تسجيل الدخول

المحاضرة 16 - السيرة النبوية - المستوى الثالث - الشيخ عاصم الحكيم - تعامله ﷺ مع المسلمين الجدد

عاصم الحكيمالشيخ عاصم الحكيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم وتتقدم تقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء عطرة الشذا، طيب يفوح لأهل كل زمان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو نبي الرحمة، هو الرحمة المهداة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وكان أحب شيء إليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الناس إلى الله رب العالمين، فيخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه عز وجل. فإن لم يقبلوا دعوته، كان ذلك سبب حسرة وألم للنبي عليه الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]. وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: 8]. كان يتألم، ﴿بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي مهلك نفسك، قاتل نفسك من الألم والحزن على كفرهم. فالرسول عليه الصلاة والسلام كان أحب شيء إليه أن يستجيب الناس إلى دعوته، وأن يدخلوا في الإسلام، ولذلك كان يفرح أشد الفرح إذا أسلم أحدهم. كما فرح بإسلام خادمه اليهودي وهو على فراش الموت؛ عندما قال له: أسلم، قال أبوه: أطع أبا القاسم، فأسلم ثم مات، خرج متهلل الوجه فرحاً أن أنقذه الله عز وجل به صلى الله عليه وسلم من النار. كذلك وثب فرحاً بلا رداء عند استقباله لعكرمة بن أبي جهل فرحاً بإسلامه. كذلك فرح أيضاً فرحاً عظيماً بإسلام عدي بن حاتم الطائي لما وضع يده في يده وأعلن إسلامه وبايعه. أحدنا يفرح أن أهدي له مال، أن أهدي له عقار، أن أسدي له معروف، نبينا عليه الصلاة والسلام يفرح بهداية الناس.

فكيف كان تعامله عليه الصلاة والسلام مع أولئك الذين أسلموا حديثاً؟ المسلمون الجدد يحتاجون إلى عناية، مرد ذلك أن المسلم كي يصل إلى مرحلة الإسلام هذا يحتاج إلى جهد، لكن الجهد الأعظم هو أن يظل على إسلامه ثابتاً مستقيماً. وكما يقال: الوصول إلى القمة صعب، والأصعب منه الحفاظ عليها. ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». إذاً الثبات على الدين أمره عزيز وصعب، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يحرص على أن يثبت المسلم الجديد بأهم وسائل الثبات، وأهم وسائل الثبات تعلم الدين. فإن الجاهل سرعان ما يرجع إلى ما كان عليه من جاهلية ومن معاصٍ ألفها طيلة حياته، لكن بالعلم، العلم الحقيقي، بالعلم بالله وأسمائه وصفاته وتوحيد ربوبيته وألوهيته، بالعلم بالحلال والحرام، هذه أمور تورث الإنسان الثبات حتى الممات بإذن الله عز وجل.

طارق بن أشيم الأشجعي رضي الله عنه يقول: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة، إذاً أول ما يبدأ به أن يعلم هذا المسلم الجديد الصلاة؛ لأنها عماد هذا الدين، والركن الركين من الإسلام، ولا حظ في الإسلام لمن لا صلاة له، ولا دين لمن لا صلاة له. بعد أن يعلمه الصلاة، يأمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني». كلمات جميلة، ما أجمل أن يردد هذه الدعوات المسلم وهو يمشي إلى مسجده، وهو يمارس رياضته، وهو يقوم بالأعمال التي لا تحتاج إلى كبير تركيز؛ لا يزال لسانك رطباً بذكر الله عز وجل. ونظير هذا الحديث أيضاً أعرابي يسلم، يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيقول: علمني كلاماً أقوله، فيقول: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم». الأعرابي يفهم هذا الكلام فيقول: هؤلاء لربي، فما لي؟ يعني هذا كله ذكر وتعظيم لله عز وجل، طيب أنا ما هو نصيبي؟ أنا أريد كلمات فيها نفع دنيوي لي أنا، فقال: «قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني» رواه الإمام مسلم في صحيحه. إذاً تعليم المسلمين الجدد أمور دينهم وما يقولونه من أهم الأمور.

قصة عمير بن وهب عندما اجتمع مع صفوان بن أمية في الحرم في الحجر، واتفق معه أن يقضي عنه دينه وأن يكفل له أولاده إن هو ذهب فقتل النبي عليه الصلاة والسلام. فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن ابنه وهب بن عمير قد أسر في غزوة بدر، فأراد أن يفتدي وفي عنقه سيف مغموس بالسم، يعني أقل لمسة تقتل من أراد أن يقتل. فأتى، والرسول عليه الصلاة والسلام سأله عن السر الذي كان بينه وبين صفوان، وعندما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بخبره دهش الرجل وأسلم من ساعته؛ لأنه لم يكن معهما أحد ولم يدرِ بما دار بينهما أحد، فعلم أنه نبي مرسل من عند الله عز وجل. ففرح النبي عليه الصلاة والسلام بإسلامه واستبشر وقال: «علموا أخاكم القرآن». مسلم جديد ماذا نفعل به؟ أول شيء تعلمه القرآن، تعلمه الصلاة، تدله على ما يثبت به على الدين. تأتي الرواية فتقول: فرجع إلى كفار قريش وأسلم منهم بشر كثير. عمير بن وهب هذا الذي تعلم القرآن وتحول من ساعته إلى داعية إلى الله عز وجل، فأسلم على يده الكثيرون. فاصل وبعدها نواصل بإذن الله، فانتظرونا.

قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها، وكأني لا أشتاق إلى جنة ولا أرهب ناراً، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة، ولا أدري ماذا أفعل. كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان نتيجة تكاسل في طاعة ربه وغفلته عنها، ورأى نفسه كثرة الوقوع في المعاصي، التدرج إلى معاصٍ جديدة، التهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، قلة ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به. كل هذه أعراض لها أسباب؛ منها التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات والمرفق. فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، ويبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، ويلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعائه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي، وتعينه عند الفتور والكسل؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

السلام عليكم ورحمة الله. النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتني بالمسلم الجديد، ومن اعتنائه بالمسلمين الجدد أنه كان يأمر بالتدرج معهم. فعندما أتى أعرابي يسأل عن الإسلام ويطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدله على عمل يقربه من الجنة ويدخله إياها، قال عليه الصلاة والسلام: «تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا، فلما ولى قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا». شوف أمور محددة معينة، المهتم بالإسلام عندما يسأل وتخبره عن هذه الأمور فقط يرغب فيه، خاصة إذا عرف أن ما سبق من ذنوب يمحوه الله تعالى بإسلامه. أين نحن في دعوتنا إلى الله عز وجل مقارنة بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام؟ بعض الإخوة عندما يدعو الآخرين فيقول له: الإسلام هو أن توحد الله عز وجل، وأن تقيم الصلاة، وأن تصوم رمضان، وأن تدفع زكاة مالك، وأن لا تشرب الخمر، وأن لا تزني، وأن لا تلمس النساء، وأن لا تشاهد التلفاز، وأن لا تسمع الأغاني، وأن وأن وأن، الرجل تأتيه صدة نفس. بعض الإخوة يلقي كل ما في جعبته من أحكام شرعية من حلال وحرام وأمور مختلف فيها في ساعة واحدة، ثم يقوم ويترك هذا الرجل أو تلك المرأة وهم في دهشتهم وهم في حيرتهم. هذا ما يصلح، لا بد من التدرج، من التأني، من معرفة الأساليب التي يفتح الله تعالى بها القلوب، فتستخدم، أما أن يأتي فيأمر بأمور قد تسبب لهم إشكاليات أو حيرة أو ضياع من كثرة المعلومات فهذا ما يصلح للداعية.

المسلم الجديد إذا أتى النبي عليه الصلاة والسلام، كان يأمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يغتسل، وأن يختتن، وأن يلقي عنه شعر الكفر إن كان شعره على هيئة قصات الكفار. قيس بن عاصم عندما أسلم أمره الرسول عليه الصلاة والسلام أن يغتسل بماء وسدر. ثمامة بن أثال رضي الله عنه بعد أن حبس في مسجد المدينة ثلاثة أيام والرسول يسأله: يا ثمامة، ماذا عندك؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعفُ تعفُ عن شاكر، وإن ترد المال تعطه، ثم بعد ذلك أسلم، فأمره أن يغتسل. وفي حديث آخر أنه أمر أحداً ممن أسلم حديثاً أن يلقي عنه شعر الكفر وأن يختتن، فهذا الحديث وإن حسنه الألباني رحمه الله فقد ضعفه آخرون، ويحمل الأمر بحلق الشعر أنه كان شعر كفر كما جاء في الحديث أو أنه على هيئة شعر الكفار وهو من علاماتهم، فأمره أن يخرج مما يربطه، ويجعل بينه وبين الكفار أي علاقة حتى ولو كان هيئة أو شعراً. طيب والاغتسال ليس بواجب كما هو الصحيح، أنه إنما هو أمر مستحب؛ فإن يؤمر الكافر بأن يغتسل عند إسلامه، هذا يعني يرفع من معنوياته؛ لأنه يشعر أنه قد تطهر بكلمة التوحيد داخلياً ونفسياً ومعنوياً، ثم تطهر باغتساله وتغييره ثيابه بهذا الأمر جسدياً ونحو ذلك.

طيب والختان، لا شك أن الختان واجب على الذكور، ولكن المسلم يتخير الوقت المناسب لهذا الموضوع. أبداً ما يصلح أن يأتي إنسان كافر يسأل عن الإسلام فتقول له توحد الله عز وجل وتقول كلمة الشهادة، وبعد ذلك تصبح مسلماً، ثم على طول تتم عملية الختان؛ رجل عمره 40 أو 50 سنة ربما كان هذا الأمر منفراً له عن الدخول في الإسلام بالكلية، وهو وإن كان واجباً إلا أنه لا يحول بينه وبين الإسلام، فحتى لو أسلم ولم يختتن فهو آثم، لكنه مسلم في نهاية الأمر. لذلك ينبغي على الداعية أن يتأمل وينظر في من يخاطب؛ إن كانت له همة عالية وإن كان له جلد وصبر يأمره، وإلا فيتحين المناسبة. الأولويات لها أهمية في الإسلام، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يقدم الإسلام على ما سواه حتى في وقت الحاجة؛ عندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام في أمس الحاجة إلى من يقاتل معه وينصر الإسلام كمعركة، هذه مصيبة، المنافقون في كل مكان يفعلون هذا الأمر، فالآن الرسول في حاجة إلى من يعينه ويقف بجانبه، إذا أتاه آتٍ من المشركين وهو متدرع بالحديد ويسأل: يا رسول الله، أسلم أم أقاتل؟ فقال له: «أسلم ثم قاتل». أولويات لا نتنازل عنها أبداً، لا يوجد تنازل، الإسلام أولاً. فأسلم هذا الرجل فقاتل وقتل وهو لم يسجد لله سجدة، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه عمل قليلاً وأجر كثيراً، قيل إنه أصيرم بني عبد الأشهل، لقبه أصيرم بني عبد الأشهل وهو عمرو بن ثابت بن وقش، أخبر عليه الصلاة والسلام أنه في الجنة. فإذاً الإسلام واضح، أسلم ثم قاتل، وإن كنا في حاجة إلى سيفك وإلى نصرتك ولكن لا نقبل هذه المعونة من كافر أو مشرك، الإسلام أولاً.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يتجنب كل ما يمكن أن ينفر المسلم الجديد عن دينه، ولذلك حديث هدم الكعبة المشهور؛ النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أمنا عائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولأعدت بناءها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين، باباً يدخل منه الناس وباباً يخرجون منه». طيب يا رسول الله، هذا الشيء الصح لماذا لم تفعله؟ خشية على قومها من أهل قريش؛ لأنهم حديثو عهد بجاهلية أن يرتدوا عن الإسلام إن فعل هذا الأمر وهو حق لو فعله صلى الله عليه وسلم، إذاً درءاً للمفسدة العظمى ترك هذه المصلحة. كذلك عدم قتله لعبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين، وتركه قتل زعيم الخوارج الذي قال له: يا محمد، اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. لماذا لم يقتلهما وهما مستحقان للقتل؟ برر ذلك عليه الصلاة والسلام بقوله: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه». طيب فليتحدثوا، إيش المشكلة؟ أيوه، إن قتل عليه الصلاة والسلام هذا المنافق وذاك الخارجي، امتنع من سمع عن الإسلام من الدخول فيه، ظناً منه أن النبي عليه الصلاة والسلام يقتل أصحابه، وأنا إذا أسلمت ربما انتهى بي المطاف إلى مثل ما انتهى به أو إليه أصحابه. ولذلك حماية للدين وحماية للناس من عدم الصد عن دخولهم إلى هذا الإسلام، امتنع عن فعل ذلك وإن كان فيه مصلحة؛ لأن المفسدة أعظم منه. فاصل قصير وبعدها نواصل بإذن الله.

جهل وظلم، فرقة وقطيعة، شرك وضلال؛ هكذا كان الحال، فأذن الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات. محمد رسول الله، وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر، فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجودهم نفساً، أرحبهم صدراً، أشدهم حياءً، كان أشجع الناس وأزهد في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله ويخيط ثوبه ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين ويعود مرضاهم ويدعوهم إلى الخير.

كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس. أرفق بالضعفاء، وأنصف المرأة والطفل، وبلغت رحمته حتى الحيوان، أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين؛ فيقول الألماني يوهان جوته: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، ويقول الإنجليزي جورج ناشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد، بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.

ولكي نعرف قدره ومكانته، ولنقتصر على أنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به، لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته؛ فقد عاش حياته يبلغ الخير لأمته، ولم يكتفِ بهذا، بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة. وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. السلام عليكم ورحمة الله. النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتألف قلوب المسلمين الجدد، فلربما أعطاهم شيئاً من المال، بل ومن زكاة ماله، كما جاء في الآية الستين من سورة التوبة من مصارف الزكاة المؤلفة قلوبهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام في مرة من المرات أعطى رجلاً غنماً بين جبلين، فهرع الرجل إلى قومه داعياً إليهم، قال: يا أيها الناس يا قوم أسلموا، فإني جئت من رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يتألف الناس بماله عليه الصلاة والسلام.

أعطى المؤلفة قلوبهم بعد حنين مئة من الإبل لكل واحد منهم، حتى إن الأنصار رضي الله عنهم وجدوا في نفوسهم؛ كيف يعطيهم النبي عليه الصلاة والسلام ويمنعنا؟ وكان يعطي الرجل العطاء وغيره أحب إليه، ويكل ذلك الذي يحب إلى إيمانه، كما في حديث سعد بن أبي وقاص، يعطي الرجل وغيره أحب إليه يكله إلى إيمانه.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يرشد من أسلم حديثاً إلى الحكمة وإلى وزن الأمور بميزان المصالح والمفاسد، والمسلم العاقل الحصيف لو استخدم هذه القاعدة في جميع أمور حياته لعاش حياة السعداء. تريد أن تتحدث بكلمة، قلبك يغلي والكلمة تريد أن تنفجر وتنطلق، المصلحة تقتضي أن لا تتكلم، والمفسدة تعني أنك ستطلق أو ستقوم بعمل أو تتحدث بحديث يورث العداوة والبغضاء أبد الدهر؛ زن الأمر بميزان المصالح والمفاسد واعمل على أساسه.

الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أسلم أحد المسلمين الجدد وكان في إظهار وإشهار إسلامه خطر عليه، كان يأمره بأن يكتم إسلامه، كما فعل مع أبي ذر ومع عمرو بن عبسة رضي الله عنهما. وهذا هو العقل وتلك هي الحكمة، أما أن يذل المرء نفسه وهو يعلم أنه سيضطهد، فما الفائدة إذاً؟ القرارات الارتجالية الاختيارات العشوائية التي يقوم بها كثير من المسلمين ثم يندمون هذا خطأ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إياك وما يعتذر منه». لا تفعل شيئاً تعتذر منه بعد قليل.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يبشر المسلم الجديد بأن صفحته بيضاء وأنه الآن يبدأ العمل، فينبغي أن لا يدنس كتابه. عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما أسلم أراد أن يشترط، لم يبايع النبي عليه الصلاة والسلام، قال: أريد أن أشترط، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله؟». تريد أن تشترط أن الله يغفر لك ما تقدم؟ أما علمت أنه بإسلامك فإن الله يمحو كل ما تقدم من ذنوبك في أيام جاهليته؟

بل كان يبشرهم بالأجر وبالخير وبالثواب على ما فعلوه في الماضي، كما في حديث حكيم بن حزام أنه أعتق في الجاهلية مئة رقبة وحمل على مئة بعير، فلما أسلم أعتق مئة رقبة في الإسلام وحمل أيضاً على مئة بعير في سبيل الله عز وجل. حكيم بن حزام عمته خديجة أم المؤمنين، وهو من المخضرمين عاش ستين عاماً في الجاهلية وستين عاماً في الإسلام، توفي في منتصف الخمسينات من القرن الأول رضي الله عنه وأرضاه.

فأتى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله: هذه الأعمال التي كنت أفعلها في الجاهلية، أتحنث بها، أتبرر إلى الله وأتقرب إليه، هل يعني لي فيها شيء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أسلمت على ما سلف لك من خير». وفي رواية: «على ما أسلفت من خير». فالمشركون قائل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39]، ويقول تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. والعمل الصالح كما يقول أهل العلم الذي يقبل من المشرك إن أسلم هو ما كان قربة إلى الله عز وجل، أما إن كان من الصلوات التي يقوم بها المشرك إلى صنمه أو من الأمور المحرمة فهذه لا يثاب عليها لأنها ضلال، أما أمور العتق وأمور البر وصلة الرحم والأمور الطيبة التي في الإسلام إن عملها المشرك في حال شركه أو في جاهليته وأسلم فإن الله تعالى يثيبه عليها.

الأصل أن الكافر إذا أسلم يطالب بجميع فروض الإسلام، ولكن قد جاءت بعض الروايات التي ربما استثنى النبي عليه الصلاة والسلام بعض الأمور للمصلحة والحاجة ومراعاة للتدرج. فالرسول عندما تفاوض معه عليه الصلاة والسلام وفد ثقيف على الإسلام، فاوضوه على أن يسمح لهم بالزنا وبالربا وبشرب الخمر، فلم يقبل ذلك عليه الصلاة والسلام، ففاوضوه على ترك الجهاد والصدقة، فقبل منهم وقال: «سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا». مسألة تفاوض، فإذاً هذه الأمور محل اجتهاد الداعية، وبعض أهل العلم قال هذه خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام لعلمه بأنهم سيفعلون ذلك.

أتى رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأسلم واشترط أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل ذلك منه عليه الصلاة والسلام، وهذا من باب التدرج معهم وتأليف قلوبهم. وتحدث العلماء عن الشرط الفاسد حال الإسلام، فذكروا هذه الأحاديث؛ لأنه الكافر قد لا يفقه أحكام الدين أو يثقل عليه بعض الأحكام فيقبل من الإسلام مبدئياً ثم بعد ذلك ينصح ويرشد إلى الحق ويعلم.

المسلم الجديد إذا أسلم وعلمناه، لا ينتهي دوره هنا، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالبلاغ، وهذا البلاغ هو التعليم، وليس كما يفهمه البعض من أنه يسمونه الخروج في سبيل الله والمكث مدة معينة وفعل أمور معينة ليست هي من السنة. مالك بن الحويرث يقول إنهم أتوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأسلموا ومكثوا عنده قرابة العشرين ليلة، يقول لهم النبي عليه الصلاة والسلام عندما لمس افتقادهم لأهلهم: «لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم، مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا»، وعلمهم عليه الصلاة والسلام ماذا يفعلون؛ فإذاً أرشدهم وأخبرهم وأمرهم هم أن يعودوا معلمين إلى قومهم.

والرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا أسلم المسلم وكان من السفراء أو كان رسولاً لقومه ما كان يحبسه عن الرجوع إلى أهله، فعن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما رأيته ألقي في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبداً، خلاص أنا أسلمت، فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد»، يعني البريد أو الرسل أو السفراء ما أحبسهم، ولكن يرجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع، يعني اذهب إلى أهلك كي يعلموا أني أنا لا أخيس بالعهد وأني لم أحبسك رغماً عنك، فإذا ما زالت الرغبة في أنك تأتي وتقدم بعد أن تصل إلى أهلك ارجع لي وعد.

هذا النوع الراقي من التعامل مع المسلمين الجدد نحن حقيقة اليوم في أمس الحاجة إلى تعلمه وإلى تطبيقه، كي يفتح الله تعالى على أيدينا في دخول الناس إلى هذا الدين والتعرف إليه عن طريق اتباعنا لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف يروي غلة الظمآن، والسيرة العلياء عطرة الشذى طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.