بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الإخوة الأحباب، وهذا المجلس التاسع والعشرون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. كنا توقفنا في المجلس الماضي عند كون النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وذكرنا أن الأمر لو كان رحلة تكريم فحسب، فقد كان يمكن أن يكون معراجاً، يعني أن يكون من البيت الحرام إلى السماوات العُلا، ولكن حضور المسجد الأقصى في رحلة الإسراء والمعراج دل على أمور وأثبت أموراً. فمما ذكرناه في المجلس الماضي أن الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى هو الذي جعل المسجد الأقصى وبيت المقدس عقيدة في دين المسلمين، فصار المسجد الأقصى جزءاً من عقيدة المسلمين، وهذا ما يجعل الصراع حول المسجد الأقصى وحول بيت المقدس مختلفاً عن الصراع حول أي مدينة إسلامية أخرى. وذلك ما جعل هذه القضية، مهما تطاولت عليها الأيام ومهما كانت موازين القوى مختلة، فإن المسلمين لا يمكنهم أن يفرطوا في المسجد الأقصى، الذي لم يعد كأي مسجد من مساجد المسلمين، كمساجد قرطبة أو البلقان أو ما شابه.
وأُسري بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وصار هو المكان الذي تولى فيه المسلمون لواء الزعامة من الأمم، وكان نبيهم صلى الله عليه وسلم هو خاتم هؤلاء الأنبياء. ويجب أن أذكر بأن الصلاة فرضت مع بزوغ الإسلام؛ ذكرنا ذلك في المجالس الماضية من أن جبريل عليه السلام علم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة في أول ما أوحى إليه. فالمسلمون كانوا يتوجهون من بداية الإسلام إلى المسجد الأقصى، يعني ارتباط المسلمين بالمسجد الأقصى يمكن القول إنه سبق ارتباطهم بالبيت الحرام لأنهم توجهوا إليه وأنه قبلتهم الأولى. لكن هذه الحادثة، بالإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى وصلاته بالأنبياء، هو ما أفضى بلواء الزعامة، لواء الأمة، لواء الرسالة إلى أمة المسلمين.
الأمر الثاني الذي يدل عليه هذا الحضور هو أن قضية بيت المقدس هي قضية دينية إسلامية، وهذا أمر يتعلمه المسلمون من دينهم، ولكن إذا تطرق إليه الشك فيجب أن يتعلمه المسلمون من أعدائهم؛ لأننا رأينا أن اليهود، بل وكذلك الصليبيين، حقيقة صراعهم حول بيت المقدس هو صراع ديني، وذكرنا بعض التفصيل في هذا في المجلس الماضي.
طيب، الآن نكمل، ويجب أن نشير إلى درس آخر. الدرس الآخر هذا طبعاً لم يكن مطروحاً في الزمن القديم، ما سنذكره الآن درس لم يشعر به المسلمون قديماً، وهو مسألة التقريب بين الأديان أو اختراع ديانة إبراهيمية أو ما شابه. كون النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء في بيت المقدس يدل على أن الإسلام هو دين الله الخاتم، وهو وحده الدين الحق: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار، وفي الرواية الأخرى: إلا حرّم الله عليه الجنة.
فالآن نحن في زمن طبعاً تنتشر فيه العلمانية، فبالتالي تبدو الأديان وكأنها وجهات نظر، تمام؟ وكما يقول الأستاذ طبيب الفلاسفة: "عايز كله يعبد..." مش عارف إيه من اللي كان معاه في المؤتمر، فهو زي ما بيبني جامع بيبني كنيسة وبيبني كنيس يهودي، ولو أن الأستاذ طبيب الفلاسفة بيهدم المساجد ويقنن الكنائس ويعيد إحياء الكنس اليهودية في مصر. لكن القصد أنه الشعار: شعار الدين لله والوطن للجميع، وأن الناس كلها على قدم المساواة وكل الناس تعبد. هذا المنطق العلماني هو منطق مناقض للإسلام، الأديان ليست وجهة نظر، الأديان ليست وجهة نظر، تمام؟ فالمسلم ينبغي أن يكون على يقين من دينه، وهذا مما يثبته هذا الموقف. فضلاً عن أن يأتي أحد فيحاول أن يجمع الإسلام والمسيحية واليهودية ويسميها ديانة إبراهيمية، تمام؟ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ. والإسلام جاء ناسخاً للديانات، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان خاتم الأنبياء والرسل. وتعرفون قول الله تعالى، يعني الآيات كثيرة في مسألة هيمنة الإسلام على ما سبقه من الأديان.
كذلك هناك، يعني نستطيع أن نقول، سلسلة تاريخية تربط بين البيت الحرام والمسجد الأقصى. يعني يا جماعة الخير، لم يحدث أبداً أن تمكن أحد الأعداء من السيطرة على بيت المقدس إلا وامتد بنظره وأمله إلى السيطرة على البيت الحرام. يعني الصليبيون لما انتزعوا بيت المقدس في لحظات قوتهم، فكر بعض أمرائهم في التمدد وغزو المدينة ونبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهدم الكعبة. وهذه قصة مشهورة بطلها الفارس الفرنسي المشهور المعروف في الرواية العربية باسم أرناط، اسمه بالفرنسية رينو دي شاتيون، أحد أهم الفرسان الصليبيين الذين كانوا في زمن صلاح الدين. وبالفعل اعتدى على الحجاج، وكانت له يعني مشاريع، وحاول أن يتمدد لكي يغزو المدينة المنورة ولكي ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، حتى الإسرائيليين لما استولوا على المسجد الأقصى سنة 67، إحنا عارفين الإسرائيليين احتلت فلسطين أو بدأ احتلالهم فلسطين سنة 48. في 48 القدس انقسمت إلى قدس شرقية وقدس غربية، القدس الشرقية هي التي كان فيها المسجد الأقصى. سنة 67 تم الاستيلاء على كل أرض فلسطين وعلى كل القدس وبما فيها المسجد الأقصى. الأيام التي تلت هذا الاقتحام، جولد مائير ذكرت، ذهبت إلى العقبة وخطبت وقالت: "إني لأشم رائحة أجدادي في خيبر". فيعني الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ليس قائماً عندنا نحن المسلمين وحدنا، بل هو قائم كذلك عند الصليبيين النصارى وقائم أيضاً عند اليهود، فما إن ينتزعوا المسجد الأقصى حتى يبدأ التفكير في انتزاع البيت الحرام، تمام؟ وبن غوريون يقول بعد أن تمكنت الدولة في إسرائيل، يقول: "الخطوة القادمة ستكون في يثرب". ما أريد أن أقوله بوضوح: إنه من انتزع المسجد الأقصى رنا بطرفه إلى البيت الحرام.
طيب، على وجه آخر، لما الصليبيون في عهد تفوق الدولة المملوكية والدولة العثمانية حين طُردوا من الشام وحين أُزيلت الحملات الصليبية وحين لم يستطع أحد أن يهدد الشام، كانت المؤامرة البرتغالية بعدما اكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح الذي يدور حول قارة إفريقيا، كانت المؤامرة البرتغالية بالاتفاق مع ملك الحبشة النصراني أن تتسلل السفن من البحر الأحمر. يعني هم البرتغاليون في جنوب غرب أوروبا يسيرون طريق رأس الرجاء الصالح في المحيط الأطلسي ثم الهندي ويدخلون من خلال البحر الأحمر إلى الكعبة وإلى المدينة المنورة. وهذه مؤامرة مذكورة لولا أن تصدى لها العثمانيون؛ لأن العثمانيين في ذلك الوقت كانوا في أوج قوتهم. العثمانيون طبعاً دولة عظيمة، لما كانت في أوج قوتها قاتلت في أربع جبهات في وقت واحد، من ضمنها الأسطول العثماني كان يقاتل في خليج عدن حيث يمكن أن يتسلل الأسطول البرتغالي، في خليج عدن وفي الخليج العربي. هذه معارك دارت بين العثمانيين من جهة، وبين البرتغاليين والأسبان من جهة. وكان هناك مؤامرة أخرى بتحويل مجرى النيل عن مصر من خلال الاتفاق مع إمبراطور الحبشة؛ لأنه إذا حُوّل مجرى النيل وصار يصب في البحر الأحمر، أنتم عارفين كما يقولون "مصر هبة النيل"، يعني الذي أوجد مصر سكانياً واجتماعياً هو ذلك النيل. فهناك مؤامرة بتحويل هذا النيل لكي تنعدم الحياة في مصر وتسقط هذه المملكة المصرية التي طردت المغول وطردت الصليبيين.
فيعني لما فقدوا بيت المقدس والمسجد الأقصى فكروا في انتزاع الحرم لكي يستعيدوا من خلاله أيضاً بيت المقدس. فحتى على المستوى السياسي والأمني والاستراتيجي، الربط بين المسجد الأقصى والبيت الحرام قائم ليس في أذهان المسلمين وحدهم، بل في أذهان اليهود والنصارى كذلك. أرجو أن يكون هذا الأمر واضحاً.
طيب، الآن نستكمل ما كنا نتكلم فيه في رحلة الإسراء والمعراج. طبعاً هنا رحلة الإسراء انتهت بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء. طبعاً هناك روايتان: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء قبل عروجه إلى السماء، أم صلى بهم بعد نزوله من السماء، تمام؟ ربما الأرجح أن يكون صلى بهم بعد نزوله من السماء؛ لماذا؟ لأن النبي حين عُرج به إلى السماء كان يسأل: من هذا يا أخي يا جبريل؟ فيقول: هذا آدم. طبعاً هناك روايات ذكرت أنه كان يسأل، وهناك روايات لم تذكر ذلك وإنما قالت: فرأيت في السماء الأولى فلان وفي السماء الثانية فلان، تمام؟ فعلى كل حال، سواء صلى قبل أو صلى بعد، رحلة الإسراء تنتهي عند هذا الحد وتبدأ رحلة المعراج. ومن الملاحظات التي كنا ذكرناها ونؤكد عليها هنا الآن أن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن فقط رحلة تسلية وتخفيف عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت أيضاً رحلة إعداد وتهيئة للمرحلة القادمة وهي مرحلة الدولة الإسلامية، تمام؟ وهذه سنرى يعني دلائلها فيما يأتي إن شاء الله. يعني من أبرز الدلائل أنها لو كانت رحلة تسلية فقط لكانت قد كانت من البيت الحرام إلى السماء مباشرة، ولكن صلاته بالأنبياء فيها معنى هذه ختم الرسالات، وهذه التهيئة لأن ترث أمة محمد صلى الله عليه وسلم ميراث الأنبياء.
طيب، بعدما خرج النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثم أُتيت بإناء من خمر وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة، أنت عليها وأمتك. وكلمة أمتك هنا مما نستدل به على أن رحلة الإسراء والمعراج كانت تهيئة لبروز الأمة وبزوغ الأمة وتأسيس الدولة، وإلا فالمسلمون في ذلك الوقت لم يكونوا أمة، كانوا في مكة وكانوا مضطهدين ليس لهم كيان سياسي، تمام؟ فهذه أول العلامات.
ثم عُرِج بنا إلى السماء حتى أتيت السماء الدنيا، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم. طبعاً حديث الإسراء والمعراج كما ذكرت لكم أيها الإخوة الأحباب موجود في الصحيحين بأكثر من رواية، يعني حاولت هنا أن أجمع أطراف هذه الروايات ولا أخرج عما في هذه الكتب الصحيحة، سواء في الصحيحين أو ما رُوي بأسانيد صحيحة أو حسنة في غير الصحيحين.
طيب، ثم عُرِج بنا إلى السماء حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، أي جبريل، فقال أهل السماء: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء. ونفهم من هذا أن أهل السماوات لا يعرفون بما يكون في الأرض، وإلا فقد سألوا: أوَقد أُرسِل إليه؟ تمام؟ وفي بعض الروايات فيها النص على هذا، قالوا: وكان أهل السماء لا يعلمون بما يجري في الأرض إلا أن يعلمهم الله تبارك وتعالى.
طيب، السماء الدنيا وجد فيها نبينا صلى الله عليه وسلم سيدنا آدم، قال: فالتفتُّ فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، فكان إذا نظر إلى الأسودة التي عن يمينه ضحك، وإذا نظر إلى الأسودة التي عن يساره بكى، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم. الأسودة هي طبعاً، أنتم تسمعون كلمة السواد، السواد من الناس، السواد من الناس يعني إيه؟ أنت لو أن أمامك جمعاً كبيراً من الناس فأنت لا ترى إلا رؤوسهم، فكأن الجمع سواد، سواد الشعر هذا مع انتشار الناس مع الجماهير، فالسواد هو الجمع من الناس، الأسودة هو الجمع من الناس. فعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، فجبريل قال: هذا أبوك آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله هي نَسَم بنيه، أرواح أبنائه، نَسَم بنيه. فأما الذين عن يمينه فهم أهل الجنة، وأما الذين عن شماله فهم أهل النار. فطبعاً سيدنا آدم إذا نظر إلى بنيه الذين يدخلون الجنة ضحك وسُعد بهم، وإذا نظر إلى الأسودة التي عن شماله بكى وهم أولاده، يعني بكى لأنهم يدخلون النار.
طيب، ثم صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية. في السماء الثانية طبعاً عند كل سماء يتكرر نفس الحوار، قال: فاستفتح، فيقال: من؟ جبريل. ومن معك؟ محمد. أوَقد أُرسل إليه؟ نعم. مرحباً به، فنعم المجيء جاء، تمام؟ هذا كلام متكرر في صعود النبي صلى الله عليه وسلم عند كل سماء.
طيب، إذاً السماء الثانية كان فيها ابنا الخالة، من ابنا الخالة؟ سيدنا يحيى وسيدنا عيسى، نعم، ابنا الخالة سيدنا يحيى وسيدنا عيسى ابن مريم، تمام؟ فيعني استفتح، سلموا عليه، مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثالثة، السماء الثالثة كان فيها مين؟ أُستفتِح، فإذا فيها سيدنا يوسف عليه السلام، ووصفه النبي فقال: وأُعطي شطر الحسن. طبعاً سيدنا يوسف رجل مشهور بالجمال، وأدل دليل على ذلك قول الله تعالى: قَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ لك أن تعرف يعني مدى الحسن الذي كان فيه سيدنا يوسف. طيب، فرحب بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ثم عُرِج به إلى السماء الرابعة. طيب، السماء الرابعة كان فيها مين؟ سيدنا إدريس عليه السلام. واستدل النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره بقوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا.
ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم عُرِج به إلى السماء الخامسة، السماء الخامسة كان فيها مين؟ إذا فيها سيدنا هارون عليه السلام، سيدنا هارون كان في السماء الخامسة.
طيب، السماء السادسة: سيدنا موسى عليه السلام، جميل. طيب، سيدنا موسى طبعاً له مع نبينا قصة، سيدنا موسى سلم على النبي: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزه النبي بكى. قيل: وما يبكيك؟ قال: أَبْكِي لأن غُلاماً بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُها مِنْ أُمَّتِي. طبعاً كلمة "غلام" هنا ليس فيها تنقيص، وإنما طبعاً سيدنا محمد أصغر من سيدنا موسى، تمام؟ فطبعاً سيدنا موسى، سنأتي طبعاً نحن نحن أقرب الأمم إلى سيدنا موسى عليه السلام؛ لأن سيدنا موسى هو الرسول الأول الذي صارت له أمة ينبغي أن تؤمن به وتعمل بشريعته وكتابه وتجاهد في سبيل الله. ما قبل سيدنا موسى ذكرنا هذا مراراً، ما قبل سيدنا موسى كان النبي يدعو قومه الذين هو حاضر فيهم، فينجي الله المؤمنين ويهلك الله الكافرين، تمام؟ لكن سيدنا موسى من بعد ما نجاه الله وقومه من فرعون صار القوم، صار بنو إسرائيل، هم المكلفون بالرسالة، يعني هم المكلفون بالعمل بها، وصاروا مطالبين بالجهاد في سبيل الله. فإذا استمسكوا بالكتاب وعملوا بذلك نصرهم الله، إذا لم يعملوا بذلك هُزِموا وغُلِبوا حتى لو كان أعداؤهم من الوثنيين، تمام؟ فأمة موسى هي أمة أمة الكتاب، أمة يجب أن تعمل بالكتاب.
طيب، في السماء السابعة وجد سيدنا من؟ سيدنا إبراهيم عليه السلام. وطبعاً سيدنا إبراهيم، النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت لكم حين وصف الأنبياء قال، قال عن سيدنا موسى: فإذا هو رجل آدم طوال كأنه من رجال شنوءة، سيدنا موسى يعني رجل ضرب نحيف طويل كأنه من قبائل شنوءة، قبائل معروفة بقوتها. وسيدنا عيسى قال: وأشبه الناس به عروة بن مسعود الثقفي، طبعاً إحنا ما نعرفش عروة بن مسعود الثقفي فا إيه فمش عارفين كده شكل سيدنا عيسى. قال: وأما إبراهيم فأقرب الناس به شبهاً صاحبكم، يعني نفسه صلى الله عليه وسلم، تمام؟ فكان مما قاله سيدنا إبراهيم للنبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد، أقرِئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
طيب، هنا توقف كثير من العلماء عند يعني لماذا التقى النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الأنبياء على وجه التحديد؟ الأنبياء المذكورون في القرآن 25 نبياً، لكن النبي هنا لقي كم؟ سبعة، تمام؟ ثمانية، تمام، ما شاء الله، بارك الله فيك. طيب، فلماذا هؤلاء الثمانية؟ فهنا طبعاً اختلفت أنظار العلماء، هذه من المواطن التي تلتمس فيها الحكمة. ويعني مما يقال في هذا، مما يستملح العلماء يعني في الحكمة في لقاء هؤلاء الأنبياء على وجه التحديد، أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أشباهه من الأنبياء، يعني لقي الأنبياء الذين سيلقى في طريقه وفي حياته وفي دعوته مثل ما لقي هؤلاء الأنبياء، تمام؟
فمثلاً قالوا: إن آدم خرج من السماء وخرج من الجنة ونزل إلى الأرض، وشبيه هذا في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم خروجه من مكة إلى المدينة، نعم. أتعرفون قصيدة ابن القيم المشهورة: "فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى"؟ يعني كما أُخرِج آدم من موطنه الأول، أُخرِج النبي صلى الله عليه وسلم من موطنه الأول.
طيب، يحيى وعيسى عليهما السلام، وجه الشبه بينهما وبين نبينا صلى الله عليه وسلم أن كلا هذين النبيين لقيا الأذى من اليهود، ونبينا صلى الله عليه وسلم سيلقى بعد قليل حين يذهب إلى المدينة الأذى من اليهود، بل كلا النبيين حاولوا قتلهما، قتلوا يحيى وحاولوا قتل عيسى عليه السلام، واليهود كذلك تعددت محاولاتهم لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وأنتم تعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يشكو من أثر السم الذي أكله في الشاة حتى موته، ولذلك قال: هذا أوان انقطاع أبهري، يعني كان هذا السم له نصيب في موت النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقال عن نبينا الشهيد بهذا المعنى، تمام؟ ولذلك يقال عنه الشهيد، وطبعاً هذه معلومة صارت معروفة ببركة سيدنا أبي عبيدة صاحب غزة وهو يصلي على نبينا المجاهد الشهيد، تمام.
طيب، إذاً السماء الثالثة فيها يوسف، ما وجه الشبه بين سيدنا يوسف وبين نبينا صلى الله عليه وسلم؟ أنه لقي الأذى من قومه وإخوته، ونبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً لقي الأذى من قومه ومن أبناء عمومته، تمام؟ وكان عمه أبو لهب من أشد الناس عليه، فهو لقي سيدنا يوسف بهذا الشبه.
طيب، السماء الرابعة وفيها إدريس عليه السلام، طبعاً قصة إدريس غير معروفة، ولذلك نستبق القول مما يعني توجيه العلماء لهذا اللقاء قول الله تبارك وتعالى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. ونبينا صلى الله عليه وسلم سيبلغ في هذه الدنيا أرفع الأماكن، وأنه في حياته سيؤسس دولة كبيرة وسيخاطب الملوك، وبعد وفاته ستبلغ هذه الأمة ما تبلغ الشمس: إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، فالنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الآخرة شابه نبي الله إدريس عليه السلام في أنه سيكون في رفعة وفي مكان علي.
طيب، سيدنا هارون، سيدنا هارون نعم فيه أيضاً مسألة الأذى من اليهود، ولكن قالوا بأن سيدنا هارون كان من أحب الأنبياء إلى قومه، كان من أحب الأنبياء إلى قومه مع أنهم في البداية استضعفوه وكادوا يقتلونه، تمام؟ ونبينا صلى الله عليه وسلم سيكون أيضاً أحب وأكرم الأنبياء على قومه مع أنهم استضعفوه وكادوا يقتلونه، حتى خرج من مكة ثم عاد: "ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. وعلشان كده يا جماعة الخير: السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب يعجبني قول أحد مشايخنا وهو يلخص السيرة كان يقول: "جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن بلا سيف فقالوا: كاهن، ساحر، شاعر، مجنون. فلما جاءهم بالقرآن ومعه عشرة آلاف سيف قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم"، تمام؟ فيعني مما وجه إليه العلماء في وجه المشابهة بين سيدنا هارون أنه كان أحب الأنبياء إلى قومه من بعد ما استضعفوه وكادوا يقتلونه.
طيب، سيدنا موسى، ما وجه الشبه بين سيدنا موسى وبين نبينا صلى الله عليه وسلم؟ نعم، قالوا: سيعالج من أمته كما عالج موسى من أمته، حتى إنه صلى الله عليه وسلم حين كان يُؤذى كان يقول: رحم الله أخي موسى، لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر، تمام؟ وفي المشابهة أيضاً بينهما ما سيجده من اليهود، كلا النبيين وجد عنتاً من اليهود.
طيب، إبراهيم عليه السلام، وجه شبه واضح، نعم فيه وجه الهجرة، وقالوا: كلاهما يعظم البيت، كلاهما يعظم البيت؛ سيدنا إبراهيم يرفع القواعد من البيت ويؤذن في الناس بالحج، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سيطهر البيت من الأوثان والأصنام، ويعيد نداء إبراهيم، ويستجيب الناس لدينه، ويرجعون إلى حج بيت الله الحرام على نحو ما كان من دين إبراهيم عليه السلام، تمام؟ طبعاً هذه من اجتهادات العلماء في تفسير لماذا لقي النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأنبياء على وجه التحديد.
لقاء سيدنا عيسى عليه السلام؟ لا، لم يذكر أنه التقى بسيدنا يونس، ما هو لأجل هذا العلماء اجتهدوا، يعني لماذا لم يلتقِ بسيدنا نوح مثلاً؟ لماذا لم يلتقِ بسيدنا إسماعيل مثلاً؟ وهكذا، تمام.
طيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم رُفِعتُ إلى سدرة المنتهى، السدرة ما هي السدرة؟ السدرة هي شجر النبق، النبق، ونسميه في مصر النَّبَق، تمام؟ يعني ثمرة لا يمكن وصفها. ولكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، لو حد فيكم عارف شجرة النبق كيف شكلها، هي أوراقها مدورة، لكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الشجرة أن أوراقها كبيرة كآذان الفيلة، تمام؟ وأن ثمرتها كقلال هَجَر. قلال هجر، إيه هي قلال هجر؟ الجماعة الذين خاضوا في الفقه يعرفون أن قلال هجر هي بمثابة المعيار أو المقياس الذي كان يعرفه العرب في ذلك الوقت، ولذلك مشهور في باب الطهارة من أول ما تدرس الفقه قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان الماء قدر قلتين لم يحمل الخبث. فقلال هجر هذه طبعاً أنا لما بحثت عن معاييرها، هي تساوي بمقاييس الآن القلة الواحدة تحمل ما بين 80 لتراً إلى 150 لتراً من الماء، فهي إيه؟ قلة كبيرة. هذه هي الثمرة، ثمرة السدرة التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في سدرة المنتهى. والمنتهى قال العلماء: هو منتهى ما يعرج به من الأرض، ومنتهى ما ينزل من السماء، وقال بعضهم: إليها ينتهي علم كل نبي مرسل وملك مقرب، فما وراءها فهو الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، طبعاً نحن الآن في رحلة سماوية فاخرة، رحلة لم تكن لأحد من البشر، لا من الأولين ولا من الآخرين. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ثم رُفِعتُ إلى سدرة المنتهى، فغشيها من أمر الله ما غشيها، فتغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع نعتها من حسنها. فنحن أمام قدر هائل من الجمال لا يمكن وصفه، ولا يمكن وصفه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أُوتي جوامع الكلم وكان أفصح الناس صلى الله عليه وسلم، هو الذي قال: فغشيها ألوان ألوان كثيرة، ولما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما يستطيع أحد من خلق الله نعتها من حسنها، تمام؟ فطبعاً هذا مما، وتلا قول الله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى.
طيب، وإذا في أصلها، إحنا دلوقتي عندنا السدرة زي ما إحنا شايفينها، ألوان ألوان كثيرة ثم تغيرت إلى شكل لا يمكن وصفه، ونعرف أن أوراقها مدورة ولكن أحجامها كبيرة كآذان الفيلة، ونعرف أن ثمرتها النبق كقلال هجر. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان. فأما النهران الظاهران فالنيل والفرات، وأما النهران الباطنان فنهران في الجنة. طبعاً أيضاً توقف الناس، توقف أهل العلم عند قوله صلى الله عليه وسلم: نهران ظاهران: النيل والفرات. طبعاً بالتأكيد يعني النيل إحنا شايفين أوله وآخره، وكذلك الفرات شايفين أوله وآخره، فلذلك أرجح الأقوال فيما أرى أن يكون أصل الماء، أصل ما نزل، أصل النيل وأصل الفرات، هو ما كان من هذه السدرة، والله أعلم، تمام؟
ويلوح لي والله أعلم أن هذا التحديد، التحديد من النيل إلى الفرات، كأن هذه الأرض ستكون أرض الإسلام، وحتى إذا انتزعت بعض الأرض منها في وقت من الأوقات فإن هذا بمثابة الشذوذ الطارئ. ولذلك نحن إذا تتبعنا منذ أن بُعِث نبينا صلى الله عليه وسلم، ومنذ أن وصلت الفتوحات إلى العراق وإلى مصر، فهذه المنطقة منطقة إسلامية صرفة لم يتغير فيها الإسلام، صحيح جاء الصليبيون بعض الوقت، صحيح موجود الآن إسرائيل، لكن كل هذا بمثابة الشذوذ الطارئ.
طيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم رُفِع لي البيت المعمور، والبيت المعمور هو نظير الكعبة في الأرض، هو بيت لله في السماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبداً. فنحن أيضاً أمام مشهد من المشاهد التي تستعصي على الخيال، بيت يدخله كل يوم سبعون ألفاً لا يخرجون منه أبداً. يعني لو حسبنا كم يوم إحنا دلوقتي، 1446 نضرب في 365 نضرب في 70 ألف، هؤلاء الذين دخلوا منذ يعني رآهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا نتكلم في أعداد ضخمة يعني. وهذا سبحان الله مما يملأ القلب بعظمة الله وجلال الله تبارك وتعالى، وقد قال ربنا تبارك وتعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ.
أنا أتذكر قبل 14 سنة من الآن، كنا في رحلة مع أحد الأصدقاء ممن كان يهوى الفلك وعلوم الفلك، المهم فكان من المعلومات التي ثبتت في ذهني منذ ذلك الوقت أنه قال الكلام ده من 14 سنة سنة 2010، قال: الآن حجم المدرك من الكون 13 مليار سنة ضوئية، 13 مليار سنة ضوئية يعني إيه؟ يعني لو كان لدينا صاروخ يسير بسرعة الضوء فانتقلنا من أول الكون إلى آخره، الحتة اللي إحنا عارفينها دي، فمحتاجين 13 مليار سنة، طبعاً شيء مهيب. ثم رزقني الله بسيف الدين، مهتم بالفلك، فقال لي معلومة أخرى: الآن وصلوا 93 مليار سنة ضوئية، يعني آخر المعلومات التي قرأناها 93 مليار سنة ضوئية. يعني إذا كان لديك صاروخ يسير بسرعة الضوء...
طبعا هذا مستحيل، الضوء سرعته 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فلأن الكون شاسع فالناس يستخدمون هذه السرعة في قياس المسافات، فتخيل لو عندك صاروخ يسير بسرعة الضوء محتاج 93 مليار سنة، فكيف بالذي خلق هذا كله! سبحان الله، أحد مما يعني قرأته قريبا، أحد العلماء وهو يقول: الإنسان موجود في تلك البقعة اللانهائية الواقعة بين أكثر الأمور حجما وأكثرها تناهيا في الصغر، يعني الإنسان موجود في بقعة في شريط خفيف كده بين أكثر الأشياء ضخامة واتساعا وكبرا، وبين أكثر الأشياء تناهيا في الصغر. أنت حين تتوغل في المادة، وفي الخلية، وفي الذرة، وفي البروتون، أنت تصل إلى مقاييس يعني ضعيفة ضعيفة ضعيفة للغاية، كذلك فسبحان الله رب العالمين يعني هذه من الأمور التي تملأ القلب بجلال الله تبارك وتعالى، ولذلك قال ربنا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ولذلك قال ربنا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. العلماء هم أقدر الناس على تصور هذه الأمور المتناهية في الكبر أو المتناهية في الصغر.
طيب، ثم عرج بي، يقول صلى الله عليه وسلم: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، صريف الأقلام يعني صوت الأقلام وهي تكتب، قال: ثم فرضت علي الصلاة 50 صلاة في كل يوم. احنا كده في ذروة رحلة المعراج، طيب، رجع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فرجمت فمررت على...، المفروض يمر على مين؟ في السماء السابعة في مين؟ إبراهيم، السماء السادسة، اه، قال: فمررت على موسى، سيدنا موسى أوقفه قال: بم أمرك ربك؟ قال: فرض علي في كل يوم 50 صلاة، طبعا سيدنا موسى رجل خبير صاحب تجربة تمام، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، تمام. في رواية أخرى قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإنهم قوم ضعفاء، أبدانهم وأبصارهم وأسماعهم. طبعا احنا عارفين البشر بشكل عام يتناقصون حجما وقوة يعني في رحلة الزمن وكذلك تتناقص أعمارهم، فسيدنا موسى قال إنهم ضعفاء يعني ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة.
هنا انتبه يا، هنا انتبهوا معي، وهذه من الأمور التي نؤكد أنها من علامات أن رحلة الإسراء والمعراج كانت رحلة التهيئة للدولة الإسلامية ولزمة النبي صلى الله عليه وسلم. موسى هنا لم يذكر ما عاناه من فرعون، ذكر ما عاناه من من من بني إسرائيل، من امته، من أمته الذين أمرهم أن يعبدوا الله وأن يقوموا بالواجبات وأن يقيموا الشريعة فاتعبوه، تمام. ولذلك تثبت بعض الروايات في الصحيحين وأظنها رواية مسلم قال: فإني قد أمرت بني إسرائيل بأقل من هذا فضعفوا عنه فتركوه. يبقى هنا سيدنا موسى يحدث النبي عن العنت الذي سيجده من من قومه، مش من الكفار، تمام.
طيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال يعني، فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره، فقال جبريل أشار جبريل أن نعم إن شئت، فذهب إلى ربه وسأله التخفيف، فوضع عنه عشرا، صاروا 40، رجع، سيدنا موسى واقف مهتم بالموضوع، ولذلك فضل من فضل سيدنا يعني هذا موقف نحن المسلمون يجب ألا ننساه أبدا، سيدنا موسى احنا دلوقتي الناس يعني إيه مش مش الناس كلنا أحيانا نكسل عن الصلوات، ما بالك لو كانوا 50 ولا 40 ولا 30! يعني الحمد لله أن رحمنا الله بسيدنا موسى، فسيدنا موسى ها، ماذا فعلت؟ قال: حط عني عشرا، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة. فظل النبي بين سيدنا موسى وبين ربه تبارك وتعالى حتى يضع عنه عشرا عشرا عشرا، ثم حتى وصلوا إلى إيه؟ إلى خمس صلوات. سيدنا موسى قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، اه، حتى الخمسة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم، فنادى منادٍ أن خففت عن عبادي، وهن خمس وخمسون، يعني خمس في العدد وخمسون في الأجر. وزادت رواية رواية مسلم قال الله تبارك وتعالى: ومن هم بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بها فعملها كتبت له عشر حسنات، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بها فعملها كتبت له سيئة واحدة.
من التعليقات العظيمة للإمام النووي رحمه الله قال: وتأمل في قوله سيئة واحدة وحسنة كاملة، يعني شوف الله تبارك وتعالى يحفزك على الحسنات، فلما جاء ذكر ذكر الحسنة قال حسنة كاملة، ما قالش حسنة واحدة، فلما جاء ذكر السيئة قال سيئة واحدة، لم يقل سيئة كاملة، فكان الله تبارك يعني وفي هذا من لطيف من لطف الله ورحمته بعباده تبارك وتعالى. تمام، إذاً صاروا كام؟ خمس صلوات. طيب، طيب، طبعا هنا كما ذكرت لكم أنه سيدنا موسى كان يعني كان من أسباب رحمة الله بنا في هذا التخفيف، ومن هنا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء وقالوا: هذا يوم مبارك نجى الله فيه موسى، فقال النبي النبيه: نحن أولى بموسى منهم، وهذا ما يجب أن يكون راسخا في صدورنا نحن المسلمين، نعم نحن أولى بموسى منهم، ونحن أحق بموسى منهم، ونحن أحب لموسى منهم، وسيدنا موسى لأنه كان نبيا على قوم على قوم بني إسرائيل، فالله تبارك وتعالى أكثر من ذكر قصة سيدنا موسى لنا في القرآن، وبعض مشايخنا كان يقول يعني كان يسألنا: لماذا ذكر موسى في القرآن أكثر الأنبياء؟ لماذا يا مولانا؟ كان يقول: لأنه عانى من أمرين هما سيكونان معاناة المسلمين: الفراعين واليهود. سيدنا موسى نصف حياته الأول يعاني من الفراعين يعني يواجه الطغيان ويواجه الاستبداد، ونصف حياته الثاني، اه، ونحن قد اجتمعوا علينا الآن، اليهود والفراعين الآن يد واحدة على أمة النبي صلى الله عليه وسلم، حلف واحد، جسد واحد، تمام.
فلذلك كثرة ما ذكر عن سيدنا موسى في القرآن الكريم تنير لنا طريقنا نحن في حياتنا المعاصرة، يعني أنت حين تتأمل في حوار سيدنا موسى مع فرعون، وفي الآيات التي بذلها لفرعون، وفي موقف فرعون منه، السحرة، التعذيب، الاضطهاد، والنصف الحياة الثاني وأنت ترى الشخصية اليهودية وكيف الشخصية اليهودية تراوغ هذا النبي، و يعني يعني سيدنا موسى بعد كل حياته قال: رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، متصور؟ نبي من أولي العزم من الرسل، تصور كيف كان حاله مع اليهود! لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، قوم لا أمل فيهم، لا أمل فيهم، ولو كان فيهم أمل لكان يعني أحق الناس أن يرى هذا هو نبي الله موسى عليه السلام. فلذلك التوقف والتأمل مع مع قصة سيدنا موسى مهم للغاية.
على كل حال هنا طبعا نحن نتذكر رحمة سيدنا موسى بنا، ونتذكر كذلك رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بنا، يعني أنتم تعرفون يا جماعة أشد شيء على الإنسان الحيي أن يطلب، صح؟ الإنسان الحيي أشد شيء عليه أن يطلب، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان أشد الناس حياء حتى قيل: كان أشد حياء من العذراء في خدرها. فكان نبينا صلى عليه وسلم أيضا في رجوعه إلى ربه وسؤاله التخفيف، ورجوعه مرة أخرى، ورجوعه مرة أخرى، فهذا أيضا من يعني من مصدقات قول الله تبارك وتعالى عن نبيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ.
هنا لا بد من التوقف مع مسألة مهمة، وهي أن الصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت في السماء، الصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت في السماء، كل العبادات الأخرى، كل الشرائع، كل التكاليف نزل بها الوحي إلى الأرض، أما الصلاة فقد ذهب النبي إلى السماء لكي يتلقى هذا الأمر، وهذا يا جماعة الخير يدلكم على عظم شأن الصلاة، ولذلك الصلاة هي العبادة الوحيدة التي اختلف في العلماء في تاركها، تارك الصلاة كسلا، كسلا مش جحودا، جحودا اتفاقا إن هو كافر يعني، الذي يستهين بالصلاة ويجحد أنها فرض هذا بالإجماع كافر، لكن الذي تركها كسلا هذا الذي اختلف فيه العلماء، فبعض العلماء يقولون كافر، وبعض العلماء يقولون فاسق. بقية العبادات ليس فيها هذا الخلاف، بقية العبادات ليس فيها هذا الخلاف، الإنسان إذا آمن بأصل الفريضة واعترف بتقصيره فلا يحكم عليه بالكفر، يحكم عليه بالكفر إذا جحدها، لكن إذا تركها كسلا، تقصيرا، ذنبا، لا يحكم عليه بالكفر.
طيب، وطبعا يعني دل على هذا نصوص لأن العلماء يعني مش هيخترعوا من عند أنفسهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر، وقوله صلى الله عليه وسلم: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة، يعني الصلاة باب بين المسلمين وبين الكافرين، اللي عايز يكفر يترك الصلاة، قال: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف. هذا الحشر مع أئمة الكفر مما يقوي قول الذين قالوا إنه يكفر. وللإمام ابن القيم عبارة لطيفة هنا قال: فمن شغلته عن الصلاة رياسته وملكه حشر مع فرعون، ومن شغلته عن الصلاة وزارته حشر مع هامان، ومن شغلته عن الصلاة أمواله حشر مع قارون، ومن شغلته عن الصلاة تجارته حشر مع أبي بن خلف.
القصد إنه الحشر مع أئمة الكفر هنا يعني، وسمعت من بعض يعني إخواننا من طلبة العلم استدلالا لطيفا أيضا على هذه المسألة، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث حين سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك يعني يوم القيامة؟ قال: إنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء. الغرة هي البياض في جبهة الفرس، والتحجيل يعني الفرس المحجل هو الذي قوائمه بيضاء، يعني الغرة هي البياض في الجبهة تمام، والفرس المحجل هو الذي بياضه في قوائمه. فالنبي يقول عن أمته الذين سيعرفهم يوم القيامة إنهم يأتون يوم القيامة وكأنه في وجوههم نور وفي أطرافهم نور من أثر الوضوء، يأتون غرا محجلين من أثر الوضوء. فصاحب هذا أدرج هذا الحديث في أدلة من يقولون بكفر تارك الصلاة؛ لأنه لا يتوضأ، فكذلك فكأنما ليس من الأمة. طبعا بعض العلماء ذكر أنهم يعني أنه من الفسق وحمل ألفاظ الكفر الواردة في الروايات على أنه من الكفر دون الكفر هو مما يراد أحيانا، وهذه مسألة فقهية يعني لا نتعرض لها الآن، لكن الخلاصة أنه الصلاة هي الفريضة الوحيدة، العبادة الوحيدة، التكليف الوحيد، التشريع الوحيد الذي فرض في السماء، وهو آخر ما يذهب من هذه الأمة، وذلك في قول الله تعالى، في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة عروة عروة عروة، فكلما نقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولها نقضا الحكم، يعني أول ما يدخل عليه أول ما يدخل الخلل في الأمة الإسلامية فيه هو الحكم، النظام السياسي، وآخرها نقضا الصلاة. فأنت تعرف أنه الصلاة ستظل علامة الأمة الإسلامية، ستظل علامة المسلم، آخر علامات المسلم أنه يصلي، تمام. ف يعني هذا أمر لا بد من التنبه له، و يعني من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟، ها حديث معاذ المشهور قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، فلذلك استدلوا أيضا بأن من هدم عمود الأمر لم يقم له شيء، وهي الصلاة.
طيب، هنا في هذه الرحلة رأى النبي صلى الله عليه وسلم مشاهد من الجنة والنار، وهذه المشاهد من الجنة والنار من من الأمور الصحيحة التي وردت فيها، أولا ما جاء في القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ. إذاً فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى الشجرة الملعونة في القرآن، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الشجرة رأي عين. ما هي الشجرة الملعونة؟ شجرة الزقوم نعم، وشجرة الزقوم وصفها لنا ربنا تبارك وتعالى في سورة الصافات فقال: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. وطبعا أنتم تشهدون الواحد إذا إذا أراد أن يرتاح أو أن يرى مشهدا جميلا فإنه ينظر في الشجر، فما بالك لو كانت الشجرة طلعها كأنه رؤوس الشياطين، وأنك تأكل منها حتى تملأ منها البطون! تمام، فهذا مما رآه النبي صلى الله عليه وسلم.
كذلك مما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لما عرج بي ربي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، تمام، لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، وهذا عذابهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم. هؤلاء أهل المقاهي وأهل الجروبات وأهل المجالس، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعافينا وإياكم، هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: مررت ليلة أسري بي بأناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار، مقاريض من نار يعني خلينا نقول مقاريض من حديد، شوف كيف تقرض الشفاه بمقاريض من لا من حديد بل من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم. دول جماعة الدعاة والوعاظ والخطباء واللي بيدوا دروس، أسأل الله أن يعيذنا وإياكم. وقد ذكر لهؤلاء عذاب آخر في حديث آخر، وذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالرجل يؤتى بالرجل فيدور في النار كما يدور كما تدور الرحى حتى تندلق أقتاب بطنه، أمعاؤه، فيقول أهل النار: يا هذا، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. وهذا أمر مما يعني يشتد غضب الله منه، وهو في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. فهؤلاء رأهم النبي صلى الله عليه وسلم تقرض شفاههم بمقاريض من نار.
طيب، وعند الإمام أحمد بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر في النار فرأى أقواما يأكلون الجيف، الجيف الجثث، الجثث المنتنة، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، لهم عذاب أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، ولهم عذاب آخر أنهم يأكلون من الجيف.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا وصفه سبحان الله بهذا الوصف قال: رجلا أحمر أزرق جعدا شعثا، يعني طبعا وصف يعني مرعب شوية، أحمر أزرق أجعد أجعد الشعر شعثا مفرقه، فقال: من هذا يا جبريل؟، قال: هذا الذي عقر الناقة. ناقة من؟ اه، ناقة ثمود. معجزة ثمود يا أحباب من أشد المعجزات وضوحا وأثرا، يعني لك أن تتخيل لك أن تتخيل قوم طلبوا من النبي معجزة، فالمعجزة خرجت لهم من صخرة، يعني صخرة انشقت وخرجت منها ناقة، أو خرجت من وراء صخرة تمام، كلاهما واحد، المهم وجدت أمامهم ناقة، هذه الناقة تأتيهم باللبن يوما ويوما تمام، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ، يعني هي تأخذ تشرب الماء يوما وتعطيهم اللبن وتترك الماء لهم اليوم الآخر. طيب، بمقياس الإيمان بمقياس العقل إذا صالح نبي الله يعني نبي معجزة معجزة أنت تراها رأي العين ما فيها شك، طيب، حتى لو لم تكن مؤمنا، بمقياس المادية النفعية البراجماتية المفروض هذه الناقة ثروة قومية، صح ولا لا؟ يعني ينبغي حتى لو لم تؤمن بنبي الله صالح أن تحافظ على هذه الناقة حفاظك على إيه؟ الكنز الذي رأيته.
لكن وجود الناقة دليل حارق لاهب مزعج لمن لا يريد أن يؤمن بنبي الله، ما هو طول ما الناقة دي موجودة تخبرك أنك على باطل، مشلاقي مية، ماشي، طالما هذه الناقة موجودة تخبرك أنك على باطل، فلذلك وجود الناقة شيء مزعج، شيء حارق، شيء لا يحتمل. يا جماعة الخير، كثير من الناس واعوذ بالله أن أكون أو تكون منهم، كثير من الناس يعرف الحق وينحرف عنه، هذا هو المصير، هذا هو المصير، الذي يريد أن ينحرف عن الحق مهما تمثل له الحق معجزة فإنه لا يؤمن، ولكن يسعى في إخفاء هذه المعجزة. النفس البشرية إذا لم تقهر على الحق تتحول إلى شيطان، تتحول إلى شيطان، هذا شيء يعني يجب يجب أن يراقب كل إنسان منا نفسه لكي يتعرف على هذه النفس التي تراوغ وتحاول أن تنحرف عن الحق، وتحاول أن تلتمس لنفسها الأعذار والمبررات والتأويلات؛ لأن هذا يوصلها بعد قليل إلى رفض الحق الصريح. قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. من عقوبة الله تبارك وتعالى لمن ينحرفون عن الحق أنه يختم على قلوبهم، أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ، عفوا، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ. الإنسان لما يترك لنفسه مساحة لكي ترفض الحق وتنحرف عنه، هذه المساحة تزيد وتتعاظم حتى تصير إلى هذا الوضع الذي نتكلم فيه، مهما جاءت المعجزات فالنفس تلتمس السبيل إلى رفضها. هؤلاء قوم ثمود عقروا الناقة، لماذا عقروها؟ مع أنها حتى بمنطق الماديين مفيدة، لأن وجودها دليل على أنهم على باطل، كلما وجدت كان ذلك دليلا على أنه على باطل. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا. الباطل لا يطيق الحق، وجود الحق لا يطيقه الباطل.
فهذا هذه من مسارب النفس الخفية التي ينبغي أن ننتبه إليها، ولذلك أنتم تجدون الآن كثير من الطغاة ومن المجرمين ومن السفاحين تجده في الـ70 من عمره، وفي الـ80 من عمره، وفي الـ60 من عمره، بعضهم عمل عملية قلب مفتوح وكاد يموت ثم نجا ويرجع إلى ما كان عليه؛ لأنه الإنسان إذا تعود رفض الحق تعود اتباع الهوى انتهى، ختم الله على قلبه، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، شوف بقى المصير، وأسود مربادا كالكوز مجخيا، زي الكباية إيه؟ المكفية المقلوبة يدخل فيها شيء، كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه. ولذلك هؤلاء الذين يرفضون الحق تجدهم وقد قالوا: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ. طب ده طلب ناس عاقلين؟ واحد بيقول: يا رب هات لي العذاب قبل يوم الحساب، ده ده كلام ناس عاقلين يعني؟ الطمس الطمس، وَقَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ، يا نهار، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. الإنسان حين يختم عليه يصير يعني يرتكب ما لم يكن يتوقع وما لا يكون في عقلي عاقل.
طيب، ومما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة قال: بينما أنا أسير في الجنة على نهر، فإذا قباب اللؤلؤ مجوفا، يعني لك أن تتخيل نهر عظيم في الجنة، وشكل الشاليه يعني بمصطلحنا المعاصر هي لؤلؤة مجوفة، هذا شكل الخيام والأماكن الموجودة على حافتاه، قال: وعليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا الكوثر، فضربت فيه بيدي فإذا طينته المسك الأذفر، وإذا رضراضه اللؤلؤ. الرضراض الحصى، طينته المسك الأذفر ورضراضه اللؤلؤ.
طيب، ومما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في هذه الليلة، وهذا رواه الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما أنا أسير إذ جاءتريح طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟، فقال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها، فقال النبي: وما شأنها؟، فحكى له سيدنا جبريل قصة ماشطة بنت فرعون. ماشطة بنت فرعون المرأة التي تمشط شعر ابنة فرعون، قالت: بينما هي تمشط شعرها وقع منها المشط فذهبت تأخذه فقالت: بسم الله، قالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، بل ربي ورب أبيك الله، قالت: سأخبره، وفي رواية: أأخبره؟ يعني بمعنى الاستفهام أو التهديد يعني، أأخبره؟ أأبلغ عنك؟ قالت: نعم، فجاء فرعون. طيب، سمع فرعون ما يسوؤه فماذا فعل؟ جاء ببقرة من نحاس تمثال، ووضع فيه الزيت المغلي، وجاء بأولادها وصار يلقيهم أمامها في الزيت المغلي، عذاب رهيب عذاب رهيب، مع أن فرعون لو تركها كان حد هياخد باله؟ مين يعرف ماشطة بنت فرعون؟ مين يعرف؟ حد مين دلوقتي يعرف من الكوافير بتاع ابنة الرئيس أو الملك؟ مين مين واخد باله من الموضوع؟ ولكن فرعون هدمت في نفسه ألوهيته، هدمت في نفسه يعني جبروته وطاغوته، ولم يجيء لكي يعذبها هي ويلقيها في النار، لا، بل ألقى أولادها أمامها لكي ترجع وهي ثابتة حتى جاؤوا يأخذون رضيعها الذي على صدرها، قال: فكأنها تقاعست، فأنطق الله لها الولد وقال: يا أماه، اقدمي؛ فعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وألقي أمامها ثم ألقيت بعده. فهذا مما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء.
وكذلك عند أحمد عن ابن عباس بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الدجال وقال: رأيته أقمر، أقمر يعني أبيض شديد البياض، هجانا، يعني أبيض، فيمانا، يعني عظيم الجثة، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، أعور، رآه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة.
وفي هذه الليلة كانت المرة الثانية والأخيرة التي رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في صورته الملائكية، نحن ذكرنا المرة الأولى التي رآه فيها كانت المرة الثانية من الوحي عندما فتر الوحي وذهب النبي صلى الله عليه وسلم يعني عند الغار يتلمس أن يرجع إليه، قال: ففجأني وهو يغطي ما بين السماء والأرض، فجثا، هي المرة الثانية التي رآه فيها النبي صلى الله عليه وسلم، نقل وصفه سيدنا عبد الله بن مسعود قال: له 600 جناح يسد ما بين السماء والأرض في هيئته الملائكية، تمام. وهو المعني بقول الله تعالى في سورة التكوير: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ، وهو المعني بقوله تعالى في سورة في سورة النجم: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ. فهذه من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء.
طبعا كلما نتكلم عن الإسراء يأتي السؤال الكبير: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى؟ الذي عليه العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، وعائشة رضي الله عنها كانت أول من شرحت هذا وقالت: أين أنت من قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ، هذه ردها على مسروق من التابعين، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ. وفي الحديث الذي يرويه أبو ذر قال النبي صلى الله عليه وسلم: نور أَنَّى أراه؟، يعني نور كيف أراه؟ وفي رواية أخرى: رأيت نورا، يعني لم أر إلا النور، تمام. أما رؤية الله تبارك وتعالى فكما قالت عائشة أيضا: وأين أنت من قول الله تعالى: لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ.
طيب، على كل حال هذه من المشاهد، على كل حال الآن طبعا نرى هذه الرحلة السماوية الفاخرة وبهذه المشاهد يتحقق ما قال الله تبارك وتعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا، وقوله تعالى في سورة النجم: لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ، تمام. هنا طبعا يعني لك أن تتصور نبينا صلى الله عليه وسلم بعد هذه الرحلة التي رأى فيها يعني آيات من ملكوت السماوات والأرض ومن غيب السماوات والأرض، يعني كيف يكون حال النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممتلئ انشراحا وإيمانا ويقينا وثباتا ونورا وهدى واطمئنانا! ولكن كالعادة هو كما وقلنا لا يكتمل للنبي صلى الله عليه وسلم فرح.
ففي اليوم التالي لليلة الإسراء قال النبي صلى الله عليه وسلم خليني أتي لكم بالنص، اه، قال هذا بسند صحيح عند أحمد عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: لما كان ليلة أسري بي وأصبحت بمكة فزعت بأمري، فزعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي. قال قال ابن عباس: فقعد معتزلا حزينا. احنا دلوقتي أمام مهمة تانية هي مهمة كيف يخبر قريشا عن هذا الأمر.
في هنا يعني أمر حقيقة لم أره مكتوبا قبل ذلك، فهذه يعني هذه خاطرة من عندي هي من كيسي، فعم إيه يمكن حذفها من أذهانكم بسهولة، يعني سبحان الله أتأمل حين المقارنة بين سيدنا موسى وبين نبينا صلى الله عليه وسلم يعني أنت ترى أن إرسال سيدنا موسى بدأ بالمعجزة، إرسال سيدنا موسى بدأ بالمعجزة... طيب، البشمهندس يشير إلي بانتهاء الوقت، فالحمد لله إن ظللت مقتنعا بها أحكيها لكم إن شاء الله في المجلس القادم. أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي