تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 84. كيف وصفت سورة الحشر غزوة بني النضير، وكيف سمعها الصحابة؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمه الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، واجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.

مرحبا بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس الرابع من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وعدنا والحمد لله بعد رمضان، فكانت أحداثاً حافلة وأياماً يعني زاخرة.

فأبدأها بأن أذكر نفسي وإخواني بالحرص على دعاء: اللهم تقبل منا رمضان. وقد كان من عادة السلف أنهم يجتهدون في الدعاء بعد رمضان أن يتقبل الله منهم رمضان. وأنتم تعرفون أن رمضان على وجه التحديد هو نفحة من نفحات الله وفرصة، بل نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: من أدرك رمضان ولم يغفر له، وهنا تتعدد الروايات، فرغم أنفه، فدخل النار، فقد حرم. وقوله صلى الله عليه وسلم: إن في هذا الشهر ليلة من حرم خيرها فقد حرم. فالحرص على قبول رمضان هو أمر فارق في مصير الإنسان كله.

والأمر الثاني: هذه الحرب التي شنتها والأمريكان والصهاينة على إيران، والتي كما هي العادة انقسم حولها المسلمون، ثم انقسم حولها الإسلاميون المتدينون. وبالمناسبه يا جماعة الخير، أصل هذا الانقسام أنه ليس للمسلمين خلافة ولا قيادة، هذا هو أصل الانقسام. وبالتالي، فحيث لم يكن للمسلمين خلافة ولا قيادة تفرقت نخبهم وعلمائهم، وصاروا محكومين بدول متفرقة ومختلفة.

والدول إذا تفرقت واختلفت، اختلفت مصالحها. الدول، يعني أذكركم بشيء: الأب في بيته، الأب في بيته يدرك مصلحة البيت إدراكاً واحداً تماماً، فإذا كبر الأب أو مات وكان قد أنجب مثلاً ثلاثة أبناء، مصالح كل ابن من الابناء الثلاثة تختلف عن مصلحة أخيه الآخر، فلذلك الأمر الذي كان واحداً يتفرق، حتى وإن كان كلهم يبغي المصلحة. فتصور معي حال الأمة الإسلامية، ليس كحال الأب الذي ورثه أبناؤه وهم أوصياء أو أوفياء على ميراثه، بل ورثه أعداؤه. ورثه أعداؤه وقسموا ميراثه على من اختاروه من أبنائه. فتخيل كيف ستكون رؤى كل واحد منهم لمصالحه؟

فلذلك، حتى العلماء في أماكنهم لا يملكون في ظل هذا الاستبداد الذي نحن فيه أن يعبروا عن الحق ولو أدركوه. يعني منهم من لا يستطيع أن يتكلم ولو هو في نفسه أدرك الحق والمصلحة العامة، ومنهم من يخدع، خلينا في لفظ يخدع، فهو يتبنى الموقف الذي يهيمن عليه ويسود عليه حتى بدون ضغط، فكثير من أهل العلم، وهذه حقيقة يعني، كثير من أهل العلم لا يدرك شأن السياسة، وابن خلدون له فصل في المقدمة يقول: فصل في أن العلماء من بين الناس أبعد الناس عن السياسة لظروف لا يتسع الإطالة فيها. ومنهم طبعا من ركبه الطمع أو غره الفزع، فهو ينطق بما يراد له أن ينطق به، فلذلك تفرق الناس في هذا لمثل هذه الأسباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والحق الذي نראه أن هذه الحرب ينبغي وقوف العالم الإسلامي فيها ضد الأمريكان والصهاينة، وإن كان الطرف الآخر، وهو إيران طبعا، قد فتكت بالمسلمين فتكاً ذريعاً، وأجرمت فيهم إجراماً كبيراً، وكان لها فيهم فساد كبير، فبالنهايه الشر الذي تمثله إيران أقل بكثير جداً جداً من الشر الذي يمثله الأمريكان والصهاينة. وهذا يعني خلاصة الكلام، وكنت قد تكلمت قبل ذلك في العام الماضي في شيء من هذا فلا أعيد تكرار ما ذكرناه.

الامر الثالث الذي اريد التنويه عليه قبل أن ندخل في باب السيرة، هو أيضا لا تنسوا إخوانكم في غزة ولا في السودان ولا في غيرها، فما زالوا يقتلون وما زالوا يقصفون وما زالوا محاصرين وما زالوا لا يستطيعون أن يجدوا لأنفسهم الخيام الصالحة ولا البيوت الصالحة للحياة، فلا يشغلنا الشر عن غيره من أزمات إخواننا المسلمين. صلوا على النبي.

ثم نستانف حديثنا في السيرة النبوية. حد فاكر كنا واقفين فين قبل رمضان؟ طيب مش مشكله الصيام برضه مؤثر. أيوه بارك الله فيك، نحن كنا قد انتهينا من غزوة بني النضير. وكعادتنا في مجالس السيرة هذه، أنه بعد انتهاء الغزوة نحاول أن نفهَم كيف عرض القرآن الكريم هذه الغزوة، وكيف استقبلها الصحابة الذين عاشوا هذه الغزوة. وذكرنا قبل ذلك أن القرآن الكريم يروي ما حصل لا على طريقة المؤرخين ولا على طريقة الإخباريين، ولكنه يكشف ما هو في داخل النفوس، ويختار من الأمور ما يجب أن يركز عليه، فالعبرة ليست في الأحداث بعينها ولكن العبرة فيما يستفاد منها وما يستخلص منها تماماً. فهذه الغزوة نزلت فيها سورة الحشر السورة كاملة نزلت بعد هذه الغزوة.

طيب، هنا حقيقة يا جماعة الخير، أول ما يلفت النظر في هذا الأمر أنه بنو النضير هم القوم الوحيدون الذين نزلت فيهم سورة كاملة. نحن ذكرنا قبل ذلك أن المدينة كان فيها ثلاث كتل يهودية كبيرة، وانه هذه الكتل اليهودية الكبيرة: بنو قينقاع، بنو النضير، بنو قريظة. وكل كتلة كان للنبي صلى الله عليه وسلم معها غزوة، وكل غزوة مع هذه الكتلة الكبيرة كانت بعد غزوة مشهوره. فذكرنا بني قينقاع كانت بعد بدر، وبنو النضير كانت بعد... وبنو قريظة كانت بعد الأحزاب. كويس.

يلفت النظر هنا أن القرآن الكريم لم يأتِ على ذكر بني قينقاع إلا في آية عابرة في هذه السورة، تمام، كقوله في قوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فقط. تمام. طيب، بنو قريظة سيأتي إن شاء الله معنا في غزوة بني قريظة بعد غزوة الأحزاب. قاموا بأخطر خيانة للدولة الإسلامية في أحرج لحظاتها. غزوة الأحزاب دي يا جماعة الخير كانت أخطر أخطر لحظة تمر على الدولة الإسلامية، لأنه الدولة الإسلامية كانت مهددة بالاجتياح بالفناء. كان الأحزاب عشرة آلاف، والروايات تقول إنه المسلمين جميعهم كانوا خمسة آلاف، يعني بنسائهم وصبيانهم، فلذلك المسلمون ما فكروا في المواجهة، ما فكروا في القتال، فكروا في التحصن، وأنقذتهم الفكرة التي جاء بها سيدنا سلمان الفارسي، وهي فكرة إيه؟ الخندق. وبنو قريظة وقع بهم أشد العقاب، أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم فيهم سعد بن معاذ، وقال: لقد وافق حكمك حكم الله من فوق سبع سماوات. ما هو حكم سعد بن معاذ؟ أن يقتل الرجال وتسبى ذراري... يعني أشد عقاب نزل ببني قريظة. ومع ذلك تقلب في بني قريظة في القرآن الكريم تجد أنهم أخذوا آيتين في سورة الأحزاب، تمام، فقط.

أما الذين أخذوا سورة كاملة، ثلاث صفحات وشوية من القرآن الكريم، فهم بنو النضير. وهذا أمر أول ما يلفت النظر في هذه المسألة: لماذا اختصوا بأن تفرد لهم صورة كاملة، مع أنهم ليسوا أول مواجهة، وليسوا أخطر مواجهة، وليسوا أشد خيانة من بني قريظة فيما بعد؟ طيب، ما الذي يمكن أن يكون يعني يكون السبب؟

يمكن أن يكون السبب أن بني النضير كانوا أكبر كتله يهودية موجودة وأقواها في المدينة، ونحن ذكرنا قبل ذلك أنه لما كان يقع بينهم وبين بني قريظة تقاتل، فكان الرجل منهم برجلين من بني قريظة، تمام. فهذا سبب.

السبب الآخر هو أنه إن شر بني النضير سيستمر مع المسلمين، يعني بنو قينقاع لما نفاهم النبي صلى الله عليه وسلم أجلهم من المدينة لم نسمع لهم ذكراً بعد ذلك. لكن النخبة اليهودية التي كانت في بني النضير ما إن أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى خرجوا بكل أموالهم، فتركز معظمهم في خيبر. ومن هناك بدأت مرحلة جديدة من المؤامرات على الدولة الإسلامية وعلى النبي صلى الله عليه وسلم. يعني الذين هيؤوا غزوة الأحزاب وحرموهم ومولوا الأحزاب كانوا هم من نخبة بني النضير التي أخرجت من المدينة. فشرهم استمر مع المسلمين، طبعا وزعيمهم حيي بن أخطب كما ذكرنا ما فعل مع النبي صلى الله عليه وسلم، وسياتي ما سيكون مصيره إن شاء الله بعد غزوة بني قريظة. تمام. فربما لأن شرهم استمر مع المسلمين، احتاجوا أن يكون لهم هذا الذكر الأكبر في القرآن الكريم.

وربما، وهذا الذي أراه أكثر الأسباب رجوحاً أو رجاحةً، هو أن بني النضير هؤلاء شابهوا مسيرة المسلمين مع اليهود حتى عصرنا الحاضر. لأن هناك كلمة في سورة الحشر كلمة عجيبة، وقد توقف عندها المفسرون ثم اختلفوا فيها، وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ. فالمفسرون توقفوا عند أول الحشر، كلمة أول الحشر دي هذه كلمة مشعرة بأن هناك آخر الحشر أو أن هناك الحشر الثاني. يعني كلمة أول الحشر دي مش إيه؟ تعطيك إيحاء وتعطيك إشارة إلى أنه ليس الحشر الوحيد، وأن هناك إيه حشراً آخر. طيب، فهنا توقف توقف المفسرون، فبعض الناس قال: إن هذا أول الحشر، والحشر الآخر، الحشر يا جماعه هنا بمعنى الخروج بالمناسبه، خلينا نقف عند هذه، كلمة الحشر ليس هنا معناها يوم القيامة، وإنما معناها الخروج، تمام، كخروج بني النضير، سناتي لذلك بعد قليل. بس الآن خلينا في مسألة: لماذا استحق بنو النضير هذه السورة كاملة؟

فكلمة الحشر تعني الخروج، تمام. طيب، قال بعض أهل التفسير: الخروج الأول هو خروجهم من المدينة إلى خيبر، هذا الحشر الأول. والحشر الثاني هو إخراج عمر بن الخطاب لهم من خيبر بعد ذلك من جزيرة العرب. يبقى هذا الحشر الأول وهذا الحشر الآيه الثاني.

وببعضهم قال، بعض أهل العلم من المفسرين قال: إنه هذا الحشر الأول هو خروجهم من المدينة، والحشر الثاني هو خروج اليهود بعد ذلك إلى الشام، سواء من كانوا في خيبر أو من بقي منهم في الجزيرة العربية، إخراجهم إلى الشام هذا الحشر الثاني.

وبعض أهل العلم من المفسرين قال: هذا الحشر الأول اللي هو إخراج بني النضير، والحشر الثاني هو حشر يوم القيامة، فمن علامات القيامة الكبرى نار تخرج تحشر الناس إلى أرض المحشر، يبقى هذا خروج أول، ثم النار التي هي من علامات يوم القيامة تحشر الناس إلى إيه إلى... طيب.

ثم جاء المعاصرون، فظهر لهم معنى آخر. المفسرون المعاصرون بقى ظهر لهم معنى آخر، يعني مثلاً الشيخ سعيد حوا رحمه الله، الشيخ الغزالي رحمه الله، الشيخ سلمان العوده فرج الله عنه، وبعضه وبعض المع... يعني وبعض المعاصرين ذكر بأن هذا هو الحشر الأول، وإنشاء إسرائيل هو الحشر الثاني. لأنه إنشاء إسرائيل كان إخراج اليهود من أنحاء الدنيا إلى الشام، فهذا إخراج أول، إخراج من المدينة، والإخراج الثاني هو إيه؟ إخراج اليهود من بلادهم، روسيا وبولندا وأوكرانيا واليمن والعراق ومصر وإلى فين؟ إلى إسرائيل، إلى اللي هي الشام، طبعا في أرض الشام. طيب، هذا الإخراج الثاني لماذا صار قولاً مقبولاً ومنتشراً بين المعاصرين؟ لكثير من المشابهة التي وقعت بينه وبين الإخراج الأول، فمثلا من أوجة لهذه المشابهة قول ربنا تبارك وتعالى: مَا ظَنَنتُم أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللَّهِ. الآن لو أنك سألت أغلب الناس عن زوال إسرائيل، ماذا يقول؟ الموضوع صعب، إسرائيل دي دولة نووية، قوتها متفوقة على قوة المحيط مجتمعة، فالصعوبة التي تظهر في إخراجهم شبيبة بالظروف التي إيه كانت تصعب إخراج بني النضير من المدينة.

طيب هذا أمر. الأمر الثاني هو في احتمائهم بالحصون، فبنو النضير قال ربنا تبارك وتعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ، ثم ذكر الله في منتصف السورة أن هذه خصلة في قتال اليهود: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مَّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وراء جُدُرٍ. فهذا يشابه ما نعايشه الآن من الجدار العازل ومن التحصينات، وطبعا تدخل فيها بقى الآيه الوسائل المتقدمة حديثاً، القبة الحديدية والصواريخ الاعتراضية وهذا الكلام، فمسألة اهتمام اهتمامهم بالتحصن فيه شبه آخر.

شبه ثالث وهو أن بقاء بني النضير في المدينة إنما كان بإغراء المنافقين وتحالفهم معهم. طيب، والآن المسألة واضحة جداً، واضحة غاية الوضوح: ما كان لهذا الكيان أن يقوم ولا أن يتأسس في بلادنا إلا بدعم المنافقين، مستحيل يا جماعة! من قرأ تاريخ فلسطين ومن قرأ تاريخ نشوء هذه الدولة، جزم جزم جزماً بأنه لولا الأنظمة التي أحاطت باسرائيل ما كان لها أن تحيا ولا أن تبقى. وآخر الدليل هو ما وقع في ٢٠٢٣: المنطقة الصغيرة التي تحررت على رغم ضعفها وحصارها وسوء أحوالها استطاعت أن تنزل هذه يعني هذه الصدمة الهائلة بهذا الكيان. فكيف لو كان هذا هذه المنطقة كانت مدعومة ومسحوبة بمحيطها العربي والإسلامي؟

طيب، فمسألة تحالف المنافقين مع اليهود فيها شبه كذلك بهذا الوضع الجديد. طيب شبه كذلك، شبه آخر في أن هؤلاء اليهود المعاصرين شابهوا الأقدمين في قوله تبارك وتعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ. أي واحد ينظر إلى الأمر من بعيد يحسب أن هذه البلد كتلة واحدة، أي واحد يتعمق في دراستها يظهر له ما بينهم من إيه من الخلافات الشديدة. ولكن رغم ما بينهم من الخلافات الشديدة، يظل موقفهم يظهر واحداً، يعني هم يجتهدون لدرء خلافاتهم أو لإدارة خلافاتهم بحيث يظهر في النهاية أن موقفهم إيه؟ واحد. فلعل هذه المشابهات الكثيرة هي التي احتجت، أو هي التي لأجلها أفرض الله لنا خبر بني النضير في سورة كاملة، لأن شبيهاتها المعاصرة سيتبدى فيها نفس ما كان قائماً في بني النضير. صلوا على النبي.

طيب، ذكرنا أن اسم هذه السورة الحشر، ولكن ابن عباس

حبر الأمة وترجمان القرآن، ويعني إامام أئمة التفسير. لما سأله سعيد بن جبير، كما الرواية في البخاري، سأله سعيد بن جبير قال: سورة الحشر؟ قال ابن عباس: قل سورة بني النضير.

طيب، هذه الكلمة من ابن عباس أخذت العلماء في اتجاه فهم المعنى. السورة يعني بعض العلماء قالوا: إن ابن عباس أراد أن ينبه إلى أن هذه السورة لها اسم آخر، وهذا موجود في القرآن الكريم؛ السورة في القرآن الكريم قد يكون لها أكثر من اسم، يعني مثلاً سورة غافر تسمى سورة إيه المؤمن، لماذا؟ لأن فيها ذكر مؤمن لفرعون. مثلاً سورة زي التوبة لها أكثر من 10 أسماء: التوبة، والفاضحة، والكاشفة، وأشياء أخرى. في لعله تنبيه وتعليم من ابن عباس لتلميذه سعيد بن جبير -طبعا سيد التابعين- إلى أن هذه السورة لها اسم آخر. هذا قول بعض العلماء. وقال آخرون، ومنهم الإمام ابن حجر في فتح الباري، قال: أراد ابن عباس أن ينبه الأذهان إلى أن الحشر الموجودة في هذه السورة ليس المقصود به يوم القيامة، وإنما قصد به الخروج، يعني حشر بني النضير يعني خروج بني النضير.

تمام، فلذلك السورة تتحدث عن خروج بني النضير. وكنت قبل سنوات يعني مع المهندس فاضل سليمان حفظه الله، وكان قائماً على ترجمة القرآن الكريم إلى الإنجليزية، فذكر لي أنه يميل إلى ترجمة الحشر في اللغة الإنجليزية بمعنى الخروج، وذكر لي وجهاً لم أره في كلام العلماء؛ قال: الغربيون يفهمون حين يقرأون الكتاب المقدس، أول ما يطالعهم سفر الخروج؛ سفر الخروج يعني إخراج اليهود من مصر مظلومين مضطهدين مع موسى عليه السلام. قال: فناسب أن تترجم لهم هذه السورة بالخروج لكي تكون مشهداً لخروج اليهود بعد أن كانوا هم الخائنين الظالمين. فلذلك ترجمه على هذا المعنى، وطبعا استشار في ذلك بعض العلماء. ولكن يعني أذكر ذلك لأن هذا معنى جديداً في فكرة إفهام الناس غير المتحدثين بالعربية أنه الحشر المقصود في هذه السورة غير الحشر الذي هو بمعنى يوم القيامة.

ولا ريب أن هذا ألصق بموضوع السورة، لأن موضوع السورة كله على بني النضير. وهذا يا جماعه بالمناسبه هذا من لا أقول من إعجاز القرآن ولكن أقول لعله أعظم أبواب إعجاز القرآن، اللي هو مسألة أنه القرآن هو نفس اللفظ هو نفس العبارة نفس الآيات لم يتغير فيها حرف ولكن كل قوم إلى قيام الساعة يفهمون منه ما يناسب عقولهم ومستجداتهم. يعني الآية يفهمها أهل القرن الأول بفهم، ثم يفهمها أهل القرن السابع بفهم لا يخالف الفهم الأول ولا يناقضه، ويفهمها أهل القرن الخامس عشر كالذي نحن فيه بفهم ثالث لا يناقض أيضاً فهمه، والعبارة هي العبارة واللفظ هو اللفظ.

يعني مثلاً على فكرة أشد ما يظهر فيه هذا الباب من أبواب الإعجاز هو الإعجاز العلمي والإعجاز التاريخي في القرآن الكريم. الآية هي الآية، يعني مثلاً قول ربنا تبارك وتعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ. تنظر في تفاسير القدامى تجد أنهم يقولون إيه: هذا من علامات القيامة، علامات القيامة البحور البحر إيه يسجر يشتعل ناراً، تمام. ثم تنظر في الجماعة المهتمين بالإعجاز العلمي يقول لك لا، تحت أعماق المحيطات هناك براكين ودرجات حرارة مرتفعة تصل إلى 1000 درجة، ومن إعجاز الخلق وتوازنه أنه لا النار قادرة على تبخير الماء ولا ماء المحيطات قادر على إطفاء النار، وهذه حين تثور هذه البراكين ربما تكون الجزر ما يسمى الجزر البركانية. طيب ما هو اللفظ اهو! لكن قوم لم يكن عندهم علم بالصدع في قعر المحيطات فسروها بانها من يوم القيامة، وقوم عرفوا ذلك ففسروها واللفظ واحد ولا يختلف المعنيان.

قوله تبارك وتعالى أيضاً: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ. تمام، يفهمها المعاصرون على أنها إيه حركة الأرض؛ هذه الجبال التي تبدو راسخة هي في الحقيقة تتحرك كما يتحرك السحاب. طيب كيف فهمها القدامى؟ فهموها على أنها من علامات القيامة أيضاً، كقوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ۝ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا. يعني الجبال تنسف وتنتهي. واللفظ هو اللفظ والمعنيان لا يختلفان ولا يتناقضان، وإنما اللفظ يحوي على أسرار لا يكتشفها القوم إلا حين يتطور علمهم.

قول الله تعالى مثلاً: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ. القدامى كانوا يفهموها إيه تعاقب، يكور الليل على النهار نهار يكور النهار على الليل تعاقب، كل يطلبه حثيثاً. فأمر مفهوم اهو في نفهمها نحن بعد أن تثبت لنا كروية الأرض على أساس أنه إيه كلاهما يشكل مشهد الكرة، يكور الليل على النهار نصف الكرة نهار ونصف الكرة الأرضية ليل وهكذا.

وهو يظهر ذلك أيضاً في الإعجاز التاريخي، يعني مثلاً أذكر لكم أيضاً المثال المشهور الذي نتكلم فيه: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ۝ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا... إلى آخر الآيات. المفسرون طوال القرون يتصورون ويفهمون هذه الآية على أنهما إفسادان قديمان، تمام. لكن حين نشأت إسرائيل وتاسست في ديارنا وراينا ما فعلوه من الإفساد ومن العلو في الأرض يكاد يتفق المعاصرون على أن هذا هو الإفساد الثاني، ويعضدون ذلك بقوله: وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. تمام. طيب الآية الموازية لها في آخر سورة الإسراء: وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا. كيف فهمها الاقدمون؟ فهموها على أنه إذا جاء وعد الآخرة يعني اليوم الآخر جمع الناس كلهم في أرض الشام اللي هي أرض المحشر. طيب كيف يفهمها المعاصرون الآن؟ انه هذا المجيء لفيفاً هو إنشاء هذا الكيان، وعد الآخرة هو إنشاء هذا الكيان، ولا تدري ما الذي سيكتسبه القادمون من العلم فيفهمون به من المعاني التي غفلنا عنها أيضاً.

فالقصد هنا هذا من إعجاز القرآن الكريم؛ اللفظ هو اللفظ واللفظ متسع لمعاني كثيرة، ويفهمه كل قوم بما عندهم من العلم ولا يختلفون في ذلك. وهذا نص لا تجد ولا يمكن لأحد أن يصنع مثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا.

تمام، طيب، على كل حال فهذه السورة أيضاً نحن الآن ذكرنا أن اسمها الحشر وأن أول الحشر هو مثال من أمثلة الخلاف في التفسير على هذا النحو الذي ذكرت لكم لأنه أمر تاريخي. كذلك في هذه السورة تجد خطاً كأنه خط موازي لموضوع السورة وهو خط حديث القرآن في هذه السورة عن القلوب. يعني من أولها إلى آخرها تجد إيه نبضات متصلة في مسألة القلوب، يعني مثلاً تبدأ بـ: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ... إلى قوله: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. يبقى بدات بايه؟ بدات بقذف الرعب في قلوب اليهود. ثم مضت السورة تتحدث عن قلوب المؤمنين، قلوب الكافرين من أهل الكتاب، قلوب المنافقين، ثم عن إصلاح القلوب. يعني ترى المسلمين قلوبهم قلوب رقيقة مطمئنة: مُهَاجِرُونَ صَدَقُوا وَهَاجَرُوا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وانصار قلوبهم سكنت في الإيمان -مش سكنها الإيمان، سكنت في الإيمان- وأتباعهم قلوبهم تفيض بالمحبه والولاء: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا. وهؤلاء الذين قذف الله في قلوبهم الرعب إنما كان ذلك لأن قلوبهم قاسية، حتى أنها لتخاف من المشهد أكثر من خوفها من الله: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ. وآخر السورة: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. فكان السر هو سر إيه سر القلوب. فهذا خط متصل في هذه السورة.

ولذلك لو احنا الآن نتكلم عن السورة ونحاول أن نَفْهَمَ ما فيها سنجد أن هذه السورة بدأت وانتهت بحمد الله وتقديسه وتمجيده: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ۝ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ. طيب آخرها: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ۝ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

فأول الآية أول السورة كآخر السورة. وهناك يعني تكرار العزيز الحكيم هنا في هذا الموطن يذكر بعض العلماء حكمة فيه؛ العزيز بمعنى القوي القادر، الحكيم بمعنى مفهومه تمام المدبر الحكيم. قالوا: واقتران العزة بالحكمة هو من صفات الله تبارك وتعالى، لأن العزة بغير حكمه ظلم وطغيان؛ لما تلاقي واحد قوي متجبر بغير حكمه ما الذي يحصل؟ ظلم وطغيان. طيب الحكمه من غير قوة ضعف وخور وذلة ومهانة. يرى الجبناء أن العجز عقل وتلك خبيئة الطبع اللئيم، وكل مزية في المرء ترجى ولا مثل الشجاعة للحكيم. دي كلمة المتنبي.

فربنا تبارك وتعالى اختص أو ذكر هاتين الصفتين في موقع نصر المؤمنين ليدل على أن على أنه في نصره هذا كان قوياً على الكافرين وكان حكيماً ومدبراً للمؤمنين، وسياتي معنا أيضاً كلام في ذلك.

صلوا على النبي يا جماعة. لو احنا الآن حابين نختصر هذه السورة، ماذا تقول؟ أنا الآن أريدكم أن تتخيلوا الصحابة الذين انتصروا الآن على بني النضير وأخذوا يعني أخذوا غنائمهم وأموالهم، كيف يسمعون السورة؟ اسمع معي.

السورة تبدأ بذكر النصر الكبير، الذي لا أقول يعني صياغة القرآن في هذه في هذا النصر ليس أن الله دعم المؤمنين فنصرهم أو أنه أنزل نصره عليهم، لا ليس ذلك. السورة جوها أن الله انتصر؛ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ. وليس مثلاً فأتهم جند الله أو فارسل الله عليهم جنده، لا: فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ۝ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ۝ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقَّ اللَّهَ... بس: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. يعني المتوقع من يقرأ خاتمة الآية يقول إيه: ومن يشاق الله ورسوله. لكن لا، فربنا تبارك وتعالى وهو يصف هذا النصر للمؤمنين ويصفه لنا من بعدهم، كان الله هو الذي يقاتل بنفسه، ليس عن جهد من المؤمنين ولا عن حضور من المؤمنين! وهذا يناسب آخر السورة في أن الله تبارك وتعالى انفرد بذكر صفاته هو: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ۝ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ. فأول السورة واخرها وكأن الله تبارك وتعالى انفرد يعني قاتلهم بنفسه، وكان وجود المؤمنين لم يكن إلا ستاراً شفافاً للقدرة الإلهية.

تمام، طيب، فبالتالي السورة بدأت كالاتي: الله تبارك وتعالى نصر المؤمنين. لماذا؟ لأن هؤلاء الكافرين شاقوا الله ورسوله، ومن فعل ذلك فسياتيه العقاب لان الله شديد العقاب. طيب، حيث أن هذا النصر كان هدية من الله تبارك وتعالى للمؤمنين، فما الذي حصل؟ المال المكسوب من هذه الحرب لا يقسم على المؤمنين، وإنما -شوف بقى هنا اللفته الجميله جداً-: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ.

فلله، هل ربنا يصل إليه من مال الناس شيء؟ هل يصل إليه من غنائم الناس شيء؟ لكن سبحان الله جل جلاله علا وتقدس وضع نفسه مع الفقراء واليتامى والمساكين وابن السبيل تشريفا لهم وتكريما لهم ورفعا لهم، ولكي يغل يد الطامعين عن هذا المال؛ المال اللي أنت ممكن تراودك نفسك في أن يكون لك منه نصيب ده مال مين؟ مال الله، مع أن الله لا يصل منه لا يصل إليه منه شيء: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ.

طيب، يبقى إذا الله تبارك وتعالى نصر الله تبارك وتعالى عاقب. الفيء اللي هو المال المجلوب من غير قتال هو مال تبارك وتعالى ينفقه رسوله في مصالح المسلمين. طيب فين مصالح المسلمين دي؟ ثلاث مصالح: للفقراء المهاجرين، اثنين للانصار الفقراء برضه، والذين جاؤوا من بعدهم رقم ثلاثة في مصالح المسلمين القادمين: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ.

ولذلك ها هنا سيدنا عمر لم يقسم أرض سواد العراق بين الفاتحين. ليه؟ لأنه هذه الآية جعلت من مصالح المسلمين مصالح الأجيال القادمة. قال: لولا الآخرون ما تركت قرية فتحها الفاتحون إلا وقسمتها عليه. لكن لما سيدنا عمر يقسم الأراضي الخصبة الهائلة على مجموعة من الجند فيمتلكونها، ثم يأتي المسلمون بعد ذلك فلا يجدون موارد مال، فيكون بهذا قد إيه حرم هؤلاء الذين جاؤوا من بعدهم! تمام.

طيب يبقى قلنا هؤلاء المسلمين ثلاثة أقسام: مهاجرون، وأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم. طيب ما سوى هؤلاء الثلاثة أعداء؛ الأعداء دول قسمين: قسم الذين نافقوا، وقسم الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين. فلذلك تبدأ السورة في الحديث عن التحالف بينهما، تمام. وكلا هذين القسمين يكون بينهما تحالف، ولكنه سرعان ما ينقلب إلى إيه إلى خذلان: لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ. بل قال ربنا تبارك وتعالى بان هذه العلاقة تشبه علاقة الإنسان بالشيطان: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ. فر المنافقون قالوا لبني النضير إيه ابقوا، فلما كفر لما بقي قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين.

هنا يعني قد يسأل سؤال.

طيب، كيف هؤلاء أهل كتاب؟ يعني هؤلاء أهل كتاب، عندهم نبوات، عندهم كتاب. كيف انقلبوا إلى أن يكونوا الذين كفروا من أهل الكتاب؟

كذلك المنافقين، طب المنافقين دول يتغطون بالإسلام، ويجلسون في مجالس المسلمين، ويسمعون القرآن، ويسمعون وعظ النبي، وهو أكرم الناس وأكمل الناس. يعني ما فيش حد سيؤثر في الناس كما كان يؤثر النبي صلى الله عليه وسلم في الناس.

طيب، إزاي المنافقين دول لم يهتدوا، وإزاي أهل الكتاب دول تحولوا هذا التحول؟ هنا يشير الله تبارك وتعالى إلى السر، وهو قسوة القلوب. طيب قسوة القلوب ليه؟ علشان في طول أمد. طيب نحل الموضوع ده إزاي؟ بالمحاسبة، وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، واتقوا الله. وبالتعلق بالقران، لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا. وبتقديس الله وتذكره دائماً، لأن من تذكر هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى حافظ على قلبه من أن يطول عليه أمد الغفلة والنسيان وأن يقسوا.

هذه يا جماعة مختصر إيه؟ مختصر سورة الحشر، يعني لو أدرجناها في قصة واحدة، تمام. طيب، نحتاج إلى أن نتكلم في وقفات بقى، وقفات سريعات تهمنا في هذا الأمر، وأرجع وأقول أحب أن نستقبل القرآن الكريم كما استقبله الصحابة الأولون، وكما استقبله هؤلاء الذين عايشوا هذا النصر. يعني كيف كان الذي يعايش النصر كيف كان يستقبل هذه الآيات؟ صلوا على النبي.

أول شيء، شوف الـ نحن ذكرنا المؤرخين وهم بيتكلموا في الأسباب والتفاصيل هيقول لك: اليهود حاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم رسالة بالإنذار بالخروج، المنافقين الـ أرسل لهم أن يبقوا امتنعوا، النبي جـيش لهم الجيش، حاصروهم خمس عشرة ليلة، هؤلاء خافوا فاتفقوا على اتفاقية الجلاء.

هذا هذا حديث المؤرخين، أصحاب النظرة المادية الذين يرون الحوادث ولا يعرفون بواطنها، لكن إنـ لكن حين يروي القرآن الكريم هذا الخبر يرويه على نحو آخر، يرويه على نحو أن الله تبارك وتعالى أدار هذه المعركة: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم منَ اللَّه، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله على النحو الذي إيه ذكرناه. فأول موعظة تلقاها المؤمنون من هذه السورة هو أن الله تبارك وتعالى حاضر في كل التفاصيل.

حتى تفصيلة: مَّا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُموهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ. حتى تفصيلة أن المهاجرين تركوا ديارهم وأموالهم، وأن الأنصار كانت لهم هذه النفوس وآثروا على أنفسهم.

تمام، وأن الله تبارك وتعالى يعني إلى آخر السورة، إلى آخر السورة حضور الله تبارك وتعالى في كل التفاصيل. هذه أول وقفه، طيب.

هنا قد يسأل سائل: طيب يا رب حيث إنك حاضر ومطلع وشاهد، لماذا لا تنصرنا بغير جهد؟ لماذا؟ ما احنا كنا في أحد وهزمنا، صح ولا لا؟ وحصل معانا بئر معونة وحصل معانا الرجيع كما ذكرناه قبل ذلك؟ لماذا؟ والجواب أنه هذا هو الابتلاء، هذا هو الامتحان، هذا هو الاختبار، هذه هي الدنيا، لو أن الله تبارك وتعالى دائما ينصر المؤمنين هل كان يبقى فيها كافر؟ هل كان يبقى فيها منافق؟ لابد إذا من وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ، لابد. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ.

كما ذكرناه في غزوة أحد، قلنا: لماذا يهزم الأنبياء؟ لانه لو انتصر الأنبياء طرداً كان كل الناس اتبعت الأنبياء، لكن لابد أن تكون هناك فتنة للمؤمنين، وتكون هناك فتنة أيضاً حتى للكافرين.

طيب.

الوقفة الثانية، وهذه وقفة مهمة جداً، وليس فيها تناقض بين ما ذكرته في أول المجلس، علشان يعني إيه أنا أعفرمـ من سيعلق على هذا. الله تبارك وتعالى حين وصف أمة المسلمين قسمهم ثلاثة أقسام: مهاجرين، وأنصار، وقوم جاؤوا من بعدهم يحبون المهاجرين والأنصار، هم دول المسلمين.

فلذلك هذه الآية من أعظم الأدلة في ضلال الشيعة والخوارج والنواصب. هذه الآية من لأنه إيه ا مثلاً يعني أهل التفسير يقولون: هذه الآية استغرقت المؤمنين، فمن جاء بعد ذلك لا يرى للسابقين الدعاء والمحبه والرحمة فليس من هؤلاء المسلمين، تمام.

أنت دلوقتي عندك الشيعة يبغضون الصحابه بالذات أبو بكر وعمر طبعا وعثمان طبعا وطبعا واشد من ذلك معاوية وعمرو وسائر من كان مخالفا لعلي رضي الله عنه في زمان الفتنة. طيب عندك الجماعة الخوارج، يعني الشيعة يكفرون أبو بكر وعمر، الخوارج يكفرون عثمان وعلي، تمام. طيب عندك النواصب يبغضون عليا وال البيت ومن كان معه نصرة لمعاويه وعمرو بن العاص وعائشة وطلحة والزبير.

فهذه الآية من أعظم أدلة ضلال هذه الفرق كلها، ولذلك حتى الإمام مالك ورؤية عن الإمام أحمد كان يقول: من يشتم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فليس له سهم في فيء المسلمين، لأنه الفيء يقسم على هؤلاء الإيه هذه الأصناف الثلاثة.

ولذلك طبعا أنا ذكرت أنه جمهور العلماء جمهور العلماء على أنه الشيعة مسلمون ضلون، وكذلك الخوارج وكذلك النواصب، يعني ولكن من العلماء أيضا من جعل هذ هؤلاء الثلاثة كفاراً، ولكن المساله خلافية، ولكن جمهور العلماء على أنهم مسلمون مبتدعة وضلون. الذين استدلوا بتكفير الشيعة استدلوا بهذه الآية، تكفير الشيعة والنواصب والروافض استدلوا بهذه الآية أنه بنص هذه الآية خرجوا من إيه من جملة المسلمين، تمام.

لكن بالطبع يعني احنا مش في درس فقه ولا في موضع تحرير المسألة، ولكن القصد هنا أن هذه الآية آية عظيمة جداً في بيان أن من الضلال بغض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الأصل في من جاء بعد المهاجرين والأنصار أن يقول: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا.

وأنا أتصور الصحابي الذي سمع هذه الآية، هذه كانت من أعظم الأدلة على كرامة الصحابة عند الله، أن حب الصحابة يبقى علامة من علامات الإيمان لكل أجيال المسلمين.

يعني تخيل الصحابي وهو يرى أنه إلى نهاية المسلمين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، حبه علامة من علامات الإيمان أو من علامات الإسلام، طبعا هم كانوا أجل وأكبر من أن يغروا بهذا، بل كان كل واحد منهم يخشى على نفسه النفاق ويخشى أن يفتن ويخشى أن يرتد، وهكذا وكـ تعرفون.

لكن من سمع يعني هذه الآية من أجل الآيات في كرامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ربهم وعلى المسلمين، ولذلك من طرائف هذه الآية، وهذه قالها الإمام الكبير الإمام الشعبي، إمام أهل العراق في وقته، قال: فضلت اليهود والنصارى على الروافض بخصلتين، فإن اليهود إذا سئلوا من خير الناس بعد موسى قالوا: أصحاب موسى، وإذا سئل النصارى عن خير الناس بعد عيسى قالوا: أصحاب عيسى، وإذا سئل الرافضة عن شر الناس بعد محمد قالوا: أصحاب محمد. فهذا وجه من وجه بديع من بيان ضلالهم.

وللشيخ المتاخر المعاصر الذي توفي يعني قبل 20 سنة 26 سنة الشيخ الكبير أبو الحسن الندوي رحمه الله له كتاب صغير لطيف جداً اسمه صورتان متضادتان، اللي هي صورة الصحابه في كتب أهل السنة وكتب أهل الشيعة، صورة الصحابة عند أهل السنة أنهم خير تلاميذ لخير نبي، أكملوا رسالته من بعده وقاموا بها خير قيام، استكملوا الفتوح، أرسلوا الإيمان، أدخلوا الناس في دين الله أفواجاً، نقلوا القرآن والسنة، دي صورة الصحابة.

صورة الصحابة عند الشيعة إيه؟ أول من غدروا به، وأول من خالفوا وصيته، وأول من عصوا أمره، وأول من قتلوا أبناءه وآل بيته.

فتشعر من قرأ، يعني لو كنت غير مسلم وقرأت كتب الشيعة، تشعر أن استغفر الله وحاش لله وحاش لرسول الله، تشعر أنه النبي ده كان إيه؟ معلم، مش عارف أقول يعني لا أزرق على قولها، لكن إذا كان ألصق صحابته به وأدناهم إليه وأقربهم إليه قد خانه بعد لحظة وفاته، فأي معلم ذلك؟ فحقاً ضلال الشيعة والروافض والنواصب والخوارج ضلال شديد، ضلال شديد تم.

حتى ابن عباس وهو في مناظرته المشهورة مع الخوارج كان يقول لهم: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين نزل عليهم القرآن وما فيكم واحد منه. لكن أنت لما بيبقى في غلو غلو في الدماغ وضيق في الصدور، يشعر الواحد منهم أن أشد تقوى لله وأشد خشية لله من الصحابة الذين نزل عليهم القرآن والذين عاشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تمام.

طيب، فعلى كل حال أنا يعني أذكر ذلك لكلمة الإمام الشعبي، وكذلك من الوقفات التي يعني لا أمر أمر عليها سريعا الآن، لأنه هذه خفتت، وهي ضرورة السنة النبوية، وذلك قوله تبارك وتعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.

يعني هذه طبعا حين كنت في يعني قبل 10 15 سنة، هذه كانت فتنة كبيرة، الآن حقيقه أشاعر أنها خفتت إلا ما يكون من المنظمات التي تدعمها الإمارات مجتمع والجماعة التعبانين دول، هؤلاء هم الذين ما زالوا يحاولون، لكن لا يعني على حد ما أتابع على الأقل لا أشاعر أن هذه الشبهة منتشرة كالنحو الذي كانت منتشرة عليه.

طيب، الوقفة التي بعدها يا جماعة الخير هو حديث القرآن الكريم عن المال، حديث القرآن الكريم عن المال، وذلك كما هو في توزيع الفيء ذكرناه قبل قليل، وككما في مدح الانصاري لأنهم كانوا خالين من البخل.

قال تعالى عن الأنصار: وَالَّذِينَ تَبَاوَءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا مش مستثقلين الانصـ المهاجرين.

وهذا والله العظيم شيء صعب على فكرة، وكل واحد فينا لو سال نفسه كم ترضى كم تتحمل، بلاش كم ترضى وكم تحب خلينا نقول كم تتحمل أن ينزل في بيتك مهاجر؟ كم ترضى؟ كم تنفق عليه؟

احنا الان بنتكلم في السنة الرابعة للهجرة يا جماعة، والنبي لما خير الأنصار بين أن يوزع الغنائم على الجميع، وأن يختصها بالمهاجرين عشان يطلعوا من دور الأنصار، الأنصار قالوا: بل وزعها عليهم ويبقون في بيوتنا. رهيب، مشهد رهيب يعني الأنصار علامة الإيمان حب الأنصار، لن تجد قوما فعلوا لدينهم مثل ما فعل الأنصار.

فلذلك ربنا يقول: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وهذه الآية تكررت وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

والقرآن القرآن فيه كثير والسنة فيها كثير من الآيات والأحاديث التي ذمت البخل، تمام. يعني قوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وهل يكون البخيل سيدا؟ لما قالوا له من سيدكم؟ قالوا: فلان غير أنه بخيل. قال: وهل يكون البخيل سيداً؟ وفي حديث اختلفت روايته هل هو من كلام الراوي أم من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وأي داء أدوى من البخل؟ يعني في مرض أشد من البخل ما، تمام. وكثير من الآيات والأحاديث يعني ما نطيل بذلك.

ولكن ومن اللطائف أيضاً، وهذا حقيقية هذه لفته جميلة استفدتها من شيخنا الشيخ أبو قتادة عمر أبو عمر حفظه الله، كان يقول: تأمل في تسمية الماء المال المغنوم من الكفار بغير قتال فيئاً، فالفيء هو العودة إلى الأصل، الفيء هو الايه إيه العودة إلى الأصل، فكان المال لم يؤخذ منهم ولكن كأنما عاد إلى أصحابه، وذلك أن أهل الكفر إذا امتلكوا المال أفسدوا الدنيا.

إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليه؟ ليصدوا عن سبيل الله، طالما في مال يبقى إيه؟ في صد عن سبيل الله، ولذلك سيدنا موسى كان يقول: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ.

فيقول الشيخ حفظه الله إنه تسمية الفيء، تسمية هذه هذا المال فيئاً، يعني مالاً رجيعاً مالاً عائداً، هو دليل على أن الكفار إذا امتلكوا المال فإنهم يفسدون، طبعا احنا في عالم يعني إيه مش محتاجين ندلل فيه على هذا، تمام. أموال، لا أقول أموال الكفار بقى، أموال الكفار وعملاء الكفار تنفق في حرب المسلمين وفي إفساد المسلمين.

طيب، وفي هذه السورة هذه وقفة أخرى: حفاوة من الله تبارك وتعالى لهذا التألف والتناغم والتماسك بين المسلمين.

أنت عندك فقراء مهاجرين، فقراء مهاجرين تركوا يعني ده هذا فقر اختياري، تركوا ديارهم وأموالهم ليه؟ يبتغون فضلا من الله ورسول يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون.

ناس كانوا قاعدين في ديارهم سادة في قومهم ولكن حصل إيه؟ جاءهم الإسلام ففرغهم من كل ما كانوا فيه من مزايا فخرجوا لا يملكون لا أموال ولا ديار، فاستقبلهم الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان.

مما يروى أن أبا بكر رضي الله عنه قال للانصار: ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال كما قال القائل، ذهب عني والله يا جماعة، طيب كان شعراً جميلا. اللهم صل على محمد. يلا هفتكره إن شاء الله.

فـ طيب حتى الذين لم يدركوا المهاجرين والأنصار يحبـ جاؤوا من بعدهم يقولون: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا. فالأصل أن مجتمع المؤمنين إيه؟ متألف متماسك. في مقابل مجتمع الكافرين: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ. وفي مقابل الحلف الموهوم: لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُورُهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ. فهذه إشارة ووقفة لـ المسلمين.

الوقفة الأخرى، وهي التي أشرنا إليها إشارة سريعة قبل ذلك.

تحذير الله تبارك وتعالى المؤمنين من أن يتركوا المحاسبة؛ لأن ترك المحاسبة يؤدي إلى قسوة القلب، وقسوة القلب هي التي أدت باليهود إلى أن يكونوا كفاراً من بعد ما كانوا أهل كتاب واتباع نبي.

وذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ، إيه اللي ما بيحاسبوش دول بيحصل إيه معاهم؟ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ.

لو توقفت مع آية: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، تجد أنها شبيهة جداً بآية سورة الحشر، وذلك قوله تعالى يعني شوفوا يا جماعة آيات سورة الحشر كالاتي: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.

دي آيات سورة إيه؟ شبيهة جداً بآيات سورة الحديد، وهي قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، يحيي الأرض بعد موتها يعني يحيي القلوب بعد موتها كما يحيي الأرض بعد موتها، كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ.

فمسألة المال دي مسألة شديدة الحساسية في موضوع القلب. الإنسان لما يقسو، لما يترك محاسبة نفسه ويقسو قلبه، ويتعرض للدنيا، يتعلق بها. أهل الكتاب قال ربنا فيهم: وَلَتَجَدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ. في الآية الأخرى قال تعالى: لعنوا، وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم بخلوا ولعنوا بما قالوا. تمام.

بقي معنا وقفة لكن الوقت انتهى، إن شاء الله نستكملها في المجلس القادم. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. والسلام عليكم ورحمة الله.