تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 33. مؤسسو الدولة الإسلامية.. كيف كانت نهايتهم؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله، وعليكم السلام. بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملي كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.

مرحباً بكم أيها الأحباب، طُبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.

هذا هو المجلس الثالث والثلاثون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند، هل يذكر أحد شيئاً؟ عند تسرب خبر بيعة العقبة الثانية إلى قريش، وجاء وفد قريش إلى وفد يثرب يسألونه الخبر.

لكن قبل أن أدخل في هذا الأمر، كان مما فاتني ذكره في المجلس الماضي لفتة مهمة عن الأنصار الاثني عشر الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى. نحن ذكرنا أن هؤلاء هم اثنا عشر فعلاً، وقضوا سنة صاروا سبعين أو أكثر من ذلك، وذهب معهم مصعب بن عمير وكانوا يقيمون الجمعة، وذكرنا كل ذلك.

والذي فاتني ذكره هنا، وهو مما يضيف إلى عظمتهم عظماً أخرى، أن أول الذين هاجروا إلى المدينة، أول الصحابة الذين هاجروا إلى المدينة قطعاّ هو سيدنا أبو سلمة. سيدنا أبو سلمة، تمام! سيدنا أبو سلمة هاجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة الثانية بسنه.

يبقى إذاً، هو حين هجر إلى المدينة قبل بيعة العقبة الثانية بسنة، فعلى من نزل؟ يعني من الذين كانوا ملجأه؟ من الذين كانوا مضيفيه؟ من هؤلاء الاثني عشر؟ يعني هؤلاء الاثني عشر سرعان ما تحولوا يا جماعة في المدينة إلى مكان النجاشي في الحبشة، يعني صار يمكن أن يهاجر إليهم من المسلمين المستضعفين بمكة الذين يفرون بدينهم، وهم قد بايعوا بيعة الإسلام قريباً، تمام!

فهذا مما يعطيك تصوراً عن كيف كانت همة هؤلاء، وكيف كانت عظمتهم، وكيف كان بذلهم للدين، أنهم في هذه اللحظات الأولى كانوا ملجأ لمن يريد أن هاجر إليهم، تمام! فهذا يعني أرجو أن لا ننساه، لأننا ندرك بذلك ما هي نوعية هؤلاء الأنصار الذين انتقلوا في خلال سنة واحدة، كما قلنا في المجلس الماضي، من بيعة الإسلام والإصلاح، الصلاح الشخصي، التكاليف الشخصية إلى بيعة الجهاد والنصرة والدولة، وكيف أنهم كانوا المركز الذي بنيت عليه دعائم دولة الإسلام في المدينة.

طيب، سيدنا أبو سلمة لقصه هجرته حكاية مؤثرة إن شاء الله سناتي إليها فيما بعد ونحن نتناول هجرة الصحابة، لكن الآن نستكمل الحديث عما جرى في بيعة العقبة الثانية.

ذكرنا أن الخبر تسرب، وجاء وفد قريش إلى وفد يثرب صبيحة اليوم التالي لبيعة العقبة، وقالوا لهم: يا معشر الخزرج! وذكرنا أن العرب كانت تسمي أهل المدينة أوساً وخزرجاً، تمام! وذكرنا أن ذلك لأن الخزرج كانوا أكثر أهل المدينة.

فقالوا لهم: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا. طيب، والله إنه ما من العرب حي أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم، تمام!

طيب، فما الذي حصل؟ يقول سيدنا كعب بن مالك الراوي قال: فانبعث من كان منا من المشركين يحلفون بالله أن هذا ما كان. وهو دلوقتي ذكرنا أن السبعين تسللوا بالرجل والرجلين إلى أن بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، بقية الناس لم يشعروا. فانبعثوا يحلفون بأن هذا ما كان، وأن يعني هذا لم يحدث ولم نعلم به. يقول: وصدقوا، فإنهم لا يعلمون، أما نحن فصار بعضنا ينظر إلى بعض ونسكت، فذهب القوم.

وقد رواية أخرى تذكر أن كان هذا الوفد فيه الزعيم المرتقب للمدينة، الزعيم الذي كادوا ينعقد، يعني كانوا يعقدون له التاج، كادوا يجتمعون عليه وهو عبد الله بن أبي بن سلول. فعبد الله بن أبي بن سلول استغرب لما سمع وقال: يعني والله إن هذا الامر جسيم، يعني أن هذا الأمر عظيم، جسيم يعني كبير الجسم، المعنى الحرفي له كبير الجسم، فهذا الأمر جسيم، يعني هذا الأمر كبير، هذا الأمر عظيم، وما كان قومي (موسيقى) يعني لم يكن قومه ليتفوه علي، يقول: يعني ما كان يمكن أن يفوت علي مثل هذا الأمر لو أن قومي فعلوه.

طيب، هنا صدقوهم وانصرفوا عنهم. طبعا نحن حين ننظر في هذا، أول ما نستفيده يا جماعه الخير، أنه الخبر الخبر الذي كان يحمله سبعون من الناس، لم يعرف به هذا الوفد من المدينة، وانبثق واندفعوا يحلفون أن هذا ما كان.

طبعا يعني أي إنسان يعرف أنه صعب جداً جداً جداً أن خبراً يعرفه سبعون يعرفه سبعون ولا يتسرب، صعب جداً! حتى يعني طفق يقال في الناس أنه إذا المر يعني إذا السر عرفه آخر لم يصر سرا، تمام! ومما يقال في هذا، يعني في أحد الشعراء ضجر من أنه كلما استودع سرا عند أحد وجده مفشواً فاشياً، فقال: إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه، فصدر الذي يستودع السر أضيقه.

فطبعا نحن الآن أمام كفاءات عالية حقيقة في أنه الخبر لا يتسرب، مع أنهم أكثر من الستين، احنا ذكرنا سبعون أو واحد وسبعين أو اثنين وسبعين ومعهم امراتان، فاحنا بنتكلم في حدود 75. فهذا حقيقة مما يثير الإعجاب أيضاً لهؤلاء الأنصار.

طيب، وذكرنا أيضاً أن هم 70، وأن هؤلاء السبعين ذكرنا في المجلس الماضي أن هؤلاء السبعين هم الذين ذهبوا إلى المدينة في حديث جابر قال: فاتمروا بينهم قالوا: حتى متى نترك رسول الله يطرد في جبال مكه ويخاف؟ فذهب إليه 70 رجلا منا. يبقى هؤلاء السبعين ذهبوا هم الذين، لكن مثل هذا الموقف يحكي لك أن هؤلاء السبعين لم يكونوا أيضاً يعني متمكنين من الأمر في في المدينة، يعني أمر أنهم كانوا سرا وبايعوا النبي سرا وهناك يعني وفود من أهل المدينة كبرائهم وزعمائهم وفيهم عبد الله بن أبي بن سلول وهؤلاء لا يعرفون، أيضاً هذا يعطيك أن هؤلاء القوم السبعين المبايعين لم يكونوا متمكنين من أمر المدينة، يعني لم يكونوا متمكنين من أمر المدينة.

ومع ذلك ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستدعونه، وراينا شجاعتهم في بيعة العقبة الثانية وهو يقول: خذ لنفسك ما ترضى يا رسول الله، خذ لنفسك ولربك ما ترضى، والله لا نقيل هذه البيعة، نحن أهل الحروب ونحن أهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر، أمط عنا يدك يا أسعد فوالله لا نقيل هذه البيعة ولا نستقيل. يعني كل هذا وما يزال وضع المدينة ليس ممكنا لهم.

شوفوا يا جماعه الخير، قيام الدول يحتاج إلى الجاسور المغامرين، يعني لا يمكن أن تقوم دولة على أكتاف الناس الحكماء العقلاء الفلاسفة والباحثين والمفكرين، الناس دي لا تقوم على أكتافهم دولة. تقوم الدول على أكتاف الرجال الذين عنده لهم القدرة على الجرأة، القدرة على الجسارة، القدرة على التحدي. ونحن ذكرنا قبل قليل كيف أنه 12 رجلاً منهم فقط كانوا مستعدين أن يستقبلوا مهاجراً زي سيدنا أبو سلمة، ويستقبلوا سفيراً زي سيدنا مصعب بن عمير، ويقيم الجمعة في المدينة، تمام! فهذا أيضاً مما يعطيك تصوراً عن نوعية هؤلاء الرجال.

طيب، ف حقيقة هنا من اللفتات الجميلة التي أتذكرها لشيخنا وسيدنا الشيخ الأسير البصير فضيلة الشيخ حازم أبو إسماعيل، فك الله أسر الشيخ حازم أبو إسماعيل، يعني وجدت عنده لفتة لم لم أقرأها عند غيره. هو يقول: الآن النبي صلى الله عليه وسلم بايع السبعين فرداً فرداً، تمام؟ وبعدما بايعهم قال لهم: اخرجوا إلي اثني عشر نقيباً منكم. طيب، الشيخ حازم بيقول: لماذا لم يقل للنبي صلى الله عليه وسلم استخرجوا 12 نقيباً أولاً، يبايع، يعني بدل ما يبايع الـ70 يبايع كـ12؟

الشيخ حازم يقول: لا، هنا يجب أن تعلم أن التكليف مهمة فردية. التكليف مهمة فردية. البيعة البيعة على العمل أمر فردي، كي لا يأتي أحد مثلاً ويقول: والله أنا ما كانش عاجبني الموضوع ده، لكن يعني كبار قومنا بايعوا فبايعت معهم في جملتهم، وبيعت ولم أكن موافقاً أو لم أكن راضياً. البيعة تكليف فردي، لكن تنظيم العمل بعد ذلك، تنظيم العمل هو الذي يكون بهذا الشكل الجماعي والشكل المنظم.

وهذه لفتة مهمة جداً حقيقة يا جماعة الخير، كل إنسان فينا مكلف فرداً أن يعمل للدين فرداً. هذا أمر لا يسقط عن الفرد في نفسه، سواء كان في زمن أمن، سواء كان في زمن ضعف أو في زمن خوف، سواء كان في بيئة إسلامية، لم يكن في بيئة إسلامية، كل إنسان مكلف في نفسه بأن يعمل للإسلام.

لكن إذا تحول يعني مكلف في نفسه أن يعمل للدين بقدر طاعته، بقدر طاقته، لكن حين يتكون تنظيم، حين تتكون حركة، حين تتكون جماعة، فهنا لابد أن يدار هذا الأمر بهذا الشكل الجماعي، وإلا إذا لم يكن هناك سمع وطاعة فليس هناك جماعة أصلاً، تمام! وبالتالي فالإنسان لا يسقط عنه التكليف الفردي للعمل للدين طالما في نفسه نفس، طالما فيه روح، لكن إجراء الأعمال بعد ذلك يحتاج إلى تنظيم وتهيئه وسمع وطاعة وانضباط، تمام! واضح يا جماعة الخير؟

بهذا انتهت بيعة العقبة الثانية، ويعني نستطيع أن نقول وضع أساس الدولة الإسلامية، وهذه البيعة حقيقة غيرت التاريخ إلى الأبد، لأن هذه البيعة هي التي أسست الدولة الإسلامية. الدولة الإسلامية هي التي غيرت خريطة القوى في الحجاز وفي الجزيرة العربية، ثم غيرت خريطة العالم كله.

العلماء هنا لهم تسمية لطيفة في بيعة العقبة الثانية، يسمونها بيعة الرجال، قابلها بيعة إيه؟ بيعة النساء، اللي هي بيعة العقبة الأولى. بيعة العقبة الأولى تسمى بيعة النساء، وتسمى (جزاكم الله خيراً بارك الله فيك سلمت)، يبقى بيعة العقبة الأولى تسمى بيعة النساء وهي بيعة الإسلام. بيعة العقبة الثانية تسمى العقبة الثانية بيعة الدولة أو النصرة وبيعة الرجال.

حقيقة لأنه النساء غير مكلفات بالجهاد، من المكلف بالجهاد وبالنصرة؟ الرجال. تتذكرون خطاب أبي عبيدة حفظه الله وهو يقول: نحن لا نطلب منكم أن تدخلوا بجيوش لا سمح الله، ولكن هل عجزتم أن تدخلوا إلى غزة بعض الأغذية والأدوية؟

فالدول تقوم على أكتاف الرجال. الدول تقوم على أكتاف الرجال بهذا المعنى الذي نتكلم فيه.

طيب، حقيقة يا جماعه الخير، نحن متفقين أن هذه السلسلة من السيرة نحن لا نتعلم فيها السيرة تعلم الذي يجهلها وبدون أي تواضع، فاني لا أصلح أصلاً لتدريس لا السيرة ولا غير السيرة، والسيرة تكلم فيها من هم أعلم مني بكثير، وما شاء الله كتبهم ومحاضراتهم مبثوثة على الإنترنت، وإنما نحاول من هذه السيرة أن نفهم واقعنا ونفهم كيف يمكن أن نصلحه.

طيب، الآن ونحن نتكلم عن بيعة العقبة الثانية، الآن يا جماعة الخير، لن ياتي لك نبي يطلب بيعة النصرة، الأنبياء ختموا، الأنبياء ختموا ما فيش نبي سياتي ويطلب بيعة النصرة.

لكن كل إنسان يحتاج أن ينظر في نفسه، ماذا يكون رد فعله حين ياتيه رجل صالح، داعية، مجاهد، يطلب منه النصرة والإسناد والدعم، تزكية، مال، جاه، علاقات؟ كل واحد يتامل في نفسه، ماذا سيكون رد فعله إذا جاءه هذا الداعيه، هذا المصلح، هذا المجاهد، مشروع دعوي إصلاحي يحتاج إلى تمويل، يحتاج إلى تزكية، يحتاج إلى علاقات، يحتاج إلى جهد؟

الأنبياء ختموا، ولكن نحن نرى مرآة واقعنا في السيرة النبوية، ونرى في السيرة النبوية مرآة واقعنا أيضاً. ما هو احنا لو عدينا على هذه الأمور دون أن نتوقف هذه الوقفات يبقى لم نستفد من السيرة شيئاً.

يعني تتخيلون يا جماعة الخير أن الذي يبخل الآن بماله أو بجهده أو بنفسه أو بجاهه أو بتزكيته أو بعلاقاته لو كان في زمان هذه البيعة، كان سيكون في المبايعين ولا الناقصين؟ طب ما كل واحد يحتاج أن يقف أمام نفسه هذه الوقفة.

الآن الواحد فينا يراجع تاريخه، يراجع نفسه، إذا لم يكن له تاريخ، يتأمل يتأمل صادقاً في مواقفه: ماذا نفعل الآن في سبيل هذا الدين؟ كم مرة نهض الإنسان منا بنفسه أو بماله أو بجهده، سخر علاقاته، سخر جاهه، اخذ من وقته لكي ينصر داعية أو ينصر مجاهداً أو يساهم في مشروع دعوي؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تؤثر علينا نحن الآن في واقعنا، أما أن نلتحق بركب هؤلاء الصالحين والانصار، وأما أن نكون في المتأخرين، ونعوذ بالله أن نكون في ركب الفارين من الزحف من الذين سخط الله عليهم.

فالان، صحيح ما فيش نبي، لكن لا تخلو الأرض من قائم لله بالحجه، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين. الأرض لا تخلو من دعاة، لا تخلو من صالحين، لا تخلو من مجاهدين، لا تخلو من عاملين للدين. وهؤلاء العاملين يحتاجون إلى كل جهد عند هذا الإنسان المسلم، عندي وعندك وعنده.

فما رد فعلك حقيقة أن أنت إلى أي مدى ستساعد داعياً مجاهداً ناصحاً عاملاً للدين إذا جاء يطلب منك دعمك؟

وهذا الكلام يا جماعة هو في حق كل واحد أولاً، لكنه في حق من آتاه الله من نعمة أشد وأبلغ. هو في حق أصحاب الأموال أشد وأبلغ، في حق أصحاب السلطة أشد وأبلغ، في حق أصحاب الجاه والنفوذ أشد وأبلغ. وهذه هي الاختبارات الحقيقية التي نعيشها اليوم والتي يجب أن لا تفلت منا أبداً، لأنها هي التي تخبرنا حقاً ما مقامنا في السيرة وتخبرنا حقاً أن لو كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هل كنا سنكون في المبايعين أم كنا سنكون في الخالفين.

فأنا أرجو يعني أذكر نفسي واذكركم اننا نتوقف أمام هذه الأسئلة، لا نغادرها حتى ننتقل من يعني أننا نسمع السيرة كحكاية جميلة إلى أننا نعرف مقاماتنا عند الله وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تمام.

طيب، انتهت البيعة، رحل الأنصار، لكن قريش تأكدت من أن خبر البيعة قد تم، فخرجوا يطاردون هذا الوفد من يثرب، فلم يظفروا بهم، لكنهم ظفروا باثنين؛ اثنين كانوا تأخروا في الوفد: سيدنا المنذر بن عمرو، وسيدنا سعد بن عبادة، أما المنذر بن عمرو كان شخصية فيما يبدو رياضية وفارس من فرسان، فركض، فلم يستطيعوا، لكنهم أمسكوا بسيدنا سعد بن عبادة، فجروه من شعره حتى دخلوا به مكة، وربطوه، ودي تقريبا كده تعتبر أول حالة اعتقال في تاريخ الدعوة الإسلامية، أقصد يعني يعني اعتقال على المستوى الدولي يعني، وإلا طبعا فالمسلمين في مكة كانوا معتقلين.

وبينما هو كذلك، طبعا احنا دلوقتي دخلنا في المستوى الدولي، بعض أهل قريش فكوا سعد بن عبيدة من بين أيديهم لأنه كان يجير لهم قوافلهم إذا عبرت على المدينة، مسألة مسألة مصالح؛ لما شعر الأنصار بأن سعد بن عبادة اعتقل رجعوا، لكنهم فوجئوا بأن سعدا قد أطلق سراحه، فعادوا إلى المدينة المنورة.

طيب، ما ينفعش نعبر مسألة بيعة العقبة الثانية دون أن نتوقف وقفة مع الشخصيات أو أبرز الشخصيات التي جاءت في هذه البيعة؛ نحن ذكرنا أنه الستة الأوائل الذين أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم أغلبهم شخصيات مجهولة، وذكرنا أنه الاثنا عشر أغلبهم أيضا شخصيات مجهولة، وحتى السبعين أغلبهم شخصيات مجهولة وغير مشهورة.

طيب، لكن حقيقة في هذه الشخصيات التي نعرفها، مثل أسعد بن زرارة، مثل عبادة بن الصامت، مثل البراء بن معرور، أبو الهيثم بن التيهان، دروس ينبغي أن نتوقف عندها؛ نبدأ بأسعد بن زرارة أبو أمامة أسعد بن زرارة، نستطيع أن نقول هو البذرة الأولى لأنه كان موجود في الستة، وكان موجود في الاثني عشر، وكان موجودا في السبعين، وذكرنا أنه كان من أصغر القوم، مع ذلك كان أكثرهم مبادرة، وذكرنا أنه هو الذي استضاف سيدنا مصعب بن عمير في بيته لما كان سفيرًا، وهو الذي أوصاه كيف يمكن أن يدعو أسيد بن حضير ثم سعد بن معاذ، وذكرنا أنه أول من أقام الجمعة.

ذكرنا حديث سيدنا عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وهو قد شهد أباه سيدنا كعب بن مالك كلما ذهب إلى الجمعة وكان قد كف بصره كان يقوده، وهو إذا سمع نداء الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، لأنه كان أول من أقام لهم الجمعة في المدينة قبل أن يهاجر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، جميل.

وذكرنا في المجلس الماضي أيضا أن سيدنا أسعد بن زرارة هو الذي اعترض البراء بن معرور وهو يبايع النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا معشر الأنصار، أما لنضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، فإما أنتم تصبرون على ذلك وإن إخراجه مفارقة العرب كاف، وأن تعضك السيوف؛ فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك ولكم الأجر، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة فتركوه، فهو أعذر لكم عند الله.

تمام، ده سيدنا مين؟ أسعد بن زرارة.

طيب، سيدنا أسعد بن زرارة هذا مات بعد الهجرة بتسعه أشهر فقط، يعني ايه مات بعد الهجرة بأشهر فقط؟ يعني لم يرى جهادا ولم يجاهد ولم يؤذى ولم يصاب ولا يعني ذاق عض السيوف ولا ذاق مفارقة العرب كافه ولا شيء من هذا كله، بعد الهجرة مات بتسعة أشهر، ومع ذلك فهو في المراتب الرفيعة وفي الدرجات العلا.

لماذا؟ بنيته، بنيته! لأنه كان مستعدا لذلك، تخيل هذا الرجل الذي كان بذرة الدولة الإسلامية لم يعاني شيئا تقريبا في إقامة الدولة الإسلامية، لأنه أول خروج الأنصار إلى الجهاد كما سناتي إن شاء الله وقدر لنا البقاء واللقاء، أول خروج الأنصار في الجهاد كان في غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، في رمضان من السنة الثانية للهجرة، يعني هذا الرجل حين مات بعد تسعة أشهر من الهجرة لم يكن راى جهادا ولا خرج في جيش، نيته فقط يعني دخل الجنة ولم يدفع التكاليف.

سبحان الله، يعني كم في الناس؛ كم في الناس ممن استعرضناه ورأيناهم في حوارات النبي مع بني عامر بن صعصعة وفي حوارات النبي مع بني شيبان ومع كندة ومع همدان، كم في الناس من تردد في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم خوفا من التكاليف ثم مات قبل أن يظهر النبي صلى الله عليه وسلم، مات كافرا! عرض عليه الإسلام، تردد في التكاليف، مات كافرا، وكمان في الناس هذا المثال الذي امامنا سيدنا أسعد بن زرارة أيضا لم يدفع التكاليف ولكنه دخل الجنة فارق النية، فارق الاستعداد.

النصيحة وذكر نفسي واياكم أن ينطوي المرء على نية حسنة؛ الإمام أحمد كان يقول: يا بني انوي خيرا، فما زلت في خير ما دمت تنوي خيرا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: يبلغ المؤمن بنيته ما لا يبلغ بعمله، وقال: نية المرء خير من عمله، النية تكون خالصة، لكن العمل يدخله التقصير، تدخله الأخطاء، ربما دخلته بعض حظوظ النفس، لكن النية الصالحة فلذلك المرء المؤمن يبلغ بنيته ما لا يبلغ بعمله.

طيب، هذا سيدنا أسعد بن زرارة أبو أمامة.

طيب، وبالمناسبه سيدنا أسعد بن زرارة أيضا نال شرفا آخر قليل من الناس يعرفه؛ احنا ذكرنا سيدنا أسعد بن زرارة كان من أصغر القوم في النقباء، وكان نقيبا على بني مازن بن النجار، على بني مازن من بني النجار، طيب، هؤلاء بنو مازن اللي هم من بني النجار، هؤلاء يمتون بصلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

تذكرون في أول مجلس من مجالس السيرة النبوية ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قلنا هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم؛ هاشم هذا تزوج سلمى بنت عمرو النجارية من المدينة، فولدت له عبد المطلب، يعني جد النبي صلى الله عليه وسلم أمه من بني النجار، ولذلك لما ذهبت السيدة آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهبت به إلى المدينة كانت ذهبت تزوره أخواله من بني النجار، فسيدنا أسعد بن زرارة من هؤلاء القوم، لذلك لما مات بعد الهجرة بتسعة أشهر قالوا: يا رسول الله التمس لنا نقيبا، فقال: أنا نقيب.

إذا فنبينا صلى الله عليه وسلم يعني تولى مكانا كان فيه خليفة لمين؟ لسيدنا أسعد بن زرارة رضي الله عنه.

طيب، نذهب إلى الشخصية الثانية المعروفة من هذه الشخصيات التي أسست الدولة الإسلامية، وهو سيدنا البراء بن معرور، وذكرنا أن البراء بناحنا أسعد بن زرارة قلنا كان من أصغرهم، البراء بن معرور كان أكبرهم وسيدهم، وهو الذي قام وبايع النبي صلى الله عليه وسلم وقال: خذ لربك ما شئت، فوالله لنمنع مما نمنع منه أنفسنا، فنحن أهل الحلقة وأهل السلاح وأهل الحروب ورثناها كابرا عن كابر.

طيب، سيدنا البراء بن معرور، وأيضا لكي نسهل على أنفسنا حفظ الصحابة، سيدنا البراء بن معرور كنيته أبو بشر وبشر ولده هذا هو الذي مات من سم الشاة التي وضعتها اليهودية للنبي صلى الله عليه وسلم ولموت قتل النبي هذه اليهودية قصاصا، تمام، لكي نربط بين الصحابة فهو أبو بشر وابنه بشر هذا مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، سيدنا البراء بن معرور كانت له قصة، كان رجلا يعني متحمسا، فاشتاق أن يصلي إلى الكعبة، طبعا في ذلك الوقت كانت القبلة إلى بيت المقدس، والنبي لأنه في مكة مكة في الجنوب يا جماعة الخير، فالنبي لأنه في مكة كان إذا صلى إلى بيت المقدس في الشمال وجعل الكعبه بينه وبين بيت المقدس فهو يصلي إلى الكعبة وإلى بيت المقدس في اتجاه واحد، لكن حين تذهب إلى المدينة المدينة في المنتصف بين مكة وبين بيت المقدس، فالتوجه توجه أهل المدينة إلى الكعبة عكس توجه إلى بيت المقدس، فهو صلى إلى الكعبة يعني باجتهاد منه وقال: إني يعني عزمت ألا أتركها هذه الكعبة، وصلى إليها، وظل عاما، لكن بقية الصحابه الأنصار خلفوه في هذا، هو يصلي إلى الكعبة وهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس.

فلما رأى أصحابه قد خالفوه دخله في ذلك شك، وقال: يعني لقد وجدت في نفسي حين رأيتكم قد خالفتموني، فلما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها، فيعني النبي طبعا هنا تجد أولا تعلق الصحابه بالكعبة في حديث البراء بن معرور ولكن انضباطهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه النبي صار مصدر المعرفة، صار مصدر التوجيه، فالصحابة امتنعوا تشكك هو، فعاد البراء بن معرور ليصلي إلى بيت المقدس.

طيب، البراء بن معرور كصاحبه أيضا أسعد بن زرارة مات قبل الهجرة بشهر، قبل الهجرة، يعني قبل تأسيس الدولة الإسلامية، يعني أيضا هو الذي بايع وقال: نحن أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر، لنمنعك مما نمنع منه أنفسنا، هذا الرجل أيضا دخل الجنة وبلغ هذه المراتب بنيته فقط ولم يدفع أي تكاليف لأنه مات قبل أن تاتيه التكاليف.

من النصائح التي لا أنساها لبعض مشايخنا، كان يقول: إذا اردت أن تنام نام في الركب، قالها باللهجه العامية، بيقول يعني انت دلوقتي قاعد على محطه القطر لما تحب تنام اركب القطر ونام ما تركبش على ما تنامش فين على المحطه لأنك لما تنام وأنت راكب القطر في الآخر القطر هيوصلك لكن لما تنام وأنت على المحطة القطر هيفوتك، فهو يقصد بهذا ركب الصالحين، لما يبقى أصحابك قوما صالحين حتى لو ضعفت وأنت بينهم فإنهم يحملونك، يعني حتى وإن أصابك فتور وإن وقعت في ذنوب ومعاصي بالنهاية البيئة الصالحة التي تحيط بك تحملك، تمنع انهيارك، يعني تحرسك على الأقل يداخلك منها حياء، لكن ترك الصالحين الخروج من البيئة الصالحة إنهيار كامل، إنهيار كامل.

فلذلك نرجع ونقول مسألة النية ومسألة أن توجد في بيئة صالحة، أحيانا يكتب الله لك بذلك الأجر دون أن يقع عليك التكليف، دون أن تدفع الثمن، دون أن تضحي هذه التضحيات المنتظرة.

فهذا سيدنا البراء بن معرور ومن قبله سيدنا أسعد بن زرارة بلغوا هذه المراتب الرفيعة مع أنهم عمليا لم يجاهدوا، لم تعضهم السيوف، لم يضطروا إلى حروب، وإنما بلغوا ذلك بنواياهم الصالحة، بالجاهزية، بالاستعداد.

طيب، منهم أيضا ممن ذكرنا سيدنا العباس بن عبادة بن نضلة، وذكرنا أن سيدنا العباس بن عبادة بن نضلة هو الذي قال في بيعة العقبة الثانية إيه حد فاكر؟ قال: يا رسول الله لو شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا، فقال: إني لم أومر بهذا.

سيدنا العباس بن عبادة بن نضلة هذا أيضا يعني هذا له مزية أخرى، فقد روي، وهذه رجعها الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة، أنه بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم ما بعد البيعة حتى هاجر معه إلى المدينة، يعني حتى هاجر النبي إلى المدينة فكان هو مهاجري، فكان مهاجري وأنشاري في وقت واحد، فهذه كانت مزيته بين الصحابة رضوان الله عليه.

وهذا أيضا لم تطل به الحياة، كان من شهداء غزوة أحد، فهو أيضا لم يعضه من الجهاد إلا هذه المعارك معركة بدر وأحد واستشهد فيها رضي الله عنه.

طيب، ومن هؤلاء الشخصيات سيدنا عبادة بن الصامت.

سيدنا عبادة بن الصامت بقى بخلاف هؤلاء السابقين، سيدنا عبادة هذا رجل طال عمره، وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن النبي الحديث، وعاش زمن أبي بكر وزمن عمر وزمن عثمان وزمن علي وزمن معاوية ومات في زمن معاوية، سيدنا عبادة بن الصامت وله مواقف شهيرة طبعا في ال يعني في السيرة وفي الفتوحات، ومن أشهرها أنه كان أحد الأربعة الذين أرسلهم سيدنا عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص في فتح مصر لما قال له: أرسلت لك ثمانية آلاف، أربعة آلاف رجل وأربعة رجال كل واحد منهم بألف، فكان منهم سيدنا عبادة بن الصامت.

وطبعا سيدنا عبادة بن الصامت أحد الذين رووا لنا بيعة العقبة وهو صاحب الحديث؛ سبحان الله هذا الحديث حديث عبادة رضي الله عنه يستدل به المدخلة ويستدل به العلمانيون وهو حجه عليهم بل هو طعنه في قلوبهم، وهو قوله أو روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم: بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله.

دي الحته اللي بتعجب العلمانيين والمدخلة؛ المدخلة يقول لك: اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، تمام.

والعلمانيين يقول لك: الإسلام زيّه زي غيره من الأديان أفيون الشعوب، ويعبد الناس للطغاه والحكام والجبارين، وينسون ويتجاهلون بقية الحديث في نفس السطر: وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول الحق لا نخشى في الله لومة لائم.

إيه يا جماعه لفت نظركم نص الحديث الأول لم يلفت نظركم نص الحديث الثاني؟ تمام.

فصاحبه هو يعني راويه هو سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه، فسيدنا عبادة هذا هو الذي بايع وهو الذي أيه واجه كل هذه التكاليف، وهو من المشهورين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمن سيدنا معاوية رضي الله عنه، بل هو قد روى الحديث في هذا السياق، في سياق أنه هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحاكم المسلم اللي هو سيدنا معاوية هو مما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحق أو أن نقول الحق لا نخشى في الله لومة لائم. تمام طيب وسيدنا طبعا عبادة بن الصامت، ونحن الآن في طوفان الأقصى، هو إما أنه بات في بيت إما أنه مات في بيت المقدس، وإما أنه مات في مدينة الرملة على خلاف بين الروايات، فهو من الصحابة الذين سكنوا الشام وسكنوا هذه الأرض الطاهرة المقدسة.

طيب آخر واحد معانا في هؤلاء الرجال هو سيدنا عويم بن ساعدَة الأنصاري، وسيدنا عويم بن ساعدَة كان أيضا من رجال بيعة العقبة الأولى ومن رجال بيعة العقبة الثانية، وفيه نزل قول الله تعالى في شأن المؤمنين: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. وكان سيدنا عويم بن ساعدَة أخا لسيدنا عمر بن الخطاب في المؤاخاة التي وقعت بين المهاجرين والأنصار، وسيدنا عمر لما سيدنا عويم بن ساعدَة أيضا طال عمره فشهد مع النبي المشاهد وعاش زمن أبي بكر ومات في زمن سيدنا عمر، وسيدنا عمر لما وقف على جثمانه وهو ميت قال: ما نصبت راية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وكان هذا في ظلها.

نموذج الاستعداد، نموذج الجاهزية، نموذج الوقف أن يقف الإنسان نفسه في سبيل الله وتحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب يا جماعه، الآن لابد من وقفة بين الهجرة إلى المدينة وبين أو وبين الهجرة إلى الحبشة. طيب هجرة الحبشة كانت لتأمين الأفراد، لكن هجرة المدينة كانت لإقامة الدولة.

جميل معي في أنه فارق ضخم، فارق ضخم بين الفرار بالدين وبين إقامة الدين، فارق ضخم تمام، يعني هؤلاء فروا من مكان لا يستطيعون فيه إقامة دينهم هم في أنفسهم إلى مكان يستطيعون فيه أن يعبدوا الله، لكن لا يستطيعون فيه إقامة الدولة، إقامة الدين كله، وأما الهجرة إلى المدينة فقد كانت لإقامة الدين.

طيب الهجرة الأولى، الهجرة إلى الحبشة هي الدخول في جوار الكافرين، أو يعني بالمصطلح المعاصر: أنت ستذهب إلى دولة وستكون ملتزما بقوانينها ودستورها، لكن الهجرة إلى المدينة هي هجرة لإقامة القانون، إقامة الدستور، فارق ضخم بين أن تنزل تحت قانون فيه الحرية الدينية أو فيه الحرية الشخصية، وبين أن تقيم قانونا هو الشريعة الذي ينظم هذه العلاقات، العلاقات بين الإنسان وربه، وبين الإنسان ومجتمعه، وبين الإنسان وحتى البيئة، يعني الشريعة الإسلامية يا جماعة الخير تنظم حتى حياة تنظم حتى علاقة الإنسان بالحيوان، وعلاقة الإنسان بالنبات، وعلاقة الإنسان بالجماد، كل هذا له تفصيل طويل في الشريعة.

نحن عندنا دخلت امرأة النار في هرة حبستها، دي حقوق الحيوان تمام، وعندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا شيئا فيه روحي غرضا، يعني ما إذا عايز تعود الرمايه تنسن فلا يكون لا يكون الغرض لا يكون الهدف كائن حي، فيعني فارق بين أن تدخل تحت قانون يحفظ الحرية الشخصية وبين أن تقيم قانونا ينظم هذه العلاقات.

طيب، هنا معنى أيضا أو يعني يجب أن نتوقف في أمر آخر، وهو كيف ينتصر هذا الدين؟ نحن ذكرنا يا جماعة الخير يعني خلونا نقسمها ثلاثة مراحل، نحن ذكرنا أن الأنبياء كان الله تبارك وتعالى يرسلهم إلى أقوامهم فيدعون ويبلغون، يؤمن من آمن ويكفر من كفر حتى ياتي عذاب الله باهلاك الكافرين وانجاء المؤمنين، تمام، هذه سيرة الأنبياء.

هذه السيرة أو وهذه العقوبة التي تنزل من السماء كانت في مرحلة ما عند سيدنا موسى عليه السلام، عند سيدنا موسى إغراق الله لفرعون هو يعني التدخل الأخير للسماء في نصرة الأنبياء، تمام، بعد ذلك صار هذا الدين تكلف به أمة من الأمم، تحمل الرسالة وتجاهد في سبيله، فإذا جاهدوا في سبيل الله وكانوا عبادا لله نصرهم الله وأعانهم بالمعجزات، لكن إذا تخلوا عن هذا الدين، تخلوا عن هذه الرسالة، نكصوا نكثوا رجعوا على أعقابهم، ما الذي يحصل؟ يسلط الله الكافرين عليهم مع أنهم أقرب إلى الله من الكافرين، فهذه سيرة بني إسرائيل: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا.

يبقى كان المطلوب من أمة بني إسرائيل أن تحمل الكتاب وتجاهد في سبيل الله، جاهدوا نصرهم الله، لم يجاهدوا نكبهم الله، تمام، ولذلك لما قالوا لموسى عليه السلام: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، قال الله: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ، ومات موسى ومات هارون وقومه مشتتون في زمن التيه، يعني النبي موجود ولم ينتصروا، لم ينتصروا على الجبارين وظلوا تائهين في الصحراء عقوبة من الله لهم.

طيب لما نشا الجيل الآخر وقادهم نبي الله يوشع بن نون عليه السلام وقاتل بهم القوم الجبارين، أخر الله له غروب الشمس حتى ينتهي من انتصاره على هؤلاء القوم الجبارين، ودخلوا الأرض المقدسة وحكموها، طيب بعد ذلك أفسدوا وبدلوا وغيروا، ما الذي حصل؟ سلط الله عليهم القوم الجبارين فأخرجوه من هذه الأرض المقدسة ونزعوا منهم مقدساتهم، وبدأت قصة أخرى القصة اللي احنا عارفينها كلنا في سورة البقرة التي أوردها الله تبارك وتعالى وهو يحكي قصة طالوت: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا، يبقى هذه مرحلة إيه؟ ذُل واستضعاف رغم أنه كان فيهم نبي، رغم أنه كان فيهم نبي، تمام.

ولذلك، طيب بعد ذلك لما انتصروا على يد طالوت وبعد ذلك دخلوا في العصر الذهبي لبني إسرائيل اللي هو كان تحت ملك داوود وسليمان، هنا انتصروا وعاشوا حياتهم وملكهم الذهبي، بعد سليمان عليه السلام أيضا ضعفت هذه الدولة اليهودية وتقسمت دولة شمالية ودولة جنوبية، والدولة الجنوبية أكلها المصريون والدولة الشمالية أكلها العراقيون، القصة قصة اليهود المعروفة.

فكانت بنو إسرائيل كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، لكن بنو إسرائيل لكن بني إسرائيل لم يقوموا بالرسالة المكلفين بها، فلذلك كانوا كما وصفهم الله تبارك وتعالى: كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمُ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، يبقى هذه المرحلة الثانية: إنه الدين صار الله تبارك وتعالى يكلف أمة بحمله والجهاد في سبيله، جاهدوا نصرهم الله، لم يجاهدوا نكبهم الله وسلط عليهم الكفار، حتى لو أن هؤلاء الذين يحملون الدين ويقصرون فيه كانوا أقرب إلى الله من هؤلاء الكفار.

المرحلة الثالثة هي مرحلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة اصطفاها الله تبارك وتعالى كما قال: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، هذه الأمة لم تبدل في الدين ولم تغير في الدين ولم تقتل نبيها بل جاهدت مع نبيها صلى الله عليه وسلم، فكانت هي المثل الأعلى في هذه المرحلة.

الآن نحن أمام بيعة العقبة الثانية التي هي بيعة النصرة، بيعة الدولة، بيعة الجهاد، ولذلك يجب أن نعرف ونوقن ونؤمن ونحن نرى هذا، يعني الآن النبي صلى الله عليه وسلم نحن نرى في سيرته أنه لم يتنزل عليه نصر من الله دون جهاد، صح، وأن النصر يعني لا أقول النصر الآن، بل أقول هذه البذرة هذا الأمل تأخر ١١ سنة، يعني النبي بدأ في الدعوة منذ أن نزل عليه الوحي، الآن حين جاءه الستة، ثم حين جاءه الاثنا عشر، ثم السبعون، كان هذا في سنة كم؟ بدأ في سنة ١١ من البعثة، يعني ١١ سنة يا جماعة.

طيب لماذا ١١ سنة لم يبعث النبي في المدينة مثلا؟ لماذا لم يأت هؤلاء الستة منذ السنة الأولى؟ ذكرنا بعض الأسباب في المجالس الماضية، لكن الآن يجب أن نذكر سببا جديدا، وهو أن الله تبارك وتعالى يعني المسلم الذي سيقيم الدين لابد له من صفات خاصة، لابد له من صبر، لابد له من ثبات، لابد له من تربية، لابد له من معاناة، ولذلك أنت ترى السابقين الأولين عاشوا ١١ يؤمنون بالإسلام ويعانون من هذا الإيمان دون أن يبدو لهم أمل، لا أمل في الأفق، جاءهم الأمل بعد ١١ سنة، ١١ سنة.

فلذلك لا يوجد نصر هين، لا يوجد نصر سهل، يعني الآن ما يعني أكثر سؤال ربما ياتي إلى العلماء والدعاه والمتحدثين من الخطباء: يا شيخ نعمل إيه علشان غزة؟ يا شيخ نعمل إيه علشان فلسطين؟ قل لنا قولا، طب يا جماعة هم اليهود لم يتوحش هذا التوحش ولا الأمريكان لم يعلوا هذا العلو، لم يتفوقوا هذا التفوق لأنهم وجدوا يعني شيئا سحريا صنعوه فرعهم على الناس، هذا جهاد سنين وجهاد قرون وهم يجاهدون ويتعلمون وينتجون الأسلحة ويخططون ويدبرون، بذلوا في هذا الارواح وبذلوا في هذا الدماء وبذلوا في هذا العقول، حتى صاروا بهذه القوة وهذا التمكن وهذا التفوق.

فالان أنت تريد شيئا تفعله الآن ينصر المسلمين غدا، ومكلف الأشياء ضد طباعها، متطلب في الماء جذوة نار، الآن لا توجد حلول سهلة، لا توجد حلول مباشرة، الحلول الآن هي البدء بالجهاد الطويل والجهاد المرير، الجهاد الذي تهلك فيه النفوس وتهلك فيه الأموال وتهلك فيه العقول، تهلك فيه الطاقات، تهلك فيه الجهود، ودون هذا لن لن تتغير أحوالنا، لن تتغير أحوالنا.

فيعني الذي يستسهل ويقول لك: احنا شبعنا كلام، عايزين حلول، كل كلام، قولوا لنا نعمل إيه؟ ليس الأمر كذلك، ليس الأمر كذلك، هؤلاء لم يبلغوا هذا المبلغ في يوم أو في شهر أو في سنة، وكذلك لا يمكن أن يعتدل الميزان في يوم أو في شهر أو في سنة.

والله تبارك وتعالى من رحمته ورأفته بنا أنه يحاسب المرء فردا، قال: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا، والله تبارك وتعالى من رحمته بنا أنه يحاسب على العمل ولا يحاسب على النتائج، لو أن الله يحاسب على النتائج لكان كل المسلمين في عصور الاستضعاف هذه هلكة لأنهم لم ينصروا الدين، لكن الله تبارك وتعالى يحاسب على النتائج، بل من رحمة الله بنا ومن فضل الله علينا أن المجاهدين والعاملين والصالحين في أزمنة الفساد لهم أجر أعظم من أجور الذين عملوا وبذلوا في عصور الأمن والتفوق.

تعرفون حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: اشتقت نفسي إلى أحبابي، أولسنا أحبابك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإنما أحبابي قوم يأتون من بعدي للواحد منهم أجر أربعين منكم، قالوا: بل أربعين منهم؟ قال: بل منكم، فإنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون على الخير أعوانا.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك، وسياتي زمان لو قام الواحد منهم بعشر ما أمر به نجا، فارق الزمن، فارق المعونة، فارق القوة والضعف، فمن رحمة الله تبارك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: بدا الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء، قالوا: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسدت أمتي وفي رواية: يصلحون ما أفسدت أمتي.

فمن رحمة الله علينا ومن فضله علينا أن العمل في أزمنة الاستضعاف في أزمنة يعني في أزمنة الانكسار هو عمل مضاعف، فالله تبارك وتعالى يحاسب الناس أفرادا ولا يحاسبهم على النتائج، تمام يا جماعة الخير، يبقى ما نستفيده الآن من بيعة العقبة كما ذكرنا: أن هذا الدين لا يقوم إلا بجهاد، لا ينتصر إلا بجهاد، ولا ينتصر إلا على أكتاف مثل هؤلاء الناس الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم.

والإنسان يجب أن يراقب نفسه ويراقب طباعه ويراقب ما فيه، يحاول أن يختبر نفسه دائما في دروب الحياة، في مواقف الحياة، ماذا كان سيكون لو كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل هو الآن يقوم بواجباته في نصرة الدين في الجهاد من أجل الدين؟ هل كان هذا لو أنه كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان سيكون من المبايعين ولا لا؟ تمام.

طيب الآن ندخل في موضوع شديد الأهمية شديد الخطورة، آه طيب الحمد لله الوقت انتهى، فنندخل ندخل إليه إن شاء الله في المرة القادمة، كثير من الإخوة يقول: أنت تترك تترك الحديث في موضوع مشوق، فالحمد لله ختم ونبدا إن شاء الله في المجلس القادم من هذا الموضوع المهم، وهو حديث عن أوضاع المدينة وهل فعلا هل فايوه المجلس القادم هل فعلا كانت المدينة بلاش، طيب خلاص عشان مافتحش الموضوع، نسال الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

احياء جيل على خطى السابقين