقال لها: «خذي هذا يا بنية».
وأهدى ملك أيلة للنبي عليه الصلاة والسلام بغلة بيضاء، فكساه الرسول عليه الصلاة والسلام برداً. كذلك أهدى كيدر دومة الجندل إلى النبي عليه الصلاة والسلام حلة. فهذه النوعية من الهدايا فيها ترقيق القلوب وتحبيب أولئك الكفار في دين الله عز وجل، وتقبل الهدية لا شك أنه من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. الرسول قد أخبر عن نفسه عليه الصلاة والسلام أنه لو دعي إلى كراع لأجاب، مما يدل على أن حقارة الهدية لا تدل على مكانة المهدي ولا المهدى إليه، إنما النفوس الطيبة تقبل ما جاء بطيب نفس.
كذلك سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما دخل هو وسارة إلى مصر، قام الملك الكافر بمحاولاتها فرد الله كيده في نحره، وما استطاع أن يصل إلى سارة، استعاذ بالله من شرها، وأنها قال كما يزعم أنها شيطان لأنها استعاذت بالله الذي عصمها منه، فأهدى لها هاجر رضي الله عنها، وهي التي أهدتها بدورها إلى إبراهيم، وهي أم نبينا إسماعيل عليه الصلاة والسلام.
الإهداء أمر طيب، الصلة والبر هو من صلب ديننا للمسلم ولغير المسلم. أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عندما أتت أمها تزورها فاستأذنت النبي عليه الصلاة والسلام قائلة: قدمت علي أمي وهي مشركة، قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم، صلي أمك». إذاً الصلة بالبر والهدية. عمر رضي الله عنه أهدى أخاً له في مكة حلة وهو مشرك قبل أن يسلم أخوه، فإذاً الهدايا وهذا النوع من الإهداء طيب ومرغوب به في الإسلام.
لكن إن كان سيسبب أن يتقوى الكافر بهذه الهدية على المسلمين فيؤذيهم ويتمرد عليهم ويتجبر، فإذاً لا يهدى إليه ولا كرامة. وهذا غالب في أمور الإسلام كلها أنك تحكم على الأمور بمآلاتها، فإن كان يرجى من الهدية خير فهذا خير، وإن كنت تعلم أن الهدية هذه يترتب عليها المآل معصية وإثم، فلا يجوز. امرأة تسأل: هل يجوز أن أهدي شنطة مكياج إلى امرأة أعرف أنها متبرجة وسافرة؟ الجواب: لا يجوز؛ لأنها ستستخدم هذا الأمر في محرم، فالعبرة بالمآلات، وبهذا نقيس ونستطيع أن نعرف المصالح والمفاسد قبل فعل هذه الأمور.
النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم استجاب لدعوة اليهود حين دعوه للطعام، كما في حديث اليهودية التي دعت النبي عليه الصلاة والسلام إلى شاة ذبحتها، أكثرت من وضع السم في كتف الشاة لما عرفت أنه أحب اللحم إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك لم يقتلها عليه الصلاة والسلام ولم ينتقم منها، لأنها بررت فعلها: قالت إن كنت نبياً أنبئت بذلك، وإن لم تكن نبياً أرحت الناس من شرك، الرسول لم يقتلها، ولكن عندما مات صاحبه الذي أكل معه وطالب أهله بالقصاص، قتلها عليه الصلاة والسلام قصاصاً بناءً على طلبهم لا انتقاماً لنفسه.
ولا يخفى على أحد أن تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع الكفار بهذه الطريقة الراقية ليس حباً فيهم ولا لدينهم ولا إكراماً لهم، بل رغبة في دعوتهم إلى الإسلام. والمسلم إن كانت هذه نيته وإن كان هذا الأمر متأصلاً في تعامله، لا بد أن ينتج الله عز وجل من ورائه خيراً عظيماً، ولا بد أن يكون كما جاء في القرآن مباركاً حيثما كان. فإن اختلط مع الكفار بالضوابط الشرعية، فإن اختلاطه بهم يكون له أثر إيجابي على الدعوة إلى الله عز وجل، على أقل تقدير في الدفاع عن سمعة الإسلام المشوهة التي يحاول أعداء الله عز وجل تلطيخها بالإرهاب وبالعنف وبالدموية وبكل شيء سلبي.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعامل مع اليهود والمشركين ويتعايش معهم، فهم موجودون بيننا في مجتمعاتنا، ولم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بمقاطعتهم، وهذا فرق: عدم اتخاذهم أولياء، عدم اتخاذهم بطانة، لأن هذه أمور قلبية؛ المحبة والمودة والولاية والتولي هذا أمر محرم، لكن التعامل الجسدي بالإحسان بالبر بالمعاملة اللطيفة، هذا أمر مقبول بل مرغوب فيه لأنه يفتح باباً من أبواب الدعوة. فالبيع والشراء والإجارة والاقتراض، هذا كله كان يتعامل به النبي عليه الصلاة والسلام، ومن يعرف دين الإسلام أكثر منه عليه الصلاة والسلام.
لكن ما يعني ذلك أننا نقربهم ونتخذهم بطانة. عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه يخبرنا عن رجل مشرك طويل مشعان أتى بغنم، فاشترى منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع اليهود والنصارى والمشركين بالتجارة أمر مباح. أمنا عائشة تخبرنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقترض من يهودي وجعل درعه رهناً عنده، هذا أيضاً يدل على جواز الاقتراض، ويجوز رهنهم السلاح، وهذا في حال من لا يقاتل المسلمين.
أمنا عائشة تخبرنا أن في الهجرة، عندما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر، استأجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر رجلاً مشركاً عالماً بالطرق كي يقودهم ويأخذهم إلى المدينة. فإذاً استئجار المشرك أمر مباح في الإسلام، فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بل في عام خيبر، عندما فتح الله عز وجل خيبر ووسع الله على المسلمين، النبي عليه الصلاة والسلام عامل أهل خيبر عوضاً عن أن يجليهم كما أجلى بنو قينقاع وبنو النضير، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يجلِ أهل خيبر.
نحن نعلم أن بني قريظة قد خانوا العهد وتكالبوا مع المشركين من بني غطفان ومن قريش على وأد الإسلام وقتلهم، ولذلك عاقبهم النبي عليه الصلاة والسلام بعقوبة الله من فوق سبع سماوات التي حكم بها سعد بن معاذ رضي الله عنه بأن يقتلوا. لكن أهل خيبر من اليهود، النبي عليه الصلاة والسلام لاتساع أرجائها كان في حاجة إلى من يعمل فيها، فاستعملهم وزارعهم وعاملهم على أن يزرعوا هذه الأرض ونصف خراجها يكون للنبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين والنصف الآخر يكون لليهود.
فاصل وبعدها نواصل بإذن الله.
القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لا بد من استعمال مفاتيحه وهي آداب تلاوة القرآن؛ فمنها إخلاص النية لله تعالى، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقرآن.
يقال له: قرأت القرآن ليقال هو قارئ. ومنها التسوق والتطهر من الحدث الأصغر، واستقبال القبلة. وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان، ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف. وكان ابن عباس يقول: لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله. ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب.
ويستحب الاجتماع لتلاوة القرآن وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما القول الفاصل في استخدام واستعمال الكفار؟ هل يجوز أو لا يجوز؟ من الناس من ذهب إلى أن استعمالهم بإطلاق جائز، فالنبي عليه الصلاة والسلام استأجر يهود خيبر للعمل فيها، واستأجر في الهجرة مشركاً خريطاً ماهراً كي يقودهم إلى المدينة، وتعامل مع اليهود بالاقتراض والرهن ونحو ذلك. فمنهم من ذهب إلى فتح الموضوع، ومنهم من منع من ذلك مطلقاً لوجود بعض الأدلة.
والصحيح أنه يجوز استعمال الكافر واستئجاره واستخدامه، ولكن بضوابط شرعية؛ فمن ضمن ذلك مثلاً لا يجوز للمسلم أن يعمل تحت الكافر فيما هو إهانة له وللإسلام، فلا يجوز للمسلم أن يعمل عند الكافر كخادم أو كسائق لما في ذلك من إذلال للمسلم وامتهان له، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. ومن المحزن والله أن ترى في بلاد الإسلام كافراً وفي بيته خادمة مسلمة تعمل وتسخر لخدمته وخدمة أهله، أو أن ترى سائقاً يعمل عند هذا الكافر يأتمر بأمره وينتهر بانتهاره إياه، هذه مصيبة ولا يجوز، وهذا كلام جماهير فقهاء المسلمين.
أما إن عمل عملاً محدداً مثل أن يكون خياطاً له ولغيره، أو مزارعاً له ولغيره، فهذا لا حرج. ولا شك أن حال المسلمين يرثى له في بلاد الإسلام، تتعجب أن ترى كافراً مديراً تنفيذياً أو رئيساً لشركة ويعمل تحته المسلمون مع أن أمثاله في المسلمين بالمئات بل بالألوف! يتسلط هؤلاء الكفار على رقاب المسلمين يعرفون كل صغيرة وكبيرة في اقتصادهم وربما في سياساتهم، وينشرون تلك الأسرار إلى زعمائهم وجماعتهم، والمسلم كما نقول بالعامية يا غافل لك الله عز وجل.
كلنا يعلم قصة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان والياً لعمر، عندما كان يأتي إلى المدينة فيدخل المسجد ويجلس ويجتمع مع عمر، لأن مكان الاجتماعات وإدارة الدولة في العصور المضيئة كانت في المسجد في بيت الله عز وجل، تعقد الألوية في المسجد وتخرج الجيوش من المسجد. عمر رضي الله عنه نظر في دفتر الحسابات وفي الدواوين فأعجبته الكتابة وأشكل عليه بعض الأمور، وأمر أبا موسى الأشعري أن يدعو كاتبه كي يقرأ عليهم ويفسر لهم، فتعذر واعتذر أبو موسى رضي الله عنه بأن الكاتب لا يستطيع الدخول إلى المسجد. فسأله عمر: أجنب هو؟ قال: لا ولكنه نصراني، فغضب عمر من ذلك وقال: ألا اتخذت حنيفاً؟ أي لماذا استعملت نصرانياً؟ لم لم تستخدم مسلماً؟ وفي رواية أن أبا موسى قال: إن لي كاتباً نصرانياً، فقال له عمر: ما لك قاتلك الله! ألا اتخذت حنيفاً؟ أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 51].
فقال أبو موسى: له دينه ولي كتابته. وهذا المنطق موجود وللأسف الشديد عند كثير من المسلمين، نفعه وكفره وشركه على نفسه، أنا ليس لي في ذلك أي يد وليس عليّ من ذلك أي ضرر، هذا مفهوم الكثيرين: له دينه ولي كتابته. فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه مقولته التي خلدها التاريخ: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله. عمر جعل الفاصل أبداً ما يمكن.
فأبو موسى تعذر بعذر آخر، فقال: لا يتم أمر البصرة إلا به. قال له: يا أمير المؤمنين هذا النصراني وإن كان نصرانياً ولكنه ماهر ذكي، أمر البصرة من الحسابات ومن كتابة الدواوين وضبط السجلات يضيع بدون هذا الرجل. قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: مات النصراني والسلام! ماذا يعني ذلك؟ يعني أن تزعم أن أمر البصرة يضيع بدونه، لو مات النصراني هذا ما الذي يحصل للبصرة؟ سنأتي بآخر ونتدبر، خلاص انتهى الموضوع، مات النصراني والسلام.
وهذا للأسف الشديد ما هو موجود في كثير من بلاد الإسلام والمسلمين، تجد شركة كبرى ويعين عليها نصراني أو هندوسي، تجد إدارة فيها مئات بل آلاف من الموظفين يؤتى بامرأة، سبحان الله خلت البلاد من الرجال! يؤتى بامرأة ونصرانية ما عندها من المزايا والعلم والقدرات التي لا توجد عند أهل هذه البلاد من المسلمين. لا شك أن هنالك خللاً في تفكير أولئك الذين يأتون بهؤلاء الكفار فيعينونهم في تلك المناصب، ويوجد خلل أيضاً في تدينهم وعلمهم.
أما عرف أولئك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». أما سمعوا قول عمر: لا أدنيهم بعد أن أبعدهم الله أو أقصاهم، ولا أكرمهم بعد أن أهانهم، ولا أعزهم بعد أن أذلهم، مات النصراني والسلام. فإذاً هذا الخلل الموجود عندنا نحن كمسلمين مرده إلى عقدة نقص والظن أن الأجنبي من ذوي البشرة البيضاء والعيون الزرقاء هذا يفهم أكثر منا، وربما كان سبب هذه العقدة قدحاً في دين الإسلام، كأن يقول الإنسان هذا الكافر يفهم أكثر من المسلمين، وهذا طعن في الدين.
هذا يوجد مع بعض المستخدمين في البيوت، عندما تجد أحداً يقول: أتيت بخادمة مسلمة فلم تصلح، وثانية فلم تصلح، وبالثالثة فلم تصلح، فأتيت بنصرانية فارتحنا في البيت معها، فكأنما رُد الارتياح لدينها لا لأن أولئك لم يكونوا مدربين أو مؤهلين. إذاً هذه مسألة يجب أن يتفطن إليها، وأن يعرف المسلم كيف يتعامل مع غير المسلمين، الضوابط التي تبيح له أن يستأجرهم وأن نستعملهم، والموانع بأن لا يكونوا بطانة، بأن لا يكونوا متنفذين، بأن لا يكونوا مطلعين على أسرار المسلمين ومتحكمين في أمورهم وشؤونهم. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم