تسجيل الدخول

المحاضرة 1 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - هديه ﷺ في معاملة زوجاته

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم في أولى دروس السيرة للفصل الثالث: سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

الإسلام هو خاتم الأديان وهو أفضلها بلا شك ولا ريب، الله عز وجل أرسل إلينا أعظم رسله وأنزل عليه أفضل كتبه، وما أرسل ربنا عز وجل النبي عليه الصلاة والسلام إلا ليقتدى به. أعطى كل واحد منا كتابه ليقرأه ويعمل ما فيه، إلا أن الله عز وجل اصطفى من البشر محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وارسله إلينا رحمة للعالمين ومبيناً لنا الذكر الحكيم، آمراً إيانا بأن نتبعه في كل صغيرة وكبيرة، كما قال ربنا عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

ولو تأملت حولك لوجدت أن الأزمات كثيرة ومتعددة وتحيط بالمسلمين من كل جانب، ولعل من أعظم أسباب هذه الأزمات بعد الناس عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجهلهم بسنته وسيرته وإخفاقهم في التمثل بها والتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم. اليوم نحن في أمس الحاجة إلى التعرف إلى هديه وسنته في التعامل مع جميع طوائف المجتمع؛ المسلمون لديهم أزمة حقيقية في التعامل مع الزوجات والأبناء، مع الأقارب والأصحاب، مع المرضى، مع المبتلين، مع الأغنياء والفقراء، مع الخدم والضعفاء. كل أولئك النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعامل معهم بطريقة معينة، ونحن كمسلمين قد أخفقنا في اتباع سنته والاهتداء بهديه صلى الله عليه وآله وسلم.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان له تعامل متميز مع زوجاته، ولذا صنف كثير من العلماء في تعامله عليه الصلاة والسلام مع أهله ككتاب عشرة النساء وما جاء ذكره في الشمائل المحمدية. ومعظم هذه الكتب التي تحدثت عن شمائله وصفاته عليه الصلاة والسلام تفرد أبواباً كثيرة لتعامله مع النساء، النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج الكثير من النساء، فزوجاته صلى الله عليه وآله وسلم هن أمهاتنا أمهات المؤمنين، وينبغي للمسلم المحب للرسول عليه الصلاة والسلام ولاهله ولآل بيته أن يعرف أمهات المؤمنين وأن يجلهن وأن يعرف سيرته وهديه.

فمن ذلك أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها، وهي التي تزوجها صلى الله عليه وآله وسلم ومكث معها أطول ما مكث مع امرأة؛ مكث معها خمسة وعشرين عاماً صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنها. وتزوج صلى الله عليه وآله وسلم عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش ابنة عمته عليه الصلاة والسلام، كما تزوج زينب بنت خزيمة، وأم سلمة هند بنت أبي أمية. وتزوج أم حبيبة رمله بنت أبي سفيان، وتزوج ميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عن أم المؤمنين جميعا.

توفاه الله عز وجل وتحته تسع منهن، وماتت خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة رضي الله عنهما قبله صلى الله عليه وآله وسلم، واختلف العلماء في مارية القبطية والصحيح أنها سرية للنبي عليه الصلاة والسلام وملك يمينه ولم تكن زوجة من زوجه صلى الله عليه وآله وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر بالاحسان إلى النساء عامة ويختص بذلك الزوجة، وسياتي ما في ذلك، كما أنه كان يوصي بالبنات: من ابتلي ورزق من البنات بشيء فأحسن تربيتهن وتأديبهن وزوجهن كن له حجاباً من النار؛ ثلاثاً أو اثنتان، حتى لو قلنا له واحدة لقال واحدة أيضاً.

يوصي عليه الصلاة والسلام بالاهتمام بالأرامل النساء اللاتي فقدن أزواجهن، كل ذلك يدلك على أن اللحمة الاجتماعية ليس مصدرها ومنبعها العواطف، إنما هو الدين؛ الشرع قد أتى ليكمل هذه الأخلاق ويجملها ويكملها، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق كما يقول صلى الله عليه وآله وسلم. ومن هذا القبيل ينبغي للمسلم أن يتبع هذه الأمور اعتقاداً منه أن هذا من الدين أولاً، كي يثاب على فعله وكي يحتسب الأجر عند عمله، وأن ذاك يفوز بخيري الدنيا والآخرة.

فاصل قصير بعدها نواصل بإذن الله فكونوا معنا.

﴿وَمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مَنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

ومن رحمة الله تعالى بعباده الرخص لهم في المسح على الخفين والجوارب في الوضوء بدلا من غسل الرجلين، وذلك بالمسح مرة واحدة أعلى الخف الأيمن باليد اليمنى وأعلى الخف الأيسر باليسرى مفرجاً أصابعه، مبتدئاً من أصابع رجليه إلى بداية ساقيه، يمسح على الخفين معا أو يبتدئ بالخف الأيمن ثم الأيسر فالامر في ذلك واسع، بشرط أن يكون الخف طاهرا من النجاسة، وأن يكون ساترا للقدم مع الكعبين، وأن يلبسهما على وضوء كامل.

ومدته يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، يبدأ احتسابها من أول مسح بعد انتقاض الوضوء. فلو توضا لصلاه الفجر مثلا ولبس الخفين، ثم انتقض وضوءه الساعة التاسعة صباحا، وتوضا في الساعة الثانية عشرة ومسح على الخفين، فيبدا احتساب المده من الساعة الثانية عشرة لا من الساعة التاسعة. ويكون المسح في الحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر فيجب فيه الاغتسال الكامل، ومن خلع خفيه أو انتهت مدة المسح فوضوؤه صحيح ما لم ينتقض بناقض آخر. فان أراد المسح مرة أخرى وجب عليه أن يتوضا أولاً كاملا يغسل فيه قدميه ثم يلبس الخف ويراعي الشروط السابقة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر المسلمين بأمور ويأتي في المقدمة على الدوام، فهو أكمل الناس أخلاقاً وأحسنهم تعاملاً، يضرب لنا أروع الأمثله بأحاديث وقصص من السيرة تكون نبراساً لكل من أحب هذا النبي عليه الصلاة والسلام كي يقتدي به ويعمل بعمله ويسير على نهجه. النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بالاحسان إلى النساء فيقول: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً، وخياركم خياركم لنسائهم»، وفي رواية: «وأنا خيركم لأهلي».

وهذا يدلك على أن الداعية إن لم يوافق عمله كلامه كانت دعوته بلا قلب ولا روح ولا جسد، بل ربما عادت على دعوته بالضرر. فكم للاسف الشديد نرى من يدعو الناس إلى تلك الخيرية مع النساء أو إلى التعامل بالأخلاق الحسنة وهو شرس الطباع، وهو لا يؤمن جانبه ولا تثق فيه زوجته، يكذب، يخلف الوعد، يفجر في الخصومة؛ فأي إيمان يدعو إليه هذا الدعي؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وأنا خيركم لأهلي».

أغلب الناس يكون حسن الأخلاق والطباع مع الأغراب والأصحاب، حلو المنطق، حسن العشرة، إن سألت عنه أصحابه، إن سألت عنه أهل المسجد، إن سألت عنه أقاربه قالوا: نعم الرجل فلان، سريع البديعة، خفيف الظل، حاضر النكته، هذا الذي لا تمل مجالسته. ولكن هذا ليس بكافٍ؛ لأنك إذا دخلت بيته وسبرت غوره وسألت أهله لوجدت أنه لا يدخل بيته إلا متجهم الوجه، لا تعرف الابتسامة لوجهه طريقاً، كأن أهله قد قاموا بكبيرة من الكبائر أو قتلوا قريباً من أقربائه.

الناس لديهم تفريط في معاملة الزوجات وما كانت تلك هي سنته عليه الصلاة والسلام، ومن الناس من يعامل أهل بيته من هم أحق الناس بحسن صحبته يعاملهم بجلافة وغلظة وجفاف في المشاعر، يعاملهم بالتضييق عليهم والتشديد في كل الأمور حتى إن المباح يصبح محرماً والعياذ بالله، فيمنعهم من كل شيء، وربما بلغ الحال ببعضهم أن لا يستطيع التواصل مع زوجته ولا يمكنه التفاهم معها إلا بضربها وجلدها كما تجلد البهيمة. ونسمع كثيراً عما يعرف باسم العنف المنزلي، وربما يورد ذلك أو شيئا منه في وسائل الإعلام يتداوله الناس فيما بينهم.

يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير كلهن تشكو زوجها من الضرب»، قال عليه الصلاة والسلام: «ويم الله لا تجدون أولئك خياركم». سبحان الله! يصلي في الصف الأول، يصوم، يعتمر، يفطر كل اثنين وخميس في الحرام، ما شاء الله! بين المغرب والعشاء يجلس يذكر الله يصلي مع رفاقه، لكنه يضرب زوجته، ويم الله ليسوا أو لا تجدون أولئك خياركم.

قد يبرر، يقول: يا شيخ، هذه امرأة نكدية، امرأة سليطة اللسان، امرأة لا تسمع الكلام، امرأة ناشز؛ وهذا كله لا يبرر له أن يمد يده على امرأة ائتمنه أهلها عليها، هم أعطوك فلذه كبدهم وأنت نسيت كل شيء ولم ترَ إلا هذا الأمر. فمن الناس من يتخذ أيمين التشدد والتعامل والغلظة وسوء الاخلاق مع زوجته، وعلى طرف النقيض ربما تجد من الناس من يرخي الحبل ويتركه على الغارب، يترك الحزم، يترك القوامة التي جعلها الله تعالى في يده، فترى زوجته تتمتع بعدم وجود رجل يحميها، وإن كان موجوداً في المنزل لكنه لا يتصرف تصرف الرجال، فتراها تعمل مع الأجانب غير المحارم، تعمل مع الرجال، تختلط بهم، تسافر بغير ذي محرم، تخلو مع السائق، ربما تخلو مع زميلها في العمل والشيطان ثالثهما كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

يسمح لها وبناتها بالذهاب إلى أماكن الشبهات سافرة عن وجهها، مظهرة مفاتنها، تلبس ما يلفت الانتباه ويثير الغرائز والشهوات، ثم إن سالته قال: أنا أثق في زوجتي؛ هذا والله من شرار الخلق. ذاك يضرب فهو ليس من خياركم، وهذا يترك الحبل على غاربه ويشجع ويساند الفتنة والمقدمات التي قد تؤدي في نهاية الأمر إلى الوقوع في الفاحشة، فهذا والله من شرار الخلق.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان المثال والنموذج الذي يحتذى به، كان سهلاً هيناً ليناً عليه الصلاة والسلام؛ تراجعه زوجاته وهو النبي المرسل، يراجعنه في أوامره، وربما هجرته إحداهن ليلة كاملة يطالبن بالنفقه، ومع ذلك صلى الله عليه وسلم يحسن إليهن ولا يسيء. أمنا عائشة رضي الله عنها تضرب يد الجارية التي تحمل الطعام لأنها أتته من بيت صفية فتكسر الإناء وتسكب الطعام، والرسول وأصحابه عليه الصلاة والسلام ينظرون، لو هذا المنظر حصل مع أحدنا لربما طلق امرأته رجولة وشهامة وانتصاراً للحق في زعمه، لكن سيد الرجال ما فعل إلا أن ضم الطعام وللمه وقال: «غارت أمكم»، يعني لا تخافوا هذه أمكم عائشة أصابها شيء من الغيرة، وعاقبها بأن قال: «إناء بإناء، وطعام بطعام»، انتهى الموضوع. هذا هو مواقف الرجال، وهذا هو سيد الرجال صلى الله عليه وآله وسلم.

من هذه المواقف نتعلم كيف كان يعامل النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بالمقابل إن رأى منكراً أنكره، كما تقول أمنا عائشة: دخل الرسول عليه الصلاة والسلام البيت ذات يوم وقد سترت سهوة لي بشيء من الثوب فيه تصاوير، فوقف كالمغضب ولم يدخل. فقلت: أستغفر الله يا رسول الله، ماذا صنعت؟ قال: «أما تعلمين أن أصحاب هذه التصاوير يعذبون يوم القيامة؟». فالرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كانت حبيبة قلبه، إلا أنه لا يسكت عن المنكر ولا يترك لها الحبل على الغارب تصنع ما شاءت، بل حدود الله لا يتعداها وما سوى ذلك من طهي وتنظيف ونحو ذلك فكان عليه الصلاة والسلام أهون الناس وأسهلهم وألينهم.

فاصل ونواصل بعدها بإذن الله.

جهل، وظلم، وفرقة، وقطيعه، وشرك، وضلال؛ هكذا كان الحال، إذن أذذن الله بإباشراقة فجر جديد ونور يمحو تلك الظلمات؛ محمد رسول الله وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر.

فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجوده نفساً، أرحب صدراً، أشده حياءً؛ كان أشجع الناس وأهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين ويعود مرضاهم ويدعوهم إلى الخير؛ كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفق بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان.

أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين، فيقول الألماني يوهان غوته: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد. ويقول الانجليزي جورج ناتشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة. نصرته لنعرف قدره ومكانته ولنقتدي به، فلو لم يكن له من الفضل على البشرية إلا أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته؛ فقد عاش حياته يبلغ الخير لأمته ولم يكتفِ بهذا بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة. وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

السلام عليكم ورحمة الله، تقدم معنا قبل الفاصل أن النبي عليه الصلاة والسلام في أمور الشرع والدين ما كان يتهاون أبداً، وفيما سوى ذلك فالامر واسع، خاصة بين الأزواج. سئلت أمنا عائشة رضي الله عنها عن حال النبي عليه الصلاة والسلام في بيته فقالت: كان يكون في مهنة أهله. فالرسول في بيته ما كان هو الملك المطاع الذي يخدمه الناس ويأتون بكل ما يريد، كما هي الفكرة السائدة عند الكثير، يقولون هذا هارون الرشيد، أبدا، طبعا هارون الرشيد رحمه الله كان من الخلفاء وكان من أمراء المؤمنين الذي ظلم رحمه الله في سيرته فما كان باهل.

شراب أو لهو كما جاء عنه أنه كان يحج عاما ويغزو عاما، لكن هذا الإعلام الفاسد الذي يظهر للناس خلاف الحقائق. الرسول عليه الصلاة والسلام كان في مهنة أهله يخدم أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إليها، وجاء في رواية أنها قالت: كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، وفي رواية: كان يفلي ثوبه، إيش يعني يفلي ثوبه؟ يعني يفتش في الثوب عن القمل أو شيء من هذه القاذورات التي قد تؤذي الإنسان، وكان يخدم نفسه ويرقع دلوه عليه الصلاة والسلام.

إذاً النبي عليه الصلاة والسلام في أمور الشرع كان لا يتهاون لأن هذا حق الله وتلك حدود الله، أما في امور المنزل فإذا كان الطعام ليس يعني جيد الطهو أو كثير الملح أو قليل الملح، أن كان البيت ليس مرتباً أو الثوب غير مكوي أو وجد تقصير من المرأة، ما كان عليه الصلاة والسلام يتذمر وكان سهلاً هيناً. كم من حوادث الطلاق نسمعها من جهلة بسبب أمور تافهة، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان هذا فعله مع امرأة واحدة؛ لأنه كما تقدم توفاه الله وتحته تسع من النساء، والرسول عليه الصلاة والسلام كان أعدل الناس بين نسائه.

ولذلك مسألة التعدد التي تحصل عند الناس يعني نوع من الانبهار، ويرون أن التعدد هذا فاكهة ويجب على المسلم أن يأخذ المرأة الثانية، ويتحدثون ويجعلونها من الأمور التي يتفكهون فيها في المجالس، هذا أمر خطير. التعدد أمر مستحب للرجال الذين يستطيعون العدل والذين يعرفون كيف يتعاملون مع النساء، قال عليه الصلاة والسلام: «إنه إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل أمام الخلائق في المحشر يرونه ويعرفون أن هذا له أكثر من زوجة وأنه لم يعدل بينهما».

كثير من الحكايات التي تدمي القلب، كثير ما نسمع من الروايات من يهجر زوجته الأولى عند زواجه بالثانية، يصفها بالقديمة وهذه الثانية بالجديدة، يعني يكفيك أن هذا الوصف يجرح قلب من لا يعني يتاثر. ربما يتزوج إنسان أخرى فيهجر بيته الأولى الشهور الطويلة، تراه يخرج من بيته فيسهر الليالي مع اصحابه ولا يراه أهله. كم من الرجال من يهجر البيت، يعمل طيلة النهار ثم ياتي ينام قبل العصر أو بعد العصر، ثم إذا صلى المغرب خرج ولم يرجع إلا في آخر الليل متعبا بعد سهرة مع أصحابه ورفاقه أو مع زوجته الثانية الجديدة، أو إنما شكوى أهله أنهم لا يرونه ولا يتحدثون معه فترات طويلة!

النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن كذلك؛ على الرغم من أنه كان متزوجا بتسع من النساء، إلا أنه كان يعدل وكان يحرص اشد الحرص على أن يجبر خواطرهم وقلوبهن ويراعي مشاعرهن. أم عائشة رضي الله عنها تقول: قل يوم إلا والرسول عليه الصلاة والسلام يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها. إذاً يدنو، يقبل، يلمس، يؤانس، يحدث مع أنه ليس ببيتها بيومها، وليس هذا فيه عدم عدل؛ لأنه يفعل ذلك مع جميع النساء.

كان عليه الصلاة والسلام إذا صلى الفجر مكث في المسجد يذكر الله عز وجل حتى إذا طلعت الشمس ذهب إلى بيوته التسع يزور نساءه يسلم عليهن ويدعوا لهن، ثم في آخر النهار بعد صلاة العصر -كما جاء في البخاري ومسلم عن أمنا عائشة- إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن. يقول ابن حجر رحمه الله: الذي كان يقع أول النهار -يعني بعد الفجر- هذا سلام ودعاء محض من بعيد لبعيد، السلام عليكم، اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، اللهم ارزقهم. أما الذي يكون في بعد صلاة العصر فهذا جلوس واستئناس ومحدثة وربما قبل وربما لمس، ولكن لا يجامع؛ لأنه إن جامع امرأة جامع البقيه للعدل، وإن دنا من واحدة دنا من البقية للعدل.

أما ما يفعله البعض من التحرج من التقبيل أو التسليم أو المكث ثم يذهب إلى الثانية ويجلس عندها، هذا لا شك أنه غير عادل. أحدهم يخرج يبيت عند الأولى، لكنه إذا خرج من الصباح لم يعد إلا آخر الليل ويمضي معظم الوقت في بيت الثانية، فإن كان في ليلة الثانية لم ير أهل بيته الأول ولا حتى يتصل بهم بالهاتف، ولا شك أن هذا من سوء الاخلاق.

النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصا على مشاعر نسائه حتى في زواجه، يعني تخيل نحن إذا أردنا أن نتزوج الإنسان ربما يذبح زوجته في اليوم والليله عشرات المرات، ترى حتزوج، ترى افعل كذا، ترى زوجتي سوف تكون كذا وكذا، وربما ما يتزوج ولو بعد عشر سنوات! والرسول أمر عليه الصلاة والسلام أن يحسن المسلم إذا ذبح الذبيحة بأن يحد شفرته ويريح ذبيحته، أما التعذيب بهذه الطريقة ليس هذا من فعل الرجال، يا أخي تريد أن تتزوج اجعلها في نفسك وتزوج، أما أن تؤذي المرأة بهذا الكلام فهذا لا يصح.

أمنا عائشة أخبرتنا رضي الله عنها وأرضاها أن الرسول عليه الصلاة وسلم عندما تزوج بزينب بنت جحش رضي الله عنها ودعا الناس إلى الوليمة فأكلوا وأكلوا وأكلوا، فلما فرغ الناس من الاكل ذهب إلى نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن، فيقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فترد زوجته السلام ثم يسأله: كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ سبحان الله، مع أنه الآن بنى وتزوج مع ذلك ما ينسى سبعة أيام زوجاته ولا يتصل ولا يمر، بل يمر على كل بيت يسلم ويسأل وهن يرددن عليه السلام. شوف الأدب، أين الغيرة، أين الجنان، أين النكد؟ تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ يدعون له عليه الصلاة والسلام.

قارن هذا مع أولئك الذين ربما -وهذه مسائل تاتيني كثير وشكاوى من نساء- تقول: أبونا ما يتكلم معنا من سنتين، أبي لا يتكلم مع أمي من عامين اثنين وهو في البيت يفطر ويتغذى ويتعشى وامي تخدمه وتكنس وتطبخ وتكوي، لكن هذا من شراسة الأخلاق وسوء الطباع ونكد الرجال وقهرهم! هو يقول: أنا أربيها، أخي الحبيب ربي نفسك بادئ ذي بدء، عسى الله عز وجل أن يهديك ويردك إلى اتباع سنة حبيبك صلى الله عليه واله وسلم. هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.