تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 27. أصعب لحظة في حياة النبي ﷺ

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا. اللهم اجعل عملنا كله خالصًا لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئًا يا رب العالمين. مرحبًا بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلًا. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا في هذا المسجد على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. هذا هو المجلس السابع والعشرون من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

كنا توقفنا في المجلس الماضي عند وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها. وبعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها بشهر واحد، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة سودة بنت زمعة، السيدة سودة بنت زمعة. طيب، وفيه أيضًا بعد هذا الشهر عقد النبي صلى الله عليه وسلم على زوجته عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، تمام؟ يبقى بعد شهر من وفاة السيدة خديجة، تزوج النبي بسودة بنت زمعة، وعقد على السيدة خديجة رضي الله عنها، عائشة رضي الله عنها، نعم.

طيب، هنا طبعًا إحنا كل ما بنقترب من موضوع المرأة في السيرة بنضطر نقول كلامًا لا يعجب أخواتنا. والمجلس الماضي أخ يمني بيقول لي: استلقِ وعدك في البيت، فكأنه اللقاء الماضي يعني. المهم، طبعًا إحنا كما اتفقنا أن الداعية إلى الله هو مكلف ببلاغ الدين كما نزل، تمام؟ فيعني الداعية ليس فنانًا يقدم ما يطلبه المستمعون؛ الداعية إلى الله، قال تعالى عن الرسل وأتباعهم: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.

فأحد المشاكل الموجودة في عالمنا الآن هو يعني ما أصابنا أو ما أصاب مجتمعاتنا من المسائل الجاهلية فيما يتعلق بالمرأة، وهذه المسائل يتصور كثير من الناس أنها في صالح المرأة وهي ليست كذلك، بل هي مضرة بها. فالمهم، من الأمور التي تكلم فيها المستشرقون والغربيون وأعداء الدين، أن النبي صلى الله عليه وسلم... يعني الآن أنا أتكلم عن رأي مستشرق، أما رأي بعض المستشرقين والمنصرين في أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يتزوج على خديجة في حياتها لأنها كانت سيدة أعمال، وكانت تواسيه بنفسها ومالها، وبالتالي فلما توفيت فالنبي إيه، انطلق في الزواج من النساء. طبعًا هذه كلمة لا يقولها إلا رجل لا يعرف قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لو عرف قدره ما كان يتجرأ على أن يظن به هذا الظن السيئ.

نحن إذا نظرنا في زيجات النبي صلى الله عليه وسلم فسنرى أنه، يعني السيدة سودة بنت زمعة التي تزوجها النبي بعد شهر، هذه كانت كبيرة في السن، لم تكن صغيرة. السيدة سودة كانت زوجة رجل اسمه السكران بن عمرو رضي الله عنه، كان أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ممن سبق إلى الإسلام، وممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، فهاجرت معه زوجته سودة بنت زمعة، ثم عاد إلى مكة قبل الهجرة إلى المدينة، ولما عاد إلى مكة توفي السكران بن عمرو. طيب، فبقيت زوجته سودة بنت زمعة وحيدة في بيت شرك، تمام؟ لأن زوجها السكران بن عمرو هذا أخوه من؟ أخوه سهيل بن عمرو، سهيل بن عمرو هذا يعتبر شيخ بني عامر بن لؤي، كان خطيب قريش، وكان هو يعني المفاوض عن قريش في صلح الحديبية كما سنأتي فيما بعد، وكان أبوها رجلًا مقيمًا على الشرك أيضًا، وكان أخوها مقيمًا على الشرك أيضًا. وكما تقول الروايات: كانت السيدة سودة طويلة فارعة، ويعني كانت ذات جسد كبير، فالقصد هنا أنها كبيرة في السن، لم توصف بأنها يعني مليحة أو أنها جميلة، فكان زواج النبي هو صيانة لها أن تعود إلى بيت كله مشركون، تمام؟

فهذا مما يدحض الكلام عن أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم كان لدواعي الشهوة، مع أنه أرجع وأقول وأؤكد أنه داعي الشهوة ليس مما يعاب به الرجل؛ أن يتزوج الرجل لكي يعف نفسه هذا ليس شيئًا يعاب به الرجل أصلًا، تمام؟ لكن هؤلاء الناس الذين لا يقدرون النبي حق قدره والذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا تراهم في حياتهم غارقين في الشهوات، ثم يكلمونك كأنهم الرهبان في الصوامع والكنائس، تمام؟

طيب، والأمر الثاني أنه حتى لما النبي صلى الله عليه وسلم عقد على عائشة رضي الله عنها، عائشة في ذلك الوقت كانت بنت ست سنين، ولم يبنِ بها وإنما تزوجها بعد الهجرة إلى المدينة.

طيب، هنا ما لا يحب يعني بعض الأخوات أصلحهن الله أن يسمعوه، دي مسألة برضه تسربت إلينا من الجاهلية المعاصرة، الجاهلية التي ترى أن الرجل إذا ماتت زوجته ينبغي أن يكون وفيًا لها فلا يتزوج بعدها، أو المرأة إذا مات زوجها ينبغي أن تكون وفية له ولا تتزوج بعده. هذه من الجاهلية يا جماعة، هذه من الجاهلية، وهذا من الظلم، الظلم للرجل والظلم للمرأة أيضًا، تمام؟ يعني لم يزل الناس، من عادة الناس قديمًا وحديثًا، أنه الرجل إذا ماتت زوجته أو إذا يعني انفصل طلق زوجته، أن يتزوج بعدها. وحقيقة، كما هو مشهود من واقع الناس، المرأة أقدر على أن تعيش بلا زوج من الرجل عن أن يعيش بلا زوجة، خصوصًا لو كان عنده أبناء. حقيقة مسألة تربية الأبناء هذه كأنها موهبة خاصة بالمرأة، يعني لا تكاد تجد رجلًا يفلح وحده في تربية الأبناء. أصلًا إذا المرأة خرجت من البيت يومًا أو سافرت أو مرضت، فكل أعمال الرجل، بل كل ذهنه وأعصابه تتعطل لإدارة ما تديره المرأة بطبعها وفطرتها. فربما يكثر في الناس أن تستطيع المرأة البقاء بلا زوج، لكن يندر ويقل في الناس أن يستطيع الرجل البقاء بلا زوجة، خصوصًا لو كان لديه أولاد، هذا نادر في الناس.

طيب، في ذلك الوقت لو رأينا النبي صلى الله عليه وسلم، كان معه في بيته أم كلثوم وفاطمة. أم كلثوم نعم كانت شابة، لكن فاطمة كانت بنتًا صغيرة، وربما كان معه بعض الأولاد؛ لأنه زمن وفيات أولاد النبي صلى الله عليه وسلم غير معروف على وجه الدقة، يعني القاسم وعبد الله أبناء النبي صلى الله عليه وسلم لا يُعرف متى توفوا على وجه الدقة، فربما كان معه في ذلك الوقت أيضًا أبناء صغار. فحاجة الرجل إلى وجود زوجة بعد وفاة زوجته، بالذات لو عنده أبناء، هي من الحاجات الضرورية ومن الحاجات الطبيعية.

وأرجع وأقول وأؤكد أنه من معالم الجاهلية الحديثة هو مطالبة المرأة أن تظل وفية لزوجها ولا تتزوج بعده، هذا خطأ خطأ خطأ، بل خطأ كبير، بل جريمة في حق المرأة خصوصًا في هذا الزمن الذي نحن فيه. شوفوا يا جماعة، صلوا على النبي، أنا مضطر يعني أستطرد، أخرج عن السيرة في هذا الموضوع لدقائق. النظام الإسلامي، طبيعة المجتمع الإسلامي، ألا تظل المرأة بلا كفيل يكفلها، يعني طبيعة النظام الإسلامي أنه المرأة لا تواجه الحياة بنفسها، لا تتعرض لمصاعبها ومشاغلها ومطاحنها بنفسها، لا بد يكون للمرأة رجل يحميها ويكفلها ويقوم بشأنها من جهة الإنفاق، من جهة الرعاية، من جهة الحماية. طيب، إذا لم يكن للمرأة زوج ولا أب، فعشيرتها، تمام؟

طيب، ومع ذلك ومع ذلك، ما كانوا يستحسنون أن تظل المرأة بلا زوج حتى في هذا المجتمع. لا تكاد تجد امرأة من بقية الصحابة والتابعين إلا إذا توفي عنها زوجها تزوجت من بعده، بل كانوا يرون زواج المرأة من الإحسان إلى الزوج الميت، تمام؟ طبعًا هذه في عرف هذا العصر نوع من الخيانة ونوع من الغدر، من الجاهلية الحديثة التي نتكلم فيها. طيب، ما بالكم يا جماعة الخير إذا كان المجتمع الآن ليس فيه من يكفل المرأة، وعملت الأنظمة الثقافية والأنظمة القانونية والثقافة على أنه تأخذ المرأة من كنف زوجها، ومن كنف عائلتها، ومن كنف أبيها وأخيها، والمرأة تبقى سترونج إندبندنت وومان، طيب، ومع ذلك بعد هذا كله، إذا توفي عنها الرجل تقول لها: من الوفاء له ألا تتزوجي وأن تواجهي الحياة بنفسك؟! من الجريمة في حق المرأة في هذا العصر، هذا العصر الذي صار لا يحفظ للمرأة حقًا ولا يعاملها معاملة كريمة، تزاحم الناس في الأسواق وفي المواصلات وفي الأعمال، وتتعرض لما يتعرض له الرجال، ويراها الرجال ندًا، حتى ربما لم يقوموا لها في المواصلات، لم يقدموها في المعاملات، لم يفوا بها، من الجريمة في مجتمع كهذا أن تطالب المرأة كمان إنه إذا مات عنها زوجها أن تبقى وفية لذكره وألا تتزوج. وذكرنا قبل ذلك أن المسلم ميزانه الإسلام، ميزانه الإسلام، تمام؟

طيب، هنا تأتي شبهة لا بد من الرد عليها. أنا كنا تكلمنا في المجلس الثامن أو التاسع عن أن النبي صلى الله عليه وسلم حين تزوج السيدة خديجة رضي الله عنها، قلنا: وردت روايتان في هذا الأمر؛ رواية لابن إسحاق، وابن إسحاق إمام أهل المغازي والسير، تقول بأن عمر السيدة خديجة كان ثمانية وعشرين سنة، والنبي تزوج وهو في الخامسة والعشرين، يعني هي كانت أكبر منه بثلاث سنوات. ووردت رواية أخرى، وهذه رواية الواقدي، تقول بأن عمر السيدة خديجة كان أربعين، والرواية الأصح والأثبت هي رواية ابن إسحاق، الرواية الأصح والأثبت هي رواية ابن إسحاق اللي هي ثمانية وعشرون سنة. نستأنس لذلك بأنه يصعب أن تنجب المرأة بعد الأربعين ستة من الأبناء، تمام؟ هي السيدة خديجة رضي الله عنها تزوجت وهي في الأربعين لو أخذنا برواية الواقدي، فهي عاشت مع النبي صلى الله عليه وسلم خمسة عشر عامًا قبل البعثة، ثم عشرة أعوام بعد البعثة، يعني عاشت مع النبي خمسة وعشرين سنة، فيصعب بعد الأربعين أن تنجب ستة من الأبناء. هذا استئناس عقلي بعد أن رأينا أنه الرواية الأصح هي رواية ابن إسحاق، تمام؟

طيب، لماذا ذكرنا أنه بعض الناس تمسكت برواية الأربعين؟ لكي تحاول أن تبرئ النبي صلى الله عليه وسلم من تهمة الشهوانية والنساء، فيقولون: كان أول زواجه وهي في الأربعين. فما... يا جماعة، إحنا لو شكلنا ديننا على وفق تجنب الشبهات لن يبقى لنا دين؛ لأنه أصلًا كل شيء يمكن أن يتحول إلى شبهة، تمام؟ يعني الذين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك سيتهمونه بعد قليل بأنه تزوج عائشة وهي في التاسعة من عمرها، يعني لا زواج ذات الأربعين عاجبهم ولا زواج ذات التسعة عاجبهم، فنحن المسألة مسألة علمية.

طيب، فالأصح في عمر السيدة خديجة حين تزوجها النبي أنها كانت في الثامنة والعشرين من عمرها. لكن إذا أتينا إلى السيدة عائشة، فالسيدة عائشة قطعًا قطعًا تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم عقدًا وهي في السادسة، وبنى بها وهي في التاسعة من عمرها. هذا حديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة، عائشة هي التي تقول: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بي وأنا في السادسة، ثم بنى بي في المدينة وأنا بنت تسع سنين. لكن يأتي بعض أحبابنا وأصدقائنا وبعض المغرضين أيضًا، ويحاول أن يلفق ويركب روايات بحيث يكون عمر السيدة عائشة ثمانية عشر سنة أو عشرين سنة، لكي يبرئ النبي من التهمة المعاصرة التي تقول بأنه تزوج بطفلة. طيب، فالأصل أننا لا نأخذ ديننا ولا نشكله وفق الأهواء والشبهات التي ترد إلينا.

ثم في ذلك الزمن، في ذلك الزمن ما كان الناس ينظرون إلى مسألة فروق السن، بل لا أقول في ذلك الزمن البعيد، أقول في ذلك الزمن القريب، يعني يا جماعة الخير قبل سبعين ثمانين سنة فقط كان ربما تزوج الرجل بمن تصغره بثلاثين وأربعين وخمسين سنة، هذا حاصل ويحصل الآن ولكنه قل. أنا مما لا أنساه، واحد الأصدقاء على الفيسبوك يعني فتح هذا الموضوع فقال: أنا جدي تزوج بجدتي، اسمعوا الرقم وما تنصدموا، وكان عمره مائة وعشرين سنة وهي ثمانية عشر سنة! فارق مذهل! فارق مذهل! فإحنا أمام إيه؟ أمام حالة واقعية، وكما أقول: في ذلك الزمن ما كانت هذه الفروق حاضرة، وإلا فالنصارى عندهم في كتبهم أن مريم العذراء البتول عليها السلام، أم عيسى بن مريم، كانت مخطوبة ليوسف النجار وكان هو في التسعين وهي في الثالثة عشرة! في ذلك الزمن ما كان الناس ينظرون إلى هذه الفروق، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج بعائشة كانت عائشة مخطوبة بالفعل، قبل أن يتزوجها كانت عائشة مخطوبة لابن المطعم بن عدي، لكن بعد كده المطعم بن عدي زوجته خافت أن ولدها إذا تزوج عائشة أن يضله أبو بكر ويدخله في الإسلام، ففسخوا الخطبة. لكن أنا بقول لك انظر إلى أن السيدة عائشة كانت إيه؟ مخطوبة في هذا السن.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم أحد قط في قريش بأن هذا كان عيبًا، يعني لو أن الزواج وهو في الخمسين وهي في السادسة، لو أن الزواج كان عيبًا في ذلك الزمن، لكان أول من انتبه إليه وطعن فيه هو من كفار قريش، لكن ما جرى هذا قط. ولذلك أرجع وأقول أيضًا: حتى إلى وقت قريب مسألة الزواج، يا جماعة إحنا الآن نعيش في زمن الزواج هو بالنسبة لنا لذة، وخير الزواج في زماننا هذا ما كان بعد قصة حب، الكلام ده لم يكن قديمًا. يعني عاش المسلمون بل عاشت البشرية، ليس المسلمون فقط، سنين الزواج هذا لم يكن مسألة أن الرجل يرتبط بالمرأة بقدر ما إنه العيلة ترتبط بالعيلة، ولذلك كانوا يتزوجون دون أن يرى الرجل زوجته إلا بعد الزواج ودون أن ترى المرأة زوجها، وكان يحدث وهذا يعني هذه أحوال الناس رأيناها.

أنا بنفسي رأيت يعني واحدة تمت بصلة نسب إلينا، هذه كانت يعني لم تكن حسنة الوجه وكان زوجها حسن الوجه جدًا، وسيمًا، فكنا إذا جلسنا معه مثلًا ويشاهد نشرة الأخبار، تدخل عليه، أنا شهدتها وهي عجوز يعني، وتقول له يعني: يا حسرة عليك، بتشوف البنات الحلوين في التلفزيون وأنت معاك واحد قرد في البيت! وهذه تقولها وهي في السبعين يعني. في ذلك الوقت ما رآها قبل الزواج، وهو نفسه الرجل ما كان يتضرر بهذا، وإنما كان الزواج زواج عائلات، يعني يصهر إلى العائلة الفلانية، يصهر إلى البيت الفلاني، فما كان يتضرر، يعني المسألة يا جماعة لا نقيس المسائل الاجتماعية على الوجه الذي صارت إليه في زماننا هذا. زماننا هذا صار زمن شهوات وزمن يعني إباحية وانحلال وعري وكثرة قصص الحب وهكذا، مما جعل هذه المسائل تتشوش في أذهان الكثيرين، تمام؟

فعلى كل حال، يعني ما أريد أن أخلص به الآن إلى أنه الطعن على النبي صلى الله عليه وسلم في أعمار زوجاته أمر لا يصدر إلا من جاهل بما كان عليه هذا الزمن أو مغرض، رجل لا يعرف قدر النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟ ومسألة الزواج بعد وفاة الزوج أو بعد وفاة الزوجة لا يخدش الوفاء، تمام؟ لا يخدش الوفاء. علشان موضوع متعب للغاية، وكثير من النساء تضررن في زماننا هذا، واضطررن إلى أن يقابلن الحياة بأنفسهن ويربين الأولاد لوحدهن. يا جماعة، الأب والأم معًا يحتارون الآن في تربية الأولاد، الأب والأم معًا! يعني لما تلاقي أب وأم استطاعوا أن يربوا أولادهم تقول: والله ربنا أكرمهم وأنعم عليهم، فكيف يُطلب من امرأة لوحدها في هذا الزمن أن تكون أبًا وأمًا؟ تمام؟

طيب، نصلي على النبي. فإذًا انفردت السيدة سودة بنت زمعة بالنبي صلى الله عليه وسلم نحو ثلاث سنين، كانت هي زوجته الوحيدة حتى هاجر النبي إلى المدينة.

طيب، نحن ذكرنا في المجلس الماضي أنه عام الحزن الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم سمي عام الحزن لأنه حصلت فيه أربعة أشياء: الأمر الأول هو وفاة أبي طالب، والأمر الثاني هو وفاة خديجة، والأمر الثالث هو شدة ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى من قومه، تمام؟ لأن قريشًا ما كانت تجرؤ على النبي صلى الله عليه وسلم في حياة أبي طالب كما تجرأت عليه بعد موته، يعني ما كان منهم في حياة أبي طالب هو الإيذاء بالقول، بالسخرية، بالاستهزاء، الإيذاء المحتمل، أما بعد وفاة أبي طالب فقد تجرأ عليه القوم جرأة كبيرة وشديدة، تمام؟ ولذلك روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما زالت قريش كاعة يعني جبانة، حتى مات أبو طالب. وفي حديث آخر عند البيهقي أيضًا قال: ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب.

طيب، فمن أشكال هذه الجرأة على النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه الشيخان البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما كان ملأ قريش جالسون عند الكعبة ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقالوا: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان؟ الجزور: الشاة، يعني عائلة من العائلات ذبحت ذبيحة، فقال: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأتي بسلاها فيضعه على ظهر محمد إذا صلى عند الكعبة؟ فانبعث أ crappy القوم، أشقى القوم هو رجل اسمه عقبة بن أبي معيط، عقبة بن أبي معيط كان من كبار من يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فانبعث أشقى القوم فجاء بها، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه.

طيب، لا أدري الآن كم ممن يسمعنا يعني يعرف سلا الجزور وما فيه من القذر وما فيه من الوسخ والنتن والشيء الذي يعافه الإنسان. ثم يجب أن نستحضر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلًا شريفًا في قومه، وأنتم تعرفون الرجل النبيل، الرجل الشريف، الرجل الكريم، أقل شيء يؤذيه، أقل شيء يشتد عليه، فأن يعامل النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصدر من قومه بالمعاملة التي لا يعامل بها حتى العبيد السفهاء، هذا مستوى جديد من الإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع أن يقوم من سجوده حتى جاءت فاطمة، فاطمة ابنته رضي الله عنها، يقول ابن مسعود: وكانت جويرية، يعني كانت بنتًا صغيرة، فأقبلت تسعى فصارت تلقيه عنه، وأقبلت عليهم تسبهم وتشتمهم، فلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، وتورد رواية أخرى أنه سماهم فقال: اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وبعتبة بن ربيعة، وبشيبة بن ربيعة، وبعقبة بن أبي معيط، وبأمية بن خلف، وبالوليد بن عتبة، قالوا: فأخذتهم دعوته، كانوا يرون أن الدعوة في البيت الحرام مستجابة، وهم لحلم النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته كأنهم لم يتوقعوا أن يدعو عليهم، فأخذتهم دعوته صلى الله عليه وسلم.

طيب، هنا أيضًا تلمح في الحديث إيذاء آخر، الإنسان يصعب عليه أن يهان، يصعب عليه أن يذل، صح؟ كل إنسان كريم، كل إنسان سوي يصعب عليه أن يذل وأن يهان، فإذا أهين أمام ولده كانت هذه أشد، أن يهان أمام ولده. طيب، أشد منها أن يهان أمام ابنته، أشد من الإهانة أمام الولد أن يهان أمام البنت. البنت بشكل عام يعني من طبعها أنها تحب أن ترى أباها خير الناس، ولذلك يقولون: كل فتاة بأبيها معجبة، فأن تكون فاطمة في موقف وهي جويرية ترى فيه أباها وهو يلقى عليه سلا الجزور وتأتي هي كي تدفع عنه، أمر شديد، شديد على نفس النبي صلى الله عليه وسلم، لو أحسنا تخيل الموقف لاشتد علينا يعني أن نشعر بما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل هذا أن يكون هو الذي يعني أخرجه عن المعتاد منه من الرحمة والرأفة والحلم وأنه دعا عليهم. يقول ابن مسعود راوي الحديث: فما من أحد منهم، يعني ممن سماهم النبي صلى الله عليه وسلم، إلا وقد رأيته قتيلًا يوم بدر، هؤلاء الذين دعا النبي صلى الله عليه وسلم كلهم قُتل في يوم بدر، تمام؟

طيب، في حديث آخر في مسلم عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث يقول إن أبا جهل جاء أيضًا عند الكعبة وقال: أيعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ بين أظهركم دي يعني أمامكم، أو في محضركم، أو في مجلسكم، أيعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب. طيب، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فصلى، إحنا الآن بنتكلم عن مستوى من الأذى لم يكن موجودًا في زمن أبي طالب، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم أقبل يصلي، فذهب إليه أبو جهل، تقول الرواية: فما فجئهم إلا وهو يرجع ينكص على عقبيه وقد تغير وجهه، يقولون: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة. فقيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا. فكان الله تبارك وتعالى إذا انعدم النصير كانت تتدخل القدرة الإلهية والسماوية لئلا يهان النبي صلى الله عليه وسلم هذه الإهانة الشديدة، إهانة أن يطأ أبو جهل برجله على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل وجهه في التراب، تمام؟

طيب، رواية أخرى هذه عند أحمد بسند حسن، أيضًا الملأ من قريش، وهي عن عروة بن الزبير عن ابن عباس قال: سألت ابن عباس: ما أشد شيء فعلته قريش آذت به النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هذه رواية ابن عباس، تمام، أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف، كل هذه أسماء أصنام، أن لو قد رأينا محمدًا لقمنا إليه قومة رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله. فسمعت ذلك فاطمة رضي الله عنها فأقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: ما لك يا بنية؟ قالت: ألم تعلم؟ قد تآمر عليك ملأ قريش، فكل رجل منهم قد عرف نصيبه من دمك. فقال: ائتوني بوضوء، وضوء هو ماء الوضوء، إذا قيل وُضوء فهو عملية الوضوء، إذا قيل وَضوء فهو ماء معد للوضوء، تمام؟ فدخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، ثم خفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، فكأنه فجأهم وعُقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه منهم أحد. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض قبضة من الحصى ونثرها في وجوههم وقال: ألا شاهت الوجوه، ألا شاهت الوجوه، تمام؟ يقول ابن عباس: فما أصاب رجلًا منهم من الحصى إلا وقُتل يوم بدر، تمام؟

طيب، لكن هذا الموقف الأول، أحكي لكم موقفًا آخر قريبًا من هذا. نحن ذكرنا حين تكلمنا عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة الأذى في المرحلة المكية، أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا فاجأ قريشًا، وذكرت في ذلك المجلس أننا سنأتي إلى هذا الكلام، وهو أن النبي لم يكن استسلامه، يعني المرحلة المكية لم تكن استسلامًا، وإنما كانت فيها مواجهات وكانت فيها تحديات، وأن النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا قال لأبي بن خلف لما قال له: إن عندي فرسًا أعلفه كل يوم أقتلك عليه، قال: بل أنا قاتلك إن شاء الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم في بعض المواقف جبه القرشيين بهذه المواجهة، فمنها هذا، منها هذا.

طيب، حديث آخر في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي، فجاء عقبة بن أبي معيط، ذكرنا أنه جاء بسلا الجزور، فأمسك بمنكب النبي صلى الله عليه وسلم وخنقه خنقًا شديدًا، حتى جاء أبو بكر فأمسك بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟ هذا حديث صحيح عند مسلم، طيب، هذا عند البخاري تفصيل هذه الرواية أنهم قالوا... يعني المختصر عند البخاري، التفصيل عند أحمد بإسناد حسن، وهو أنهم تآمروا، قالوا: ما أشد ما صبرنا على هذا الرجل! هؤلاء القرشيين يقولون: ما أشد ما صبرنا على هذا الرجل! سفه أحلامنا، وعاب آلهتنا، وفارق ديننا، وفرق بيننا، تمام؟ طيب، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم كذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، فصاروا يغمزونه ويلمزونه، فعُرف ذلك في وجهه، فلما كان المرة الثالثة قال: يا معشر قريش، أتدرون؟ والله لقد جئتكم بالذبح، والله لقد جئتكم بالذبح.

ذكرت هذا في سياق أن النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهته لأذى قريش لم تكن كل الأمور إيه؟ نوع من الحلم والكف، وإنما كان فيه أحيانًا أن يفجأهم بما يكرهون. لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أخذتهم الرعدة، حتى صار أكثرهم سخرية منه يخفض ويقول له: امضِ يا أبا القاسم، امضِ يا أبا القاسم، والله ما كنت يا أبا القاسم جهولًا! لما فجأهم الأمر انزعجوا وارتاعوا له. ثم جاؤوا في اليوم التالي فلاموا أنفسهم على ما كان منهم في اليوم السابق، يعني هم الأول كانوا يلومون أنفسهم على أنهم صبروا عليه، الآن صاروا يلومون أنفسهم على أنهم كلهم ارتعدوا وارتدوا يعني، وصاروا يخفضون. فلما جاء اليوم الثاني قال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه!

طيب، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فصار هذا يجذبه وهذا يدفعه، فيعني كأنهم وثبوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأحاطوا به، ولما أحاطوا به كانوا يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ من عيب آلهتهم، فكان يقول: نعم، أنا الذي أقول كذا وكذا. فما دفعهم عنه إلا أبو بكر رضي الله عنه، أقبل إليه يبكي وهو يقول: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، فكأنهم كانوا على وشك قتله صلى الله عليه وسلم، فتحولوا إلى أبي بكر، فضُرب أبو بكر ضربًا أشد ما فيه ما كان من عتبة بن ربيعة؛ عتبة بن ربيعة أمسك بحذائه ضربه بحذاءين مخصوفين، وكان يحرفه إلى وجهه، يعني قصد أن يصيبه إصابة بليغة، إصابة دامية، تقول الرواية: فأُدمي أبو بكر حتى صرنا ما نعرف وجهه من قفاه من الدم، حتى أقبل تيم، تيم اللي هي قبيلة أبي بكر، فأخذوه وحملوه إلى البيت، فما كنا نشك أنه مات أبو بكر. فقالت بنو تيم: لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة. الأمور تكهربت، وهذا يدلك على شدة الموقف الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيه أبو بكر.

وهذا الموقف يرويه مرة أخرى سيدنا علي رضي الله عنه، سيدنا علي بن أبي طالب يرويه عنه ابنه محمد، محمد بن علي بن أبي طالب المشهور بمحمد بن الحنفية، سُمي محمد بن الحنفية لأن أمه كانت من بني حنيفة، فلكي يفرقوا بينه وبين الحسن والحسين أبناء فاطمة فكانوا يقولون: محمد ابن الحنفية، وهو ابن علي بن أبي طالب، وكان من ألصق أولاد علي به، وله وعنه روايات كثيرة. قام علي خطيبًا...

فقال: من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين. فقال: أما والله إني ما بارزت رجلاً إلا انتصفت منه، يعني صحيح أنا لم أدخل في معركة أو في مبارزة إلا وغلبت، ولكن أشجع مني أبو بكر رضي الله عنه. فذكر هذا الموقف أن أبا بكر اندفع في لحظة، كما يقولون الكثرة فيها تغلب الشجاعة، اندفع في هذه اللحظة، ثم قال علي: أترون أيما خير: مؤمن آل فرعون أم أبو بكر؟ ثم قال علي: والله لملء الأرض من مؤمن آل فرعون أبو بكر خير منه، فهذا رجل يكتم إيمانه وأبو بكر رجل يعلن إيمانه ويتعرض فيه لهذه المصائب.

فهذا الموقف، أنا الآن نحكي في سياق الأذى الذي صار النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض له بعد وفاة عمه أبي طالب، أنها وصلت للاعتداءات التي كادت أن تكون مميتة. وهناك حديث آخر قلَّ من يذكره من أهل السير، هذا حديث رواه ابن ماجه والدارمي وهو صحيح، تقول الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل ذات يوم وهو جالس حزين، وقد خُضب بالدماء صلى الله عليه وسلم، يعني النبي كان إيه؟ كان مخضباً بالدماء. فقال... الرواية تقول: وهو جالس حزين وقد خضب بالدماء قد ضربه بعض أهل مكة صلى الله عليه وسلم. فقال: مالك؟ جبريل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: مالك؟ فقال: أترى هؤلاء القوم قد فعلوا وفعلوا! فقال جبريل: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم. قال جبريل: أترى هذه الشجرة؟ قال: نعم. قال: ادعها، فدعاها النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبلت إليه تمشي حتى وقفت عنده، ثم قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعي، فعادت ترجع عنه حتى وقفت مكانها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حسبي.

هذا وهذا يا جماعة الخير إن مع العسر يسراً، إن مع... إن مع العسر يسراً، وهذا مما يعني يرطب الله به قلوب عباده الصالحين، ولذلك كما تقرؤون في سورة... في سورة يوسف: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ، يعني المصيبة فيها... فيها لطف ليس بعدها المصيبة فيها لطف. وكان من قول سلفنا الصالح: ما وقعتُ بمصيبة إلاحمدتُ الله فيها على أمور، فقال: إنها لم تكن في ديني، المصيبة إذا نزلت بالمرء يحمد الله على أنها إيه؟ لم تكن في دينه، وعلى أنها لم تكن أشد من ذلك، ما هو كل مصيبة يمكن أن تكون أشد، وعلى أن الله رزقني ذكره فيها.

طبعاً أنا الآن أتكلم على إيه؟ على مستويات... مستويات المؤمنين الذين ينظرون في المصائب والنوازل إلى لطف الله تبارك وتعالى. فالله تبارك وتعالى قال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، ولذلك استنتج بعض العلماء أن العسر الواحد ينزل معه يسران؛ لأن كلمة العسر معرفة. أنت لما... تقول هذه مسألة في اللغة العربية بسيطة، الكلمة المعرفة مقصودة بعينها، يعني إذا قلت: "الرجل"، فأنا أقصد رجلاً بعينه، لكن إذا قلت: "رجل"، فلا أقصد رجلاً بعينه، تمام؟ يعني إذا قلت: "الكاميرا"، قصدت هذه، لكن إذا قلت: "كاميرا"... فلذلك الكلمة المعرفة مقصودة بعينها، لكن غير المعرفة الكلمة النكرة. فلذلك قوله تعالى: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، العسر هنا معرفة، ويسراً منكرة، فالتكرار "إن مع العسر يسراً"، إذاً هو نفس العسر، ولكن اليسر الآخر منكر فهو يسر آخر. فلذلك العسر الواحد محاط بيسر، تمام؟ فكان هذا مما يعني رطب الله به على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم.

طيب، هنا بعد هذا، بعد الوصول إلى هذا المستوى، النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالتفكير في ما سميناه لو تتذكرون البند الثاني أو الخطوة الثانية أو المرحلة الثانية من خطته في الدعوة صلى الله عليه وسلم. ذكرنا أن الخطوة الأولى، الخطة الأولى لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم كان أن يهتدي ملأ قريش، لماذا ملأ قريش؟ لأن قريش عاصمة العرب، وقريش سادتها هم سادة مكة، مكة عاصمة العرب وسادة قريش هم سادة مكة، فإذا أسلم هؤلاء أسلم العرب من خلفهم، وهذا هو الذي سيحدث في العام التاسع للهجرة. قريش أسلمت في العام الثامن، العام التاسع صار اسمه عام الوفود، تمام؟ فلذلك النبي اجتهد غاية الاجتهاد في أن يسلم سادة قريش، لأنه إذا أسلم سادة قريش تبعهم القرشيون تبعهم العرب، هذه أقصر وسيلة لنشر الإسلام. أهلك النبي نفسه حتى قيل له: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ، قاتل نفسك ألا يكونوا مؤمنين، فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا، يعني قاتل نفسك خلفهم من الأسف أنهم لم يؤمنوا.

طيب، الآن وصلنا إلى هذه المرحلة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وذهب إلى الطائف. طيب، لماذا ذهب إلى الطائف؟ لأن الطائف هي العاصمة الثانية للعرب، يعني المدينة التالية لمكة في الشرف والمكانة هي الطائف، وأهلها المسيطرون عليها هم ثقيف. وجاء ذكر ذلك أو إيماء إليه في قول الله تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرَيْتَيْنِ عَظِيمٍ، القريتان يعني مكة والطائف، والرجلان عتبة بن ربيعة أو الوليد بن المغيرة في مكة، وفي الطائف منها عروة بن مسعود الثقفي. يعني المشركون كانوا يحبون أن ينزل القرآن لكن على مين؟ يعني طبعاً هذا من التشويش، هم طبعاً يعني إيه؟ هم خبطوا خبط عشواء في إنكار الرسالة، قالوا: هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ، أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، تمام؟ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ، يعني هم طعنوا في الرسالة نفسها، طعنوا فيمن اتبعوها، وطعنوا في الرسول، يعني كأنهم إذا نزل إليهم رسالة على أحد من هؤلاء كأنهم آمنوا، يعني كأنه الاعتراض كان على شخص، فقال الله تبارك وتعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، يعني أهم يقسمون رحمة ربك؟ يعني أهم أدرى وأحكم وأملك لهذه الدنيا حتى يتصرفوا فيها بالقسمة والتوزيع، يعطي هذا النبوة يعطي هذا الرسالة؟

فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، الطائف هذه يعني لو حاولت أن أقرب الصورة يا جماعة، تشبه مثلاً الإسكندرية بالنسبة للقاهرة في مصر، هي الطائف أيضاً كانت مصيفاً، يعني مكاناً للاصطياف، جوها أفضل من مكة، مكة حارة، وكان بينها وبين... كان بين ثقيف وبين قريش تجارات، وكان بينهم علاقات نسب وصهر، والقرشيون كان لهم أملاك في الطائف، زي كده ما تلاقي طبقة رجال الأعمال في القاهرة عندهم شاليهات في الساحل، نفس إيه؟ نفس المشهد، يعني ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف. ومما يدلكم على هذا أيضاً أنه لما فتحت مكة من الذي حمل لواء الكفر بعد فتح مكة؟ الطائف، لذلك النبي بعدما فتح مكة حارب من ثقيف وهوازن أهل الطائف، حاربهم في حنين ثم فتح الطائف لما تحصنوا بها، فوق أنها كانت مدينة حصينة.

طبعاً إذا ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، طبعاً مجرد ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يعني يشير ويعلمنا ويوجهنا إلى مسألة العزم والإصرار والإلحاح. أنتم تذكرون النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أنا بأقدر على أن أدع هذا الأمر من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس بشعلة" أو في المقولة الأشهر منها وإن كانت على نفس معناها: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته". مسألة الإصرار والعزم، شوفوا يا جماعة، الإصرار والعزم والصبر صفة كل ناجح في الدنيا أو في الآخرة، يعني حتى اللي ناوي يدخل النار ويريد أن ينجح في الدنيا لا بد أن يكون صاحب إصرار. والله تبارك وتعالى قال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ. والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر في الحديث القدسي: "ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به"، الحديث الآخر النبي... الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي يقول: "فإن تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". ما يعني السبق إلى الله، السبق والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ، قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَىٰ جَنَّةٍ، وقال: وَسَابِقُوا إِلَىٰ جَنَّةٍ.

تمام، وهذا مما اضطرد في كلام الناس، من أشهر المشهور قول الشاعر: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس صح؟ وقال: لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا هكذا، هكذا الدنيا والآخرة.

طيب، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، الأمر الذي لن أمل من التذكير به لأنه هذا أصل من أصول الدعوة وأصل من أصول الحركة، ولما فاتنا هذا الأمر ضعنا، بصراحة ضعنا. التغيير يا جماعة، الإصلاح، الإفساد يكون من الراس، يكون من السلطة، يكون من القيادة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم مسلكه في الهداية أن يهتدي زعماء الناس، قادة الناس، وجوه الناس. فلما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف قصد من؟ قصد زعماء الطائف، لم يقصد عموم الناس. أي يعني أي حركة دعوية، أي منهج دعوي، أي فكرة دعوية تقول لك: "نغير المجتمع لكي يتغير الحال"، هذه خرافة، خرافة، خرافة، لم تحدث في التاريخ. لم يحدث في التاريخ أنه قد تم صلاح مجتمع ثم هذا المجتمع أفرز قيادته، لا، الناس على دين ملوكهم، الناس على دين ملوكهم.

ولذلك حتى أول حديث تقرؤونه في كتب الحديث، الأربعين النووية، رياض الصالحين، الأحاديث الأولى هي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". إذا فتحت شراح... شروح الحديث في هذا الحديث تجدهم يقولون: "فإن القلب من الأعضاء بمثابة الملك من الجنود، القلب من الأعضاء بمثابة الملك من الجنود، صلاح الملك فيه صلاح الرعية". هذا أمر طويل لا أطيل به الآن، ولكن أكرره وأشير إليه. الإصلاح والإفساد عبر التاريخ هو مجموعة منظمة تستطيع أن تحكم أو أن تجذب إليها الحاكم أو الحكام، فهم من هنا يصلحوا... من هنا يصلحوا الناس، لكن أن تصلح في المجتمع والنظام فاسد، و... يعني يقولون: متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ لو عشرة بيبنوا وواحد بيهدم، هل... هل يتم البناء؟ لو عشرة بيبنوا وواحد بيهدم، طيب لو واحد بيبني وعشرة بيهدموا؟ فأي... أي فكرة، أي منهج يقول لك: "انتبه للناس"، هذه خرافة.

النبي صلى الله عليه وسلم حين ذهب إلى الطائف ذهب إلى زعماء الطائف، ذهب إلى زعماء الطائف فردوه رداً قبيحاً أشد مما رد عليه به أهل مكة. ظل في الطائف عشرة أيام تكلم فيها مع وجوه الناس، فما منهم من أحد قد أجابه إلى ما يريد، يعني الطائف كانت أشد على النبي من مكة. طيب، حتى كما يروي بعض أهل السير أن أحدهم بلغ في استهزائه أن يقول له: "لئن كنت نبياً فأنت أعظم من أن أكلمك، ولئن كنت كذاباً لأنت أدنى من أن أكلمك". منطق، صح؟ انظر إلى الباطل حين يلتمس المنطق ويفلس نفسه في عبارة تبدو لطيفة وبليغة، فهو أغلق على نفسه الباب.

فطيب، النبي حين رده زعماء الطائف، هل تركهم وظل يسعى مع عموم الناس ولا خرج من الطائف؟ خرج من الطائف، خرج من الطائف لأن محاولة دعوة عموم الناس وإنفاق الوقت والجهد في عموم الناس وهم محكومون إلى مثل هؤلاء دعوة يعني محكوم عليها بالإخفاق، محكوم عليها بالإخفاق. أحد أهم المعضلات التي تواجه الحركات الإسلامية الآن والحركات الدعوية أنه الإنسان يكون صالحاً ومستقيماً حتى إذا تولى منصب يفسد. أحد يعني أشهر المعضلات، بلاش نرجع أكثر من كده، إحنا لما كنا شباب في الجامعة، شباب الجامعة ده يعني يكثر فيه الشباب الإسلاميون المتدينون العاملون للدعوة، طيب تعال انظر إلى الشباب هؤلاء، الشباب وقت أن خرجوا من الجامعة كم بقي منهم مهتماً بامر الدعوة؟ 10% في أحسن الأحوال. يا جماعة قدرة النظام المهيمن -أنا الآن لا أتكلم فقط عن النظام السياسي، أتكلم عن النظام المهيمن: نظام اجتماعي، نظام ثقافي، نظام اقتصادي- قدرته على يعني فرم وتشكيل العنصر الداخل إليه أكبر من قدرة العنصر الداخل إليه على إصلاحه.

فلذلك محاولة أن تبقى تدعو الناس وأن يهتدي الناس ثم تلقي بهم في المجتمع، تلقي بهم في المناصب، تلقي بهم في المحن، الذي يحدث عادة هو أن ينقلب هؤلاء على الدعوة وعلى الإصلاح وأن ينحازوا إلى هذه النظم، ولا أريد أن أحكي لكم يعني حكايات بعضها يبلغ من المأساة حد الطرافة، حد الطرافة والله، يعني تحكيها وأنت تضحك، من أناس بدأوا حياتهم دعاة متدينين، فما لبثوا أن مستهم السلطة ببعض مناصبها وبعض مكاسبها فانقلبوا عليها حتى صاروا أشد أعدائها، وأحياناً كانوا جواسيس عليها.

فالنبي صلى الله عليه وسلم حين رُد هذا الرد من الطائف كان خرج من الطائف ولكنه طلب منهم أن يكتمونه، يعني كان شوف... وهذا يعني يخبرك بالحالة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم من الأسى ومن الأذى ومن الكرب، طلب منهم أن يكتموا أنه قد جاء إليهم، لأنه أصلاً خرج إليهم فيما يشبه الخروج السري، يعني خرج ماشياً ولم يصطحب معه إلا ابنه زيد بن حارثة -في ذلك الوقت كان ابنه بالتبني، ذكرنا أن النبي قد قال: "اشهدوا يا معشر قريش أن زيداً هو ابني يرثني وأرثه"، فكان يسمى زيد بن محمد-. لَمّا خرج ماشياً ولم يأخذ معه سوى ابنه، فلم ينتبه القرشيون أصلاً إلى أنه خارج من مكة، ومع ذلك فلم يجيبوه إلى ما طلب في أن يكتموا ما حدث، بل أذاعوا وأشاعوا... وبالمصطلحات... الله منه بس أريد أن أقربه للناس: وعملوا عليه حفلة، سلطوا عليه سفهاءهم، سلطوا عليه سفهاءهم، فوقفوا صفين في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فصاروا يسبونه ويسخرون منه ويلقونه بالحجارة. وهذا يحدث لمن؟ للرجل الحسيب النسيب الشريف، أكرَمِ... أكرَمِ خلقِ اللهِ على الله وأحسنهم في دنيا البشر، حتى أدميت قدمه الشريفة وأدمي عقبه الشريفة وسال الدم على نعله، وكان سيدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه يحاول أن يتلقى عنه الحجارة حتى شُج رأس... رأس زيد شجة منكرة، حتى أرهقوه، فألجأوه إلى حائط لابني ربيعة. الحائط يا جماعة هو البستان، الحائط في لغة العرب هو البستان، وهذا الحائط بستان يملكه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، اللي هم سيدي عبد شمس في مكة، لكن هم كانوا يعني إيه؟ في لحظة الصيف فكانوا يصطافون في هذا البستان الذي يملكونه في الطائف.

تخيل النبي صلى الله عليه وسلم يمشي وسفهاء الناس يرمونه بالحجارة! طبعاً هذه الدنيا، يعني هؤلاء السفهاء... السفهاء يا جماعة في كل وقت، في كل وقت السفهاء يقتلون أنفسهم بأنفسهم ويهلكون أنفسهم بأيديهم، والسفهاء هؤلاء هم عدة الطغاة وعدة السفاحين وعدة الضالين، يسلطون على أنفسهم ويقودون إلى حتفهم، هؤلاء السفاحون يقودون هؤلاء السفهاء إلى حتفهم، هؤلاء السفهاء لا يعرفون الهداية التي يحملها محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، كما تجد في كثير من الناس. نحن طبعاً في مصر نعيش في ذكرى 30 يونيو و3 يوليو، السفهاء الذين خرجوا في هذه... في هذه الأيام ساقوا أنفسهم إلى حتفهم بأيديهم. علشان كده يا جماعة الخير، أي داعية، أي صاحب رسالة يجب أن يعلم وأن يعرف أنه لو كان الله تبارك وتعالى سينجي أحداً من ضريبة الدعوة، لكان أكرم الناس عليه هو أولى إنسان بالنجاة من هذه الضريبة. تذكرون قول ورقة بن نوفل: "ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي". لازم كل من سار في طريق الحق لا بد أن يؤذى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء".

طيب، لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا البستان، رآه عتبة وشيبة، طبعاً الآن عتبة وشيبة هؤلاء رؤوس قريش، وما كان النبي يحب أن يعرف أمره، لكن الآن وجدوه يعني مهاناً ومضروباً وممرغاً صلى الله عليه وسلم، فتحركت فيهما الرحم. هم برضه في الآخر قرشيين وهذا رجل منهم، ونحن قلنا إنه عتبة وشيبة قريبون من النبي صلى الله عليه وسلم في النسب؛ لأنهم من بني عبد مناف: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، والنبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهم قريبون منه، فتحركت فيهما الرحم، فأمرا غلاماً لهما نصرانياً اسمه عداس أن يأخذ بقطف من عنب وأن يهديه وأن يعطيه للنبي صلى الله عليه وسلم. فجاء عداس الغلام النصراني بهذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "كل"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بسم الله" وأكل. قال عداس: "هذا شيء لا يقوله أهل هذه البلاد"، كلمة "بسم الله"، قال: "فمن أهل أي البلاد أنت يا عداس وما دينك؟"، قال: "أنا نصراني من قرية نينوى" -عندكم في العراق يا شيخ أبو بكر- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من بلد الرجل الصالح يونس بن متى"، طبعاً أنت لو... لو تلبست بشخصية عداس، رجل ما زال يقيم ويخدم قوماً أهل أوثان، تمام؟ زي كده لما شفت واحد مثلاً فلقيت رجلاً يخبرك عن شيء عميق في تاريخ بلدك لا يعرفه أحد، فما جاء قال: "وما أدراك ما يونس بن متى؟"، قال: "ذاك أخي، هو نبي وأنا نبي"، فأكب عليه صلى الله عليه وسلم يقبل يديه وقدميه ويبكي. طبعاً هذا المشهد رآه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما رجع إليهما عداس قالوا: "ما كنت تفعل؟ أكببت على رجليه تقبلهما؟"، قال: "ما في الدنيا أحد خير من هذا الرجل، لقد حدثني أنه نبي، أخو يونس بن متى". طبعاً إيه؟ عارف أنت لما يعني يُحاط بك فيدخل عليك ما تكره من أقطارها؟ فقالوا: "إياك أن يفتنك عن دينك، فدينك خير من دينه"، وطبعاً يعني كأنهم إيه؟ فعلوا حالة الطوارئ، يعني لأنهم وجدوا كلمتان... يعني وجدوا كلمتين قالهما النبي صلى الله عليه وسلم وصلوا إلى هذا.

فالمهم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف، في الحديث الذي... حديث الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "يا رسول الله، هل مر بك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟" -يوم أحد ده يوم هزيمة وجراح، والنبي نفسه جُرح، كُسرت ثنيتاه، دخلت حلقتا المغفر في وجهه، جُحشت ركبتاه، شُجت جبهته أصيب صلى الله عليه وسلم، وقد كاد يغتال صلى الله عليه وسلم- فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما مر بي حين أتيت عبد ياليل بن عبد كلال بتاع الطائف، فدعوته فلم يجبني بشيء، ثم سلطوا علي سفهاءهم، فانطلقت وأنا مهموم" -ركزوا معايا هنا- "فانطلقت وأنا مهموم، فلم أستفق إلا وأنا في قرن الثعالب". قرن الثعالب يا جماعة الخير منطقة بين مكة والطائف، بينها وبين الطائف 55 كيلومتراً. علمياً الإنسان يمشي في الساعة 6 كيلومترات، من جرب منكم المشي، الإنسان يمشي في الساعة 6 كيلومترات، 55 كيلومتراً يعني النبي صلى الله عليه وسلم مشى تسع ساعات وهو مهموم، يقول: "فلم أستفق إلا وأنا في قرن الثعالب". متصور؟ تسع ساعات مشي لم يشعر بها النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الهم! أنت إذا وضعت نفسك أمام النبي... مكان النبي صلى الله عليه وسلم، الآن نحن في العام العاشر للبعثة، عشر سنوات من محاولات الدعوة في مكة لم تسفر عن اقتناع أهل مكة، الأمل اللي كان موجود في الطائف باعتبارها العاصمة الثانية والمدينة الثانية كانت أشد عليه من مكة، بل سلطوا عليه سفهاءهم وهذا لم يحدث له في مكة، يعني أين المفر؟ أين السبيل؟ صعبة.

ولذلك لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة صلى ركعتين ودعا الدعاء المشهور، الدعاء اللي هو يعني ما يقرأه أحد إلا ويتأثر، وهو يقول: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي" -قلة حيلتي، لا أدري ماذا أفعل، ليس لي حيلة- "أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، لا أبالي بكل هذا، لا أبالي بالضعف، لا أبالي بالقلة، لا أبالي بالهوان، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك". هذا... هذا حديث وهذا دعاء جليل يصور لك نفس النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة.

وانتبهوا معي يا جماعة الخير، في هذا الدعاء ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، بشر يعني يغضب ويحزن ويتألم، يشعر بالقِلة، يشعر بالهوان، يشعر بالضعف. ولهذا كان النبي قدوة؛ لأن النبي بشر، كان قدوة لأنه لو نزل الله إلينا ملكاً رسولاً، لو كان الرسول من الملائكة، لو كان من صنف خارق من البشر، هل كان يصلح قدوة؟ دلوقتي أي حد لما يقول لك: "أنا مخي كمبيوتر"، ليه؟ لأنه لا يُقتدى بالكمبيوتر. قال تعالى: قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مَِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا، وكم تكرر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ. لكن تأمل أيضاً أن النبي مع كونه بشراً لا يبالي إلا برضا الله تبارك وتعالى، هذا هو الأمر الذي يخشى منه النبي صلى الله عليه وسلم: أن يكون ما هو فيه من البلاء شيء من غضب الله عليه أو من سخطه عليه، ولذلك يقول: "إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي"، لكن هو كبشر يقول: "غير أن عافيتك هي أوسع لي".

ولذلك نسأل الله لنا ولكم وللمسلمين... كان السلف يقولون: "سل الله العافية مع الشكر، العافية مع الشكر أفضل من البلاء مع الصبر، العافية مع الشكر أفضل من البلاء مع الصبر". ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم هذه... هذه طبيعة البشر، وجاء في قول الله تعالى: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ. الدعاة بمن فيهم الأنبياء والرسل ليسوا أقواماً يحبون المحن ولا يستعذبون العذاب ولا يهرولون إلى البلاء، لا، "إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي".

هنا يا جماعة وقفة مع مسألة الرضا، أن... أن يرضى الله عنك. أنا أُخبركم بتدريب، يعني هو لا يصلح له أن... أن نفعله في هذه الأنوار، لكن... وكذلك إخواننا الذين يتابعوننا على اليوتيوب، أرجو لو كل واحد منكم فرغ نفسه، أغلَقَ الأضواء، فرغ نفسه ويسأل نفسه بكل صدق وشفافية مع نفسه: أنا الآن... الآن... الآن، ما أكثر شيء أتمناه؟ اللي عايز يتجوز، اللي عايز يجيب عربية، اللي عايز يشتغل، اللي عايز يخلف، يعني... تمام؟ و... ا... بالمناسبة، تذكرت... المهم بلاش دي. أي واحد يتمنى الشيء القريب منه أياً ما كان، أياً ما كان، ثم يجمع على ذلك نفسه وقلبه وأعصابه ويتخيل أنه قد حصل له أو حصل عليه حتى يتشبع ويمتلئ بهذا الشعور. يعني اللي عايز يتجوز، اللي عايز يخلف، اللي عايز عربية، اللي عايز... اللي عايز يشتغل، أي حاجة، يتشبع بهذا الشعور حتى يرى أنه قد حازه بالفعل، يعني حاول تعيش هذه اللحظة، إذا... إذا وصلت إلى هذه اللحظة اكتبها.

يعني... ثم اسأل نفسك: وأنا في هذه اللحظة ماذا أتمنى؟ هنتقل بعد الجواز، بعد العربية، بعد الخلفِة إلى أمنية أخرى قريبة أيضاً، يعني اللي عايز يتجوز يخلف مثلاً، اللي عايز يخلف يخلف تاني، اللي عنده أولاد عايز بنت، اللي عنده بنات عايز ولد، أي... أياً ما يكن. لا... لكن طور نفسك إلى هذه المرحلة الثانية، وأيضاً اجمع نفسك وقلبك وعقلك وذهنك وضميرك حتى تمتلئ وتشعر بالفعل أنك حصلت على هذا الشيء. كمل هذه المسيرة حتى تصل إلى أمنية ليس بعدها أمنية، الأمنية التي ليس بعدها أمنية اكتبها. هذه أستطيع أن أقول ربما تكون حقيقة حالك، محتاجين نعدلها، مش محتاجين نعدلها، أياً ما كان. لكن أنا أشدد عليكم أن تحاولوا تنفيذ هذا التدريب وتحاولوا أن تعيشوا هذه اللحظة، هذا الأمر مؤثر، يعني جربته حتى مع نفسي وحتى مع بعض الأصدقاء قديماً، فهذا الأمر يعدل مع... بعض أمورك في الحياة.

طيب، الوقت انتهى، إن شاء الله أراكم في المجلس القادم، ويعني من فعلها على اليوتيوب يكتبها في التعليقات وأأخذها منكم إن شاء الله في المرة القادمة؛ لأن هناك سر يتعلق بهذه اللحظة، لحظة الطائف. فأسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحيوا جيلاً على خطى السابقين.