تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - وفاؤه ﷺ وحفظه للعهد

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خلق الوفاء كان من الأمور التي عرف بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خلق حميد جميل، لكن ما يتمتع به إلا الرجال الذين بنوا مجدهم وخلدوا أثرهم بحسن خلقهم. جبير بن مطعم رضي الله عنه قال له النبي عليه الصلاة والسلام في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي -يعني لو كان أبوك، لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النَتْنِ لتركَتُهُم له. يتحدث عليه الصلاة والسلام عن أسرى بدر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما نسي الفضل، وأن المطعم بن عدي وهو أبو جبير، ما نسي عليه الصلاة والسلام أنه كان مشركاً، ولكنه كان من أشد من قام في أمر نقض الصحيفة الظالمة التي ذهب فيها بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى حجر أبي طالب ومكثوا هنالك في شعب أبي طالب ثلاث سنوات.

كان المطعم من أشد الناس نقضاً لها، وهو الذي أجار النبي عليه الصلاة والسلام عندما عاد من الطائف، ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم في جواره، فكفت قريش يدها عنه صلى الله عليه وآله وسلم. فتذكر معروفه وفضله ولم ينسه على الرغم من أنه كان مشركاً، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينسى الفضل لذي الفضل، وذلك من وفائه.

وإن ذهبنا ننظر إلى وفائه عليه الصلاة والسلام لأقرب الناس إليه، لوجدناه وفياً أشد الوفاء لأمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها، فقد أحبها حبا جما ملك عليه قلبه وفؤاده، لذلك جعلها الله عز وجل بفضله ومنه وكرمه سيدة أهل الجنة، سيدة نساء الجنة. وكان عليه الصلاة والسلام من حبه لها يثني عليها ثناء لم يثنه على أحد من النساء قبلها ولا بعدها.

فعندما كانت تتذمر أمنا عائشة من إحسانه إلى صويحباتها بعد وفاتها ومن كثرة ذكره مناقبها وهي ميتة، عندما كانت تغار من ذلك وتتذمر، كان عليه الصلاة والسلام يقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها الولد. ونعلم أنها رضي الله عنها وأرضاها أتت للنبي عليه الصلاة والسلام بالقاسم وعبد الله -أو الطاهر أو الأمين- وببناته الأربع، ولم يرزق من النساء عليه الصلاة والسلام بشيء من الولد إلا بإبراهيم من جاريته مارية القبطية. فكان عليه الصلاة والسلام يذكر مناقبها ومحاسنها وأفضالها عليه رضي الله عنها وأرضاها، إلى درجة أن أمنا عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي عليه الصلاة والسلام ما غرت على خديجة، وما رأيتها -النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يثني على أحد من نسائه الاحياء أمام الأخرى.

وهذا من حسن التعبد، من حسن الأدب، من رجاحه العقل، أن تجلس مع امراتك وتقول: والله أم فلان فعلت وعملت، وأم فلان طبخ الطعام هذا أفضل من طبخك، أو أنها تعمل كذا، أو أنها أعطتني هدية، أو أن يا أخي، أنت لو كنت عاقلا لعلمت أن من أسباب السعادة أنك إن كنت عند زوجتك لا تعاملها إلا كأنها زوجتك الوحيدة، ما كان عندك زوجة أخرى، أما أن تقارن أو أن تذكر المراه الأخرى في محضرها وفي مجلسها، فهذا لا شك أن يعني فيه خللا في عقل الإنسان.

مكانة أمنا خديجة عند النبي عليه الصلاة والسلام عظيمة، إلى درجة أن عائشة غارت منها وهي لم ترها، فكيف لو راتها؟ تقول أمنا عائشة -والحديث فيه في إسناده يعني كلام، لكنه مما يذكر في مناقب أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها- تقول: استأذنت هاله بنت خويلد اخت خديجة على النبي عليه الصلاة والسلام، سلمت، فعرف استئذان خديجة رضي الله عنها يعني من استئذان هاله، صوت صوتها يشبه صوت خديجة، فتذكر خديجة فارتاع لذلك، فقال: اللهم هاله؟ يعني هل هذا، هل هي هاله؟

قالت أمنا عائشة: فغرت، أصابتني الغيرة، كيف الرسول عليه الصلاة والسلام بعد عشرات السنين يسمع صوت امراه ذكرته بخديجة ويحصل فيه ما حصل من هذا الوله والحب الذي لا يخفى عند تذكره لامراه ماتت من سنين صلى الله عليه واله وسلم ورضي الله عنها. فقالت عائشة من فرط الغيرة وهي امراه صغيره شابه تقول: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد ابدلك الله خيرا منها! يعني تلوم النبي عليه الصلاة والسلام، تقول له: إلى يومنا هذا وانت تتذكر تلك المراه العجوز حمراء الشدقين، التي يعني اللثه عندها حمراء لتساقط الاسنان من كبرها في السن، وقد هلكت في الدهر ماتت انتهى الموضوع، قد ابدلك الله خيرا منها!

فتمعر وجهه صلى الله عليه واله وسلم، تغير، تقول: تمعر وجهه تمعرا ما كنت اراه الا عند نزول الوحي. فقال صلى الله عليه واله وسلم تلك الجمله الخالده التي تظهر وفائه صلى الله عليه واله وسلم لزوجته وحبه خديجه، فماذا قال؟ هذا ما سوف نعرفه بعد الفاصل، فانتظرونا.

إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف، وكان ابن عباس يقول: لأن أقرا سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله. ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع على تلاوة القرآن وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده».

عند ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لزوجته خديجة رضي الله عنها وأرضاها وغيرت أمنا عائشة لم تتمالك نفسها ذات يوم، فقالت تلك العبارة القاسية التي ما صدرت إلا عن محبة وغيرة، وهذه الغيرة الطبيعية في النساء لا يمكن أن تخلو المرأة منها وإلا كان بها مرض، قالت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها؟!

فتمعر وجه النبي عليه الصلاة والسلام تَمَعُّراً تقول: ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي، ونعلم شدة نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال وهو غضبان -مع أنه يحدث من يحدث، عائشة أحب الناس إلى قلبه من الأحياء، وابنة أحب الناس إلى قلبه من الرجال الصديقة بنت الصديقة التي كان يعزها ويحبها ويدللها، ما تزوج بكراً قبلها ولا بعدها عليه الصلاة والسلام فلها من المكانة ما لها، ومع ذلك: إنما الحب للحبيب الأولِ- قال: «ما أبدلني الله خيراً منها؛ آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء».

انتصر عليه الصلاة والسلام وفاء منه لحبه الأول، امرأة قد ماتت. لو أن النبي عليه الصلاة والسلام سكت لما حصل شيء، لو أن الرسول أرضى عائشة عليه الصلاة والسلام بقبوله بما قالت لما حصل شيء، لكن ما كان للرسول عليه الصلاة والسلام أن يسكت عما يراه ظلما واضحا صريحا لصاحبة الفضل والوفاء، فما كان من بد إلا أن يظهر هذا الوفاء، وأن يعرفها بمكانة خديجة رضي الله عنها وأرضاها.

فقالت عائشة: والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير. أما وقد عرفت مكانة خديجة وحب النبي عليه الصلاة والسلام لها، بعد الآن لن تذكرها إلا بخير.

النبي عليه الصلاة والسلام كان شديد الوفاء لحبه لخديجة رضي الله عنها وأرضاها، فكان ربما يذبح الشاة ويقسم أجزائها فيتتبع بها صدائق خديجة فيهديها لهن فيقول: «هذه كانت خديجة تحبها، وهذه كانت صديقة لخديجة». وهذا والله من حسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب، وإكرام أهله.

أين هذا عباد الله ممن يتنكر لزوجته وهي على قيد الحياة؟ أين هذا الوفاء لمن يتنكر لمن عاشت معه عقوداً من الزمن، عشرين، ثلاثين سنة، صبرت معه وكدحت من أجله، وربما أعانته بمالها على بناء منزله؟ أخوات يتصلن: تعمل في التعليم من عشرين أو ثلاثين سنة وتضع مالها كله في يد زوجها كي يبني بيته، حتى إذا فرغ من بناء البيت وقضاء الديون تزوج عليها أخرى وأسكنها في بيتها وطردها هي وأولادها إلى شقة، ويجحدها مالها ويقول: ما لك شيء، هذا بنيته من كدي وتعيبي!

هل هذا من الرجال لا والله! ما هذا بأخلاق الرجال، ولا يمت هذا إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام بصلة. أين وفاء الرسول عليه الصلاة والسلام للأموات من خيانة وغدر هذا الدعي للأحياء؟

النبي عليه الصلاة والسلام من حبه لأمنا خديجة كافأها بأنه لم يتزوج في حياتها غيرها، مع أنها كانت أكبر منه سناً وتزوجت قبله عليه الصلاة والسلام، ولكن من حبه ووفائه لها عليه الصلاة والسلام وتقديره لمعاناتها وكدحها معه، قالت أمنا عائشة: لم يتزوج النبي صلى الله عليه واله وسلم على خديجة رضي الله عنها حتى ماتت.

والرسول صلى الله عليه واله وسلم ما مكث مع امراه اكثر مما مكث مع خديجه، تزوجها وهو ابن 25 سنه، وتوفاها الله تعالى وهو ابن 50 -يعني مكثت معه 25 عاما- وبقية نسائه ما مكثنا معه اكثر من 11 عاما مجتمعات. فلذلك ان ذكرت خديجه رضي الله عنها وأرضاها فاعلم انها الحب الذي احبه النبي عليه الصلاة والسلام، وظل وفيا لحبها الى ان توفاه الله رضي الله عنها وأرضاها.

من حسن العشرة أن يصرح الزوج لزوجته بحبه لها. إذا كان في ديننا أن الرجل إذا أحب رجلا في الله فإن من السنة أن يعلمه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه»، هذه المشاعر التي يكبتها كثير من المسلمين من الرجال خطا منهم ما يفعلون، وليس نقصا في رجولتهم أن يظهروا مشاعرهم كما يظن البعض عندما راى ذلك الاعرابي النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقبل احد احفاده الحسن أو الحسين، فقال له: تفعل هذا؟ إن عندي عشرة من الأولاد ما قبلت أحدهم قط! يعني كما يقال بالعامية: فرحان يا اخي؟ هل هذا امر تحمد عليه؟

قال عليه الصلاة والسلام: «أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟» هذا أمر خطير، جفاف المشاعر وعدم إظهار الحب هذا أمر ليس من السنة وليس من العقل. كان صلى الله عليه واله وسلم لا يخفي مشاعره، كما جاء في حديث عمرو بن العاص عندما سال النبي عليه الصلاة والسلام عن احب الناس اليه، قال: أبو بكر. في البدايه قال عليه الصلاة والسلام: «احب الناس الي عائشه». فقال له عمرو: من الرجال أَعْني؟ فقال: أبوها أبو بكر.

فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يداري هذه المشاعر بل كان يظهرها، وأمنا عائشة كانت تبادله بمثلها، والله إني لأحبك وأحب قربك، وهو يقول: «ذريني يا عائشه، ذريني أتعبد ربي».

فإذاً، إظهار المشاعر فيه إدامة للمحبه والموده بين الزوجين، فينبغي على الزوج الحصيف العاقل أن يظهر ذلك لزوجته، والآن بفضل الله تعالى وسائل وسائل الاتصال الحديثه الواتساب، الرسائل تستطيع أن تظل على تواصل وإظهار للمشاعر، كل خمس دقائق الكلمه الطيبه صدقة. فاصل بعدها نواصل بإذن الله.

للايمان اركان لا يتم الا بها، فاذا سقط منها ركن لم يكن الانسان مؤمنا، وهي سته:

الايمان بالله، ويشمل الايمان بربوبيته، اي بانه الخالق المالك المدبر، وبالوهيته، فلا معبود بحق الا الله وكل معبود سواه باطل، وباسمائه وصفاته، فله الاسماء الحسنى والصفات العليا.

ونؤمن بالملائكه، وانهم مخلوقون من النور، وانهم عابدون لله مطيعون، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولهم اعمال كلفوا بها، فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالمطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور.

ونؤمن بالكتب، انزلها الله على رسله حجه على العالمين ومحجه للعاملين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ومنها التوراه والانجيل والزبور وصحف ابراهيم وموسى، واعظمها وخاتمها القران العظيم، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48].

ونؤمن باليوم الاخر، وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر وصحائف الاعمال والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعه والجنه والنار.

ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته، وله اربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئه، والخلق.

فثبت ايمانك بالعلم والعمل، واحذر من شبهات المشككين، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].

السلام عليكم ورحمة الله، لابد لنا كمسلمين أن نتدارس سيرة

النبي عليه الصلاة والسلام لكي نعلم الأفضل والأمثل في التعامل مع الزوجات، إظهار الحب، وقد كان يفعله عليه الصلاة والسلام، لكن لم يكن يفعله أمام نسائه؛ يعني ما يذهب إلى صفية فيقول لها: والله اني أحب عائشة أكثر منك. ما يكون هنالك خصام أو شيء من الكلام بين زينب وبين عائشة ويقف في صف إحداهن أبداً، كان يقف موقف المحايد، ولا يظهر عليه الصلاة والسلام، وإن أظهر شيئاً فهو ليس بالشيء الذي يذكر.

كما حدث في الحديث الصحيح أن زينب أتت إلى الرسول عليه وسلم ووقعت في عائشة، وعائشة لا ترد عليها والرسول ساكت، فلما انتصرت عائشة لنفسها وردت عليها بالرد المفحم بعد أن لمست من النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعني يعطيها الإذن، قال صلى الله عليه وسلم: «هذه بنت أبي بكر». هذا هو أقصى المدح. إظهار المشاعر ووجود شيء من الألفة والحب في البيت يضفي على أهل البيت، حتى من الأطفال، شيء من الحنان والرحمة والعطف.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل زوجاته، وربما قبل نساءه قبل خروجه إلى الصلاة، وهذا من الأدب ومن السنة أنك تقبل امرأتك إذا دخلت وإذا خرجت المنزل. والبعض قد يعني يستنكر ذلك ويقول: هذه شغلانة هذه تاخذ وقت تاخذ جهد! سبحان الله، هذا فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. تقول أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. بل حتى وهو صائم كان يقبل نساءه ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لأربه صلى الله عليه واله وسلم.

أين المسلمون الآن من هذا التعامل؟ الإحسان إلى المرأة من إشباع عاطفتها وطبيعتها العاطفية بالكلمة، باظهار المودة، بالهدية، بالقُبلة عند الخروج وعند الدخول، كنوع من أنواع إظهار العاطفة والمشاعر. النبي عليه الصلاة والسلام تجاوز ذلك، فكان كما تقول أمنا عائشة: كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي عليه الصلاة والسلام فيضع فاه على موضع فيشرب؛ يعني يضع فمه على موضع فمها من الإناء كي يشرب منه. وتقول: وأتعرق العرقة، يعني آخذ العظمة اللي فيها لحم وأنتهس منها أكل منها، فيأخذ الرسول عليه وسلم مني هذه العظمه وينظر أينما عضدت فيعض منها وأنتهس وأنا حائض.

بمعنى أنه الحائض ما كان الرسول عليه والسلام يهجرها وينبذها لأنه ما منها فائدة وما استطيع أن انتفع بها فهي امرأة في نجاسة وعلى غير طهارة؛ أبدا، كان يشعرها وهي في تلك الحال بأنها محبوبة لديه وأنها محظية في قلبه رضي الله عنها وصلى الله وسلم على رسولنا محمد. إذا هذا حاله عليه الصلاة والسلام كما روى الإمام مسلم. فأين الرجال من هذا التعامل؟ امرأته تقول يقول لها: آتيني بملعقة. تقول له: خذ ملعقتي كل بها. يقول: اذهبي فاغسليها بالديتول، أو يقول لها: اغسليها سبع مرات بالتراب! أعوذ بالله، أفي عقلك أنت؟ يقول: يا شيخ أكلت بها. سبحان الله! النبي كان يشرب من نفس المكان وينتهس اللحم من نفس المكان، أنت خير من النبي عليه الصلاة والسلام؟! وأي حب يبقى في قلبها لك بعد أن تكلمت بمثل هذا الاسلوب وأنت تقرف وترفأ عن الاكل مما استخدمته؟

النبي عليه الصلاة والسلام كان يعامل نساءه بطريقة حقيقة ليست كما يفعل الرجال، كان يتكئ على حجرها وهي حائض يضع رأسه ويتخذه وسادة ويقرأ القرآن؛ ما يقول والله لابد أن أبتعد عنها وما يصلح أن يقرأ القرآن أبداً. ينام معها في لحاف واحد وهي حائض كما تقول أمنا أم سلمة. وكان يغتسل مع زوجاته صلى الله عليه واله وسلم، يعني أشد الأمور حميمية. وهذا من حكم الله عز وجل، قد يسأل الإنسان لماذا تزوج النبي عليه الصلاة والسلام النساء؟ لأن الله عز وجل قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]. والحكمة القرآن وعرفناه نتعلمه من الصحابة من أمهات المؤمنين، أما حكمة السنة فهذه أمور حميمية خاصة ما يعلمها الصحابة، لذا كانت زوجات النبي عليه الصلاة والسلام معلمات للأمة عن أحواله الشخصية.

كانت تغتسل مع النبي عليه الصلاة والسلام ويغترفان من إناء واحد فيقول لها: دعي لي. وتكون تقول له: دع لي. يعني يختصمان على الماء وما بقي منهم. ماذا يفعل الرجال اليوم؟ قد البعض يتورع من أن تغسله امرأته أو هو يغسلها، وهذه من الأمور الحميمية الجميلة بين الأزواج، لكننا لبعدنا عن السنة ما نعلم ما هو حاله صلى الله عليه واله وسلم بل نتعامل بالعكس من ذلك. فمنا من يضرب، وممنا من يشتم، ومنا من يقبح الوجه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تضربوا». والله ما ضرب النبي عليه الصلاة والسلام امرأة قط ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله، ما استخدم يده إلا في جهاد، ويوصي يقول: «استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً».

سبحان الله، البعض يريد كما يزعم ويدعي أن يربي زوجته وبتربيته زوجته يعني هذا الخطا أنا لازم اصلحه، طيب هذا الخطا في طبعها لا ما تردي علي لما أتكلم، ما تفتحي فمك لما أمر بشيء قولي حاضر لا تجادليني، يا اخي ما يصلح هذا الأمر ما يصلح، لابد من المداراة، لابد من التغافل، لابد من حسن الخلق. انظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل ويفعل يقول: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها». طيب ايش نسوي هي هكذا جبلها وخلقها الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فدارها تعش بها». لابد من المداراة.

البعض يقول: الرجال من المريخ والنساء من الزهرة، كما في بعض الكتب الغربية. تفكير الرجال يختلف عن تفكير النساء، فأنت ما تستطيع أن تجعل امرأتك كالرجال، وأنت لا تستطيع أن تفكر كالنساء. الرجال بطبعهم ما يحب أن يتحدثوا عن العمل أو عن أشيائهم الشخصية أو أسرارهم أو عن مكنونات صدورهم بينما النساء يريدن ذلك ويحببنه. فلا بد أن يتنازل الرجل شيئاً ويستمع ويشارك امرأته، ولا بد من المرأة أن تتنازل قليلاً فلا تفتح قلبها بالكامل وتضيع الأوقات وتراعي أحوال زوجها وعمله. ولو أفلح الزوجان في معرفة التعامل والتفاهم والتواصل سوياً لأفلح ولنجح كثير من البيوت في جعل المودة والرحمة بينهم.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر». لا يبغض مؤمن مؤمنة خلقاً؛ يعني المرأة فيها من الأشياء ومن النقص الشيء الكثير كما أن في الرجل من النقص والاشياء السيئة الشيء الكثير، لكن العاقل هو الذي ينظر إلى النصف الممتلئ من الكوب عوضاً عن أن يصفه بقوله نصفه فارغ. والكوب ذاته إن تنظر إلى الكوب إن كنت متفاعلاً وعاقلاً تقول نصفه مليء، وإن كنت متفائلاً أو متشائماً تقول نصفه فارغ. فانظر إلى زوجتك بهذا الأسلوب النبوي، وانظر إلى محاسنها تغفل باذن الله عز وجل عن مساوئها إن وجدت، هذا والله أعلم ونسبه العلم إليه أسلام، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.