تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 97. وقفة مع قتلى بني قريظة والشبهات المثارة حولها

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم اجعل عملنا كله خالصا لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئا يا رب العالمين.

مرحبا بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلا. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس السابع من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. نسأل الله تبارك وتعالى كما آمنا به ولم نره ألا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخله. ونستأنف كلامنا في السيرة النبوية، وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند غزوة بني قريظة.

وتوقفنا عند العقوبة التي أنزلها النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة بتحكيم سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهي أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية. وذكرنا أن من بين من قتل، هذا الموضع الذي توقفنا عنده، ذكرنا أن من بين من قتل في هذا كان زعيم المؤامرة، وهو حيي بن أخطب. حيي بن أخطب الذي استذل بني قريظة حين أقنع زعيمهم كعب بن أسد بنقض العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعاهده أنه يدخل معه في حصنه.

وذكرنا أن حيي بن أخطب لما سيق إلى القتل، نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يغالب الله يغلب، ومن يخذل الله يخذل. وقال: يا أيها الناس، ملحمة كتبها الله على بني إسرائيل. ثم ضربت عنقه. وذكرنا أنه حيي بن أخطب هذا بموقفه هذا يعني أمر كبير وجليل يستحق دائما أن يكون نصب أعيننا، أن يكون الإنسان عالما وعارفا بأن هذا هو رسول الله، وأن يكون عارفا أنه يحارب الله، ومع ذلك يحارب الله ويعادي رسول الله.

هذا موقف يجب أن يخشى كل منا على نفسه فيه، لأنه ما من انسان هو بعيد عن هذا. طيب، كيف يكون؟ كيف يمكن للإنسان أن يبلغ هذا المبلغ؟ إذا أتبع نفسه هواها، إذا تكبر عن قبول الحق. الله تبارك وتعالى يعاقب الذين يتكبرون عن قبول الحق بأن يختم على قلوبهم ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون. إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ۝ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. وإذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وقالوا: إن نتبع الهدى معك، يعني معترفين أنه هدى، إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا.

فالإنسان حين يؤثر مصلحته، حين يتكبر، حين يتبع نفسه هواها، فانه يخشى أن يقذف الله في قلبه الكبر والعناد، وأن يفضي به هذا إلى ذلك المصير. وذكرنا أن العلم بدون تزكية نفس لا يغني عن المرء شيئا، بل قد يكون حجة عليه. هذا رجل يعلم صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك اختار أن يدخل النار. فزكية النفس قبل العلم، زكية النفس مع العلم كذلك. ربنا تبارك وتعالى امتنى على المؤمنين بأنه يزكيهم ويعلمهم. يزكيهم في البداية قبل التعليم، يزكيهم ويعلمهم، لأن العلم بدون زكية نفس يكون من وسائل الجريمة.

وكان من خزي الله تبارك وتعالى لحيي بن أخطب أن صارت بنته، أم المؤمنين، بنته صفية رضي الله عنها أسلمت فيما بعد، كانت من سبي خيبر وأسلمت فيما بعد وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، فصارت من أمهات المؤمنين. وهذا بالمناسبه متكرر متكرر عند كثير من رؤوس الكفر. نحن ذكرنا أن عتبة بن ربيعة كان ولده أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من السابقين للإسلام، والوليد بن المغيرة كان ابنه الوليد بن الوليد بن المغيرة من المسلمين، وابنه الآخر خالد بن الوليد كان من قادة المسلمين، أبو جهل، أبو جهل كان ولده عكرمة بن أبي جهل من المسلمين. أمية بن خلف كان ولده صفوان بن أمية فيما بعد أسلم وصار من المسلمين.

أبو جهل، أمه، أم أبي جهل، ما لا يعرفه الكثيرون أن أم أبي جهل أسلمت في عام الفتح وماتت في زمن عمر رضي الله عنها. فأسلمت وصارت من المسلمين. وذلك من خزي الله تبارك وتعالى لكثير من أهل الكفر. ومع ذلك، ومع ذلك حقيقة، لا يملك المرء إلا أن يعني ماذا أدري ماذا نسميها، نقول: المرء يعجب من ثبات حيي بن أخطب في موطن الصعوبة. يعني هذا رجل في موطن الموت، وكان على هذا القدر من التجلد. وصحيح هذا ثبات أفضى به إلى النار، لكن يظل الثبات ويظل التجلد شيء يعني تعجب به وإن كان في عدوك.

أبو جهل، وهو يموت، قال له عبد الله بن مسعود: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبما أخزاني؟ ما من عار على رجل يقتله قومه. ففي الآخر الذي قتلني كفا لي وندا لي. وهذا الذي تمنى سيدنا عمر رضي الله عنه أن يكون للمؤمنين، فكان سيدنا عمر يتعوذ من جلد الفاجر، جلد الفاجر وعجز الثقة. يعني سيدنا عمر كان لا يحب في المسلم أنه ما يكونش عنده هذا القدر من التجلد والتثبت والتصلب والإصرار، بينما يكون هذا لمن كان على الباطل. لأنه الإنسان الجلد، الإنسان المصر العازم على أمره، كثيرا ما يبلغه، كثيرا ما يبلغه.

أما الإنسان العاجز وعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فات أمر عاتب القدر. والنبي صلى الله عليه وسلم وصف بالعجز، يعني قال: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. الكيس، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. الإنسان حين تهزمه نفس، حين لا يكون صاحب جلد على أمره، لا يكون صاحب عزم في شأنه، فهذا يعني غالب أمره في الدنيا أنه لا يحقق ما يريد، وغالب أمره كذلك في الآخرة إن نجا. يعني ما أحب أن أتخير الألفاظ في مثل هذه الأمور، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصحابة العزم في كل شيء، حتى في الدعاء. قال: إذا سألتم فاعزموا المسألة، وليقل أحدكم: اللهم إني أسألك الفردوس الأعلى من الجنة. هذه يعني طبيعة ينبغي أن يكون تجلد الكافرين في كفرهم من الأمور التي نتقوى بها ونشتد بها.

طيب، النبي صلى الله عليه وسلم غنم ما عند بني قريظة، وكانت السلاح والأموال كثيرة، فيعني قيل في إحصائها أن المسلمين غنموا ألف وخمسمائة سيف، وألفي رمح، وفي رواية أخرى ألفي رمح، وغنموا خمسمائة درع أو درقة، وغنموا شيئا وأموالا وجـمالا كثيرة. وأما الأراضي، أو الديار اللي هي تسمى الأموال غير المنقولة، فقد وزعها النبي صلى الله عليه وسلم على المهاجرين، شرط أن يردوا على الأنصار ما كانوا قد اخذوه من الأنصار تمام.

ثم خمس النبي صلى الله عليه وسلم الغنيمة، نحن ذكرنا قبل ذلك في مسألة الغنيمة أنها تخمس إلى خمسة أجزاء؛ الخمس منها ينفق في مصالح المسلمين، يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، والأربعة أخماس توزع بين المقاتلين. فكان وزع النبي صلى الله عليه وسلم الأربعة أخماس الباقية؛ ثلاثة أسهم للفارس، وسهم للراجل. واما السبايا والنساء فقد ارسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى نجد لتباع في أسواق العرب، واشترى باثمانها سلاحا وخيولا، سلاحا وخيولا. وهذا امر ان شاء الله نتوقف معه بعد قليل في مسألة أهمية السلاح بالنسبة للأمم والدول.

ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم اصطفى من السبي جارية كان اسمها ريحانة بنت عمرو أو ريحانة بنت زيد. واختلف أهل العلم بالسير والمغازي فيها، فالأشهر والارجح، وهو قول الجمهور، أنها بقيت جارية عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها ماتت عنده قبل فتح، قبل موته، يعني ماتت في حجة الوداع قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل، قال بعض العلماء: بأنه اعتقها وتزوجها.

تمام، بقي معنا سيدنا ما كنا ذكرناه عن سيدنا أبي لبابه بن عبد المنذر. ذكرنا في المجلس الماضي أنه ربط نفسه في سارية المسجد، وقال: والله لا أطأ أرضا لا يرى وجهي وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينزل الله علي توبة، ولا أطأ أرض بني قريظة أبدا، هذه أرض يعني قد فعل فيها ذنبا اللي هو ما ذكرناه في المره الماضية من أنه أشار إلى حلقة الذبح، وأنه يخرج من ماله كله في سبيل الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يكفيك الثلث، يجزئك ثلث المال. ونزلت توبته من الله تبارك وتعالى، فبشره، بشرته بها أم سلمه، وقام الناس ليحلوه فقال: لا، إلا أن يحلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده. ومكث على ذلك ست ليال، حتى ثم حله النبي صلى الله عليه وسلم بيده.

طيب، انتهى أمر بني قريظة الآن، فبقيت معنا الحوادث التي بعد غزوة بني قريظة، أهم هذه الحوادث هي وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه. وذكرنا أن سعد بن معاذ حكم في بني قريظة هذا الحكم، وذكرنا أنه قال يعني بعد أن انقضى أمر بني قريظة، قال دعا ربه تبارك وتعالى فقال: اللهم إن كنت قد أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني له، فإنه ما من قوم أحب إلي من أن أجهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأذوه. وإن كنت إنما وضعت الحرب بيننا وبين قريش فافجرها واجعل موتتي فيها. افجرها يعني افجر هذا الجرح الذي، هذه الإصابة التي أصابته. وذكرنا أنه رمي بسهم في أكحله، وظل هذا الجرح، ذكرنا قبل ذلك أنه حين كان يعالجه النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا كواه استمسك الدم، ولكن تورم، فإذا ترك نزف. حتى دعا سعد أن يمسكها الله حتى، وقال: اللهم لا تذهبن نفسي، أو لا تأخذن نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستمسك الدم لم ينزف قطرة.

الآن في هذه اللحظة التي نحن فيها، كان هذا الجرح قد تورم تورما حتى وصل إلى صدره، فلما دعا هذه الدعوة دعوة انفجر الجرح من لَبَّتِه، اللبة هذه هي موضع القلادة، يعني كان منها هنا مبدأ انفجار الجرح الذي جرحه سيدنا سعد رضي الله عنه. فلم يرع الناس إلا وهذا الدم يسيل من خيمة سعد، ذكرنا أن النبي أقام له خيمة في المسجد لكي يكثر زيارته، فكان يقول له كل صبح: كيف أصبحت؟ حتى يقول له كل مساء: كيف أمسيت؟ لكي يقرب على النبي أمره.

في هذا اليوم ما انتبه الناس إلى جرح سعد إلا والدم يسيل من خيمته، فجاءه قومه بنو عبد الأشهل فحملوه إلى منازلهم. ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم جبريل وهو يقول له: من هذا الرجل الصالح الذي توفي اليوم؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو سعد بن معاذ، عرف ما قد حصل، راى أن أهله اخذوه إلى منازلهم، فاسرع النبي صلى الله عليه وسلم المشي إليه. أسرع المشي إليه، حتى إن صحابته يقولون في محاولات لحاقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى تقطعت شسوع نعالنا. شسع النعل بتعبيرنا المعاصر يا جماعه هو إيه؟ رباط الحذاء تمام. طبعا في ذلك الوقت كانت الأمور أبسط من هذا. قال: حتى تقطعت شسوع نعالنا، وحتى سقطت أرديتنا من على عواتقنا. فقلنا: يا رسول الله، أتعبتنا في المشي. قال: إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكه فتغسله كما غسلت حنظلة.

مين حنظلة؟ مين فاكر؟ أيوه، حنظلة بن أبي عامر الراهب الذي استشهد في أحد، وذكرنا أنه كان قد قام من زوجه في ليلة عرسه، فقتل وهو جنب، فرآه المسلمون بعد ذلك والماء يقطر منه، فقال النبي: غسلته الملائكة، فصار يسمى غسيل الملائكة. ثم أدركه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغسل، فوضع رأسه في حجر النبي، في وضع النبي رأس، رأس سعد في حجره. ثم قال: اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدق رسلك، وقضى الذي عليه، فاقبل روحه بخير ما تقبل به الأرواح.

بدأت أم سعد تقول: ويل أم سعد سعدا، صرامة ومجدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كل نائحة تكذب إلا أم سعد. يعني سعد مهما قيل فيه من المديح فهو إيه؟ جدير به، بينما سائر النائحات يضفين على أزواجهن بقى أو آبائهن ما ليس فيهن.

وروى الشيخان البخاري ومسلم أن سعدا لما مات اهتز له عرش الرحمن. وقالت عائشة رضي الله عنها، وهذا حديث عند أحمد في فضائل الصحابه بسند حسن، قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان أشد فقد على المسلمين من النبي وصاحبيه، من سعد، سعد بن معاذ رضي الله عنه. وذكرت عائشة رضي الله عنها أيضا في حديث آخر أنها قالت: فسمعت بكاء، بكاء أبي بكر وعمر عليه حتى ميزت بكاء أبي بكر من بكاء عمر. وكانوا كما قال الله فيهم: رحماء بينهم.

وفي زيادة قواها الحافظ ابن كثير في البدايه والنهاية، قالت: قيل لها فما صنع مع رسول الله؟ قالت: كانت عينه تدمع على أحد، غير أنه إذا وجد على أحد كان يرى قابضا على لحيته. فكان هذا يعني إيه مظهر حزن النبي صلى الله عليه وسلم.

فثم في حديث حسن أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم راى أم سعد تبكي، فقال لها: ألا يرقأ دمعك؟ فإن

ولدك هو أول من ضحك الله جل وعلا إليه، هذه منزلة منزلة عظيمة جداً جداً، واهتز له العرش، ونزل في جنازة سعد سبعون ألفاً من الملائكة يشيعونه لم ينزلوا إلى الأرض قط. ولما ذكر بعض المنافقين محاولاً تنقيص سعد بن معاذ أن جنازته كانت خفيفة، سيدنا سعد هذا كان طويلاً عريضاً أبيضاً جميلاً أعيناً، أعيناً يعني واسع العينين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وكيف لا وقد حملته الملائكة؟ فثبت أن الملائكة شيعت سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه. وفيما بعد روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة من حرير فكان الصحابة يمسونها ويتعجبون من لينها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من لينها لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين.

طيب، طبعا نحن الآن أمام وفاة رجل هو من كبار المسلمين ومن عمالقتهم ومن سادتهم. لو نتذكر سيدنا ابن معاذ سيدنا سعد بن معاذ عمره في الإسلام كم سنة يا جماعة؟ عمره في الإسلام ست سنوات فقط. شوف، ست سنوات واهتز لموته عرش الرحمن، وفيه هذا كله لأن سيدنا سعد كان زعيم الأوس، الأوس أسلموا بإسلام سيدنا سعد. من كان منكم يذكر أن سيدنا مصعب بن عمير النجاح الأهم الذي نجحه في المدينة أنه استطاع إقناع سيدنا سعد بن معاذ لما كان مع أسيد بن حضير، قال له: هذا سيد قومه، فاصدق الله فيه كما ذكرناه قبل ذلك. وكان سعد إذا رفع حربته لم يضعها إلا وهي يقطر منها الدم.

فلما أقبل على مصعب بن عمير قال: ألا تجلس فتسمع ما نقول؟ فإن أعجبك ورضيته وإلا كفنا عنك ما تكره. فكان دخول سيدنا مصعب إلى نفسه، ثم حدثه عن الإسلام فأسلم. فكان من يومه، هذا يدل على الزعامة وقوة الشخصية، من يومه رجع إلى قومه وهو يقول: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام إلا أن تسلموا، فأسلموا بإسلامه. هذا هو النجاح الأكبر في فتح المدينة وفي أن تكون موطن الإسلام وبلد الإسلام ودار الإسلام. وذكرنا قبل ذلك يعني الآن إذا نتذكر معا ماذا كان سعد، فسعد هذا هو الرجل الأهم في فتح المدينة وفي أن تصير دار الإسلام. وسعد هذا الذي وقف أمام أبي جهل، تذكرون الحادثة التي تعتبر لحظة اعلان الحرب؟ ذكرنا أن سيدنا سعد بن معاذ كان صديقاً لصفوان بن أمية في الجاهلية، وكان يقدم إلى، كان صفوان إذا ذهب إلى الشام نزل في بيت سعد في المدينة، وإذا اعتمر سعد نزل في بيت صفوان في مكة. فلما كان ذلك بعد الهجرة ونزل سعد في بيت، في بيت أمية بن خلف أسف، في بيت أمية بن خلف، كلما ذكرت صفوان خطأ الصحيح هو أمية بن خلف أبوه، قال له: التمس لي وقتاً حتى أطوف بالبيت. طاف بالبيت فوجد أبا جهل فقال له أبو جهل: أويتم الصباة؟ أيوه يعني أنتم البلد اللي، اللي كنتم مأوى للجماعة الإرهابيين، أويتم الصباة؟ والله لولا أنك مع أبي علي اللي هو أمية بن خلف ما رجعت إلى دارك. فقال سيدنا سعد: والله لو منعتني البيت لأمنعن عنك طريقك إلى الشام. كانت دي لحظة إعلان الحرب أو اللحظة التي يعني ظهر فيها أنه الحرب مستعرة بين الجانبين، وأنه خلاص لم يعد أحدهما يأمن على نفسه في دار الآخر.

سيدنا سعد بن معاذ هو صاحب الكلمة الجليلة الكبيرة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر وكان يقول: أشير علي أيها الناس. قام أبو بكر فتكلم فأحسن، قام عمر فتكلم فأحسن، قام المقداد فتكلم فأحسن. والنبي يقول: أشير علي أيها الناس. سيدنا سعد بن معاذ قال: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ كأنك تقصدنا؟ والحق عندي أن جلالة سعد بن معاذ ليست في الكلمه التي سيقولها لوحدها، وإنما في أنه كان جالساً لا يخطر بباله أن النبي يقصده. يعني رجل جند نفسه للإسلام لدرجة أن النبي وهو بيقول: رأيكم إيه؟ رأيكم إيه؟ رأيكم إيه؟ ما كانش متصور أنه مقصود بهذا، هذا هذه هي العظمة، العظمة يعني العالية الرفيعة، أنه ما كان يتصور أن أن رأيه مطلوب أصلاً. كأنك تقصدنا يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال: يا رسول الله، والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، إنا لصدق في الحرب صبر عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك. وكانت هذه غزوة بدر أول غزوة كان فيها الأنصار، وقد كان أغلب شهدائها من الأنصار، وكان سيدنا سعد بن معاذ كان حامل لواء الأنصار في بدر. وفي أحد قتل أخوه عمرو بن معاذ رضي الله عنه. وكان سيدنا سعد ممن وافق رأي سيدنا عمر في مسألة الأسرى في بدر، يعني نزل حكم الله موافقاً لحكم عمر وسعد بن معاذ في مسألة أسرى بدر.

وكان سيدنا أيضا سعد بن معاذ كان مع سعد بن عبادة أصحاب الموقف الجليل لما كانوا في غزوة بني النضير والنبي صلى الله عليه وسلم خيرهم، قال لهم: غنائم بني النضير هذه أوزعها على المهاجرين ويخرجوا من دياركم أم أقسمها بينكم؟ فسيدنا سعد بن معاذ وسيدنا سعد بن عبادة قالوا: يا رسول الله، قسمها على المهاجرين ويظلون في ديارنا. فأنت ترى جانباً آخر من عظمة سيدنا سعد بن معاذ، النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي استشاره في مسألة غطفان، وهو الذي نهض لكي يستطلع راي بني قريظة في غزوة الأحزاب، وهو مع سيدنا سعد بن معاذ كان الذي قال: هذا العرض مرفوض، اللي هو عرض والله ما لقد كنا في الجاهلية وما يجرؤ أحد منهم على أن يأخذ تمرة من من ثمار المدينة إلا قرى أو شراء. وسيدنا سعد كما ذكرنا أنه النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بأنه خير الأنصار، قال: قوموا إلى سيدكم، أو قوموا إلى خيركم.

فأنت ترى أن سيدنا سعد بن معاذ يعني هذا موقف عظيم، شخصية كبيرة، وكما تراه وافق حكمه في غزوة بني قريظة حكم الله تبارك وتعالى من فوق سبع سماوات، وكما ترى أنه تجرد لله تبارك وتعالى وقال: إن لسعد اليوم ألا تأخذه في الله لومة لائم. فأنت يعني نحن الآن حقيقة أمام عملاق من عمالقه المسلمين. رحم الله سيدنا سعداً ورضي عنه.

ومع ذلك فيجب أن أذكر نفسي واياكم بأمر مهم في شأن سيدنا سعد، وهذا حديث جليل وكبير وحقيقة مرعب. لما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على دفن سعد رضي الله عنه قال: إن لهذا، إن للقبر ضغطة، إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ. فنسال الله أن يخفف عنا شؤون الآخرة.

يعني في هذا الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي سعد بن معاذ فلما صلى ووضعه في قبره وسوى عليه سبح رسول الله فسبحنا طويلاً، ثم كبر فكبرنا. فقيل: يا رسول الله، لما سبحت ثم كبرت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه الله عز وجل عنه. ورواية عائشة هي التي ذكرت لكم: إن لهذا القبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ.

وحقيقة وجدت كلمة جميلة هنا للإمام الذهبي، الإمام الذهبي عبر عن يعني اتجاه بعض العلماء في مسألة أن هذه الأمور أو هذه الضغطة هي ليست من عذاب القبر وإنما هي من شؤون الآخرة أو من آلام الآخرة. فالكلمة الجميلة للإمام الذهبي هذه أقرأها لكم، قال فيها: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من المرض وألم خروج نفسه وألم سؤاله في القبر وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار (وإن منكم إلا واردها)، ما فيش حد مش هيعدي على النار. وانتم تعرفون قول ربنا تبارك وتعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا. آية مزلزلة يعني. إذا قال الله، إذا قال الله: ما فيش حد منكم إلا وهيعدي على النار وهذا علي حتم مقضي. ولذلك روي عن عدد من الصحابة أنه كان عند هذه الآية يبكي ولا يستطيع، عدد من السلف أنه كان عند هذه الآية يبكي ولا يستطيع أن يجاوزها وهو يقول: يعني وعدت بالورود ولم أوعد بالنجاة. الآية التي بعدها: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا.

يقول الإمام الذهبي: ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه. ويذكر الإمام الذهبي أوصافاً يرى أنها يعني يقول بأنها تعم، كما قال الله تبارك وتعالى في وصف يوم القيامة: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، فيوم الحسرة ده كل الناس هتتحسر. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث يذكر أنه ما من عبد إلا ويتحسر يوم القيامة؛ أما الشقي فيتحصر إن لم يكن قد أحسن، وأما المحسن فيتحصر أنه لم يكنيه قد زاد في إحسانه. كل واحد يوم القيامة، يوم الحسرة. وقوله تبارك وتعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ. فيعني معنى كلام الإمام الذهبي رحمه الله أن آلام بعض الآلام وبعض الكربات في يوم القيامة تشمل الجميع، ولكن الله يرفق بعبده التقي في بعض ذلك أو كله.

تمام يا جماعه الخير؟ طيب، الآن معنا فقرة فقرة شبهات. وفقرة الشبهات هذه فقرة طريفه دائماً. فقد زاد في عصرنا هذا أن تكلم كثير من المسلمين، طبعا تكلم كثير من الكافرين هذا مفهوم، لكن الماساة والمصيبة التي نتحدث فيها الآن أن تكلم كثير من المسلمين في شان عقوبة بني قريظة، وكثير منهم رأى وشعر بأن هذه العقوبة عقوبة شديدة وعقوبة نافية للرحمة وعقوبات نافية للعدل، ولذلك اجتهد بعضهم في إنكارها، واجتهد بعضهم في تقليل أعداد القتلى من بني قريظة، واجتهد بعضهم في تضعيف الأحاديث. وقد قرأت من هذا كتباً وأبحاثاً ورأيت مقاطع ومشاهد، ومن من هؤلاء فضلاء، يعني لا أقول بأن كل الذين تكلموا في هذا ليسوا ليسوا فضلاء بل منهم فضلاء، ولكنهم وقعوا في هذا الأمر. فلذلك يا جماعة ما من انسان يقرا في السيرة النبوية لكاتب غير مسلم من الغربيين أو من العرب إلا وسيجد مسألة بني قريظة من الأمور التي يطعن بها أو تنتقد على النبي صلى الله عليه وسلم، يعني حتى بعض المنصفين من المستشرقين لا يفوت هذا، رجل مثل مونتجومري وت وغير رجل مثل مارشال هودجسون وغيرهم يعني من المستشرقين الذين كتبوا وكانت لهم انصاف، كان لهم انصاف كبير للنبي صلى الله عليه وسلم، هذه من الأمور التي لم ينصفوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم.

وكما ذكرت لكم أن بعض المسلمين اجتهد لكي يضاعف الأحاديث ولكي يلفق بعض الروايات لكي يجعل مثلاً قتلى بني قريظة مش أربعمائة وإنما هم مجرد أربعين رجل فقط، ويقوم في هذا بمناورات مناورات علمية ومنهجية فاسدة مع الأسف الشديد. فالآن نناقش هذه المسألة بمنهج علمي أولاً. شوفوا يا جماعة، صلوا على النبي. احنا خلينا نبدأ بالعمودين الأساسيين اللذين ينبغي أن نقصدهما في كل شبهة. العمود الأول هو: هل ما ورد صحيح؟ هذا سؤال علمي بحت يجاب عنه بالعلم، تمام. وديننا في هذا هو انفرد بما لم ينفرد به أحد أبدا، أنه كل رواية موجودة في السيرة النبوية نحن نعرف درجتها من الصحة والضعف. إذا كانت مسندة عرفنا إسنادها، إذا كانت غير مسندة عرفنا أن هذه المعلومة وردت بغير إسناد. مسندة، كل إسناد عارفين رتبته، وبالتالي فأول ما يُسأل: النبي صلى الله عليه وسلم هل أوقع هذه العقوبة ببني قريظة وقتل أربعمائة من رجالهم؟ طبعا الروايات الواردة أربعون أو أربعمائة أو سستمائة أو سبعمائة، تمام، هذه الروايات الواردة. طيب، الروايات الصحيحة الراجحة هو أربعمائة. أربعون هذه رواية ضعيفة جداً جداً، وستمائة أو سبعمائة رواية أقل رجوحاً من رواية الأربعمائة.

المعلومة اللي احنا بنقولها دلوقتي بكل هذه البساطة وبكل هذا الوضوح لا تستطيع أمة من الأمم أن تقولها في تاريخها ولا تراثها أبدا، ليه؟ لأنه لدينا نحن المسلمين أناس جلست لتتبع الاقوال والروايات والاسانيد والذهاب سفراً وراء الأحاديث ووراء أصحاب الروايات، حتى أخرجوا لنا في الكتب كل رواية من الذي رواها وكل راوي من هؤلاء الرواة ما تقييمه على ميزان الضبط والعدالة والاتصال ولقاء شيخه وحسن أدائه لمن بعده؟ وهذا علم انفرد به المسلمون. هذا علم انفرض، يعني لا النصارى يستطيعون أن يحرروا حياة عيسى، ولا اليهود يستطيعون أن يحرروا حياة موسى بأي منهج علمي. فبالتالي احنا قلنا في عمودين نقصدهم قبل كل بداية كل شبهة، العمود الأول: هل صح هذا؟ هل ورد هذا؟ فالذي عندنا أنه صح، ده العمود الأول.

العمود الثاني: طالما أن هذا قد فعله رسول الله فهو الحق، هذا إيمان المسلم. هذا الحق، عاجب الناس مش عاجب الناس، أنت متقبله مش متقبله، دي مشكلة نحلها مع بعض بعدين، لكن ينبغي أن يتقرر في ذهن المسلم أن الأمر طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وثبت ذلك عنه فهو الحق، وينبغي أن يعدل المرء أفكاره ومشاعره لتكون تبعاً لما جاء به النبي.

تمام، نضرب المثال البسيط: سيدنا أبو بكر قيل له: صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس.

وعادا في ليلة: الكلام ده يعقل يا جماعة؟ بالعقل! يعقل كده؟ ما يعقلش. سيدنا أبو بكر قال إيه؟ عمل العمودين اللي احنا بنقولهم دول، إن كان قال: إن كان قال الثبوت أهو فقد صدق. إزاي يا أستاذ أبو بكر ده أنت راجل بتفهم وعاقل ومش يعني مش واحد عاطفي ولا ساذج؟ قال: إني أصدقه في خبر السماء، أنا أصدق هذا الرجل في أنه خبر السماء يأتيه، أفلا أصدقه في ذلك؟ هذا هو المنهج العلمي الذي آمن بأن النبي موصول بالسماء مؤيد بالوحي، يجب أن يعرف أو يجب أن يقهر نفسه ويحدد مشاعره ومزاجه لتكون تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك في الحديث: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ.

لكن هتقعد تقيم والله النبي في الحته دي غلط ولا النبي ما غلطش، الموضوع ده ينفع الموضوع ده ما ينفعش، أنت كده إيه يعني خرجت من جملة المؤمنين الذين يسلمون، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. المؤمن يسلم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، مش هيسلم؟ مش هيسلم ده بقى إيه أمر آخر، هذا ليس من جملة المؤمنين، ده واحد عنده كده مشكله في إيمانه، يبقى بقى مستشرق، يبقى عنده مشاكل، المهم أياً ما يكن يعني.

لأن المؤمن، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. دي طبيعة المؤمن. فدلوقتي عرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل 40 أو قتل 400 أو قتل 4000 أو قتل 400000، طالما ثبت أن هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، يبقى ما فعله النبي إيه هو الحق. ده كده دي مبادئ التعامل مع الشبهة.

طيب، تعال بقى ندخل في التفاصيل، تعال ندخل في التفاصيل. الأول بنو قريظة كانوا يستحقون مثل هذه العقوبة ولا لا؟ الآن لما احنا بنشوف، نشوف ماذا فعل بنو قريظة؟ بنو قريظة أولاً نقضوا العهد الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، العهد الذي كان مع النبي كان يقول بأنه من أهل يثرب فهم يد عليه، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، تمام؟ يبقى أولاً هم تخلوا عن القتال مع النبي صلى الله عليه وسلم تجاه من أتى يثرب، ثم زادوا على ذلك إجراماً آخر بأنهم عاونوا وظاهروا هذا العدو الذي جاء يريد النيل من النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، ثم كان هذا في أشد الأوقات حرجاً وضيقاً على المسلمين، في لحظة الحرب بالخيانه، في لحظة الحرب، وهاجموا بدرت منهم محاولات للهجوم على بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ذراري المسلمين كما ذكرناه، ثم أنهم لما أن يعني رحل الأحزاب وجاءهم جيش المسلمين عزموا على القتال، وأول ما ذهب إليهم سيدنا علي بن أبي طالب سبوه وسبوا النبي صلى الله عليه وسلم سباً قبيحاً، عزموا على القتال.

إذاً الآن ماذا تفعل الدول للأقلية التي ارتكبت جريمة الخيانة العظمى في لحظة الحرب؟ يعني ماذا يمكن لدولة إذا أقلية من الأقليرات داخلها انتت واشتغلت كعضو يعني كعدو داخلي في لحظة الحرب؟ لا يختلف أحد، لا يختلف أحد على أنه القتل، لا يختلف أحد في ذلك، بل إن الدول المعاصرة، الدول بتاعت الحرية والديمقراطية والعدالة اللي طالع منها الذين يشنعون على النبي دول، ربما دون أن تفكر الأقلية بالانضمام إلى الجيش الغازي، يعني مثلاً الأمركان لما، ماذا فعلت الأمركان في الحرب العالمية الثانية مع اليابانيين؟ بمجرد ما دخلت اليابان الحرب العالمية الثانية، الأمركان بدون أي بادرة من الناس الأمركان اللي أصولهم يابانية أو اليابانيين اللي عايشين في أمريكا، وضعتهم في معسكرات اعتقال جماعي، ده دون أن يبدو منهم شيء ولا يبدر منهم شيء.

طيب، ماذا فعل مثلاً الألمان في اليهود في الحرب العالمية الثانية؟ ساقوهم إلى السجون وإلى أفران الغاز، وعملوا عليهم حتى تجارب طبية، يعني عايزين نشوف غاز الخردل ده كيف تأثيراً في الناس، يجيب واحد من المساجين اليهودي ويجرب عليه غاز الخردل، تمام؟ إذاً الدول المعاصرة لا تتسامح أبداً أبداً في أن تقوم أقلية ما بارتكاب جريمة الخيانة العظمى بالذات في لحظة الحرب.

ماشي، الأمر الثاني: الآن ما الذي كان سيحدث لو أن خطة اليهود نجحت؟ يعني الآن احنا في بعض الناس اللي هم أصحاب القلوب اللطيفة دول يشعرون بالشفقه ويشعرون بالقسوة تجاه هذه العقوبة، طب كويس، ماذا كان سيحدث لو أن اليهود نجحت خطتهم؟ ألم يكن المسلمون قتلى وتكون نساءهم وذراريهم سبايا؟ هو مش ده اللي هيحصل؟ زمان ما كانش في سجون أصله يعني، زمان ما كانش في عقوبة أخرى، ما كانش في مصير آخر إذا انتصر المسلمون، فهذا هو الذي سينزل بعدوهم، إذا انتصر هذا العدو فهذا الذي سيحصل في المسلمين، يعني كل قيادات المسلمين من أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد بن معاذ كل هؤلاء سيكونون قتلى، ونساء المسلمين وأبناء المسلمين كانوا سيكونون سبايا.

إذاً يعني كما الشيخ أبو زهرة يقول إيه؟ لا يلام المقاتل في الميدان إن قتل، فهو إن لم يكن الققاتل كان إيه؟ كان المقتول. فالآن الغنم بالغرم، يعني الذي كان سيتمتع به اليهود من الأموال والنساء والقتل هو نفسه الذي وقع بهم حين هزموا.

طيب، الآن يجب أيضاً في ذلك أن نتذكر أن هذه العقوبة لم تشمل كل بني قريظة، وإنما الذين رفضوا أن يخونوا ويغدروا من بني قريظة كما ذكرناه أبناء سعنة أو سعيبة على الخلاف بين الروايات، إنما خرجوا وهؤلاء لم ينزل بهم عقوبة، وكما سنرى مع عمرو بن سعدي القرظي، هذا رجل رفض أن يخون المسلمين وأن يغدر بهم، فهذا أيضاً خرج ووجيش المسلمين حاضر ولم يمسه المسلمون، إذاً العقوبة لم تكن عقوبة عامة، إذاً العقوبة في حقيقتها نزلت بهؤلاء الذين شايعوا وتابعوا ورضوا بنقض العهد مع المسلمين.

طيب، وبالتالي تعالوا يعني هكذا أيضاً هنا أمر شعرت أن كثيراً من الناس لا ينتبه إليه، زمان يا جماعة الخير لم يكن هناك تفريق بين المدني والعسكري، يعني في زماننا هذا في تفريق واضح بين المدني والعسكري، العدو بيلتزم به؟ لا، ما بيلتزمش، بس هو هو تقسيم نظري، لكن زمان يا جماعة الخير ما كانش في هذه القسمة بين المدني والعسكري، زمان كان كل من يبلغ الحلم من الذكور فهو مقاتل، ولذلك ترى الروايات مثلاً سيدنا سعد بن معاذ يقول إيه؟ أن تقتل رجالهم، وفي رواية أخرى: أن تقتل مقاتلتهم، فالرجال هم إيه؟ هم المقاتلين، لا يتصور في ذلك الزمن أهل ذلك الزمان لا يعرفون شيئاً اسمه رجل لا يقاتل، الرجل هو من يقاتل.

الرجل هذا على نوعين: بلغ الحلم صار رجلاً مقاتلاً، لم يبلغ الحلم صار صبياً، ولذلك مثلاً كما ترون في حديث الصحابي القرظي قال: أكنت فيمن سبي من بني قريظة؟ ماذا كانت يعني ما هي العلامة التي يفرق بها الناس في ذلك الزمن بين المقاتل وبين الصبي؟ أن ينبت عنده شعر العانة، دي علامة البلوغ، نبت عنده شعر العانة يعني صار رجلاً، لم ينبت يعني ما زال صبياً، يقول: فكنت فيمن لم ينبت فكنت في السبي وأسلم بعد ذلك.

فكثير من المعاصرين لا ينتبه، يعني يظن إيه؟ يظن أن العقوبة نزلت على بني قريظة بمن فيهم من الجمهور البريء، يا جماعة زمان ما كانش في حاجة اسمها الجمهور البريء، زمان كان كل الرجال يقاتلون، الجماعة البراء دول هم النساء والصبيان، وعشان زمان ما كانش في منظومة سجون، فكان العقوبة التي يعرفها البشر دائماً هو أن النساء والصبيان يدخل في الاسترقاق، طبعاً في مكان آخر وفي مقام آخر ممكن نناقش أيهما أفضل الاسترقاق الذي كان قديماً ولا السجون الحديثة؟ وأنا متصور أنه لو عرض يعني بموضوعية وعدل على كل المسجونين دلوقتي: إيه رايكم يا جماعة تخرجوا من السجون وتبقوا مسترقين على النمط القديم بتاع الجاهلية وبتاع الإسلام؟ أنا لا أشك في أن كل الناس هتختار تطلع من السجون وتبقى مسترقة على هذا النمط.

لكن القصد في النهاية أنه لم تكن هناك عقوبة أخرى أصلاً، تمام، وهؤلاء الذين قتلوا هم الذين كانوا إذا انتصروا سيتمتعون بنساء المسلمين وصبيانهم، فالغنم بالغرم. طيب، ونيجي نسال الجماعة أصحاب القلوب الرقيقة، طيب ماذا كان يمكن أن يعاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني الآن لو، استغفر الله، طبعاً احنا دلوقتي عمالين نتنزل في الجدال، احنا قلنا المسلم يسلم بأن ما فعله النبي هو إيه؟ هو الحق، لكن دلوقتي تعالوا نتنزل في الجدال، أنت يا أستاذ يا صاحب القلب الرقيق لو كنت موجود ساعتها كنت بما تشير؟ هو طبعاً من الغرور أن واحد يفتكر أنه عنده رأي يعني كان خيراً وأحكم من جمهور الصحابة والتابعين، جزاكم الله خيراً، الله يبارك فيك، جاءت في وقتها واضح يا جماعة؟

يعني لما واحد يقول لك: أنا لو كنت موجود كان هيبقى عندي رأي تاني، يعني مش عايز أقول نخشى عليه الكفر، مش ده الموضوع، يعني عايز أقول نخشى عليه، أنت يا ابني عاقل؟ أنت في كامل قواك العقلية؟ يعني أنت متصور أن هيبقى عندك رأي خير مما توصل إليه النبي وكبار الصحابة والتابعين؟ المهم ما كانش في تابعين بقى في وقتها دلوقتي، لكن المهم دلوقتي ما الذي كان يمكن أن يعفو النبي عنهم مثلاً؟ يعني لو تخيلنا هل كان من الرأي أن يعفو النبي عنهم؟ طيب كيف يمكن أن مع اعترافنا بأنه ما فيش دولة بتعفو عن الخيانة العظمى بالذات في اوقات الحرب، لكن تخيل يا سيدي أن النبي صلى الله عليه وسلم عفى عنهم، هل يمكن أن يعفى عن هؤلاء ويظلوا يمثلوا هذه الخطورة في المدينة في ذلك الوقت؟

يعني الواحد، عارفين أنتم المثل المشهور اللي بيقول لك إيه؟ واحد أخذ جرو ذئب، ذئب صغير، ورباه معاه في الغنم، أول ما كبر عدى على الغنم فقال له إيه؟ قال له: من أنباك أن أباع ذيب؟ أنت طول حياتك وانت عايش مع مين؟ مع دول، أمك وأخواتك، يعني من الغنم، مين اللي قال لك أن أبوك كان ذئباً؟ طبع موجود.

فأنت دلوقتي اكتشفت أن هذا الكائن بجوارك هو متلمظ ومتلهف للفرصة التي ينقض عليك فيها، هل من الطبيعي أنك تعفو عنه؟ لا يقوم بهذا أحد عاقل. طيب ما الذي كان يمكن أن يحدث؟ أن يجليهم من المدينة بأموالهم أو بغير أموالهم، بسلاحهم أو بغير سلاحهم؟ طيب ألا نتذكر أن الجماعة بتوع بني النضير الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا هم مفجروا غزوة الأحزاب؟ يعني الآن نضيف إلى قوة اليهود الذين في خيبر نضيف إليهم كمان قوة اليهود بتوع بنو قريظة، فينتظموا إلى قوة بني النضير وننتظر خطة أخرى أكثر إحكاماً وأكثر اتساعاً.

فما يستطيع أحد من هؤلاء الذين ينتقدون أو يطعنون على هذا ما ننتظر منهم أن يجيبوا إجابة عاقلة عن عقوبة أخرى ممكنة وعاقلة يمكن أن تقوم بها دولة من الدول في أي زمان ومكان، فكان هذا الذي نزل بهم هم مما من الأمور التي يستحقونها.

وبالمناسبة على فكرة يعني مما يجب أن ننتبه له، أنه المسلمين اللي بيقولوا كده هم أكثر الناس المذبوحين في ذلك العصر، ودي على فكرة يا جماعة الخير من عيوب الاستضعاف، الإنسان المذلول المسحوق ده أكثر واحد بيتكلم عن الرحمة والتسامح، مع أن الرحمة والتسامح بتوعه دي مش نافعاه بحاجة ولا حدش مهتم بيه، يقعد يرحم ويتسامح ويكتب وينظر، يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن. المفروض الناس المذبوحين المقتولين دول أول حاجة تبقى عندهم إيه؟ هو الحديث عن القوة، عن البأس، عن القصاص، عن رد الضربة بمثلها أو بأشد منها، إنما تبقى مذبوح ومقتول ومستضعف وعندك أزمة مع النبي صلى الله عليه وسلم، يعني هذه من مآسي الحالة الإسلامية المعاصرة.

أنك تلاقي الواحد في زمن الضعف هذا: يا أخي أنا بين ينتقد معاويه مثلاً وينتقد بني أمية وينتقد العباسيين وينتقد العثمانيين يقول لك: يعني لم يديروا الأمر بشكل جيد، يا عم تلهي تلهي أن الناس كانت تحكم الدنيا وتحكم العالم وتدير العالم قوة عالمية في وقتها، يقول لك: أصل يعني.

المهم، فمن من عيوب زمن الاستضعاف والذلة دي أنه أن يتحدث الناس عن الرحمة والتسامح بما لم يتكلم به الذين كانوا في زمن القوة. ونرجع في النهاية ونقول إيه؟ حتى لو أخذنا الأمر من منطلق قانون بحت، النبي صلى الله عليه وسلم إنما عرض عليهم أو هم الذين عرضوا عليه أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، يعني المفروض حتى بالشكل القانوني البحت هؤلاء أناس ارتضوا حكماً، والحكم الذي ارتضوه حكم عليهم بهذا الحكم، يبقى إيه؟ يبقى أنت زعلان عليهم أكثر ما هم كانوا حريصين على أنفسهم.

ويجب يعني يعني أنا أتكلم الآن عمال أتتنزل مع هذا الذي يطرح الشبهة في أن الذي حكم عليهم هو واحد من حلفائهم، ويجب أن يققال أيضاً أنهم كانوا عارفين، وإلا فاكرين لما ذكرنا أن سيدنا أبا لبابة بن عبد المنذر دخل إليهم ليستشيروه، فجعلوا أمامه النساء والصبيان وقد ثاروا يبكون بوجهه؟ هم كانوا عارفين، ولذلك كعب بن أسد لما قالوا له: ماذا يحدث؟ قال: أفي كل يوم لا تعقلون؟ ألا ترون أن الداعي لا ينزع، وأن الذاهب لا يرجع؟ هو والله القتل. فما كان ما كان يخطر بالبال أحد أن تكون لهم

عقوبة إلا هذه العقوبة. أتمنى أن أكون قد وفقت في إجمال المشهد فيما يخص هذه الشبهة المنتشرة عن القسوة وهي عقوبة بني قريظة كما يزعمون؛ فإن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو العدل، بل هو أجل العدل وأعدل العدل. طيب، الآن نتوقف مع دروس من غزوة بني قريظة غير الدروس التي كنا ذكرناها في ثناء الكلام.

الدرس الأول هو درس المبادرة؛ أنتم ترون أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل جاءه جبريل في بيت أم سلمة وقال له: هل وضعتم أسلحتكم؟ فإن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، وإني ذاهب إلى هؤلاء القوم. تمام، المبادرة، درس المبادرة. المبادرة يا جماعة الخير غالباً غالباً ما تكون خيراً، وحقيقة الإسلام يربي أبنائه أيضاً على المبادرة، ولذلك تجد قول الله تبارك وتعالى في عباده المؤمنين: وَسَارِعُواْ، وَسَابِقُواْ. في قول النبي صلى الله عليه وسلم: بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم. الإنسان المسلم، العاطفة التي تتكون عنده إذا يعني شرب القرآن والأحاديث؛ أن يكون مبادراً ومنبعثاً من تلقاء نفسه، فدرس المبادرة هو الدرس الأول في غزوة بني قريظة، نرى كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمبادرة وكيف أنه حين استحث المسلمين قال: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة؛ فبادر المسلمون إلى بني قريظة.

الأمر الثاني، الدرس الثاني هو ما نراه من المماطلة اليهودية المشهورة؛ يعني أنتم ترون هم ارتكبوا الجريمة، جريمة نقض العهد، ماذا فعلوا أولاً؟ تحصنوا ورفضوا النزول والخروج. في البداية أول ما بدأ طليعة جيش المسلمين ظنوها فرقة بسيطة بقيادة سيدنا علي بن أبي طالب، سبوا النبي صلى الله عليه وسلم ونساءه سباً قبيحاً، حتى إن سيدنا علي لما سمع هذا السباب من اليهود بادر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لا تأتهم، خليك بعيد كده بحيث إنك ما تسمعش. يعني فقال النبي: لعلك سمعت منهم ما يؤذيني ويؤذيك؟ قال: نعم يا رسول الله، فإنهم أخابث الناس. فلما ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا إخوان القردة والخنازير، هل أخزاكم الله؟ وشافوا بقى أن الموضوع جيش مش طليعة، قالوا: أَمَا كنت يا أبا القاسم جهولاً؟ مش معقول كده، أول مره نشوفك بتقول الكلام ده.

فشوف، يعني أنظر معي إلى هذا التدرج، بعد العتو والتجبر وسب النبي صلى الله عليه وسلم ينزل إلى إيه؟ التلطف. يرفض أن ينزل ويستسلم يعزم على القتال، لما يرى أن الأمر كبير يطلب أن يستشير واحداً من حلفائهم، أبا لبابة بن عبد المنذر. يعرض أن يخرج كما خرج بنو النضير، اللي هم يخرجون بأموالهم إلا السلاح. طيب بعدين، خلاص، يعرض عرضاً آخر أن يخرج من غير ماله، لا مال ولا سلاح حتى. طيب، أن ينزل على حكم سعد بن معاذ، أحد حلفائه.

وكل هذا التدرج في الموقف ما يحدث منهم إلا أن يحاصروا ويروا عزم النبي صلى الله عليه وسلم على القتال، على البقائية، حتى إنهم ما نزلوا بالنهاية إلا لما رأوا أن سيدنا علي رضي الله عنه والزبير بن العوام شنوا غارة شديدة عليهم، حتى يروى أن علياً رضي الله عنه قال: والله لأذوقن اليوم ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم. فكانت هناك عزمة، عزمة هجمة شديدة، فساحة إذ أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ينزلون على حكمه، أو أنهم ينزلون على حكم سعد بن معاذ. وبالتالي ترى هنا هذه الطبيعة، طبيعة الغدر عند الفرصة، التمسكن عند الأزمة، التسويف والمماطله، الدخول في مفاوضات.

ومن أجمل ما أنت سامع في هذا، فكرة كان قالها الاستاذ صبحي صالح فك الله أسراره، قال: هؤلاء فاوضوا الله تبارك وتعالى في بقرة، وكان وسيط التفاوض سيدنا موسى. يعني لك أن تتخيل، سيدنا موسى قال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. في حاجة مش واضحة؟ في حاجة مش واضحة في الكلمه دي؟ وبعدين ما قالهمش أنا، حتى قال لهم إيه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: طيب، ما تشوف لنا كده إيه البقرة دي مواصفاتها ايه؟ يعني شوف يخاطب الله عبر موسى: البقرة دي مواصفاتها إيه؟ قال لهم: طيب شددوا فشدد الله عليهم، قال: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَفَعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ. طيب، لونها إيه؟ يا عم، ما تجيب أي بقرة وخلاص؟ طب لونها إيه؟ ادع لنا ربك يبين لنا ما هي. طيب ماشي، إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. ضيقوا شددوا فشدد الله عليهم، وبعدين طب ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقرة تشابه علينا ده في حاجات كتير والله بهذا بهذه المواصفات. المهم يا جماعة، القصد هؤلاء قوم فعليا لا يتحركون إلا تحت الضغط ويعتمدون على حبل الناس، فهذا الدرس الثاني.

الدرس الثالث، أن الله تبارك وتعالى ينصر العاملين؛ أنت ترى الآن الملائكة تسير وتتقدم طليعة وتقذف الرعب في قلوب هؤلاء ولكنها تتقدم بذلك كله طليعة للمجاهدين، يعني المسلمين ما كانوش قاعدين في البيوت، احنا والله تعبنا من الاحزاب فموضوع ده معاكم بقى أنتم موضوع بني قريظة ده إن شاء الله تشيلوا الملائكة، احنا إيه تعبنا في موضوع الأحزاب؟ لا، الملائكة تسير طليعة لجيش من العاملين. الملائكة لا تنزل النصر على أو يعني لا تساعد جيش من الكساله ولا من القاعدين ولا تقذف الرعب في قلوب أعداء المسلمين إن لم يكونوا من المجاهدين.

الدرس الرابع، جواز قتال من نقض العهد؛ تخيلوا كده يا جماعة لو أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن بني قريظة، تخيلوا ما هي الرسالة التي يفهمها كل عدو للنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك؟ اللي هو يلا بينا يا جماعة نقدر بمحمد، والله فزنا عليه خير وبركة، غلبنا هنعمل إيه؟ هنتمسكن ونستعطف ونسترحم ونتوسل وهيبقى مصيرنا زي مصير بني قريظة. أليس هذا هو الذي سيحصل؟ لا، المسلمون لا ينبغي أبداً أبداً أن يكونوا مهيضي الجناح، أن يكونوا بلا قدرة بلا ثمن بلا ردع بلا بأس.

الدرس الخامس، قبول التحكيم في امور المسلمين؛ هذه ظاهرة وهي ماذا فعل سيدنا سعد بن معاذ؟ أن سيدنا سعداً فوض إليه أمر الحكم في هؤلاء، وهذا أمر احتاجه المسلمون فيما بعد في زمن علي رضي الله عنه. تعرفون في زمن علي لما خرج عليه الخوارج وقالوا: لا حكم إلا لله. فالمناظرة الشهيرة مع ابن عباس في مسألة التحكيم يحكم به ذوا عدل منكم، فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا. فهنا نرى في ذلك جواز أن يفوض أمر المسلمين إلى حكم الرجل العدل الصالح، هذا مما استفاده العلماء من غزوة الأحزاب.

الدرس السادس؛ كم باقي يا شيخ؟ لسه. طيب ماشي، الدرس السادس يا جماعة ما كان عند النبي صلى الله عليه وسلم من البصر بالناس ومن الكفاءة السياسية. أنت ترى الآن أن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الأنصار بالذات في الأوس أنهم يمكن أن يجدوا في أنفسهم شيئاً من أن يكون حلفاء الخزرج أحسن حظاً من حلفاء الأوس؛ يعني بني قينقاع لما تشفع لهم عبد الله بن أبي بن سلول. فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف؟ قال: ألا ترضون أن يكون الحكم فيهم لسعد بن معاذ؟ اللي هو سيد الأوس. طيب، لن ترى النبي صلى الله عليه وسلم يأتي في مرة من المرات ويقول إيه: ألا ترضون أن يكون الحكم فيهم لعبد الله بن أبي بن سلول؟

شوف، هذه هي القيادة؛ القيادة أن تعرف كيف إلى من تعهد بالامر، وأن تعهد بالأمر لهذا الشخص غير أن تعهد بالأمر لشخص آخر، وأن عهدك بالأمر لهذا الشخص يرضي هذه النفوس. هذه هي كفاءة القيادة عند النبي صلى الله عليه وسلم، علمه بنفوس الأوس وعلمه بسعد بن معاذ وعلمه بعبد الله بن أبي بن سلول. القيادة يا جماعة هي موهبة أن تجد الحل الذي تستطيع أن تحقق به الهدف بأقل قدر من الخسائر في صفك الداخلي، وطبعا ذروتها بارضاء كل الاتجاهات في صفك الداخلي.

فما الذي حصل هنا؟ وافق حكم سعد حكم الله تبارك وتعالى، ولكن لم ينتقص ذلك من أمر الأنصار شيئاً، لم يروا أنهم كانوا أقل حظاً من الخزرج، لم يروا أن حلفاءهم كانوا أقل حظاً من حلفاء الخزرج، والذي حكم فيهم هو من؟ سيد الأوس، فنحن الأوس، نحن من أنزلنا بهم هذا الحكم. وزيادة على هذا أن حكم صاحبنا وسيدنا وافق حكم الله تبارك وتعالى من فوق سبع سماوات. هذه الأمور من الكفاءة الإدارية والسياسية يحتاج يعني القادة والزعماء أن يتوقفوا عندها كثيراً وأن يتأملوها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

الدرس السابع من الغزوة هي ضرورة وقوع الخلاف بين المسلمين في الفروع؛ وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة. عمل إيه النص ده؟ انقسم الصحابه في فهمه على وجهين؛ وجه قال: لا أصليها إلا في بني قريظة، ولو جا المغرب، ولو جا العشاء. النبي قال إيه: المؤمن يصلي العصر فين؟ في بني قريظة، فكده إلغى التوقيت وثبت المكان. آخرون قالوا: إنما أراد بهذا القول استعجالنا؛ نظروا إلى الحكمة الكامنة وراء النبي وراء قول النبي صلى الله عليه وسلم، فأما إذا جاء الوقت فنصليها في الطريق ما وصلنش لبني قريظة.

طيب، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ورأى كلا الفريقين لم ينكر على أحد منهما. بالتاكيد في واحد فيهم صح وواحد غلط، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أحد منهما، درس لنا في أن المسلمين سيفترقون في الفروع وسيفترقون في فهم النصوص، ويجب ألا ينكر على المجتهد، المجتهد لا ينكر عليه، وأن الناس تتقبل الخلافات في الفروع بين أهل العلم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد اللي هو أجر الاجتهاد.

طيب، ولكن يجب أن يقال أيضاً إنه الاجتهاد هذا يكون من أهله، لأنه الكلام في الدين مش مغامرة ومقامرة مضمونة النتائج؛ يعني مش أي واحد قاعد كده عرضت عليه فتوى ولا عرض عليه حكم يروح قايل إيه: كذا والله اصبت اديني معايا أجرين، اخطات يبقى معايا إيه؟ هذا لم يقل به أحد، بل من يفتي بغير أهلية يأثم ولو اتفق أنه وافق الصواب.

التشبيه السهل بتاعها: واحد ما يفهمش في الطب وداخل يعمل عملية، افرض عمل الصح؟ قانوناً يحاسب ولا لا يحاسب؟ طب ليه؟ مش المفروض إنه أنقذ المريض وعمل العملية صح؟ لا، لم، ليس مؤهلاً أصلاً لهذا الباب تمام. فلذلك، ولذلك كانوا يقولون: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. إيه يا عم، واحد فسر القرآن وأصاب؟ لا جت معه صدفة قدراً اتفاقاً، هذا يأثم. فالاجتهاد يكون من أهله.

الدرس الثامن؛ ميدان المعركة هو النفس؛ المعركة الحقيقية ميدانها النفس، والدليل على ذلك أمر ظاهر. الأحزاب حاصروا المسلمين كم ليلة؟ من يذكر؟ تمام، 25 ليلة، تمام ماشي. المسلمون بقى حاصروا بني قريظة كم ليلة؟ 25. نفس الزمن! هؤلاء حاصروا المسلمين 25 ليلة، والمسلمون حاصروا بني قريظة كام؟ 25 ليلة برضو. طيب، لماذا ها هنا فر المحاصرون بتوع الأحزاب؟ ولماذا ها هنا انتصر المحاصرون المسلمون؟

سر هذا في قول الله تعالى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. الميدان الحقيقي للمعركه هو فين؟ في النفس. الله تبارك وتعالى يقذف الرعب ويلقي السكينة. ونستعيذ بالله تبارك وتعالى ونرجو ونسأل الله ألا نتعرض لغضبه وسخطه فلا نكون ممن يقذف في قلوبهم الرعب، ونسأل الله تبارك وتعالى أن نكون من عباده المؤمنين المخلصين الذين ينزل عليهم السكينة.

اتصور أن كل واحد فينا في نفسه عاش ومر بتجارب كان فيها في قلب الخطر وشعر بالسكينة التي يلقيها الله عليه، وكان في يعني كان في مواقف أقل كثيراً كثيراً كثيراً، ومع ذلك كان يشعر أنه فزع وخائف وقلق. هذا هو الله يا جماعة، هذا هو الله تبارك وتعالى، فلذلك الإنسان ينبغي أن يكون بينه وبين ربه تبارك وتعالى من العلاقة ما ينجيه من أن يكون من المغضوب عليهم فيقذف الله في قلبه الرعب، وما يقربه من أن يكون من المرضي عنهم فيلقي الله السكينة في قلبه.

أنتم عارفين سيدنا موسى عليه السلام، سيدنا موسى عاد من مدين بعد عشر سنين صح؟ هو المفروض طالع من مصر ازاي؟ يعني خرج هارباً، عامل جريمة قتل وَأَنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَأُخْرُجْ، توجه تلقاء مدين. بعد عشر سنين راجع، حتى لما تبص على الخريطة: أين أرسل موسى؟ جبل الطور ده فين؟ أو المكان جبل الطور ده فين؟ في سيناء على الضفة الشرقية لخليج العقبة، يعني لابد أن سيدنا موسى وهو داخل مصر دخل من الطريق البعيد، يعني نزل من مدين في الشام وسار على ساحل خليج العقبة، أنا قلت خليج العقبة هو خليج السويس أنا آسف. الطور الضفة الشرقية لخليج السويس، لكن هو مشي من الشام على الضفة الغربية لخليج العقبة، ثم انثنى مع راس المثلث إلى الضفة الشرقية لخليج السويس، وهناك عند جبل الطور حصلت الواقعة التي كلمه الله تبارك وتعالى فيها.

جغرافية سيناء، كل جزؤها الجنوبي جبلي لا يمكن العبور عليه عبورا مباشرا. يعني المهم، لو أنت بصيت في الخريطة ستجد أنه مكان الطور الذي أرسل إليه موسى يدل على الطريق البعيد المتعرج الذي سلكه سيدنا موسى لكي يعود إلى مصر. ما رجعش من طريق العريش الفرمة مباشرةً، ده الطريق الطبيعي، ولا من الطريق الوسط، إنما نزل إلى الجنوب وأرسل الله إليه في الطور.

طب، سيدنا موسى الخائف الهارب المطارد ده جاءه التكليف بأيه؟ اذهب إلى فرعون. اللي هو تكليف فظيع جدا، اللي هو اذهب إلى فرعون في قلب مركزه وسلطانه وصولته، وروح كمان قول له أنا عايز بني إسرائيل، أرسل معي بني إسرائيل ولا تعذبهم. تكليف هائل هائل. متخيل أن أنت واحد مطارد وداخل من طريق متعرج ويرروح يقول له إيه، عارفين عايز يستخبى فاستخبى في عقر دار الشرطة، تمام؟ فاللي جاي بيستخبى ده قيل له، كان التكليف: اذهب إلى فرعون. فسيدنا موسى قال إيه؟

قَالَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ. ثبته الله تبارك وتعالى في قلبه بالخوف بأيه؟ بمعيته.

قال: رَبِّ إِنِّي قَتَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ. قال: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ.

أنا أضرب لك المثال بالآية بالسكينة التي ينزلها الله تبارك وتعالى على رجل في أشد أشد الخوف. رجل كان هاربا من فرعون ومتخفيا منه، جاءه التكليف بأن يذهب إلى فرعون ليواجه فرعون. قال: رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ. قال: كَلَّا ۖ فَأَهْبَاتَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُسْتَمِعُونَ. معية الله تبارك وتعالى.

فاحنا الآن كأمة مسلمة منخرطون في معارك، إذا لم يكن لنا عون من الله، إذا لم يكن لنا تأييد من الله، إذا لم يكن لنا إي يعني إسناد من الله تبارك وتعالى فسنهزم. إذا لم يكن عون من الله للفتى، فأول ما يجني عليه اجتهاده.

تمام، فهذا درس يا جماعة الخير في مسألة التمسك بمعية الله تبارك وتعالى. ولا أنتم ترون كيف هزم الناس بأن قذف الله في قلوبهم الرعب فقط مرة في الحصار هزم المحاصرون، ومره هزم المحاصرون، وفي المرتين انتصر المحاصرون؛ في الأحزاب وانتصر المحاصرون في بني قريظة. وما ذلك إلا شأن القلب.

الدرس التاسع. هذا درس مهم في تصحيح صحيح المفاهيم؛ نبينا صلى الله عليه وسلم وصفه ربنا بأنه رحمة للعالمين، قال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. ومع ذلك أنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل ويقتل ويأمر بالقتل، وتلك هي الرحمة.

لو الرحمة الخطأ في مفهوم الرحمة أن تظن أن الرحمة دائما عفو ولين وصفح، عفو ولين وصفح، عفو هو الذي تكون سيرته هكذا يتجرا عليه الناس، حتى يقول الشاعر: وقسى ليزدجروا ومن يكُ عاقلاً فليقسُ أحياناً على من يرحمُ. لابد لابد أن يكون ثم، عارفين يا جماعة لو يعني لو أن الصالحين دائما بهذا النوع من الرحمة لما ساد في الأرض إلا الفاجرون، لأنه إذا ساد قتل وسحق، وإذا هزم استعطف واسترحم فيعفى عنه ويصفح عنه. فمن الرحمة أن تكون الشدة الشدة من وجوه الرحمة.

هذا رحمة الله للعالمين، كانت هذه سيرته، فما يجيش واحد بقى يقول لك إيه: والله أنا متورع عن سفك الدماء، أنا متورع عن مش إصابة مش عارف إيه، أنا. وفي الآخر بيبقى هو اللي إيه؟ هو الذي تسفك دماؤه، وهو الذي ينزل السجون والمعتقلات، وهو الذي تضيع الأمة به. نسأل الله أن يفقهنا في سننه.

الدرس العاشر. الدرس العاشر نستكمله إن شاء الله في المجلس القادم. أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إحياء جيل على خطى السابقين.