تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 31. كيف غرست بذرة الدولة الإسلامية؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذا المسجد على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس الحادي والعشرون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند مفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم مع بني شيبان، ثم يعني ألمّ بي مرض الأسبوع الماضي فاعتذرتُ لكم، وأكرر هنا أنه هناك مجموعة على التليجرام يعني ننزل عليها الاعتذار بحيث لا يتكلف أحد أن يأتي وأكون معتذراً. وقبل أن نبدأ يعني أعزيكم وأعزي الأمة في استشهاد القائد الشهيد أبي العبد، نسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبله في الشهداء ويرفع درجته في عليين، وأن يلحقه بالصالحين، ونسأله تبارك وتعالى ألا يحرمنا أجره ولا يفتنّا بعده، ونسأله تبارك وتعالى أن يختم لنا بالشهادة في سبيل الله.

توقفنا... ذكرنا في المرة الماضية مفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم مع بني شيبان، وذكرنا أنه في... ااا ذكرنا أن منهج النبي في الدعوة هو على... نستطيع أن نقول جدول أعمال النبي يتكون من ثلاثة بنود كما يظهر لنا في المرحلة المكية: البند الأول هو دعوة سادة قريش؛ لأن سادة قريش يحكمون مكة ومكة هي عاصمة العرب، سادة قريش إذا أسلموا أسلم من ورائهم بقية القوم، وإذا أسلمت مكة دخل... أسلم من خلفها العرب، كالعادة التي تكون للعواصم، العواصم الفكرة التي تنتشر فيها تنتشر في بقية الأطراف والأنحاء، سواء كانت صلاحاً أو فساداً.

فقضى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوقت في محاولة إقناع قادة قريش. فلما امتنعوا عن ذلك، بدأ النبي في البحث عن البدائل، فكان البديل الأول هو الذهاب إلى العاصمة الثانية وهي الطائف، ورد عليه أهل الطائف وزعماء الطائف أسوأ من رد أهل مكة عليه، فعاد النبي صلى الله عليه وسلم عنها. ثم بدأت المرحلة الثالثة أو الخطوة الثالثة، وهو أن يلتمس النبي نصرته في القبائل، وذكرنا أنه طاف على عشرين أو ثلاثين قبيلة. ننتهي اليوم... يعني انتهينا في الكلام مع بني شيبان، وذكرنا أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد غرر الناس ووجوه القبائل، إلا أنه هؤلاء هم قادة القوم، إذا رده هؤلاء فبطبيعة الحال لا يغني ولا يفيد أن يعني تقضي الوقت في محاولة الإتيان بالناس من تحتهم، هذا يعني ضد طبيعة البشر، ضد طبيعة الاجتماع السياسي، فكان النبي يقصد سادة القوم.

وبنو شيبان في ذلك الوقت كان يتولاهم هؤلاء الثلاثة: مفروق بن عمرو، وهذا زعيمهم الكبير، قد غلبهم بجماله ولسانه، مفروق بن عمرو. فلما سمع مفروق الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم: إلى ما تدعو يا أخا قريش؟ تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم آيات سورة الأنعام: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إلى آخر الآيات. قال: ما أحسن هذا وما هذا بكلام بشر! وإلى ما تدعو يا أخا قريش؟ فتلا عليه النبي الآية التي يعتبرها بعض الناس خلاصة الإسلام، وهي قوله تعالى في سورة النحل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ. قال: والله ما هذا بكلام بشر، وما أحسن ما تدعو إليه! ولقد أفك قوم كذبوك وأخرجوك وظاهروا عليك.

وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، هانئ بن قبيصة هذا... قال: وهذا شيخنا وصاحب ديننا هانئ بن قبيصة. هانئ بن قبيصة طبعاً كان في موقف وجد معه زعيم القوم مائلاً إلى هذا الكلام، ولكن هانئ بن قبيصة صاحب الدين، يعني هذا الكلام الذي ينزله من عرش مكانته بين الناس، فتخلص من هذا تخلصاً حسناً، قال: والله ما أحسن ما قلت، ولكني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا، لا أول له ولا آخر، لذلة في الرأي، وقلة نظر في العاقبة -يعني مش هينفع نسيب نترك ديننا الذي عشنا عليه دهوراً من إيه من مجلس واحد- ولكن ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر. وهذا شيخنا وصاحب حربنا المثنى بن حارثة الشيباني، صاحب حربنا يعني وزير الدفاع، وزير الحربية صاحب حربنا.

فالمثنى بن حارثة الشيباني قال: والله ما أحسن ما قلت يا أخ العرب، ولكن الرأي ما قاله هانئ، ونحن بين مائين -أو بين عينين، يقصد بين طرفين كسرى والعرب- فأما ما يكون من جهة كسرى فإن ذنب صاحبه غير مغفور. يعني تكلم بما نسميه اليوم الخريطة الجيوسياسية، جغرافيته السياسية: نحن بني شيبان تجعلنا بين يعني إيه بين قوتين أو بين طرفين، قوة دولية كسرى، وطبعاً القوة الدولية دي فأما يعني ما يكون من جهة كسرى فإن ذنب صاحبه غير مغفور، الموضوع كبير والتحرش بهذا يعني بهذه القوة الدولية ثمنها مكلف، يعني كأن تقول الآن موضوع على قائمة الإرهاب الأمريكية، آه طبعاً مجرد ما ينزل على قائمة الإرهاب الأمريكية تجد إيه عدداً من الإجراءات تمت على مستوى البنوك، على مستوى المطارات، على مستوى التنقلات، على... يعني فأما ما يكون من جهة كسرى فإن ذنب صاحبه غير مغفور، وأما ما يكون من جهة العرب فإن ذنب صاحبه مغفور، يا جماعة يعني موضوع بسيط، وقد عهد إلينا كسرى عهداً، بالمصطلح المعاصر الآن يعني ولدينا اتفاقية دولية مع كسرى بالمصطلح المعاصر، سواء اتفاقية تسليم مجرمين، اتفاقية أمنية، اتفاقية تنسيق تعاون، يعني بهذا المصطلح، وإن ما جئت به يا أخا قريش لشيء تكرهه الملوك.

وهنا لا يملك المرء نفسه أيضاً من أن يعجب بهذه العقلية العربية التي كانت تفهم الإسلام من مجلس واحد. الآن داخل المسلمين بل داخل من يزعمون الانتساب للسنة وللدين من جعل الإسلام مطية للملوك، وعلى الإسلام -أستغفر الله- نعلاً ينتعله الملوك. الناس كانت تعرف من مجلس واحد أن الإسلام شيء تكرهه الملوك، فقال: وإن ما جئت به لشيء تكرهه الملوك، فإن أحببت أن ننصرك من جهة العرب لا من جهة كسرى فعلنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم إذ أفصحتم بالصدق، وإن هذا الدين لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. والقصد -قصد النبي صلى الله عليه وسلم- أن هذا الدين لا ينصره أحد على شرط، لا ينصره أحد على شرط.

يعني شوف يا جماعة الخير، ربما الدرس الأهم الذي سيتكرر معنا في السيرة، والدرس الذي ربما تجدونه في كل صفحة من القرآن الكريم، هو أن الحق لا شرط عليه. الحق يخضع له ويُتّبع لأنه الحق، مهما تكن التكاليف، مهما تكن التضحيات، مهما تكن الارتباطات والعلاقات السابقة، الحق لا شرط عليه، وكل ما يحاوله الإنسان من التفلت من الحق هو شيء من أهواء النفس ومصالحها، النوازع التي تكون في النفس لكي تحاول أن تراوغ هذا الحق الذي جاءها من عند الله تبارك وتعالى.

ثم بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم: فكيف أنتم إذا أمكنكم الله منهم؟ -يعني من الفرس اللي أنتم خايفين منهم- فأورثكم أرضهم وأفرشكم نساءهم؟ يعني ستكون لكم السيادة والسلطان في هذا. طبعاً بعد 13 سنة من هذه الواقعة سيكون المثنى بن حارثة الشيباني -وزير الدفاع- هو فاتح فارس، وهو المتجرئ عليهم، يعني سيبدأ في قتالهم قبل أن يصله تكليف من أبي بكر رضي الله عنه. يعني كان يحارب المرتدين في منطقته، وهؤلاء المرتدين دعمهم الفرس، فلما قضى عليهم طارد الفرس الذين دعموهم، وبدأت المعارك بين بني شيبان وبين الفرس قبل أن يصل تكليف من أبي بكر رضي الله عنه. وهو نفسه سيدنا المثنى فيما بعد يقول: لقد كنت في الجاهلية وإن واحداً من الفرس لأشد عليّ من مائة من العرب، ثم أنا الآن واحد من العرب أشدّ عليّ من مائة من الفرس. نقلة نفسية هائلة صنعها الإسلام.

لكن مع الأسف فات مفروقَ بن عمرو، وفات هانئَ بن قبيصة الإسلامُ، وفات المثنى بن حارثة أن يكون من السابقين وأن يكون من الأنصار، فات بني شيبان أن يكونوا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني مسافة 13 سنة انقلبت فيها الأوضاع، ولذلك نقول إحنا ستأتينا عجائب في هذا الموضوع، في مسألة اتباع الحق وموازنة الحق بالمصلحة. كثير ممن فوت الحق فات منه إلى الأبد، إلى الأبد لم يدركه مرة أخرى، ومن أدركه أدركه بعد سنين فاتته المراتب العالية والدرجات الرفيعة، ستأتي معنا إن شاء الله أمثلة من هذا.

وأحياناً إذا الإنسان فوت الحق، يعني لما يكون في نفسه من الهوى ومن غلبة المصلحة، يعاقبه الله تبارك وتعالى بأن يختم على قلبه، قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وتقرؤون في أوائل سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا... في أوائل سورة البقرة يذكر الله تبارك وتعالى صفات المؤمنين ثم صفات الكافرين ثم يدخل إلى المنافقين ثم إلى اليهود، ففي صفات الكافرين سبحان الله من أول ما تراه، من أول ما تراه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا... قال تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. الختم على القلب لرفض الحق الذي كان في البداية.

إذن عاد النبي صلى الله عليه وسلم ليبحث عن غيرهم. طبعاً أنت حين ترى... نحن ذكرنا وكما ذكرتُ في المرة الماضية أننا نستعرض ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم مع القبائل لهدفين كبيرين: الهدف الأول: أن نعرف صعوبة الصفقة التي كان يطلبها النبي صلى الله عليه وسلم؛ النبي يطلب النصرة والمنعة ولا مقابل إلا الجنة، لا مقابل إلا الجنة، ذكرنا ذلك في المجلس الماضي. والأمر الثاني: أن نعرف عظمة الأنصار؛ لأن الأنصار هم النموذج الذين سيقبلون هذه الصفقة دون تردد، تمام؟ فيجب ألا ننسى هذا، ويجب طبعاً ألا ننسى معه هم السابقين الأولين إلى الإسلام، هؤلاء أبو بكر وعمر وبقية العشرة المبشرين بالجنة، هؤلاء الذين أسلموا، هؤلاء قوم دخلوا في الإسلام قبل أن تبدو منه أي مكاسب، يعني هؤلاء قوم استشهاديين، خرجوا من حظ نفوسهم، وخرجوا من مصالحهم، وخرجوا من أغراضهم، سلّموا أنفسهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم دون انتظار أي مكاسب. مَن كان يعني أبو بكر الصديق لما استجاب للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة، هل كان يطوف ببال أبي بكر أن يكون خليفة المسلمين يوماً ما، وأن يقاتل قوتين عظميين في وقت واحد؟ هل كان يتصور عمر حين أسلم أنه سيكون خليفة المسلمين، وأن جيوشه ستكون في فارس وستكون في الشمال الأفريقي؟ فهؤلاء الذين أسلموا باعوا أنفسهم لله تبارك وتعالى دون انتظار أي مكاسب.

طيب، على كل حال، في هذه... في يعني في هذا... يعني في هذه الجولة أو في هذا السير أو في هذا العرض على القبائل خرج النبي صلى الله عليه وسلم ببعض المؤمنين الفُرَادَى، يعني صحيح حتى الآن لم تأتِ لنا قبيلة لم تعد بالنصر... لا، لكن بعض المسلمين الفرادى، منهم كان رجل من هَمْدَان -أو من هُمَدَان- قال له النبي صلى الله عليه وسلم... يعني دعا الرجلُ النبيَّ إلى قومه، قال: هل عند قومك من منعة؟ قال: نعم، ثم خشي الرجل أن يغفره قومه، فقال: أرجع إلى قومي ثم آتيك من قابل، قال النبي: فَعَلْ. تمام، فهناك بعض الأفراد.

وذكرنا في مجلسٍ ماضٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أسلم عنده رجل من قبيلة أخرى خارج مكة، ماذا كان منهج النبي؟ أن يعود إلى قومه ينشر فيهم الإسلام ما استطاع، حتى إذا سمع بالنبي قد ظهر أو قد هاجر أن يقدم إليه. فهذا... يعني ذكرنا بعض هذه الأسماء في مجلس ماضٍ مثل ضِمَاد الأزدي وغيره، هؤلاء كانوا أيضاً في هذه الفترة.

وكذلك في هذه الفترة اتصل النبي صلى الله عليه وسلم أو آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم رجلان من أهل المدينة، لكن على هذا النحو الفردي، على هذا النحو الفردي، تمام؟ منهم سيدنا سويد بن الصامت. طيب، هذا الرجل كان يسمى بالكامل، كان شعراً لبيباً وكان يسمى الكامل، يعني يلقب بالكامل، سويد بن الصامت، هذا لقيه النبي صلى الله عليه وسلم. وسويد بن الصامت كان رجلاً يعني كما يمكن أن نقول بالمصطلح المعاصر مثقف ومفكر، وله اطلاع على حكمة الأوائل والقدماء، فكان يحفظ حكمة لقمان. فلما كلمه النبي صلى الله عليه وسلم قال سويد: وإن عندي أيضاً لخير. قال النبي: وما عندك؟ قال: مجلة لقمان، أو حكمة لقمان. قال: فعرضها عليه، فعرضها عليه سويد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا القول حسن، وإن الذي عندي أحسن منه. فتلا عليه النبي القرآن وحدثه عن الإسلام، فقال سويد بن الصامت: إي والله، يعني هذا كلام حسن وهو أحسن مما عندي، فأسلم وعاد إلى المدينة. لكن هو الآن إيه؟ أسلم فرداً وعاد إلى المدينة، وقُتل في معركة بين الأوس والخزرج، هي معركة بعاث، تمام؟ فكان الصحابة وكانوا يرون أنه أسلم لكنه قُتل قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

ومن هؤلاء أيضاً رجل من أهل المدينة اسمه إياس بن معاذ، وهذا رجل جاء في مهمة سياسية دبلوماسية. الآن نحن نعرف أن أهل المدينة كانوا أوساً وخزرج، وبين الأوس والخزرج حروب، الخزرج أكثر من الأوس في المدينة، فبعض هؤلاء الأوس جاء يريد أن يقيم حلفاً مع قريش ضد الخزرج، تمام؟

فلما جاء هذا الوفد، وكان فيهم إياس بن معاذ، جلس إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وحدثهم عن الإسلام، فقال إياس: يا قوم، والله إن هذا لخير من الأمر الذي جئتم إليه. فرصة وفكرة يعني خارج الصندوق أو خارج التوقعات، وكان في القوم أحد كبرائهم، فأخذ حفنة من تراب البطحاء وحصبه بها، وقال: لَعَمْرُكَ لقد جئنا لأمر غير هذا. فلم يستطع أن يتكلم، لكنه أيضاً لما مات كان يموت وهو يكبر ويهلل ويحمد، فكانوا يرون أنه مات على الإسلام.

فهذه أمور فردية أو اتصالات فردية، حتى كان الفرج وكانت البداية وكان المفتاح من خلال الستة من أهل يثرب الذين لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم. من هؤلاء الستة سيكونون مفاتيح الدولة الإسلامية، وهم ستة غير مشاهير، يعني الأسماء التي سنراها لهؤلاء الستة ليست أسماء مشهورة، تمام؟ أسماء لا يكاد يعرفها إلا يعني القارئ في السيرة النبوية.

طيب، هؤلاء جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من... يعني هؤلاء لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم في الموسم، سمع أصواتهم حتى عمد إليهم: ممن القوم؟ قالوا: من الخزرج -وهم كانوا من الخزرج، نحن قلنا المدينة كان فيها أوس وخزرج تمام، والخزرج أكثر من الأوس، والخزرج كانت العرب تقول على أهل المدينة الخزرج أوسهم وخزرجهم، تمام؟ يعني مثلاً يشبه ماذا نقول الآن؟ يعني مثلاً نحن نعرف المغول والتتار، كلمة المغول والتتار هذه نحن نقولها: من قال التتار أراد المغول، ومن قال المغول أراد التتار، يعني المعنيين واحد تمام، لكن المغول هم جزء من التتار تمام، فمن قصد الكل... يعني من قصد الجزء لم يرد الكل، فعلى كل حال- ممن القوم؟ من الخزرج. أمن موالي يهود؟ -موالي يعني حلفاء يهود- قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلس إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، حدثهم عن الإسلام، كلمهم عن القرآن الكريم.

فهنا قالوا... يعني هنا نجد تقبلاً جديداً للنبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً دول ستة وهم ستة من الشباب، فقالوا: يا قوم، والله إن هذا النبي الذي توعدكم به يهود. واليهود قاعدين في المدينة، طبعاً إن شاء الله في مجلس قادم نحكي كيف وصل اليهود إلى المدينة، لكن الآن لدينا في المدينة يهود، واليهود هؤلاء كما تعرفون في كل مكان قال تعالى... يعني قال تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا. هم دائماً قِطَع قِطَع، منفصلة، غير مندمجة بمجتمعات، وقِطَع دائماً ما تثير الحروب والعداوات والبغضاء ويدخلون حتى أحياناً في التحالفات، يعني إن شاء الله نحكي قصة اليهود في المدينة، لكن الخلاصة هنا أنه من كثرة ما إن اليهود مفسدون في المدينة صارت هناك عبارة محفوظة ومشهورة: قد أظل زمان نبي يوشك أن يخرج، نقتلكم به قتل عادٍ وإرم. دي دي صارت إيه؟ شعاراً من شعارات اليهود.

طيب، هذا الشعار سبحان الله شوف أنت قد تعرف الحق ولا تتبع، والذي عرف الحق منك هو الذي اتبعه، يعني الآن اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا فعلوا؟ كفروا به مع أنهم أعرف الناس به، بل هم الذين كانوا يبشرون به وينذرون به ويترقبون. طيب، من الذي آمن؟ القوم الذين يُهَدَّدون به وينذَرون به ويتوعدون به! فشيء خطير خطير خطير أن تعرف الحق ولا تتبع الحق، خطير، ولذلك سنرى أن اليهود كانوا أذلة. هو دلوقت قائل هذا الكلام عزيز ولا ذليل؟ يعني الرجل الذي ينطق بعبارة: قد أظل زمان نبي يوشك أن يخرج نقتلكم به قتل عادٍ وإرم، القائل بهذا كلمته تدل على إيه؟ على ذلته وظعفه، تمام؟ يشبه حالنا الآن ونحن نقول: خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود، صح؟

طيب، هؤلاء الأذلة حين جاءهم النبي فلم يكن على هواهم كفروا به، فازدادوا ذلة على ذلتهم التي كانوا فيها، يعني حتى بمقاييس الدنيا، حتى بالمقاييس المادية النفعية كانوا أولى الناس بأن يتبعوا هذا النبي، ففارق خطير بين أن تعرف الحق ولا تتبعه، وفارق خطير بين الذي يتبع الحق من أي طريق جاء.

طيب، هؤلاء وجدوا في النبي صلى الله عليه وسلم هذا النبي الموعود الذي ينذَرون به، ومع أنهم من الخزرج لكن تفكيرهم كان يعني غير مرتبط بالعصبية القبلية، فقالوا: إنا تركنا قومنا خلفنا وليس بين قومٍ من الشر ما بينهم، فإن يجمع الله بك القوم فلا رجل أعز منك. يبقى هم في لحظة سريعة قرأوا أن هذا النبي إذا جاء ونزل إلى المدينة سيستطيع أن يجمع الله عليه القلوب وأن ينهي هذه الحرب الأهلية التي بين الأوس والخزرج، وكان هذا مناهم ومرادهم. تأنل، هم من الخزرج لكن تفكيرهم كان متجاوزاً مصلحة القبيلة إلى مصلحة البلد، وهم الخزرج الذين قلنا إنهم أكثرية، تجاوزوا مصلحة أنفسهم؛ لأن هذا النبي إذا نزل فيهم سيكون قائداً عليهم، فتجاوزوا مصلحة أنفسهم في أن يكونوا هم حكام المدينة فيسلّمون للنبي بهذه القيادة. وفوق ذلك، فقد عرفوا أن النبي إذا جاء ونزل المدينة فصحيح ستنتهي الحرب الأهلية صحيح، لكن ستبدأ إيه؟ تبدأ الحرب العالمية، أيوه ستبدأ الحرب العالمية، سنأتي بعد قليل، هم كانوا مدركين لذلك. إحنا قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم هو يطلب ماذا؟ يطلب النصرة، هو الآن في طوافه على القبائل لا يطلب الإسلام فقط وإنما يطلب النصرة والمنعة، ولذلك كان يسأل القبائل عن النصرة والمنعة.

شوف، سيظل كل إنسان مبهوراً أمام النماذج التي تستطيع أن تدرك من الجلسة الأولى وتؤمن من الجلسة الأولى، يعني شيء عجيب، شيء عجيب حقيقة ومثير للإعجاب.

طيب جميل، مَن هؤلاء الستة؟ هؤلاء الستة: أسعد بن زرارة -وهو أبو أمامة أسعد بن زرارة، وهذا رجل سيكون لنا معه وقفة أسعد بن زرارة-، وعوف بن الحارث -عوف بن الحارث وهو الذي يقال له أحياناً عوف بن عفراء-، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رِئَاب. ناس لهم ذكر كثير في السيرة النبوية، ككثير من المؤسسين... المؤسسين والبدايات، هؤلاء قد لا يكون لهم بعد ذلك ذكر، إنما هم فاتحو خير أوصلوا الخير إلى من بعدهم من ذوي المواهب والكفاءات والإمكانيات والقدرات، وكل ذلك في حسناتهم، لا يعرفهم أهل الأرض ولكن يعرفهم أهل السماء.

طيب، المهم النبي صلى الله عليه وسلم... تذكرون يا جماعة الخير ما كنا تكلمنا عنه؟ بارك الله فيك، تذكرون حديث سيدنا سَلَمَة بن أَسْلَم بن حَرِيش الأنصاري وهو يقول: كان في مجلس قومه في بني عبد الأشهل إذ خرج عليهم رجل يهودي فصار يحدثهم عن الجنة والنار والبعث، وهو يخاطب قوماً أهل وثن لا يظنون أن هذا كائن، فيقولون: يا فلان، وما علامة ذلك؟ قال: نبي يخرج من ها هنا -وأشار بيده إلى جهة مكة واليمن-، أَوْ ذلك حق؟ قال: نعم، وإنّ والله ليودّ أحدكم أن تكون له بنار الآخرة أعظم النور في الدنيا ثم يطبخ عليه وألا يدخل تلك النار. قالوا: ومتى يكون هذا؟ قال: فتفرّس في القوم، فنظر إليّ وأنا أصغر القوم سناً، فقال: إن يستكمل هذا الفتى عمره يدركه. يقول سيدنا سلمة: فوالله ما تقلب الليل والنهار حتى بعث رسول الله فينا وهو حيّ -اليهودي- فآمنا به وكفر به! قلنا له: يا فلان، ألستَ الذي كنت تقول كذا وكذا؟ فقال: نعم، ولكن ليس به، ليس هو.

والنبي صلى الله عليه وسلم حين يدخل المدينة -الحديث متفق عليه في الصحيحين- يقول: لو آمن بي عشرة من اليهود لآمنت بي يهود. فيه عشرة زعماء في المدينة، زعماء اليهود، هؤلاء العشرة لو كانوا آمنوا لآمن به اليهود. لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، الناس تبع لقادتهم وزعمائهم، ولذلك أنتم ترون يعني... ثلاثة أربعة في بني شيبان حرموا بني شيبان من الشرف والنصرة، واحد في بني عامر بن صعصعة حرم بني عامر، الناس اللي سادة قريش حرموا القرشيين، جعلوهم بدل أن يكونوا من السابقين للإسلام كانوا من المتأخرين. فهؤلاء العشرة في ميزان سيئاتهم كل ما يحدث من اليهود حتى الآن! لك أن تتخيل، لك أن تتخيل عظم المصائب والكوارث والذنوب والآثام التي قد تقع عليك لأنك لم تتبع الحق حين عُرِض عليك، يعني أمر لا يمكن أن يُستصغَر ولا يمكن أن يُهْمَل فيه، أمر فارق جداً جداً.

طيب، يعني الفارق بين من أسلم... طبعاً نحن الآن ولدنا مسلمين، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله أن ولدنا مسلمين، لكن يا جماعة يعني إسلامنا هذا، إسلام كل منا في ميزان حسنات جد في جد في... في القرون الماضية عُرِض عليه الحق فأسلم، لو لم يسلم ربما ما كان نسله حتى الآن يسلم، فتخيل! أنا أحكي لك أنه فارق قبولك للحق وخضوعك للحق مسار، ورفضك إياه ونبذك إياه مسار آخر، وذنوب تتوالى وآثام تتوالى وأجيال في ميزان السيئات.

طيب، هؤلاء الستة هم النموذج المعاكس، هم مفاتيح الإسلام، هم الذين كانوا بداية دخول الإسلام وبداية تأسيس الدولة الإسلامية وبداية إشراق النور على الحضارة الإنسانية، يعني كل هؤلاء المسلمين تقريباً هم في ميزان حسنات هؤلاء الستة الذين بدأوا هذا، حتى ولو أنهم ليسوا بمشهورين. ومع ذلك سنرى أن هؤلاء الستة كانوا من الشباب لم يكونوا من كبار السن.

وهؤلاء الستة حين عادوا إلى المدينة جاءوا في العام التالي بضعفهم؛ اللقاء الأول كان ستة، اللقاء الثاني كان في العام التالي اللي هو سنة 12 للبعثة كانوا 12 رجلاً: عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، يعني هؤلاء الذين من الخزرج نشروا الدين في الخزرج، ولكن أيضاً اصطفوا إليه بعض الذين كانوا في الأوس، فنحن نفهم من خلال كلامهم ونفهم من خلال فعلهم أنهم كانوا أيضاً من إيه... من أهل هذه يعني تقديم المصلحة العامة؛ لأنهم حتى ذهبوا للأوس لم تكن فيهم هذه العصبية القبلية، ونعرف أيضاً من الذين استجابوا لهم من الأوس أنهم كانوا أيضاً من خير الأوس؛ لأنهم أيضاً تبعوا أعداءهم التاريخيين في الاستجابة لهذا الدين، ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في العام التالي اللي هو العام 12 للبعثة.

طيب، الآن دعونا نتأمل، النبي صلى الله عليه وسلم قصد عشرين قبيلة، فمن أين جاء الفرج؟ من الستة اللي هم إيه؟ اه اللي ما كانوش رؤساء قبائل ولا حاجة. شوف، شوفوا يا جماعة الخير، ما من عامل للإسلام إلا ويستطيع أن يحكي لك حكايات في هذا الباب؛ أنت بتحط الخطط وتستهدف شخصيات وتحاول تدعو إلى الله بعض الناس تراهم مفيدين، ثم يأتيك الفرج وتأتيك النصرة ويأتيك النفع من قوم لا كنت تأبه بهم ولا كنت تحفل لهم ولا كنت تفكر فيهم، يعني ما من عامل للإسلام ولا داعية إلا ويستطيع أن يحكي لك في هذا الباب عجائب وطرائف؛ يعني أن تسافر سفراً طويلاً وتنفق مالاً كثيراً لكي تقابل أحدهم وكلك أمل، فلا ترجع من هذه السفرة إلا بصديق تعرفت عليه في الطائرة أو في القطار.

فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، ولو أنْ تَلْقَى أخَاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ". والنبي صلى الله عليه وسلم عُوتِبَ في إعراضه عن رجل أعمى لم يكن من سادة القوم، فنزل في ذلك قول الله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ۝ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ۝ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ. سيدنا عبد الله بن أم مكتوم رجل له في السيرة مواقف جليلة، وهو الذي أعرَض عنه النبي صلى الله عليه وسلم إعراضاً لم يشعر به عبد الله أصلاً، يعني هو سيدنا عبد الله بن أم مكتوم أعمى صح؟ هل سينتبه لو أن النبي أعرَض أو عبس؟ يعني النبي لم يجرح حتى مشاعر عبد الله بن أم مكتوم، لم يجرح مشاعره، لكن الله تبارك وتعالى عاتبه في الأعمى الذي لم يشعر بهذا، وصار هذا قرآناً يُتْلَى حتى الآن تمام؟ فلذلك لا تحقرن من المعروف شيئاً، ويعني ألقِ البذور وعلى الله إنبات الشجر.

طيب، هنا سيدنا أسعد بن زرارة -اللي هو كان أحد هؤلاء الستة- سيدنا أسعد بن زرارة أبو أمامة هو أحد هؤلاء الستة الذين لقوا النبي في عام 11 للبعثة، وكان أحد الاثني عشر الذين قابلوا النبي صلى الله عليه وسلم في العام الثاني عشر، وسيكون واحداً من السبعين.

هنا يا جماعة الخير يعني نفرق بين ثلاثة أمور: هذا اللقاء الأولي المبدئي الذي أسلم فيه هؤلاء الستة، انتبهوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب منهم البيعة، لم يطلب منهم بيعة النصر يعني النصرة أو الدولة، يعني هؤلاء الستة إنما عرض عليهم النبي الإسلام، يعني حتى أيضاً لا يقع خلاف في أذهانكم أو لا يُتَصَوَّر أن هناك تناقضاً بين ما كنا نقوله؛ نحن كنا نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يطلب البيعة -بيعة النصرة بيعة الدولة- كان يقصد رؤوس القبائل وغرر الناس، تمام؟ طب دول رؤوس قبائل غرر الناس؟ لا، ولذلك النبي لم يطلب منهم إيه؟ بيعة النصرة وبيعة الدولة، وإنما تكلم في الإسلام، دعاهم إلى الإسلام وخلاص، فالإسلام هذا يُبَثُّ في الجميع، لكن إذا أنت بتتكلم أو تتحرك حركة سياسية لإقامة الدولة الإسلامية فلن... لا تستطيع أن تهمل...

طبائع الاجتماع ولا تستطيع أن تهمل قوانين البشر، تمام؟ علشان محدش يعني... الخلط بين هذين المقامين يا جماعة، لا أقول يضيع الأعمار، بل ضيع الأعمار فعلاً، ضيع الأعمار وضيع الفرص وضيع الجهود. إذا أنت تتكلم عن إصلاح الناس بمعنى إصلاحهم في أنفسهم فرادى فماشي، لكن أن تكون حركة إسلامية، أن يكون كيان دعوي، ثم يرى أن إقامة الدولة الإسلامية يمكن أن يكون بنشر الدعوة بين أواسط الناس وصغار الناس، هذا خلل، هذا خلل وهذا ضياع! يعني التوهم بأنه الفرد المسلم يمكن أن يصنع بيتاً مسلماً، والبيت المسلم يصنع مجتمعاً مسلماً، والمجتمع المسلم يصنع حكومة مسلمة، هذه خرافة، هذه خرافة غير موجودة ولم تكن ولم تتحقق ولا يمكن أن تتحقق. فالعمل الدعوي التربوي الإصلاحي الذي يستهدف إصلاح الناس أفراداً عمل الدعاة هذا يبذل للناس، لكن أنت إذا تفكر في إقامة الدين، في استعادة الحكم الإسلامي، في إقامة دولة إسلامية، ثم تذهب إلى أواسط الناس وتتجنب المفاصل والحكم والسلطة، هذا ضياع، ضياع أوقات وأعمار ومجهودات، تمام؟

طيب، جاء النبي صلى الله عليه وسلم، جاء إليه الأنصار في العام التالي، 12 واحد: 10 من الخزرج واثنان من الأوس. هنا أخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الإسلام، بيعة الإسلام اللي هي بيعة العقبة الأولى. إحنا الآن عندنا ثلاث لقاءات: لقاء الستة، لقاء الـ 12، وفيما بعد لقاء السبعين، خلاص؟ اللقاء الأول ده مكنش فيه بيعة، طبعا بعض علماء السيرة يعني ذكر إن هم ثلاث بيعات، لكن الأشهر والمنتشر عند علماء السيرة إن هم بيعتان، لكن المهم يعني اللقاء الأول مفيهوش بيعة، اللقاء الثاني فيه بيعة الإسلام، بيعة الإسلام اللي هي تسمى بيعة النساء، اللي هي بيعة أمور شخصية، تمام؟

بيعة النساء هذه لماذا سميت بيعة النساء؟ لأن الله تبارك وتعالى ذكرها في شأن النساء في سورة الممتحنة، تمام؟ وهي ألا يشركوا بالله شيئاً، ألا يسرقوا، ألا يزنوا، ألا يأتوا ببهتان، وأن لا يعصوا النبي صلى الله عليه وسلم في معروف. هذه الخمسة خمسة بيعة الإسلام، بيعة الدخول في الإسلام. وهذه البيعة اللي هي بيعة الإسلام بيعة العقبة الأولى تسمى مجازاً بيعة النساء، من أهم ما فيها أنها دليل على أن الإسلام ليس منهجاً نظرياً، ليس منهجاً نظرياً، إحنا بنتكلم في أمور عملية. التوحيد فيها له ثماره العملية؛ لأنه أيضاً نحن ابتلينا في ذلك الزمن الذي نحن فيه بالبطالة النظرية، وغارق في ركام المجادلات النظرية ويسميها العقيدة، وكأنه العقيدة ليست حب الله وخشية الله والرجاء في الله، وكأن العقيدة هي هذه المسائل النظرية التي جاءت أصلاً بعد وفاة النبي وبعد وفاة الصحابة وبعد وفاة التابعين، اللي هي المسائل الكلامية. فهنا الإسلام الذي كان يطلبه النبي صلى الله عليه وسلم هو إسلام عمل، إسلام مطلوب من قوم عاملين وليسوا قوماً نظريين. يعني لم يقضِ النبي صلى الله عليه وسلم الوقت في أن يدرسهم التوحيد بالمعنى الذي تفهم منه الآن كلمة التوحيد، كما ترون في المناهج الدراسية في كتب العقيدة، تمام؟ ما كان هذا هو الذي طلبه النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، سيعود هؤلاء الإثنا عشر، ويرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم أول سفرائه، سيدنا من المشهور؟ سيدنا مصعب بن عمير. طيب، أرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم سفيراً آخر ولكنه غير مشهور، من هو؟ من يدري؟ إذا جاء بها أحدكم له جائزة إن شاء الله آتيه بها المجلس القادم. لا، من يا جماعة؟ سيدنا عبد الله بن أم مكتوم. سيدنا عبد الله بن أم مكتوم كان سفيراً ثانياً مع سيدنا مصعب بن عمير لكنه غير مشهور، إن شاء الله يعني نحكي لكم حكايته، لكن الآن سيدنا مصعب بن عمير.

طبعاً سيدنا مصعب بن عمير هذا رجل نموذج مثال. سيدنا مصعب بن عمير هذا كان من الشباب المترف، تمام؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه: ما رأيت لُمّة أحسن من لمة مصعب. يعني إيه بالمصطلح المعاصر؟ ما شفتش تسريحة شياكة كده إلا يعني زي الشياكة اللي كانت عند سيدنا مصعب، وكان يلبس من الثياب أنضر، وله مشية يتبختر بها معروفة، يعني ثياب وخيل، رجل يعني إيه؟ برجوازي أو أرستقراطي، قصدي رجل أرستقراطي بالمصطلح المعاصر، يعني رجل مترف سيدنا مصعب رضي الله عنه. لكن سيدنا مصعب كانت فيه مزية عظيمة جداً، وهو أن الترف لم يكسره ولم يفسده، وهذا نادر في الشباب يا جماعة. ولذلك يقول الشاعر: إن الشباب والفراغ والجِدة (الغنى يعني) مفسدة للمرء أي مفسدة. نادر أن تجد شاباً أوتي مالاً وأوتي جمالاً وأوتي فراغاً ولم يفسد، نادر جداً. أهو سيدنا مصعب كان من هؤلاء النادرين. نحن ذكرنا قبل ذلك أن المترفين من هم؟ أعداء الأنبياء. المترفون هم عادة أعداء الأنبياء: وَكَذٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ.

شديد الفقر لا يتبع الأنبياء؛ لأنه أصلاً معندهوش وقت يفكر، تمام؟ ولذلك هذا القدر من الفقر يسمى الفقر المُنْسي. استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الغنى المطغي والفقر المُنْسي. الإنسان الذي لا يكاد يجد قوت يومه نادراً ما يفكر في شيء إلا قوت يومه. طيب، هذا جانب، والجانب الآخر الذي لا يستجيب هو المترف؛ لأن هو عايش في مجتمع هو بالفعل عنده المزايا والمكتسبات، فأي حركة أو أي دعوة جديدة تخفض وتخصم وتأخذ من هذه المزايا، فبطبيعة الحال المترفين أعداء الأنبياء. سيدنا مصعب لم يكن كذلك، سيدنا مصعب على ما كان فيه من النعيم لا، ما إن سمع الحق حتى اتبعه، وأسلم وكان من السابقين الأولين إلى الإسلام. وكانت العقوبة الأولى أنه حُرِم من هذه المزايا، ومنعت عنه أمه المال، ويقول الصحابة: فلقد رأيناه وقد تحشف جلده كما تتحشف... فصار كجلد الحية. مفيش أكل يا جماعة، مفيش يعني أكل، مفيش مكان وثِير للنوم، فجلد سيدنا مصعب صار يتحشف. طيب، هل أثر هذا فيه؟ هل رجع في كلامه؟ شخصية صلبة. وأن النبي صلى الله عليه وسلم يعني نفهم إن النبي صلى الله عليه وسلم -إحنا الآن في سنة 11 للبعثة وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام- فنفهم إن النبي حين أرسله سفيراً فهذا دليل على أن سيدنا مصعب أولاً فقه الإسلام فقهاً عظيماً، بالتأكيد لما ترسل واحد يعرض الإسلام تختار أيه؟ أفضل من يفقهه، وصار بعد فقهه يحسن عرض الإسلام بلباقة وبشكل حسن وبأسلوب حسن، وفيما نرى أن ما كان فيه من الفقر ومن الضنك ومن الجَذْب لم يغير أيضاً طباعه. الطبيعي أيضاً في السفراء إن هم يكونوا إيه؟ قوماً يعني من هذه الطبقة العليا المترفة، الناس اللي واخدة بالها من البروتوكول وتفهم كيف تعامل كبار القوم، فسيدنا مصعب ما زال محتفظاً بمزاجه وطباعه الأولى، هي مزاج وطباع الشخص ابن الطبقة العليا، تمام؟ فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء الأنصار.

الآن سيدنا مصعب بن عمير سيذهب إلى الأنصار. السؤال يا جماعة الخير: ما علامة نجاح سيدنا مصعب بن عمير؟ - السبعين! وده يعني هذا كلام رجل عرف ما حصل، عايز كلام رجل لم يعرف ما حصل. الآن لو نحن أمام مهمة وسنرسل سفارة، هذه السفارة نحن الآن نريده أن يدعو إلى الإسلام ولا يمهد الأرض للدولة؟ متفقين: يمهد الأرض للدولة. طيب، ما علامة نجاحه في هذه المهمة؟ ها؟ - لا يُقتل ولا يُسجن. نعم، لا يقتل ولا يسجن، لا يقتل ولا يسجن! إجابة عظيمة جداً، هذه إجابة مصبوغة بالواقع المعاصر اللي إحنا فيه، إسلام الكباب! - رؤساء القبائل يسلموا. أه، بارك الله فيكما، تمام، كما قال صاحبنا وكما قال أبو المظفر، علامة نجاحه أن يسلم سراة القوم، رؤوس القوم. هؤلاء هم الذين إذا أسلموا صارت الأرض مهيأة أن تكون مكاناً للدولة، صحيح؟ طيب، إذا قضى سيدنا مصعب سنين وسائر الذين أسلموا كانوا من أواسط الناس وصغار الناس، ماذا نعتبر؟ نعتبر هذه المهمة نجحت ولا لم تنجح؟ لم تنجح، حتى لو انتشر الإسلام في الطبقات الصغيرة، وهذا أيضاً يعني صعب أن يحصل، تمام؟

طيب، طبعا بطل هذه الفترة الكبير هو سيدنا أسعد بن زرارة. سيدنا أسعد بن زرارة هذا الرجل الذي كان موجوداً في الستة، وسنعرف بعد قليل أنه كان من أصغرهم سناً، يعني لم يكن رجلاً كبيراً. أسعد بن زرارة كان في الستة وكان في الإثني عشر، وهو الذي كان يعني هو الذي استضاف سيدنا مصعب بن عمير في بيته، وصار يمضي به في بيوت بني عبد الأشهل التي هي قبيلته.

طيب، هنا يا سيدي كان إيه بقى؟ سادة بني عبد الأشهل في ذلك الوقت اثنان من الكبار: سيدنا سعد بن معاذ، وسيدنا أُسَيْد بن حُضَيْر. أسعد بن زرارة هو ابن خالة سيدنا سعد بن معاذ. جلس، يعني كان في جولة دعوية بالمصطلح المعاصر، يعني عمل لقاء لسيدنا مصعب بن عمير مع بعض الرجال الذين أسلموا على يده في بستان من بساتين هذه العائلة، بني عبد الأشهل. طبعا أنتم عارفين، أي أفكار جديدة، أي دعوات جديدة، أي حركة جديدة مباشرة لابد أن تلفت النظر، لكن والله ده صاحب الحركة الجديدة دي أسعد بن زرارة ابن خالة الريس، تمام؟ يبقى مين اللي هيقدر يتحرك له؟ الريس نفسه! مفيش حد يعرف يتحرك تاني، ده ابن خالة الرئيس. طيب، سيدنا سعد بن معاذ جاء بأسيد بن حضير وقال له: اذهب إلى هذين الرجلين، فإنهما عما يفعلان قد جاءا إلى ديارنا يسفهان ضعفاءنا، ولولا مكان أسعد بن زرارة مني، فهو ابن خالتي، لذهبت ولكني لا أجد له مقدماً، تمام؟ الاعتبارات العائلية منعت سيدنا سعد إن هو يقوم بالأمر بنفسه. سيدنا أسيد بن حضير أيضاً رجل زعيم، ومما يروى عنه أنه كان إذا رفع حربته لم يضعها... إحنا برضه بنتكلم في إيه؟ رجل ماضي العزم. وذهب إليهم وقف عليهم متشتماً، يعني بالمصطلح المعاصر: انتوا إيه اللي جابكم هنا؟ جئتم تسفهان ضعفاءنا، فإن كانت لكما حاجة بنفوسكما فانتهيا. يعني إيه؟ إذا كنت والله يعني إذا باقي على حياتك، باقي على عمرك امشي من هنا، دي الترجمة الحرفية يعني: فإن كانت لكما حاجة في نفوسكما فانتهيا. طبعاً وهو قد أقبل، قال أسعد بن زرارة لسيدنا مصعب بن عمير: قد جاءك سيد قومه، فاصدق الله فيه. هذه تذكرة للدعاة، لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، قال: فاصدق الله فيه. فقال سيدنا مصعب: أن يجلس أكلمه. وهنا برضه تدرك أن سيدنا مصعب راجل ابن إيه؟ ابن ناس، ابن عائلات كبيرة، مش هينفع يدخل معركة والراجل واقف ومعه الحربة، قال: أن يجلس أكلمه. فدلوقتي صارت مهمة سيدنا أسعد بن زرارة إنه إيه؟ إنه يقعد الراجل اللي جاي بالحربة ده، نعم، صلوا على النبي.

فالآن صارت مهمة سيدنا أسعد إنه يعمل إيه؟ إنه يقعد الراجل اللي جاي وداخل بالحربة ده وعمال يقول اللي باقي على نفسه ماشوفش وشه يعني، وقال مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن أحببت شيئاً أخذته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره. فقال أسيد بن حضير: أنصفت! طبعاً أيضاً هذا هو الفارق، الفارق المهم بين رجل مستعد ليتكلم، مستعد ليسمع، مستعد ليفهم، وبين آخرين أغلقوا قلوبهم. نحن ذكرنا أهل الطائف لما ردوا النبي صلى الله عليه وسلم فكان منهم من قال للنبي: والله لا أكلمك، لئن كنت نبياً فأنت أعظم من أن أكلمك، ولئن كنت كاذباً فأنت أدنى من أن أكلمك. فهذا رجل اتخذ موقف الصد، لكن إيه؟ فلسفه وطلعه كده في عبارة حكيمة لطيفة تكتب في باب الأدب، قال: لكن لن تنفعه في النار، يعني موجودة أهي، يعني يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا، تندرج تحت هذا الباب، زخرف القول، كلمة شكلها حلو لكن في النار. قال: أنصفت! فجلس، حدثه سيدنا مصعب عن الإسلام، تلا عليه القرآن، يقول: فوالله لقد عرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، أشرق وجهه وبدأ يبتسم، ثم قال: والله إن هذا لكلام حسن! ماذا يفعل الذي يريد أن يدخل في هذا الدين؟ فطبعاً هذا فتح عظيم، فسيدنا مصعب كلمه عن الاغتسال والتطهر وأن تشهد شهادة الحق، وحدثه عن الصلاة.

ماشي، طيب، الآن سيدنا أسيد بن حضير يعني أتى إليهم لماذا؟ بتوصية من سعد بن معاذ، هيعمل إيه دلوقتي؟ عاد بغير الوجه الذي ذهب به، تمام؟ يقول: فلما أبصره سعد بن معاذ قال: والله لقد عاد بغير الوجه الذي ذهب به. طيب، الآن سيدنا أسيد بن حضير يريد أن يحتال على سعد بن معاذ لكي يسمع مثل ما سمع، ماذا فعل؟ قال: والله ما وجدت بالقوم بأساً، ولقد نهيتهما فقال نفعل ما أحببت، نفعل ما أحببت، ولكني حُدِّثتُ أن قوماً من بني حارثة يقصدون إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه يريدون أن يخفروك، يعني إيه بالمصطلح المعاصر؟ طبعاً إحنا قلنا سعد بن معاذ ابن خالة سيدنا أسعد بن زرارة، فأسيد بن حضير قال له: والله ده الموضوع يعني لو إحنا هنكتبه كتقرير أمني متخافش الموضوع تحت السيطرة والأمور تمام مفيش منها خطر، بس الخطر دلوقتي إن في قوم من بني حارثة الجماعة دول سمعوا وشعروا أن هناك خطراً من أسعد بن زرارة فقاموا إليه ليقتلوه، لكن هم مش قصدهم يقتلوه لإنهائه هذا الخطر، قصدهم يخفروا ذمتك! يخفروا ذمتك يعني أنتم عارفين خفر الذمة، يعني ماذا نقول؟ الاعتداء على نفوذك، الاعتداء على ابن خالتك، مكانتك، يخفر ذمتك، لما تقول حد في ذمتي وحد يعتدي عليه اسمه خفر الذمة، طبعاً من المكانة، نعم، من المكانة بالضبط. أنتم إيه رأيكم بقى، واحد زي سيدنا سعد بن معاذ سمع الكلمتين دول، راح حشل حربته هو الآخر وانطلق، فلما دخل عليهم وجدهم آمنين مطمئنين، فعرف أن أسيداً إنما احتال عليه، أهو وقع نفس الكلام اللي هو اضطر يقوله: أنتم إيه... يعني يا أسعد، والله لولا أنك قد علمت مكانك مني ما اجترأت علي بمثل هذا. هو دلوقتي مكنش لاقيله مقدماً في الأول، دلوقتي اتورط بإن صار مواجهاً له، فعاتبه أنه إنما جاء بهذا الرجل يعني اعتماداً واستناداً على المكانة التي له عند سعد بن معاذ. فقال: أولا تجلس فتسمع، فإن أحببت شيئاً أخذته، وإلا كففنا عنك ما تكره؟ فجلس سعد بن معاذ، فسمع من مصعب بن عمير رضي الله عنه فأسلم ونطق الشهادتين، قال بشهادة الحق، ثم عاد إلى قومه فقال: يا قومي، يا بني عبد الأشهل، ما ترون شأني فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً. قال: فوالله إن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تدخلوا في هذا الدين وتشهدوا شهادة الحق! فدخلوا فيه جميعاً. هنا هذه هي لحظة فتح المدينة، اللحظة التي أسلم فيها الرجلان الكبيران: أسيد بن حضير وسعد بن معاذ. وهنا نستطيع أن نقول إن سفارة سيدنا مصعب بن عمير نجحت، وهنا بدأت بذرة أن توجد... أن يوجد للإسلام أرض وشوكة وأنصار، تمام؟ جميل.

بالزيادة، أسعد بن زرارة كان أول من أقام صلاة الجمعة للمسلمين في المدينة، يعني قبل أن تقوم صلاة الجمعة في مكة قامت في المدينة، أقامها سيدنا أسعد بن زرارة. يروي سيدنا كعب بن مالك، كعب بن مالك الشاعر، طبعاً سيدنا كعب بن مالك سيأتي كلامنا عنه في بيعة العقبة الثانية، ولكن هو معروف أيضاً بأنه الشاعر، وأنه أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا، الحديث الطويل حديث الثلاثة الذين خلفوا. يروي ابنه عبد الرحمن بن كعب بن مالك يقول: كنت قائد أبي حين كُفّ بصره. سيدنا كعب بن مالك في آخر حياته كف بصره فكان ولده يقوده إلى صلاة الجمعة، قال: فكان كلما سمع النداء بالجمعة يستغفر لأسعد بن زرارة ويصلي عليه، يصلي عليه يعني يدعو له، قال: فتكرر هذا منه، فقلت: إن هذا لعجز، إني لا أعرف لماذا يعني، فلما سأله قال: يا بني، إن أسعد بن زرارة كان أول من جمع بنا وصلى بنا الجمعة. فهو كلما تذكر الجمعة كان يحفظ هذا الوفاء لسيدنا أسعد بن زرارة.

طيب، الآن تأتي المرحلة التالية وهي مرحلة بيعة العقبة الثانية. طبعاً سيدنا مصعب بن عمير نجحت خطته، فعاد إلى مكة قبيل الحج، يعني قبيل الموسم، وجاء وفد المدينة كما يأتي الوفد، ولكن هذا وفد المدينة الذي جاء يحج هذه المرة كان فيه 70 رجلاً وامرأتان أسلموا، ويريدون أن يلتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم لكي يبايعوه بيعة إيه؟ بيعة النصرة، أو بيعة الدولة، المعروفة بأنها بيعة العقبة الثانية، تمام؟ إحنا قلنا بيعة العقبة الأولى هي بيعة النساء الخمسة، البيعة الثانية هي بيعة النصرة، اللي هي كما وردت في حديث جابر وحديث كعب بن مالك وحديث عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى النفقة في العسر واليسر -الدولة الإسلامية لما تكون محتاجة أموال سواء كنت في يسر أو كنت في عسر فالإنفاق منك مطلوب- وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول الحق لا نخشى في الله لومة لائم، وعلى أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم إذا قدم عليهم.

طيب، هؤلاء السبعون واعدوا النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة في ليالي التشريق بعد الفراغ من الحج. يقول، طبعاً أنا ذكرت لكم إنه حديث البيعة رواه ثلاثة من كبار الصحابة: سيدنا جابر بن عبد الله، وسيدنا كعب بن مالك، وسيدنا عبادة بن الصامت. طبعاً الأشهر هو سيدنا عبادة بن الصامت؛ لأن حديثه في الصحيحين، حديث جابر وحديث كعب بن مالك كلاهما عند أحمد بسند صحيح. طيب، فالآن مجمل هذه الأحاديث الثلاثة التي روت كيف كان الأمر في العقبة: أولاً سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم اتفقوا على الميعاد واتفقوا على المكان، لما مضى ثلث الليل صار يتسلل إليه الأنصار من رحالهم فرداً فرداً، فردين فردين، حتى اجتمعوا به في العقبة، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس. طيب، عمه العباس الآن كافر ولا مسلم في ذلك الوقت؟ كافر، لكن هو مع النبي صلى الله عليه وسلم لماذا؟ نعم نعم، حمية، تمام؛ لأنه يريد أن يستوثق لابن أخيه. وسيدنا العباس لما رأى هؤلاء... طب سيدنا العباس تاجر وتاجر كبير وصاحب أموال، ومن تجارته كان يقدم على المدينة وكان يعرف كبار أهل المدينة، فلما نظر في القوم قال: يا ابن أخي، هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث! فنفهم من هذه العبارة إنه أغلب الموجودين كانوا شباباً، تمام؟ وقال لهم: يا معشر الأنصار، إن محمداً حيث قد علمتم منا، وإنا قد منعناه من قومنا ممن هم على مثل رأينا فيه، فإن كنتم مانعيه بحق... فهو فهو وما أنتم، وإلا فهو في مناعة من قومه، تمام؟ إحنا طبعاً دلوقتي إيه كما يقال مفيش هزار، هو دلوقتي موجود في منعة من قومه، وهذه طبعاً إيه يعني من مبادئ الحركة، إن أنت لا تنتقل من مكان إلى مكان، أو لا تنتقل من منعة إلى منعة إلا وأنت ضامن أن التي تذهب إليها خير من التي كنت فيها. فالآن سيدنا العباس شايف ناس لا يعرفهم ويخشى من هذا الأمر. طيب، كيف رد عليه الأنصار؟ نرى ذلك في المجلس القادم إن شاء الله، أزف الوقت. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إحياء جيل على خطى السابقين.