بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الإخوة الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوّأتم من الجنة منزلاً. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذا المسجد على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس الثلاثون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكنا تكلمنا في المجلس الماضي عن رحلة الإسراء والمعراج.
وذكرت لكم أنه خطرت لي خاطرة في هذا ولم يتسع الوقت لها، وهي الآتي: أنتم تعرفون للعلماء وقفات، ويعني نكات لطيفة في يعني المقارنة بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبين غيره من الأنبياء، وكذلك في المقارنة بين صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وبين أصحاب غيره من الأنبياء.
فمما يشتهر في ذلك هذه النكتة اللطيفة التي تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة لما قال له صاحبه سيدنا أبو بكر إن القوم لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، فقال: ماذا قال؟ لا تحزن إن الله معنا، كما جاء في الآية: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فبعض العلماء توقف عند هذه الآية وقارنها بآية سيدنا موسى لما قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي. فيقولون: انظر، سيدنا محمد قدم اسم الجلالة على المعية (إن الله معنا)، بينما سيدنا موسى قدم المعية (إن معي ربي)، تمام؟
وكذلك حين يقارنون بين أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحاب غيره من الأنبياء، فصحابة نبينا خير من صحابة بقية الأنبياء، وفي ذلك مثلاً يضربون المثل بهذه الآية نفسها: قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، تمام؟ والحواريون هم الذين قالوا لسيدنا عيسى: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ. بينما أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم كانوا كما قال سعد بن معاذ: امضِ يا رسول الله لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. تمام؟
ففي هذا الإطار خطر لي أنه سبحان الله أنت ترى أن حياة سيدنا موسى عليه السلام بدأت بالمعجزة. حياة سيدنا موسى بدأت بالمعجزة، أول ما أوحى ربه إليه أراه الله معجزة العصا ومعجزة اليد: أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ. بينما لم تبدأ حياة نبينا محمد في دعوة قومه بالمعجزة، وإنما تأخرت المعجزة، فالمعجزات كانت تسرية وتخفيفاً على نبينا صلى الله عليه وسلم بعدما يعني عانى المعاناة الشديدة مع قومه، تمام؟ بينما بدأت حياة سيدنا موسى بالمعجزة. هذا فيه أمران: فيه طبعاً فضل نبينا صلى الله عليه وسلم الذي انطلق في الدعوة وتحمل تكاليفها دون أن يبدأ أمره بالمعجزة، وفيها كذلك معنى آخر وهو السطوة التي كان فيها فرعون، يعني فرعون من سطوته وجبروته وطغيانه ما كان يمكن أن يُدعى ويُجابَه إلا في وجود معجزة، بينما كان نبينا صلى الله عليه وسلم عزيزاً في قومه، فلم يكن يستلزم حين دعا قومه أن يكون معه معجزة، تمام؟
فيعني هذا مما خطر في مسألة الإسراء والمعراج، ولكن نرجع إلى ما كنا فيه وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم وكما قلنا قبل ذلك لم يكتمل له فرح، فهو بمجرد ما انتهت رحلة الإسراء والمعراج حتى بدأت محنة التكذيب. فذكرنا أنه روى أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما كان ليلة أُسري بي وأصبحت بمكة فظعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبيّ، قال ابن عباس: فقعد حزيناً معتزلاً.
طيب، قعد حزيناً معتزلاً، مين أول واحد هياخد باله من هذا الموضوع في أهل مكة؟ أبو جهل. إحنا ذكرنا إن أبو جهل ده كان رجل مسؤول الملف، أي تغيير بيحصل، أي تسامح، أبو جهل هو إيه؟ هو الحاضر. فمر عليه أبو جهل فقال كالمستهزئ: لعله كان أمر؟ طبعاً أنت شايف سيدنا محمد حزين ومعتزل، فحان ربما يكون في إيه؟ في مصيبة حصلت. قال: نعم. قال: وما كان؟ قال: أُسري بي الليلة. قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قال: وأصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم.
طبعاً أبو جهل المفروض أي واحد في هذا الموقف ماذا سيفعل؟ سيطير إلى الناس يحدثهم بهذه الأعجوبة الجديدة أو هذه الكذبة الجديدة، صح؟ لا، أبو جهل أذكى من ذلك، قال له: أرأيت إن جمعت لك قومك أتحدث بما حدثتني به؟ عايز يثبت على سيدنا محمد إيه؟ يأخذها من لسانه. قال: نعم. قال: فانطلق يقول: يا بني كعب بن لؤي! يا بني كعب بن لؤي! يقول ابن عباس: فانتفضت إليه المجالس. في كده إيه؟ في مشهد مسرحي مفاجأة، وهرعوا إليه، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم الحديث: أُسري بي الليلة. يقول ابن عباس: وإذا القوم ما بين مصفق بيده وما بين واضع يده على رأسه من الكذب وضع إيه؟ وضع يعني... يقولون: أُسري بك الليلة وأصبحت بين ظهرانينا ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟! قال: نعم. طيب، فقالوا: وهل تستطيع أن تنعت -تنعت يعني تصف- أن تصف لنا المسجد؟ وفيهم يعني في القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذهبت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت، يعني ظل النبي صلى الله عليه وسلم يصف والتبس عليه بعض النعت، قال: فجاء جبريل بصورة المسجد فوضعها دون دار عقيل، فصرت أصف وصاروا يعجبون.
طيب، في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم -هذه في الصحيحين عن جابر- قال: لما كذبتني قريش قمت في الحِجْر فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه. هناك لفظ عند مسلم يحتاج إلى وقفة منا يا جماعة، النبي صلى الله عليه وسلم وصف الحديث عن أبي هريرة، وصف حاله في هذه اللحظة، فقال: لقد رأيتني في الحِجْر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها -طبعاً النبي كان في رحلة عظيمة، براق وأنبياء ويصلي بهم، لم يلتفت إلى كل التفاصيل- يقول: فكُرِبتُ كُربةً ما كُرِبتُ مثلها قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به.
هنا نتوقف قليلاً مع كَرب النبي صلى الله عليه وسلم، شوف النبي هذا الموقف يقول فيه: فكُرِبت كُربة ما كُربت مثلها قط! يعني أسأل الله أن يعافينا وإياكم، لما يكون في تحقيق أمني ويسأل عن تفاصيل لا يعرفها، طبعاً أنت وأنت في مكتب التحقيقات ولا في القبو ولا معلق ولا تحت وسائل التعذيب والترهيب وتُسأل عن شيء لا تعرفه، ما رأيك في هذا الكَرب؟ كَرب شديد؛ لأنه هذا المحقق هذا الضابط لا يتوقف عن التعذيب إلا حين يتيقن بعد التعذيب يعني أنك لا تعرف وأنك لا تثبته. شوفوا كيف نزل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المكرم في السماء، من هذه المرتبة العليا الرفيعة حيث وصل إلى ما لم يصل إليه أحد، إلى موقع أنه يُحاكم ويُحقق معه ويُسأل في تفاصيل لم يثبتها!
طيب، الأمر الثاني: يعني انظر كَرب النبي صلى الله عليه وسلم، أولاً هو يريد لقومه الهداية وهم قلبوا الأمر إلى تحقيق، ثم إن الله تبارك وتعالى جلى له المسجد فصار يصف له المسجد وصاروا يسألونه ويجيبهم، ومع ذلك لم يؤمنوا! ومع ذلك لم يؤمنوا! وهو هو صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يصفونه قبل ذلك ويلقبونه بـ الصادق. يعني انظر كَرب نبي عُرِف بالصادق ثم لم يثبت أشياء ثم أثبتها بمعجزة أخرى من الله تبارك وتعالى، ومع ذلك هؤلاء لا يعفون عنه!
شوفوا يا جماعة، أنا أريد أن أتوقف هنا عند الخطر الذي يهددنا جميعاً: خطر أنك قد تعرف الحق ولكن تحجبك المصالح، تحجبك الشهوة، تحجبك المكانة، يحجبك المنصب عن أن تتبع هذا الحق. هذا الذي حصل مع كفار قريش، شوف الآن هم أمام معجزة لا يمكن لهم، لا يمكن لهم إلا أن يسلموا بها. الرجل هم يعرفون حياته ويعرفون أنه لم يزر البيت المقدس قبل ذلك، ثم هو فجأة صار لديه علم تفصيلي به وصار يصفه ومع ذلك لم يؤمنوا. هذا هو الخطر الذي يتهددنا جميعاً، يتهدد من أول الموظف، يعني طبعاً من أول كما قلنا ضابط الأمن الموجود الذي يمتلك أن يعذب ويمتلك أن يعذب حتى لو كان يعرف أن الذي أمامه بريء، إلى الموظف الذي يمكن أن يضايق الناس في أرزاقهم وفي معاشهم، يحجب عنهم ورقة ويحجب عنهم ختماً ويعنتهم، حتى الذي يتحاور على الفيسبوك وتويتر والجروبات وهكذا. مسألة أن يتبين لك الحق ولكن يحملك الكبر، يحملك الغرض، تحملك المصلحة على أن تزورّ عنه وتنحرف عنه، هذا هو الخطر، هذا هو الخطر الشديد!
وهذا هو الذي يجعل الداعية يعني قد لا يتصور المرء أنه بذلك يجعل صاحب الرسالة وصاحب الدعوة في حال كَرب، يعني النبي صلى الله عليه وسلم انظر إلى الجهاد وانظر إلى إقامة الدولة، لكن حين يتذكر اللحظة الصعبة، يتذكر اللحظة التي تعرض فيها لهذا التحقيق، تحقيق أن يصف بيت المقدس: فكُرِبتُ كُربةً ما كُرِبتُ مثلها قط. فأوصي نفسي أولاً وإخواني، الإنسان يجب أن يقهر نفسه، يجب أن يقهر نفسه على قبول الحق إذا ظهر له، يجب أن يقهر نفسه على ذلك ويقاومها ويجالس، يعني توّاقة وغلّابة وفيها كبر. واضح يا جماعة الخير؟
طيب، ذكرنا أن رجالاً من المشركين سعوا إلى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا له: انظر إلى صاحبك، يزعم أنه أُسري به إلى بيت المقدس ثم أصبح بين ظهرانينا! وبكمال الإيمان، بل وبكمال العقل، قال أبو بكر: إن كان قال فقد صدق، إني لأصدقه في أعجب من هذا، في خبر السماء يأتيه في غدوة أو روحة. فهذا من أبي بكر قمة الإيمان وهو أيضاً قمة العقل، المنهج العلمي، إذا كنت أؤمن بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأي معجزة هي هينة على الله تبارك وتعالى.
سبحان الله، كما روى ابن عباس: ارتد في هذه الحادثة بعض المسلمين لم يصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم وماتوا على كفرهم. يا ضيعة الإيمان المهزوز المرتعش! شوف، قوم يَعتبِر... يعني يمكن أن يُدرَجوا في الذين أسلموا في يعني في بدايات الإسلام، في بواكر الإسلام، ومع ذلك ارتدوا. وهذا يا جماعة الخير ما يدعم ما كنا نقول من أن حادثة الإسراء والمعراج كانت تهيئة للمرحلة الأكبر اللي هي مرحلة الدولة، حيث يصير النبي صلى الله عليه وسلم زعيم دولة، وحيث يُؤمَر المسلمون بالجهاد. يعني يعني مثلاً قد يخطر لنا سؤال: لماذا لم يكتم النبي صلى الله عليه وسلم حادثة الإسراء والمعراج طالما عرف أنه سَيُكَذَّب ويقول: فظعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبيّ؟ لماذا لم يكتمها؟ لو كانت هذه الرحلة مجرد رحلة تخفيف وتسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان الأولى به أن يكتمها. كثير كثير من المؤمنين الصالحين يكون لهم مع الله حالات ويكون لهم كرامات ولا يعلنونها، لا يذيعونها، بل مما يشتهر عندهم أن من أذاع يُحجَب ويُسلَب منه ما قد أُعطي. فلو كان هذه الرحلة مجرد رحلة تكريم وتخفيف وتسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان الأولى أن يكتمها، لكنها كانت من اللحظات الممحِّصة لصف المؤمنين؛ لأن المؤمنين هؤلاء مقبلون على مرحلة دولة، وعلى مرحلة جهاد، وعلى مرحلة طاعة الله ورسوله، وعلى مرحلة أنه إذا أمر رسول الله بشيء أطاعوه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ستتنوع... تمام؟ فلو أن إنساناً مهزوزاً في تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا غير مستحق أن يكون في زمرة من تتأسس عليهم الدولة الإسلامية، تمام؟ أرجو أن يكون هذا واضحاً.
طيب، الإسراء والمعراج كغيرها من معجزات يرفع الله بها قوماً ويخفض بها آخرين. طيب، هل في حياتنا معجزات يا جماعة؟ هل في حياتنا معجزات؟ فيه ولا مافيش؟ مثال؟ نعم، طوفان غزة، أي والله صدقت! والله طوفان غزة هذا معجزة من أبلغ المعجزات، وستحتار المؤرخون حين يكتبون هذا التاريخ. يعني نحن الآن نتكلم في عشرة أشهر، عشرة أشهر! لو أنك وضعت موازين القوة أمام أي محلل عسكري بين غزة ومن فيها وبين إسرائيل ومن فيها، لو أنك وضعت هذا الميزان أمام أي محلل عسكري، ماذا كان يقول؟ الموضوع ما ياخدش أيام، ما ياخدش ساعات، ياخد شهر على الأكثر، يعني لا يصدق لو قيل له عشرة أشهر حتى الآن! طيب، كيف إذا كانت إسرائيل مفتوحة عليها كل الطرق برية وبحرية، والطريق الوحيد الذي أُغلق أوجدوا له ثلاث بدائل، وغزة أُغلق عليها كل الطرق؟! هذه إحدى المعجزات، لا شك لا شك. أنت حين تنظر مثلاً في الشيخ، واحد زي الشيخ أحمد ياسين، رجل يعني مشلول شللاً كلياً، ويستطيع أن يؤسس حركة مقاومة! في سنة 67 يبدأ العمل، اللي هو في ذروة التفوق الإسرائيلي وفي ذروة الانهزام العربي والإسلامي، وها نحن نرى غرسه وثمارها، معجزة ولا مش معجزة؟! قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ. ونحن كما كما ترون، طوفان غزة هذا كم أسلم فيه من كان كافراً! وكذلك كم كفر فيه من كان مسلماً! قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ. فهكذا ستجد كل إنسان يرسل الله إليه بالمشاهد والأدلة والآيات البينات التي تهديه إلى الطريق، تمام؟ مصداقاً لقوله: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ.
طيب، الآن بدأت من جديد أو عدنا من جديد إلى مرحلة الدعوة، ونحن الآن في السنة الحادية عشرة من البعثة، والنبي صلى الله عليه وسلم بدأ في المرحلة الثالثة من خطة عمل النبي التي وصفناها. نقول لمن نسيتها بأن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة في المرحلة المكية نستطيع أن نقسمه إلى ثلاث خطوات، ثلاث مراحل، ثلاث بنود عمل: المرحلة الأولى هي دعوة القرشيين، وبالذات سادة قريش؛ لأن هؤلاء هم أقصر الطريق لانتشار دعوة الإسلام. قريش عاصمة العرب، أهل الشرف والسؤدد والرياسة في العرب، إذا أسلم سادة قريش تبعتهم قريش، وإذا أسلمت قريش تبعها سائر العرب. فلذلك هذه الخطوة الأقصر والأسرع، والنبي صلى الله عليه وسلم بذل في ذلك جهداً كبيراً وصفه القرآن الكريم: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا، يعني ستموت من الأسف، ستقتل نفسك من الحزن ومن الحسرة ومن الأسف على أنهم لم يؤمنوا، تمام؟ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
طيب، لما كفر أهل مكة، صدوا، رفضوا، كذبوا، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم المرحلة الثانية إلى الطائف. الطائف ذكرنا أنها كانت العاصمة الثانية للعرب، المدينة الثانية، وفيها قوم ثقيف المنافسون لقريش. وهؤلاء هم الذين بالفعل رفعوا لواء الكفر بعد أن فُتحت مكة، ولذلك لما فُتحت مكة وبعدها فُتحت الطائف، أقبل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، صار سنة تسعة للهجرة تسمى عام الوفود، صار كل يعني كل قبيلة عربية ترسل وفداً يبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وعلى الدخول في دولة الإسلام.
طيب، صدت الطائف، المرحلة الثالثة هو أن يبحث النبي صلى الله عليه وسلم عن يعني الأرض، الدولة، الشوكة عند بقية القبائل. فنحن الآن في العام الحادي عشر من البعثة. طيب، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد أسواق العرب، يقصد أسواق العرب. هناك رواية سبحان الله يعني مؤلمة، رواها أبو نعيم أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بهذا، قال للعباس -هي طبعاً من رواية الكلبي، والكلبي رجل معروف من أهل التاريخ، محمد بن السائب الكلبي مشهور، رجل مؤرخ علامة نسّابة، ولكنه شيعي فلذلك لا يوثق بأخباره، لكن مثل هذا الخبر ليس فيه ما قد يتوقع منه أنه وضعه يعني، تمام؟ وهو أيضاً من أخبار التاريخ التي لا تؤثر فيمكن أن تُقبل عن أهل التاريخ- طيب، هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس: إني لا أرى عندك ولا عند أخيك منعة -الآن أبو طالب مات، وحمزة أسلم، فصار لا منعة له، أسلم الذين يعني الذين آلت إليهما رياسة بني هاشم العباس وأخوه، أخوه من؟ أبو لهب، تمام؟- فقال النبي: إني لا أرى عندك ولا عند أخيك -يقصد أبا لهب- منعة، فهل أنتم مخَرِّجِيّ إلى السوق -أسواق العرب-؟ فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أسواق العرب.
أسواق العرب نستطيع أن نقول إنها مواسم، أشهرها ثلاثة أسواق، تمام؟ هذه الأسواق الكبرى، ما هي هذه الأسواق الثلاثة؟ طبعاً أولها سوق عكاظ، تمام؟ والعرب كانت تقيم هذا السوق... طيب، الأول هم ثلاث أسواق: سوق عكاظ والمَجَنَّة وذو المجاز، تمام؟ هذه ثلاثة أسواق. الأول اللي هو عكاظ يقيمونه من واحد ذي القعدة حتى عشرين ذي القعدة، تمام؟ في عكاظ، عكاظ هذه مدينة بين أو يعني مكان بين الطائف ومكة، تمام؟ السوق الثاني اللي هو سوق المَجَنَّة، هذا يُقام من 21 ذو القعدة إلى آخر ذو القعدة، تمام؟ سوق إيه؟ المَجَنَّة. هذا أقرب إلى مكة، يعني عند الوادي المعروف بوادي فاطمة أو مرّ الظهران لغاية أول ذي الحجة. طيب، من أول ذي الحجة حتى ثمانية ذي الحجة، ده السوق الثالث الذي يسمى ذو المجاز، هذا يُقام خلف جبل عرفة. يعني الأسواق الثلاثة تقترب من مكة مع قرب موسم الحج، حتى يوم ثمانية ذي الحجة تُغلق الأسواق ويبدأ العرب يتفرغوا لإيه؟ لأداء مناسك الحج. فبالتالي الذين يقدمون إلى الحج، يقدمون إلى الحج ويقدمون تجاراً يعبرون على هذه الأسواق الثلاثة، فلذلك هذه الأسواق هي مظنة اجتماع العرب. طبعاً اللي عنده سلع بيبيعها، إحنا طبعاً عارفين إن مكة كانت المركز التجاري، ذكرنا ذلك في المجالس الأولى، مكة كانت المركز التجاري، إليها يؤوب العرب، فيها بيت الله الحرام يَتَّجِرون، ومكة لأنه هاشم كان قد أسس فيها رحلة الشتاء والصيف، ففيها كانت تُباع بضائع الشام وما وراءها مصر وغيرها، وفيها كانت تُباع بضائع اليمن وما وراءها من الحبشة ومن الهند وغيرها. فبالتالي نحن أمام منطقة تجارية، وهذه المنطقة التجارية أكثر ما تكون ازدهاراً في أيام الحج، شهر ذي القعدة وذي الحجة.
طيب، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأسواق. تُورِد الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الأسواق -ومنها طبعاً حديث جابر، ومنها حديث العباس، ومنها حديث علي رضي الله عن الجميع- أن النبي كان يكلم الناس ويدعوهم يقول: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ويقول: من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي، ووراءه رجل ينادي عليه: هذا كذاب صابئ يريد أن... وجهوا وجهوا، أخوكم العكس، نعم العكس، نعم بارك الله فيك، هذا كذاب صابئ يريد أن يسلخكم عن اللات والعزى! حتى شوف التعلق بالأصنام، عارف أنت لما تهدد واحد وتقول له إيه؟ ده هيخليك تسيب اللات والعزى، متصور حجم التعلق وحجم ما كان عندهم من العاطفة؟ إحنا ذكرنا حديث سيدنا المقداد رضي الله عنه وهو يقول: "ولقد بُعِث النبي في قوم ما كانوا يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان". فهذا مصداق كلامه، إنه أبو لهب يمشي وراء النبي صلى الله عليه وسلم ويحذرهم أن هذا الرجل من اتبعه فسوف يترك عبادة اللات والعزى.
طيب، أمام هذا المشهد ماذا كان يرى العرب؟ يقولون: قومه أعلم به، وعمه أدرى به. فأنت انظر، المفترض أن أبو لهب هذا هو عصبة النبي ومناعته وشوكته وهو الذي يعني الأولى أن يُلجَأ إليه، فـ أبو لهب هو الذي تولى وأخذ على عاتقه أن يسير وراء النبي صلى الله عليه وسلم وأن يحذر منه. وبعض الروايات تزيد في ذلك في أنه كان يحصب النبي صلى الله عليه وسلم -يعني يلقي عليه الحجارة- حتى أُدمِيَت قدما النبي صلى الله عليه وسلم! فأنت أيضاً ترى موقفاً مؤلماً يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا، يعني تخيل أن يكون أقرب الناس إليك ومن يمكن أن تحتمي به هو الذي يتولى تشويهك وتلويثك وتعذيبك! أمر شديد، تمام؟ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي بين القبائل في ذلك بهذا الشعار: من رجل يحملني إلى قومه؛ فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي.
الآن يا جماعة الخير سندخل في مرحلة مهمة، أحتاج منكم فيها أن يعني تعيروني القلوب والأسماع. صلوا على النبي. الوقفة الأولى أو الأمر الأول: النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يعرض نفسه على القبائل، كان يعرض نفسه على من في القبائل؟ أي حد؟ لا، كان يقصد غَرَر الناس ووجوه القبائل، كان يقصد من غَرَر الناس ووجوه القبائل. هذا الأمر يعيدنا مرة أخرى إلى ما كنا تكلمنا فيه أنه يا جماعة الخير من سنن التغيير أن التغيير يكون من الرأس، من الحكم، من السلطة، من الأمير، لا يكون من عموم الناس. ولذلك سنرى النبي صلى الله عليه وسلم إذا قصد أحداً في القبيلة قصد رؤساء القبيلة، إذا صده رؤساء القبيلة انصرف عنهم، انصرف عنهم، لم يضيع الوقت ولم يضيع الجهد في أنه يتناول من؟ يتناول الناس والصغار وأواسط الناس، تمام؟ هذه سنة يجب احترامها ويجب فهمها. محاولة تغيير الناس والسلطة القائمة عليهم فاسدة وممسكة بالفساد، هذه مهمة محكوم عليها بالفشل: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ طيب، إذا كان الذي يبني واحد... إذا كان الذي يبني عشرة والذي يهدم واحد يستقيم بناء؟ طيب، كيف إذا كان الذي يبني واحد والذي يهدم عشرة والذي يهدم السلطة؟! فمفتاح التغيير، مفتاح الإصلاح، مفتاح الإفساد يأتي من السلطة، من الحكم، من النظام. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد عموم الناس، وإنما يقصد غَرَر الناس ووجوه القبائل -غَرَر يعني المقدمين في الناس- تمام؟ واضح؟ محاولة إصلاح المجتمع في ظل فساد السلطة تشبه محاولة الكتابة على الماء والنقش في الهواء حقيقة، تمام؟ ولذلك أي حركة إصلاح، يعني طالما هناك سلطة فاسدة أما أن السلطة تصلح بالدعوة أو أنها تسقط بالجهاد، لكن سلطة فاسدة تسمح بعمل إصلاحي، متى كان هذا؟ ما حصلش، لا يكون أبداً.
طيب، الأمر الثاني -يبقى هذا الأمر الأول، الأمر الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصد غَرَر الناس ووجوه القبائل- طيب، الأمر الثاني: إلى مَ كان يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوجه إلى القبائل؟ إلى مَ كان يدعوهم؟ هذا أيضاً موقف مهم يجب أن نتأمل فيه. هناك أمران يا جماعة الخير، هناك يعني هناك أمران، وهذان الأمران تعبر عنهما بيعتان، تمام؟ الأمر الأول هو الدخول في الإسلام، الأمر الأول هو الدخول في الإسلام. الأمر الثاني هو نصرة الإسلام، يبقى الأمر الأول أمر دعوة، الأمر الثاني أمر دولة. ولذلك لدينا بيعتان: بيعة الإسلام وبيعة النصرة، تمام؟ الإسلام بيعته هي الأمور الشخصية، الأمور التي يلتزم بها المسلم حيثما دخل، يعني من بداية من بداية الإسلام ما هي بيعة الإسلام؟ هي البيعة التي وردت في الآية الأخيرة في سورة الممتحنة، ويسمونها أحياناً بيعة النساء؛ لأن القرآن جاء بها في سياق النساء ولأنه النساء ليس يعني لسنا مكلفات بالنصر بعمل الرجال اللي هو عمل الجهاد، فهو إيه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ، يبقى هذه بيعة الإسلام. كان الذي يدخل في الإسلام يبايع النبي على هذه الأمور، تمام؟ التوحيد، ألا يسرق، ألا يزني، ألا يأتي ببهتان، ألا يعصي النبي صلى الله عليه وسلم، بيعة الإسلام اللي هي البيعة الصغرى.
طيب، بيعة النصرة، بيعة الدولة، هذه التي نرى بنودها في بيعة العقبة الكبرى كما سنأتي إليها إن شاء الله، اللي هي إيه؟ قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الأنصار على السمع والطاعة في المنشط والمكره -السمع والطاعة وأنت نشيط والسمع والطاعة وأنت إيه؟ لو الأمر ده مش عاجبك، يعني فيه كراهة، فيه مشقة، على السمع والطاعة في المنشط والمكره- وعلى النفقة في العسر واليسر -الدولة والإسلام والنصرة تحتاج أموالاً، فبيعة النصرة فيها إنفاق في العسر واليسر- وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا الحق لا تخشوا في الله لومة لائم -قول الحق لا تخشى في الله لومة لائم- وعلى أن تحموني يعني النبي صلى الله عليه وسلم مما تحمون منه أنفسكم وأهليكم وأولادكم. فهذه بيعة إيه؟ بيعة النصرة.
طيب، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين كان يقصد إلى القبائل، كانت هاتان البيعتان معاً مطلوبتين: من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي، تمام؟
طيب جميل، طيب تعالوا بقى إيه؟ يبقى القبيلة التي ستقبل، القبيلة التي ستقبل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم تعرف أنها نصرة رجل زعيم سياسي يكون هو قائد الدولة، تمام؟
صلوا على النبي. هذا أمر يعني ذكرته من قبل ويجب أن أؤكد عليه: العرب يا جماعة لم يقع في أنفسهم شك أبداً من أن هذا الإسلام دين وحكم، دعوة ودولة، منهج شامل، لم يقع هذا! لم يقع هذا الشك في أذهانهم، فهموا مباشرة من كلمة لا إله إلا الله أن هذه دعوة إقامة دولة، إقامة نظام، إقامة حكم، تمام؟ ولذلك لم تكن لا إله إلا الله، لم يكن الإسلام مجرد دين جديد، لم يكن مجرد صنم جديد يُضاف إلى 360 صنم، وإنما كان نظاماً تغييرياً، ثورة تحريرية بالمصطلح المعاصر، قلباً لنظام الحكم، لا إله إلا الله! فالعرب لم يقع في أذانهم الشك، يعني فهموا بشكل طبيعي ومن الكلمات الأولى أنه هذه... هذا الإسلام هي دعوة تقيم دولة وتقيم نظاماً، تمام؟ ولذلك لما النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليهم... يعني أريد أن تتصوروا، يعني أريد أن تتصوروا طبيعة الصفقة، طبيعة الصفقة، طبيعة الطلب الذي كان يطلبه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من هذا سنفهم الإسلام، ومن هذا سنفهم العوائق والصعوبات، ومنه سنفهم عظيمة الأنصار الذين سيقبلون بهذه الصفقة. إزاي؟ طيب، يعني القبائل العربية حين عرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة، كلهم فهموا أن الذي سيقبل هذه الدعوة لن لن يأوي عنده مثلاً صوفي أو درويش أو زاهد أو شيخ، أنتم تعرفون يعني في القرى وفي العائلات الكبيرة العائلات تتنافس أحياناً على استضافة المشايخ وعلى استضافة قراء القرآن وعلى استضافة الأولياء الصالحين، ده هذا حاصل، لا، الوضع هنا ليس كذلك. القبيلة التي كانت تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كانت تعرف أنها: من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام...
ربي لن تحمل داعية زاهدا أو صوفيا أو درويشا أو قارئا للقران سيكون موجودا هكذا، لا، إنها تحمل إلى نفسها وإلى أرضها زعيم الدولة، قائد الثورة.
الرجل الخطير، علشان كده هذا الطلب لم يكن سهلا، وهذا كما أقول لكم فهمه العرب بالبديهيات، طمست معالم الإسلام، نحن في عصر علماني يحاول أن يجعل الدين طقوس وشعائر مش دولة ونظام وحكم.
طيب، إذا النبي صلى الله عليه وسلم، الأول خلينا مع النبي، النبي وهو رايح يعرض هذه الدعوة ماذا يملك يعني أي صفقة، أي دعوة فيها مطالب وفيها مكاسب، النبي ماذا يملك يا جماعة؟ ما الذي سيعرضه على الناس؟ النبي لا يملك إلا أولا نسبه الشريف، رجل من قريش في الصدر من العرب، يعني أي قبيلة سينزل فيها تتشرف به، لأنه رجل من قريش من صلب قريش، يملك نسبه الشريف، يملك صدقه، يملك هذا الدين الذي من نظر فيه بعقل يعني عرف أنه سيسود، ويملك مقابلا واحدا وهو الجنة.
بس الجنة فقط.
وبالتالي تخيلوا معي الذي سيقبل بهذا هو يعني إن نجا بعد الحروب التي سيخوضها فسيعيش فرضا عاديا، هو غير موعود بأي مكسب، لا مال ولا ملك ولا أي شيء، لكن إن مات سيدخل الجنة، هذا هو المعروض من النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب من جهة أخرى، النبي أيضا يطلب القبيلة القوية، هو دلوقت يطلب إيه؟ يطلب النصرة، صح؟ هل ينفع أن تقوم بهذه النصرة قبيلة ضعيفة؟ ينفع؟ أنتم عارفين الابيات المشهورة التي ابتدى بها أبو تمام ديوان الحماسة، الرجل الذي كان يشكو من ضعف قومه، يقول: لو كنت من مازن لم تستبح أبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا، أنا لو كنت من قبيلة مازن ما كانتش الإبل بتاعتي دي هتغتصب، هتيجي القبيلة بتاعت ذهل بن شيبان وتروح واخداهم كده عادي، لو كنت من مازن لم تستبح أبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا، إذا لقام بنصري معشر خشن عند الكريهه إن ذو لوثه لانا، لو كنت أنا في بني مازن كان إيه؟ كنت هلاقي رجالة يعني، لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هان، ناس تعبانين خالص ما عندهمش أي إيه أي شرانية كده، ليسوا من الشر في شيء وإن هان يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا.
هل ينفع نذهب إلى قبيلة على هذا النحو؟ ما ينفعش، يبقى إذا النبي صلى الله عليه وسلم يطلب قبيلة إيه؟ قوية، قادرة على نصرة، ماشي.
طيب تعالوا بقى نضع أنفسنا عند القبيلة الأخرى، القبيلة التي تسمع عرض النبي صلى الله عليه وسلم، هذه القبيلة ماذا ستخسر؟ أول ما ستخسره هذه القبيلة قريشا، أول شيء ستخسره من قريشا، قريش زعيمة العرب، العاصمة التجارية، العاصمة السياسية، العاصمة الدينية تمام.
يشبه إيه مثلا؟ يشبه الآن أن تتجرا دولة على أن تؤوي عندها الرجل الأول المطلوب لأمريكا، تمام، واخد بالك من من التحدي؟ أو رقم واحد على قوائم الإنتربول وعلى قوائم الإرهاب الدولي، فدي أول خسارة، أول خسارة أنك بتصدم مباشرة بعاصمة العرب وسيدة العرب ومركز القوة الدينية والروحية والاقتصادية والسياسية لدى العرب، ده كده أول خسارة قبل ما ندخل في أي إيه في أي خسارات أخرى ماشي.
الأمر الثاني، إنه هذا الرجل يأتي بدعوة أو بدين هو نفسه يقول إنه مرسل للعالمين، يعني الدعوة دي بطبيعتها دعوة تنتشر، طيب، الدعوة أنتم عارفين مثلا إيه يعني أحيانا أقربها من المعروف مثلا في الجماعة بتوع السياسة وعلوم السياسة، الثورة الاخطر في أي بيئة أو في أي دولة هي الثورة الفكرية، يعني الثورة التي قامت عشان مظالم اقتصادية، ثورة إيه؟ مش خطيرة قوي، لماذا؟ لأنها ثورة داخلية، ثورة محلية وحلها في الإجراءات، لكن ثورة فكرية وراءها فكرة، هذه الثورة إذا انتصرت ستفعل ما يسمونه الآن تصدير الثورة، الثورة الفكرية دائما إذا انتصرت يكون لها ألق ويكون لها بريق، وهي نفسها ترى أنها مكلفه بتوصيل هذه الرسالة، فلذلك الثورة التي وراءها فكرة، ثورة خطيرة ولابد أن تصدر، الثورة الشيوعية مثلا ثورة خطيرة لأنها ثورة فكرية، الثورة الإسلامية، أي بلد حتى شيعية، سنية، أي شيء، المهم طالما أن في فكرة، في فكرة كامنة يبقى الفكرة دي خطيرة على المحيط.
طيب، هذا الرجل الآن هو محمد صلى الله عليه وسلم يحمل دعوة هو يصرح بأنها للعالمين، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، يبقى هذه الدعوة لا شك ستثير عداوة القبائل المحيطة وفي مقدمتها طبعا قريش، يبقى والدعوة وانتشار هذه الدعوة لابد له من رجال، فمباشرة سنفتح جبهة مواجهة شاملة مع كل القبائل، وسيتدفق إلى هذه القبيلة ناس من مكة، عندنا مؤمنين في مكة وعندنا مؤمنين خارج مكة وعندنا ناس يؤمنوا، فموارد القبيلة الآن، موارد القبيلة الاقتصادية والسكانية والبنية التحتية وفرص العمل وأسعار الإيجارات وكل هذا الكلام، ما الذي سيحدث فيه؟ سيتدفق إليه عدد كبير، يعني إذا القبيلة ستعاني من زلزال اقتصادي واجتماعي وسكاني، فضلا عما الزلزال السياسي والحربي، أخطر شيء في هذا أنه زعيم القبيلة يا جماعة سينزل عن زعامته لمحمد صلى الله عليه وسلم، يعني القبيلة ترضى بأن يحكمها رجل ليس منها، وأنتم عارفين الرئاسة، آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب الرئاسة، ما بالك بغير الصالحين؟ الناس بتتنازل على الإمامة في المسجد والوظيفة في المكتب وركنة السيارة اللي في الجراج يعني، ما بالك لما يبقى في إيه؟ زعامه قبيلة، من ينزل عن مكانه لمحمد؟ والقبيلة ترضى أن يحكمها رجل من خارجها؟ طيب، إيه المكاسب اللي هناخدها؟ الجنة، طبعا، يعني صفقة بهذا الحجم لا يمكن أن يقبلها إلا رجل عظيم الإيمان، عظيم العقل، وسوي النفس كمان، طاهر القلب وذكي القلب وسوي النفس، لان أنت قد تدرك بعقلك، قد تدرك بعقلك أنه هذا هو الصح، هذا هو الصواب، هذا هو الحق، لكن نفسك تأبى أن تنزل إليه تكاليف كبيرة، يعني أن أن تأخذ قرارا بأن تدخل القبيلة في حروب ومواجهات ومعاداة لقريش وتدفق لاجئين، وكمان ننزل عن الزعاعة، صفقة لا يقبلها إلا إلا قوي العقل، وقوي الإيمان، وأيضا طاهر القلب، وذكي القلب، وسوي النفس لكي يستطيع أن يقبل هذا الوضع الصعب جدا، تمام، فهذا هو شكل العرض الذي كان يعرضه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا شكل كما يبدو لدى القبيلة التي يذهب إليها النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، المهم أنا أذكركم بهذا لكي نستشعر الصعوبة التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ولكي نستشعر عظمه الأنصار الذين سيقبلون بهذه الصفقة، هذا أمر مهم، علشان يعني كثير من الأشكال التي تعرض بها السيرة لا يشعر المرء معها ما هو حجم التحدي والتضحية التي ضحاها الأنصار في سبيل هذا الدين.
طيب عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على عشرين قبيلة، تمام، وهناك من الروايات ما تدل على نشاط النبي صلى الله عليه وسلم، يعني من ذلك حديث جابر كما ذكرناه، نشاط النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، حتى كان الرجل يخرج من مصر، وفي رواية من مدر، أو من اليمن، فيقولون له: لا يفتنك غلام قريش عن دينك، تمام، فلدرجة كما ذكرنا لكم قبل ذلك أنه إيه؟ أن بعض الناس منهم ضماد الأسدي كان يضع أذنه خشية من أن يتسرب إليه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في حالة من الخوف والحذر والترقب، يعني النفور من النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب عشرين قبيلة كلها رد على النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، كلها رد على النبي دعوته، طبعا كان يصحبه في هذا الطواف أبو بكر رضي الله عنه، لماذا أبو بكر؟ ذكرنا هذا في الحلقة التي خصصناها أو تكلمنا فيها عن أبي بكر ها اه لمعرفته بالانساب رضي الله عنه سيدنا أبو بكر لمعرفته بالانساب ذكرنا أنه كان دليل معلومات، أطلس، معجم، تمام، بالمصطلح المعاصر جهاز مخابرات، كان عارف خريطة القبائل وعارف أنساب القبائل وعارف تاريخ هذه المناطق، فبالتالي كان أبو بكر، ويمكنكم أن تقرأوا هذا في كتب السيرة، كان يسأل إذا جلسوا إلى قوم: من أي العرب أنتم؟ من كذا، فيقول: فمن أي فرع فيها؟ من كذا، ويدخل في التفاصيل حتى يعرف هذه القبيلة عندها منع ولا إيه ولا ليس عندها منع، تمام، فكان يصحبه أبو بكر، وفي بعض الروايات أنه كان يصحبه أبو بكر وعلي رضي الله عنه الجميع.
طيب من هذه يعني من هذه القبائل التي عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عليها، قبيلة بني حنيفة كانت أقبح قبائل العرب ردا عليه.
بنو حنيفة هؤلاء هم الذين سيظهر فيهم فيما بعد مسيلمه الكذاب ويدعي فيهم النبوه، هؤلاء منذ كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة عرض نفسه على القبائل كانوا أقبح القبائل في الرد عليه.
وكان يعني طبعا القبائل هذه من أراد أن يستقصي فكتاب الواقدي ذكر كل ما جرى مع كل قبيلة فيها مما يطول له الوقت ولا يتسع له المقام، لكن أهم ما في هذه القبائل هي ثلاثة قبائل أعرضها عليكم الآن.
القبيلة الأولى قبيلة بنو عامر بن صعصعة، بنو عامر بن صعصعة هؤلاء من اللطيف أنه كان فيهم رجل ذكي، ثاقب النظر، ذو بصيرة، تمام، هذا الرجل اسمه بحرة، ويقال بحرة بن فراس، هذا الرجل أول ما سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أني استطعت أن أخذ هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ده واحد إيه؟ يعني أدرك، أدرك طبيعة النبي الشخصية القيادية وطبيعة الرسالة وأنه هذا الرجل إذا استطعنا أن ناخذه عندنا في بني عامر بن صعصعة تم لنا الأمر، ماشي.
طيب فقال له: أرايت أن نحن نصرناك وبايعناك على أمرك، ثم أظهر الله تعالى، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ تمام، انت واخد بالك من حسبة الرجل السياسية بوضوح وبسرعة، وكما قلت لكم العرب لم يكونوا يعني لا يعرضوا لهم الشك في طبيعة الدعوة، في طبيعتها السياسية، وهذا الرجل كمان كان أبصر من قادة قريش، إذ راه سينتصر، لكن فكر في الموضوع إيه؟ أيكون لنا الأمر من بعدك؟ نكون خلفاءك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل الأمر لله يضعه حيث يشاء، يعني الأمر سيكون شورى بين المسلمين.
فقال: أفنهدف نحور للعرب؟ نهدف نحور يعني نعرض أنفسنا للهلاك، ثم إذا أظهر الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك.
هذا الرجل طبعا الأول أرايد أن يعني أسجل إعجابي بهذا الرجل في أنه قرأ المستقبل بهذا الشكل، أنتم تعرفون يا جماعة الخير أحيانا يكون القوم يعني هذا الرجل راى النبي للمرة الأولى، فهم ما صدت عنه نفوس قومه القرشيين، فهم أن هذا الرجل منصور، لديه دين، دين سيجمع عليه الناس، ولديه شخصية قيادية عظيمة، فرجل منتصر، أنتم مثلا طالوت، قوم طالوت كان فيهم طالوت الذي يصلح أن يكون قائدا عليهم وهم لم يكونوا ينتبهون له، ولما قال لهم نبيهم: أن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا: طالوت مين؟ طالوت إزاي؟ أنا يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال، فانظروا إلى هذا الرجل الذي إيه أدرك من اللحظة الأولى ومن اللقاء الأول ما في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وما في دعوته من عوامل القوة والتفوق والسيادة.
طيب، لكنه هو إيه؟ حسب المسألة حسبة مصلحية، حسبة كيف من من يعني من سيكون الأمر من بعدك؟ لمن سيكون الأمر من بعدك؟ وهذه مشكلة، أن تكون مع الحق طالما كان الحق في مصلحتك، هذه المشكلة ضيعت على هذا الرجل الجنة وشرف النصرة وجعلته في النار.
أكثر الناس، أكثر الناس في هذه الدنيا يوافقون الحق ما كان الحق موافقا لأهوائه، إذا كان الحق في غير صالحه تولوا عنه مدبرين، ولذلك أنت ترى أغلب يعني أغلب الزعماء وأغلب القادة وأغلب الحكام ما عندهمش مشاكل يعيشوا مستقرين في عرشهم، حتى لو هندخل النار بعد كده، المهم الآن أن تحتفظ بهذه الزعامة والسيادة والرئاسة.
وانظر أيضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، الشيخ محمد أبو شهبه رحمه الله من علماء مصر الكبار وله كتاب في السيرة جميل اسمه السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، عند هذه اللقطة قال: وتأمل معي لو كان النبي صلى الله عليه وسلم من تجار المبادئ أو من السياسيين دهاقنة السياسيين، لكان قد بذل لهم الوعود، ثم وجد طريقه ليتخلص منها، فكونه في هذه اللحظة يرفض تلك النصرة ويقول: بل الأمر لله يضعه حيث يشاء، ده دليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ليس من هؤلاء السياسيين المخادعين، وانظر أيضا إلى حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يخدش الدين، يعني أن لا تاتي يعني أن لا يتغير في الدين أصل من أصوله، وهو الشورى بين المسلمين واختيار الحاكم بين المسلمين وأن تكون الخلافة من بعده بالشوري، النبي رفض هذا، رفض أن تكون الخلافة إلا بالشورى، لا تكون في قوم من الاقوام اشترطوا على أنفسهم ذلك، وكذلك تأمل في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد قوما لا يشترطون شيئا على الحق، الحق لا شرط عليه يا جماعة، الحق يخضع له، الحق لا شرط عليه، لأنه لو أن النبي قامت اكتاف دولته على الجماعة أهل المصالح والأغراض، ماذا كان يكون؟ هؤلاء أهل المصالح والأغراض هؤلاء قوم يعني يتقلبون مع الأيام ومع الأحداث.
يميلون مع الريح حيث تميل، كما يقول الشافعي: ولا خير في ود امرئ متلون، إذا الريح مالت مال حيث تميل. ويقول: فما أكثر الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل.
النبي كان يريد رجالاً متجردين للحق مخلصين للحق، لا يشترطون الحق؛ لأن هذا هو شرط في إقامة الدين، والا لو قامت الدولة على المصالح والأهواء فأي مكاسب جانبية بلاش أي مصاعب قد تعترض الطريق يسقط فيها أهل هؤلاء المصالح، أهل هذه المصالح.
تمام، فانصرف عنهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرضَ بهذه الشروط من بني عامر بن صعصع. تقول بعض الروايات إنه لما رجع لما رجعت بنو عامر صدروا عن موسم الحج ورجعوا إلى شيخ لهم كان كبيراً في السن ولم تكن قوته تحمله على أن على أن يحج معهم، فتلو عليه قصوا عليه ما كان، فوضع يده على رأسه وقال: أين كانت عقولكم؟ فوالله ما تقولها إسماعيلي قط.
يعني نسل إسماعيل لم يوجد فيهم من يكذب ويدعي أنه نبي؛ فبالتالي يعني هذا الرجل الحكيم كان أحكم من صاحبنا هذا؛ فيعني رأى أن قومه قد فوتوا شرفاً عظيماً.
طيب، قبيلة أخرى بنو كندة، هؤلاء كما يعني نقل علماء السيرة والتاريخ كانوا ألين الناس وأحسنهم في استقبال النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب فكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما أحسن ما تقول، ولكنا نعبد ما كان يعبد آباؤنا. فقال رجل منهم وكان من أصغر القوم: يا قوم، اسبقوا إلى هذا الرجل قبل أن تسبقوا إليه؛ فوالله إن أهل الكتاب ليحدثون أن نبياً يخرج من الحرم قد أظل زمانه. فقال رجل فيهم كان أعور: أمسكوا أمسكوا علي، أي يخرجه قومه أخرجته عشيرته وتؤوونه أنتم؟ تحملون أو تتحملون حرب العرب قاطبة؟ فحمل على أن يرفضوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فانصرف عنهم.
يبقى هؤلاء كيف كانت حسبتهم؟ حسبة التكلفة الحربية، التكلفة العسكرية، كيف يمكن أن يتعرضوا لهذه التكلفة؟
طيب، من ألطف القبائل الذين عرض النبي نفسه عليهم قبيلة بني شيبان. بنو شيبان دخل إليهم النبي ومعه أبو بكر ومعه علي رضي الله عنه الجميع، فلما سأل سألهم أبو بكر عرفهم، طبعا بنو شيبان قبيلة معروفة وكان لها جهادها، يعني كان لها معارك حتى ضد الفرس، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي، هؤلاء هم القوم، الناس عندهم منعة.
رؤساء القبيلة كانوا ثلاثة الذين تولوا الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم، رجل اسمه مفروق بن عمرو، مفروق بن عمرو تمام. مفروق بن عمرو هذا كان أغلبهم، يعني كان أجملهم وأحسنهم جمالاً ولساناً.
تمام وكان معه هانئ بن قبيصة، يبقى الأول المفروق بن عمرو والثاني هانئ بن قبيصة. هانئ بن قبيصة هذا كان نستطيع أن نقول شيخهم الأكبر، كاهنهم الأكبر، حبرهم الأكبر، ده الرجل بتاع الدين، مسؤول الدين، الملف الديني عنده، شيخ الأزهر يعني، يعني الرجل إيه؟ الرجل صاحب دينه.
والثالث كان صاحب حربهم، وهذا هو المثنى بن حارثة الشيباني تمام. جلس أبو بكر، سأل مفروق بن عمرو: كيف المنعة فيكم؟ كيف العدد فيكم؟ قال: نحن نزيد عن ألف، ولا يغلب ألف من قلة. فكيف المنعة فيكم القوة؟ قال: أنا أشد ما نكون غضباً حين نلقى يعني حين نقاتل، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، ونحن قوم الجياد إلينا أحب من الأولاد، والسلاح أحب إلينا من اللقاح. اللقاح يعني اللقاح يعني النياق.
تمام، يعني هو يقول: احنا الجواد أحب إلينا من الولد. هذا دليل الشجاعة والحرب، والسلاح أحب من إيه؟ من السيارات يعني بالمصطلح المعاصر الواحد لما يبقى عنده مسدس ولا بندقية أحسن عنده أحسن ما يكون عنده إيه؟ سيارة تمام.
ولعلك أخو قريش مع الأسئلة، فهم مفروق أنه إيه تقريباً هو ده هو ده الراجل اللي في قريش. فقال أبو بكر: إن كنتم سمعتم برسول الله صلى الله عليه وسلم فها هو ذا. فقال مفروق: إلى ما تدعو يا أخ العرب؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدعو إلى عبادة الله وحده عبادة الله وحده ونبذ الشرك، وعلى أن تؤمنوا بأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال مفروق: وإلى ما تدعو يا أخ العرب؟
فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم قول الله في سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْتَرِبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ.
تمام، وتلا عليه الآيات وفيها طبعا ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
فقال: ما أحسن هذا وما هذا بكلام بشر. والى ما تدعو أيضاً؟ فكانه استلذ، فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ.
بالمناسبه يا جماعه، انتم لا تجدون مثل هذه القيم في أي دين آخر، لا في شريعة اليهود ولا في شريعة النصارى، إذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، لا ما فيش كده. اليهود شريعتهم أنهم أنهم شعب الله المختار، وأن الباقين هؤلاء أغيار وأمم، والنصارى ليست عندهم شريعة أصلاً تمام.
فقال مفروق بن عمرو: والله لقد دعوت إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وما أحسن ما تدعو إليه، ولقد أفك قوم كذبوك وأخرجوك وظاهروا عليك، وهذا شيخنا وصاحب ديننا هاني ابن قبيصة.
طبعا هاني ابن قبيصة ده رجل صاحب إيه؟ صاحب الدين. طبعا لو وضعت نفسك مكان هانئ ابن قبيصة الآن، الرجل زعيم القوم، معجب بهذه الدعوة، لكن ليست في مصلحته تمام، ده دين جديد، دين جديد سيدخل عليه، فكان حصيفاً حكيماً فقال: والله ما أحسن ما قلت يا أخا قريش، ولكني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا لك لمجلس جلسته إلينا لا أول له ولا آخر، لذلة في الرأي وقلة نظر في العاقبه.
يعني بالكلام العام معناها إيه؟ والله ده كلام كويس بس يعني نسيب الدين الذي نحن عليه ونتبع من مجلس واحد؟ يعني هذا لذلة في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وأن خلفنا قوماً لا نحب أن نعقد عليهم عقداً ونحن يعني إيه برضه مش كل أهل المشورة موجودين، ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظرا، وهذا صاحب حربنا المثنى بن حارثة الشيباني أحب أن يشرك في الأمر.
طبعا المثنى بن حارثة الشيباني صاحب إيه؟ الحرب، يعني وزير وزير الدفاع وزير الحربية مثنى بن حارثة الشيباني. قال: والله ما أحسن ما قلت يا أخا قريش، ولكن الرأي ما قال هانئ بن قبيصة. وتكلم في الأمر من وجهة نظر القائد العسكري اللي عنده ما نسميه الآن خريطة جيوسياسية للواقع.
قال: نحن نحن بني شيبان بين طرفين، جهة كسرى وجهة العرب، فأما ما كان من جهة كسرى فإن ذنب صاحبه غير مغفور، وأما ما كان من جهة العرب فإن ذنب صاحبه مغفور. وقد اخذ علينا كسرى عهداً ألا نحدث حدثاً ولا نؤوي، وأن هذا الامر الذي جئت به مما تكرهه الملوك تمام، فان أحببت أن ننسرك من جهة العرب لا من جهة الفرس فعلنا.
ومع الأسف الشديد انتهى الوقت، هذه هذا حوار يحتاج منا إلى نظر طويل نرجئه إن شاء الله إلى المجلس القادم.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي