السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحبا بكم أيها الأحباب طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.
وهذا هو المجلس الثامن من مجالس سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تبارك وتعالى كما آمننا به ولم نره ألا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخله.
تكلمنا في المجلسين الماضيين عن كيف تناول القرآن الكريم، كيف عالج القرآن الكريم، كيف نزل القرآن الكريم يعالج ما حصل في غزوة أحد.
وملخص سريع لما قلناه لكي نتذكر، ذكرنا أنه آيات غزوة أحد نزلت في سورة آل عمران، سورة آل عمران ذكرنا أنها تدور حول معنى الثبات، وأن السورة هي تقريبا قسمين، قسم في مواجهة أهل الكتاب وشبهاتهم، وذكرنا بأنه يمكن أن نضع له عنوان الثبات العلمي أو الثبات في وجه الشبهات، ثم الثبات الحركي أو العملي أو الجهادي الذي هو في غزوة أحد.
وذكرنا أنه حتى سميت السورة سورة آل عمران؛ لأنه أسرة أو آل عمران هم نموذج من نماذج الثبات في المحهن، وفيهم عمران وامرأته وزكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام جميعا.
وما مضى من الآيات ذكرنا أنه ربنا تبارك وتعالى وكما هي العادة في أسلوب القرآن الكريم يعني حسن الاختتام وحسن الافتتاح، فبدأت آيات غزوة أحد وكأنها مستلة من قصة أهل الكتاب لقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ، وفيها: هَأُنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ، وأنه إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها.
فكان غزوة أحد التي أصابت المسلمين فيها السيئة والمصيبة كان ينبغي لأهل الكتاب أن يحزنوا لذلك لأنهم أقرب إلى المسلمين من الوثنيين، لكن هذا لم يحصل، فعرفنا أنه أهل الكتاب يقفون مع الوثنيين المشركين صفا واحدا، وثم نزلت الآيات تترى بأنه يعني كانت معية الله تبارك وتعالى قائمة مع المسلمين من البداية: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ.
حصل وقفة عند التقوى، والتقوى التي ذكرها ربنا تبارك وتعالى ذكرنا أنها ثلاثة أمور؛ الانتصار على الشح: لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، والانتصار على الغيظ: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، والانتصار على الشهوات: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ.
وأن ما وقع في غزوة أحد هو من سنن الله تبارك وتعالى، من سننه إمهال الكافرين، ومن سننه تمحيص المؤمنين، وأن المؤمنين يجب أن يتعلقوا بالله تبارك وتعالى فلا يثنيهم عن الطريق أن يموت منهم ولو حتى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله تبارك وتعالى حذر المؤمنين من أن تؤثر فيهم لحظة الضعف وأن يتاثروا بكلام المنافقين والمشركين: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ.
وأن ربنا تبارك وتعالى ذكرهم بما أنعم عليهم من نعمة الثبات والنعاس، ونعمة بقاء رسول الله حيا فيهم، وكيف أنكر الله تبارك وتعالى على المنافقين جبنهم ونفاقهم واعتقادهم السيء، اعتقادهم في أن النبي يموت أو أن النبي لن يتم له الدين، وما قرره ربنا تبارك وتعالى من أن الموت سينال كل الناس، كل الناس ستموت، بالموت، والقتل في سبيل الله خير من الموت.
وثبت الله تبارك وتعالى مسألة الشورى، وطمأن المؤمنين بأن الهزيمة ليست التخلي عن المؤمنين بل لتقصير وقع منهم، وطمأنهم على الشهداء بأنهم أحياء عند الله يرزقون، وذكرهم بأنه قذف الرعب في قلوب الذين كفروا فلم يعودوا بعد أن نووا العودة في غزوة حمراء الأسد.
تمام. طيب، الآن بقيت آيات قليلة في غزوة أحد، ثم إن شاء الله ندلف منها إلى أن نرى تأثير غزوة أحد على الوضع في مكة وفي المدينة وفي الجزيرة العربية. صلوا على النبي.
وصلنا إلى قول الله تبارك وتعالى: وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يحزن لأن الناس تفلت منه إلى الكفر، وهذه يعني من عظمة نبينا ومن كمال خلقه، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
والإلا فالطبيعي المتوقع من البشر، الإنسان حين يهلك الله عدوه أن يكون إيه فرحا بذلك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مضت به جنازة على الكفر كان يقول: نفس تفلتت مني إلى النار. وضرب لنفسه صلى الله عليه وسلم مثلا، قال: إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فصار الهوام والفراش يقبلون على النار يريدون أن يقعون فيها، وأنا آخذ بحجزكم عنها فتتفلتون مني.
فربنا تبارك وتعالى يذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أو يعني يعظ النبي: وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.
وهنا هذه الكلمه يسارعون في الكفر، صلوا على النبي. هي كلمة يسارعون المفروض تبقى يسارعون إيه إلى الكفر، كقوله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى، فَهذا يسميه علماء البلاغة التضمين.
لن ندخل في أمور تفصيلية أو أمور فنية، لكن القرآن الكريم يستخدم من الألفاظ ما تتكاثف فيه المعاني، فقوله تبارك وتعالى: يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ وليس يسارعون إلى الكفر، دليل على معنى المسارعة والوقوع، يسارعون في الكفر يزدادون توغلا في الكفر.
ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، هذه الآية، طبعا أولا قول ربنا تبارك وتعالى: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا، لن يضر الله شيئا.
هل يرد ببال النبي صلى الله عليه وسلم أو ببال المؤمنين أن الذين يكفرون في الدنيا يضرون الله شيئا؟ يقع هذا في البال؟ يعني هؤلاء الذين كفروا، هؤلاء الذين يسارعون في الكفر هم أضل وأصغر وأحقر من أن إيه، من أن يذكروا في باب أن يضروا الله شيئا، شيء يعني تافه جدا.
ولذلك يقف أيضا علماء البلاغة عند هذا المعنى وعند هذا التركيب: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً، فيقول بعضهم: معناه أنهم لن يضروا دين الله شيئا.
بالنهاية غزوة أحد هذه انقضت وواصل المسلَمون سيرهم وواصلوا فتوحهم بنوا الدولة وأنشؤوا إمبراطورية، وهكذا كل باطل ماله في النهاية أنه لن يعرقل مسيرة الإسلام.
تتعرقل مسيرة المسلمين بأخطاء المسلمين، صحيح يعني المسلمين ممكن يخطئوا، ينهزموا، ينحرفوا، يستذلوا، يستضعفوا، لكن عموم المسار، عموم مجرى التاريخ هو أن إيه المسلمون يستفيقون وينهضون من جديد.
فبالتالي حيث أنهم لا يذكرون في باب أضرار الله، فذكر بعض العلماء أنهم لن يضروا دين الله شيئا، وبعض العلماء ذكر بأنه من تكريم الله للمؤمنين ومن رفقه بهم ومن عنايته لهم، كان الله جعل نفسه في المعركه، يعني كان ينبغي أن يقال ماذا؟ أنهم لن يضروكم شيئا، صح؟ لكنه لما قال: إنهم لن يضروا الله شيئا، فهذه فيها معنى معية الله تبارك وتعالى، وفيها معنى تشريف المؤمنين.
وطبعا حين يستشعر معسكر المؤمنين أنهم في معية الله يقاتلون تحت لواء الله تبارك وتعالى، فهذا فيه معنى الشرف والعظمة والعظة، فبالتالي: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً.
ما معناها كما يفهمها الصحابة؟ معناها أنه هذه هزائم عابرة، جولة من الجولات، نظيرة قول الله تبارك وتعالى: وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً.
من الذي ينبغي أن يحزن؟ هم أنفسهم، لأنهم بكفرهم هذا يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ولهم عذاب أليم، هذا هو الذي ينبغي أن يحزن على نفسه.
لكن ها هنا بقى والآية التي بعدها قول ربنا تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرَّوا اللَّهَ شَيْئاً. المعنى تكرر، بس المعنى الأول معنى يسارعون في الكفر، والمعنى الثاني معناه آخر وهو اشتروا الكفر بالإيمان، يعني كأنه ذهب إلى المتجر فأخرج ما عنده من الإيمان واشترى به إيه الكفر، ومشهد يعني رهيب شديد جدا أن يبيع الإنسان ما عنده من الإيمان لكي يحصل على الكفر، فكرر ربنا قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً، وفي هذه الآية قال: وَلَهُمْ عَذَابٌ مَهِينٌ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الأولى، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ وهذه وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
هنا توقف المفسرون عند قوله تعالى في في هاتين الآيتين، الآن إذا بعد غزوة أحد في ناس يسارعون في الكفر وفي ناس إيه اشتروا الكفر بالإيمان، من هؤلاء يا ترى؟
فبعض العلماء يذكر أن هؤلاء هم المنافقون، المنافقون الذين ذكرنا أنهم دخلوا في دين الله على الأقل ظاهرا بعد غزوة بدر، هؤلاء لما جاءت الهزيمة في أحد ماذا فعلوا؟ رجعوا باطنا إلى الكفر، فإذا هم يسارعون في الكفر، يعني لم يكونوا قد آمنوا وسارعوا الآن في الكفر.
طيب والآية الثانية، الآية التي تتحدث عن اشتروا الكفر بالإيمان، هؤلاء قوم قد آمنوا ولكنهم لما وقعت الهزيمة كفروا وارتدوا، فهؤلاء مثلهم كمثل من ذكرهم الله تبارك وتعالى في آية سورة الحج: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
يعني معنى هذا أن بعض المنافقين كان متذبذبا الإيمان فلما جاءت الهزيمة اطمأن إلى الكفر، نعم. وبعض الناس أسلم ثم لما وقعت الهزيمة ارتد مرة أخرى إلى الكفر، باع ما عنده من الإيمان واشترى الكفر، نعم.
وتلك إشارة عظيمة يا أحباب إلى طبع من الطبائع البشرية والاجتماعية، وهذا الأمر الذي ساذكره الآن أتمنا أن يعني أن ننحته في ضمائرنا وفي عقولنا.
الأفكار تنتشر حين تنتصر، الأفكار، الاديان، المذاهب تنتشر حين تنتصر وتنحسر حين تنكسر.
شوف لو أوتي الإسلام أمهر الدعاة وأفصح الألسنة وأذكى العقول بلا قوة، ما بلغ الناس أن يؤمنوا، ولن ينتشر الإسلام.
طيب، لكن لو كان المسلمون في قوة وفي غلبه وفي انتصار حتى لو لم يكن الداعون له أفصح الألسنة ولا أذكى العقول، لانتشر الإسلام أيضا، هذا في الإسلام وفي كل مذهب آخر وفي كل دين آخر وفي كل اتجاه آخر.
فالانتصار في واقع الحياة يؤثر على انتشار الفكرة، الانهزام في واقع الحياة يؤثر على انحصار وانكسار هذه الفكرة.
طيب، لأنه طبعا حقيقة الانتصار والانكسار، الانتصار والهزيمة هي من آيات الله تبارك وتعالى في تمحيص الصفوف، يعني في النهاية الكل سيذهب إلى ما يستحقه، في مؤمنين سيثبتوا وفي ناس ستنحرف وتسارع في الكفر، لكن يجب أن تفهم أنت طبيعة هؤلاء البشر، يعني إذا أردت أن تنقذ الناس من النار، إذا أردت أن ينتشر الإسلام فاعمل على أن ينتصر الإسلام، إذا أردت أن ينحسر الإسلام وألا يرتد المسلمون وألا يزيد المنافقون فابذل جهدك وابذل طاقتك لكي لا ينكسر الإسلام ولا ينهزم الإسلام.
في النهاية كله سيذهب إلى الله تبارك وتعالى، كله سيحاسب على ما اختاره، لكن وأنت تدير حياتك الدنيا يجب أن تعرف هذه الطبائع في الناس، هذا أمر ينبغي ألا يغيب أبدا أبدا أبدا.
ولذلك يعني ذكرنا أن خلاصة، أظن أني ذكرتها أكثر من مرة حتى ربما مللت وامللت، النبي صلى الله عليه وسلم هو هو، كان الصادق الأمين، لما جاء بفكرة، فكرة إصلاحية بالدين، ما حصل تحول من الصادق الأمين إلى إيه؟ كاهن، كذاب، ساحر، شاعر، مجنون. طيب هو النبي وهو هو الدين، لكن معه مئة ألف سيف، أخ كريم وابن أخ كريم.
هكذا الدنيا وهكذا الناس، هكذا الدنيا وهكذا الناس.
ونحن بعد قليل سنعرف كيف كانت آثار غزوة أحد أيضا، لكن يعني اريد الآن أن أثبت فكرة أنه أي هزيمة سيتلوها موجة من الارتداد والنفاق، أي انتصار سيتلوه موجة من الإقبال على الإسلام، طبيعي جدا.
طيب يعني أنا أذكر لكم مثلا، يعني ما ما أدري ماذا أذكر التاريخ كله على هذا النحو، يعني هزيمة هزيمة المسلمين في سنة 67 مثلا باعتبارها فترة قريبة يعني، سنة 67 لما تضخمت إسرائيل هذا التضخم، أنت حين تطلع على المجتمع اليهودي، المجتمع الإسرائيلي تكتشف أن المجتمع الإسرائيلي بعد 67 انحسرَت فيه العلمانية.
متصور العلمانيين اليهود قلوا في المجتمع الإسرائيلي، لماذا؟ لأنه هذا الانتصار فسر على أنه النبوءة التوراتية. المتدينون اليهود فسروا هذا الانتصار إرادة الرب، وعد الرب، أرض الرب، صح؟ العلمانيين الإسرائيليين انحسروا وانكمشوا.
طيب تعالى بص على العالم العربي، 67 كانت الضربة الساحقة للفكرة القومية العروبية والناصرية اللي هي كانت سائدة ومنتشرة في ذلك الوقت.
كانت ضربة ساحقة فعلا، يعني عبد الناصر هذا كان يشبه أن يكون، واستغفر الله في يعني في هذا اللفظ، لكن يشبه أن يكون معبود الناس في ذلك الوقت، إعلام واحد، إذاعة، جماهيرية، لما هزم في 67 تكسر صنمه، تكسرت صورته وتكسرت وراها الفكرة القومية العربية، بل بعض القوميين العرب وبعض ذهبوا وبالغوا إلى حد أنه إيه، إلى حد أن التمسوا تفسير الهزيمة في أنه اللغة العربية نفسها هي السبب في الهزيمة.
إزاي يا استاذ اللغة العربية هي السبب؟ يقول لك آه دي لغة عاطفية، لغة شعرية، لغة بتاعة كلام فاضي ومبالغات ومجازات، ولذلك اللغة العربية عجزت عن أن تستوعب.
العلوم وتستوعب الثقافة وتستوعب الفلسفة والحداثة والتطور، فلم يستطع العرب بلغتهم العربية أن ينتجوا أن يستوعبوا العلوم، ولا أن ينتجوا إيه أسلحة ومعدات و... طب في 1400 سنة فاتوا، كان فتوح وانتصار، خلاص هي لحظة الهزيمة لحظة قاسية جداً، فاللغة العربية نفسها هي لغة إيه؟ هي لغة هزيمة في ذلك الزمن وفي مثلا ناس يقول لك إيه؟ أصلاً العرق العربي نفسه هو من أسباب الهزيمة، ازاي يا أستاذ العرق العربي نفسه؟ قال: آه، أنتو قاعدين على شعر امرئ القيس: مكر مفر مقبل مدبر معاً كجلمود صخر حطه السيل من عل، وناس ما بتعرفش النظام وناس مش فاهمه يعني ايه تبقى في دولة ويبقى في منظومات؟
لا يا جماعة همج وفوضويين وفرسان يعني بحالتهم الفردية وبتوع فخر وبتوع كلام، ويعرب ابن يشجب ابن يندب ابن بتاع، ده كلام يا جماعة كتبه مفكرون وفلاسفة مش كتبه صحفيون، ويعني طبعا احنا دلوقتي في زمننا ده أحمد موسى ونشأت الديهي هم عالم الإعلام، المستوى كان أعلى من كده شوية زمان، تمام؟ فحقيقة هذا الكلام كتب، أو واحد تاني يقول لك مثلاً احنا سبب هزيمتنا أن أحمد بن حنبل انتصر على المعتزلة.
طب ويا عم مال أحمد بن حنبل ومال المعتزلة؟ واحنا يعني كنا عايشين في عصر شيوعي وقومي وكانت الدنيا خمر ونساء وما فيهاش لا حد فاهم الحنابلة ولا حد فاهم الاعتزال في الستينات، يقول لك أصل أحمد بن حنبل ده تعبير عن المذهب النصوصي الظاهري الحرفي الجامد الغبي، لكن المعتزلة دول كانوا جماعة عقلانيين مفكرين، فمن أول ما أحمد بن حنبل والحنابلة انتصروا على المعتزلة دخلنا في إيه؟ في الجمود الفكري والانحدار الحضاري، فمن أين لنا الآن بالمعتزلة؟
وأنا يعني أذكر لكم أن التاريخ كله على فكرة، وأحياناً نفس الحدث يعطي الدرسين متعاكسين، نفس الحدث يعطي الدرسين متعاكسين في نفس الموضوع، يعني مثلاً من الأمثلة اللطيفة في هذا الموضوع: الحرب العالمية الأولى مثلاً، الحرب العالمية الأولى دي لما حصلت في أوروبا كانت بداية كفر الغربيين بالعلم وبالقومية.
ازاي؟ الغربيين بلغت قوتهم في القرن اللي هو 1800 وانت طالع كده من 1800 لـ 1900، القرن ده اسمه القرن الـ، هذه كانت ذروة قوة الغربيين، سيطروا على العالم، فلما لقوا نفسهم سيطروا على العالم كانت إيه الفلسفة المستقرة؟ أن احنا سيطرنا على العالم لأنه عندنا علوم، عملنا آلات وثورة صناعية ويعني قطارات بخارية وسفن وأسلحة وقنابل، فعندنا علوم أنتجت قوة هائلة سيطرنا بها على العالم، الجماعة البريطانيين اللي قاعدين في جزيرة كده في أقصى شرق غرب العالم عرفوا يسيطروا على الصين والهند وعلى قارة إفريقيا وآسيا، يعني أسباب ضخمة.
طيب وايه تاني؟ وعشان احنا في أوروبا بقينا دول قومية وكل دولة لها سيادة وبتحترم سيادة الدول الأخرى ما تخلصنا من الأباطرة وتخلصنا من الباباوات ومن الكنيسة، أول ما كان عندنا باباوات وكنيسة ومسيحية كنا بنضرب بعض وبنحارب بعض، أول ما بقينا دول بتحترم سيادتها بقينا إيه؟ بنعرف نوصل لمؤتمرات واتفاقيات ونقسم قارة إفريقيا علينا: مين يحتل ده ومين يحتل ده؟
لما وقعت الحرب العالمية الأولى فوجئ الغربيون بأن الحرب العالمية الأولى استمرت أربع سنين، وأنها أهلكت حوالي 20 مليون إنسان، فانكسر بالحرب العالمية الأولى مسار التقدم، إذا اتضح أنه العلم قد لا يأتي بالسعادة، والمسار اللي كان متقدم ومطور ده انكسر اهو، بل وتمنى كثيرون من الغربيين: يا ريتنا كنا في زمن الملكيات والأباطرة والكنيسة، لأن احنا لما كنا في زمن الملكيات والأباطرة والكنيسة لو في حرب مدمرة بهذا الشكل هيجي البابا يجيب الملكين ويصالح بينهم، أو الملك الفلاني هيتجوز بنت الملك الفلاني ويبقوا أصهاره، بينما بعد الحرب العالمية الأولى ما حدش عارف يوقف الحرب، احنا بقينا دول وطنية قومية، وأي اعتداء على الحدود هو مساس بالسيادة ومساس بالمصالح، ما فيش حد قادر، ما فيش رئيس يروح يتجوز بنت الرئيس الثاني ولا أخت الرئيس الثاني عشان الحرب تقف، وما فيش بابا حد بيحترمه، متصور؟
طب الحرب العالمية الأولى دي نفسها، هي نفسها اهي اللي عملت الكفر بالعلم والقومية في الغرب، هي نفسها عملت في بلادنا احنا الكفر بالدين والإيمان بالعلم والقومية، ازاي؟ لأنه العالم الإسلامي قبل ذلك كان تحت خلافة عثمانية، في النهاية الخلافة العثمانية هزمت في الحرب العالمية الأولى، صحيح الأوروبيين حصلت بينهم حروب، لكن في الآخر من الذي انتصر؟ الأوروبيين برضه، فبالتالي الأوروبيين اللي انتصروا دول عندهم قومية وعندهم علم، احنا اللي ضيعنا وهزمنا هو أن احنا ما عندناش علم وعندنا خلافة إسلامية، فتخيل الحدث الواحد نفسه! الحدث الواحد هو ينتج نفس الدرس بشكل متعاكس بناء على إيه؟ منظور النصر ومنظور الهزيمة.
فأنا أتمنى أتمنى أنه هذا الدرس يكون راسخاً راسخاً، طبعا احنا في عالمنا العربي ممكن أضرب أمثلة قريبة، يعني مثلاً في أيام الربيع العربي الأولى سنة 11 حصل امتداد للتيارات الإسلامية السلمية لأن الثورات السلمية نجحت، انكمش الجهاديون، تمام، طيب بعد ما حصل الانقلابات وظهرت داعش حصل إيه؟ انكمش السلميون وتمدد الجهاديون، طيب اضربوا هم الاثنين، كثر الإلحاد، حصل ولا ما حصلش؟ قصدي أمور في عالمنا المعاصر، ودلوقتي مثلاً سوريا تحررت نسأل الله أن يعني يمدهم بمدده، انتعاش للإسلام في سوريا، فهذه من طبائع الاجتماع البشري: الانتصار ينشر الأفكار، الانكسار يهزم الأفكار.
والآن مثلاً طيب، ما غزة؟ ما الذي حصل في غزة؟ أو هذا مثال واضح وجيد أنني تذكرته الآن: غزة فيها المشهدان، مشهد الصبر والصلابة والثبات والبطولة والشجاعة والمعجزات العسكرية دي، وفيها مشهد الدمار والحروب والدماء والآلام والمرارات والعذابات، بناء على نظرتك إلى المشهد تأخذ الدرس، يعني ستجد أن من أخذه مشهد الصلابة والثبات والشجاعة يسلم ويؤمن وربما كان كافراً فيسلم، طيب ومن أخذه مشهد الألم والفجيعة والمراره ربما يكفر: كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا، وأنتم تعرفون، ومن يك ذا مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا، كيف تنظر؟ انظر للأمور، كيف تستفيد منها؟
طيب قال تعالى الآية التي بعدها: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ.
يعني إيه هذا الكلام الآن؟ المشهد مشهد هزيمة للمسلمين وانتصار للمشركين، فربنا تبارك وتعالى يعظ المؤمنين بأنهم إيه؟ ينتبهوا، ينتبهوا إلى لحظة الضعف، لا يسمعوا لأقوال الكافرين والمنافقين بل يحزنهم الذين يسارعون في الكفر، هذا للمؤمنين، واما للكافرين فالله تبارك وتعالى ينبههم بل ويهددهم: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أن هذا الانتصار دليل على رضا الله عنهم أو أنهم على الحق، ولا يحسبون أن هذا خيراً لأنفسهم، لكن هو إيه؟ استدراج، استدراج، استدراج، يعني إيه بمصطلحنا المعاصر؟ مصطلحنا المعاصر يعني كمين، استدراج اجتذاب.
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا.
الاملاء هو الإطالة، عارف أنت لما تقول إيه: فكرت ملياً يعني إيه؟ فكرت طويلاً، تمام، أو هجرني ملياً، جرني يعني إيه؟ جرني جداً، جرني طويلاً، فالإملاء هو الإطالة الإمهال، فلذلك ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية وفي غيرها من الآيات ينبه إلى كل من كان في نعمة إلى أنه النعمة التي أنت فيها ليست دليلاً على أن الله راضٍ عنك، قد تكون النعمة التي أنت فيها إيه؟ استدراج.
نعم، عارفين أنتم طبيب الفلاسفة لما كان بيقول: لو ربنا ما كانش راضي عنا ما كناش وصلنا للي احنا وصلنا له، مع أنك ما تعرفش هو إيه اللي وصل له أصلاً، الدنيا كلها باظت يعني، البلاد تنتقل معه من سيء إلى أسوأ، بس اهو إيه يعني راجل مخه في مشاكل، يعني تحية للملائكة اللي حاضرين معانا، فقصد أقول يعني ما تطلع منه عادي، لكن مين مثلاً اللي ممكن يقول هذا الكلام ويصدق عليه؟ الأمريكيون والإسرائيليون مثلاً، وده ده يقولونه فعلا.
أنا ما ما زلت أنصح بيت هيكسز، اللي هو وزير الدفاع الأمريكي الآن، له كتاب اسمه: الحرب الصليبية الأمريكية الجديدة، كتاب جميل يعني مش جميل، كتاب مهم، كتاب مفيد، مش جميل يعني ده هو كتاب بشع، بس هو فكرة إيه؟ أنه نحن أمريكا إرادة الرب، والحل لمشكلات أمريكا الآن هو أننا نعمل حرب صليبية جديدة، تمام، ولاجل هذا مثلاً أنتم عارفين مكتوب على الدولار: بالله نثق إن جاد وتراست، بالله نثق.
والخطابات، خطابات يعني مثلاً روبيو، اللي هو وزير الخارجية الآن، نفس هذا الخطاب، ترامب، فاكرين مثلاً سفير السفير الأمريكي في إسرائيل لما كان بيقول: احنا مش يعني مش بندعم إسرائيل لمجرد الاتفاق أو الاختلاف مع سياستها، احنا بندعم إسرائيل لأنها تجسيد لوعد الرب لإبراهيم، ومرة من المرات لا أدري يعني من منكم يتابع، كان في حفلة وبقول: أنا أوقف هنا في القدس حيث شاء الرب قبل 4000 عام أن يمنح هذه الأرض المقدسة للشعب الذي اختاره، وهو الشعب اليهودي السطوة والغنى و... يعني يدخلك في باب أن الله تبارك وتعالى يرضى عن هذا.
فأهذه الآية تحذير لكل من آتاه الله نعمة من النعم ولم يؤدي شكرها أنه قد يكون إيه؟ استدراجاً، أنه قد يكون استدراجاً، ولذلك يعني أهل العلم وأهل التربية، الناس اللي عندهم باع في الروحانيات، يحذرون من مثل هذا كثيراً، يعني يقول لك: إذا رايت الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تتبعه حتى ترى أين هو من كتاب الله، ده بيمشي على الهواء بيمشي على الماء ويطير في الهواء، كل ده ما... أين هو من كتاب الله؟ فان لم يكن، لو ما كانش مقيم على كتاب الله، فاعلم أنه شيطان، ده واحد شيطان بيمشي في الماية وبيطير، لكن لا يتبع.
وطبعاً هذه يا جماعة نصائح غالية لأن الناس تنبهر وتؤخذ بهذه الأكاذيب، ولذلك كانوا يقولون أيضاً: إذا اردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك، أنت بتعمل ايه دلوقتي؟ وجدت نفسك على معصية الله اعرف أن هذا مقامك عند الله.
وحتى والقران الكريم أيضاً حافل بهذه المعاني، يعني قول ربنا تبارك وتعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمُدُّهُم بِهِ مَن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ، قال: وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْفَظْكَ كُفْرُهُ... قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ، قال ومن كفر فايه امتعه قليلاً ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير، في الآية الأخرى: نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ.
ونبينا صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث حديث حسن عند أحمد في المسند، قوله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت الله يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فاعلم أنه استدراج، ثم تلى قول الله تعالى: حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً، حتى إذا، اللهم صل على محمد، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا اخذناهم بغتة.
فلعن نحن غرقى في نعم الله تبارك وتعالى، ولنحذر، يعني لنحذر جميعاً أن يكون هذا من استدراج الله تبارك وتعالى لنا، بل أشد من ذلك يا جماعة، أن ربنا تبارك وتعالى ذكر أن هذه النعم لمن لا يطيعه تكون من أدوات ووسائل تعذيب الله لهذا العاصي مرتين في سورة التوبه، قوله تعالى: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ.
يعذبهم بإيه؟ بأموالهم وأولادهم، ويعني قد راينا هذا ما لا نعده ولا نحصيه، تجد الإنسان المتجبر يعني أو حتى ذو السطوة والغنى والظلوم، تجد زوجة تحيل حياته إلى جحيم، أولاده يحيلون حياته إلى جحيم، فكيف يكون هذا؟ مصداق ذلك في قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ، آية أخرى شبيبة بها مع يعني فارق طفيف في الآيات وله سياقه طبعا لا نتعرض له الآن، ليس موضوعنا، قوله تعالى: وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا، الأولى في سياق الإنفاق وفي سياق الحياة، وهذه في سياق الجهاد في سياق القتل والموت.
المهم يا جماعة قال تعالى: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
الآية واضحة، أن صف المؤمنين اختلط فيه الصادق وغير الصادق، فالله تبارك وتعالى لن يطلع الناس على الغيب، ما حدش هيعرف مين الصادق ومن المنافق، فيرسل الله رسولاً يكون عنده بعض هذا الغيب، وكذلك يحدث الله في المؤمنين أحداثاً تكشف هؤلاء الناس، فيمتاز الخبيث من الطيب، فلذلك قوله تعالى: وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ يعني تشبه قول الله تعالى في سورة الجن: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا 26 إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ، يعني الرسول يكون عنده باطلاع الله له بعض علم من بعض الغيب، فلذلك الاقتراب من النبي الإيمان بالنبي السير في ركاب النبي هو النور، هو نور الوحي الذي يعرف به الإيمان، بهذا هو الذي يعرف به من هو الخبيث من الطيب، وذلك ما يسميه بعض الناس في هؤلاء المؤمنين بالفراسة، ويقال: الفراسة نور من النبوة.
ومشهور فيها أن رجلاً نظر إلى امرأة ثم دخل على عثمان بن عفان، فقال سيدنا عثمان وهو رجل معروف بالحياء، قال: يدخل الرجل منكم إلي وأثر الزنا في عينيه، فالرجل دهش قال: أوحي بعد رسول الله؟ قال: لا، ولكنها فراسة المؤمن.
قال تعالى الآية التي بعدها: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ.
شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
شوفوا يا جماعة، كثيرا ما يعني منكم من يفتح القرآن الكريم ومن يقرأ القرآن الكريم سيجد ارتباطا متكررا في القرآن الكريم بين الإنفاق والجهاد، تمام؟ لأنه الجهاد يحتاج المال، الجهاد يحتاج المال، بل في مواطن القرآن الكريم أغلب المواطن قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، فكثيرا ما تقرأ قول الله تعالى: جاهدوا بأموالهم جاهدوا بأموالكم وأنفسكم.
ولذلك فالذين آتاهم الله تبارك وتعالى المال ثم بخلوا به، هؤلاء حقيقة يعني يقومون بدور شديد ومحبط في نكبة الأمة، يعني كم من المجاهدين قتل لأنه لم يستطع أن يحمي نفسه، وقد كان يمكن أن يحميها ببعض المال؟ كم من الخطط فشلت لأنها لم تجد المال؟ كم من الناس عذبوا وأسروا لأنه مثلا لم يكن عنده المال الذي يؤجر به بيتا آمنا أو الوسيلة التي ينتقل بها انتقالا آمنا؟ كم من الهزائم لأنه الأمة لم يكن فيها من ينفق لكي يتم تصنيع أسلحة أو أجهزة أو ما شابه؟ هذا مضطرد مضطرد مضطرد، كثير ذلك مما لا أنسى من كلام شيخنا القرضاوي رحمه الله، كان يقول إنه اليهود عاشوا ٣٠٠٠ سنة ليست لهم دولة، ولم تقم لهم دولة إلا حين بذلوا المال مع أنهم أبخل الناس غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا أبخل الناس وفرطوا وبذلوا الحياة وأنفسهم مع أنهم أحرص الناس على حياة.
هذه مقامات الأمم، لا توجد أمة انتصرت بدون تضحيات هائلة في الأنفس وفي الأموال، النبي صلى الله عليه وسلم عند هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: من آتاه الله مالا فبخل به - وفي رواية: لم يؤدي زكاته - حديث في البخاري عن أبي هريرة: إلا جاء يوم القيامة جاء ماله يوم القيامة كُثْعَابًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ - يعني بقعتان سوداوان فوق رأسه - فيأخذ بلهزمتيه بشدقيه ويقول: أنا كنزك، أنا مالك.
فهذه ثم تلى نبينا صلى الله عليه وسلم قولة تعالى: آية سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ، هذا هو الآية، هذا هو المعنى، ولها نظائر كقول الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ.
وتجد في القرآن الكريم أن الإنفاق في سبيل الله علاج للأمراض المستعصية حقيقة، فكثيرا ما ذكر الإنفاق بعد الحديث عن الأمراض المستعصية الكبيرة، يعني مثلا في سورة المنافقون، بما ختمت سورة المنافقون؟ بالإنفاق، اللي هو كان الإنفاق علاج النفاق، وذلك قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فايه - أخ يعني لم يقل فأصلي فأصوم، قال: ايه فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها.
فسوره المنافقون كلها صورة عن النفاق، ثم تختم بهذه الوصية، وصية الإنفاق.
أيضا مثلا في سورة الحديد، سورة الحديد كأنها سورة إنفاق، لكن ذكر ربنا تبارك وتعالى أن الإنفاق علاج لقسوة القلب: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، ألم يأني يعني ألم يأن الأوان؟ ألم يحن الحين؟ ألم يأت الوقت المناسب؟ ألم يأني للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون، الأمل اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها - يعني الأرض الميتة كما يحييها الله يحيي الله القلوب الآية القاسية.
طيب، الآية التي بعدها طريق: أَنَّ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا.
الله تبارك وتعالى في سورة في آية سورة المزمل، آية التخفيف، بعدما كان قيام الليل فرضا كيف خفف عن عباده قيام الليل؟ قال: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
الله تبارك وتعالى سورة التغابن، بعد أن ذكر هذا اليوم العصيب، اليوم يوم التغابن يعني التظالم يا جماعة، كلمة التغابن يعني موقف رد المظالم، موقف التظالم بين الناس، فختمها ربنا تبارك وتعالى بقوله آية: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
فالآية تقول: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ هُوَ خَيْرًا لِّي - بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض.
كل المال هذا سيذهب، والمال قد يذهب من الانسان في الدنيا، وكم من غني صار فقيرا، أو قد يذهب المرء عنه في الدنيا ويتركه لورثته يحاسب عليه هو، يعني المال المتروك للورثه ده هو للورثه حلال، لكن مين اللي هياخد مين اللي هيحاسب عليه؟ هذا الذي ذهب.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ فيكم مال أبناء أحب إليه من ماله هو؟ قال رسول الله: ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فإن ماله له ما قدم - المال بتاعه فعلا هو الآية اللي راح هناك - وإن مال وارثه ما أبقى.
القصة التي تعرفونها جميعا لما دخل النبي سأل عن الشاة فقالت: لم يبق منها إلا كتفها، قال: بقي كلها إلا.
فالانفاق من علامات الايمان، وها هنا يا جماعة يعني ما يسميه الجماعة بتوع البلاغة وبتوع التفسير حسن الاختتام، لأنه لو تذكرون الآيات بدأت باية؟ بدأت بالإنفاق وبالوقاية من الشح في قوله تعالى: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً، وفي قوله تعالى: يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فختمت بقوله تبارك وتعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يحسبن الله وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ.
ثم على طريقة القرآن أيضا في الانسيابية والخروج من الموضوع إلى الموضوع الثاني، رجع الكلام هنا إلى أهل الكتاب الذين بدات بهم السورة واستغرقوا أغلبها، احنا قلنا أن السورة سورة آل عمران نصفها الأول أكثر من نصفها هو ايه مجادلات أهل الكتاب، ودخلنا إلى غزوة أحد من ايه من موقف أهل الكتاب من هزيمة المسلمين.
فها هنا هذا المخرج والعودة بهذه الانسيابية في باب الإنفاق، هذا الآية التي بعدها قال ربنا تبارك وتعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ.
ما هذه القصة؟ سيدنا أبو بكر هذا مروي بسند حسن كما حسنه الشيخ أحمد شاكر، أو باسناد جيد - الوهم مني يعني أما قال الحسن ما قال جيد أنا أنا نسيت - أن أبا بكر رضي الله عنه دخل كان هناك يهودي اسمه فنحاص في بيت والناس مزدحمون عليه، فأبو بكر كان يدعوه للإسلام يقول له: ويلك أسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا حق، وقد جاءكم بالبينات من ربكم وتجدونه موجودا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال: يا أبا بكر والله ما لنا حاجة بالإيمان به، وإنا عنه لأغناء وإنه إلينا لفقير - مين ده؟ تكلم عن الله - وإنه ليطلب منا الصدقة ويتضرع إلينا ما لا نتضرع إليه، لا حول ولا قوه إلا بالله.
يعني اليهود دول حالة رهيبة، رهيبة من طمس القلوب، استعيذوا بالله من ذلك، الانسان لما يعاند ويرفض الحق يطمس الله على قلبه حتى يصدر منه ما لا يعقل.
أبو بكر لم يمسك نفسه إلا أن ضربه حتى أوجعه، فذهب يشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، انظر ما فعل صاحبك بي، قال: ما حملك على هذا يا أبا بكر؟ قال: يا رسول الله قال كذا وكذا وكذا فما ما أطقت أن أملك نفسي، قال: لم أفعل يهودي.
فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية: لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ.
صلوا على النبي، ها هنا انتهت الآيات في غزوة أحد، ندخل إلى آثار غزوة أحد كما حصلت في مكة وفي المدينة.
طيب، أولا طبعا في مكة انتعشت نفوس المشركين، احنا من أول ما بدأنا دولة الإسلام ودولة الإسلام في صعود وفي انتصارات، الآن يثبت لنا أنه ايه المعركة سجال، وانه هؤلاء قوم يمكن أن يهزموا وأن ينال منهم، وطبعا فكرة قوم يمكن أن يهزموا وأن ينال منهم تترجم مباشرة إلى أنه ليس نبيا، ما هو هذا هو الهدف أصلا، أن يعني زي كده مثلا ايه زي ما يحصل في زماننا الآن من أنه لو كان الله معهم ما حصل فيهم ما حصل، صح؟ سمعت طبيب الفلاسفه وهو بيقول الكلمتين دول مش كده؟ فهذا هو، لو كان نبيا ما اصبنا منه.
فالان الفكرة، فكرة المشركين نفسها، فكرة الأوثان، فكرة الأصنام اكتسبت حياة جديدة بهذا الذي وقع في أحد، وطبعا انتهت المعركة العسكرية تبدأ المعركة الإعلامية، فالمعركة الإعلامية طبعا من يقرا منكم طبعا سيرة ابن هشام طبعا هي أشعار ثقيلة على أهل عصرنا هذا، طبعا زمان كان الشعر هو ايه وسيله الاعلام، طبعا فارق ضخم بين وسيلة الإعلام زمنهم ووسيلة الإعلام ايه المستوى الثقافي والمستوى اللغوي.
يعني الآن كثير من المحسوبين على العلم يعني بمن فيهم أنا يعني مش لا أفهم كل شعرهم طبعا المهم، فتبدأ المعركة الإعلامية التي تريد أن تقول إنه ما حصل في بدر مجرد ايه انتكاسة، لكن ما حصل في أحد هو الايه هو الانتصار الأكبر، طيب ف وطبعا بدا في مكة الاستعداد للغزوة الموعودة المرتقبة، لأن احنا انهينا معركة أحد على أساس ايه موعدكم بدر من قابل من العام القابل، طيب على المدينة في مستوى على أثر أحد على المدينة، طبعا المسلمين هذه هي أكبر خسارة خسروها منذ أن أقاموا الدولة ٧٠ شهيد في يوم واحد، وفيهم يعني رجال من الصف الأول حمزة بن عبد المطلب، مصعب بن عمير، عبد الله بن جحش في مستويات من الصف الأول فهذه كانت أشد مصيبة وقعت على المسلمين، طبعا كان درسا قويا وكانت تجربة مؤلمة، وبدأت أيضا عند المسلمين المعركة الإعلامية تجد سيدنا حسان بن ثابت، سيدنا كعب بن مالك وهم يردون على شعراء قريش في هذا الباب.
لكن في المدينة حققت تستطيع أن تقول احنا الآن انتهت غزوة أحد وحمراء الأسد واحنا في يوم ايه؟ ١٧ ١٨ ١٩ شوال من سنة كام للهجره؟ ٣ للهجره، تمام، تستطيع أن تقول إن غزوة حمراء الأسد حققت هدفها في ردع وكف أي محاولات انقلابية سواء داخل المدينة أو خارج المدينة، لأنك سترى بعد ذلك أنه بقية شهر شوال العشر أيام الباقيين من شهر شوال وشهر ذي القعدة وشهر ذي الحجة بلا تهديدات ولا هجوم على المدينة لا من خارجها ولا من داخلها، هذا الذي حققته غزوة ايه حمراء الأسد، لأنه بدا أن هؤلاء الناس ما زال بهم قوة، خرجوا أكثر من غزوة أحد لكي يقابلوا المشركين، فبالتالي التدبير عليهم يحتاج إلى تدبير وترتيب، ستجد التدبير والترتيب هذا ترى أثره في أول سنة ٤ للهجرة، في أول سنة ٤ للهجرة ستجد عددا من الأحداث المؤلمة والمريرة التي تجرأ فيها الكفار على المسلمين، وسنرى إن شاء الله حين ناتي إليها إن قدر الله لنا البقاء واللقاء كيف واجهها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الفترة كم استغرقت؟
طيب، فأنا أريد أن أذكر هنا يعني فاتني أن أذكره تنبيه مهم أريد أن أذكركم به، العلماء نبهوا المسلمين عند الحديث عن غزوة أحد ألا يقال لا يقال هزم النبي أو فر النبي أو نحو ذلك مما يفهم منه الانتقاص خاص، يعني يمكن أن يقال هزم المسلمون أو فر بعض المسلمين، تمام، لكن النبي في نفسه النبي لم يفر، والنبي في نفسه لم ينهزم، والنبي كان على يقين من ربه، فالانتقاص من يعني العلماء بشكل عام والحالة الإسلامية بشكل عام حساسة جدا لكل ما يقترب من جناب النبي صلى الله عليه، فكثير من العلماء أدخل هذا في باب سب النبي صلى الله عليه وسلم الذي حكمه القتل.
العلماء أصلا مختلفين في مسألة حكم سب النبي متفقين على القتل لكن مختلفين في ايه؟ القتل ردة ولا القتل حدا؟ يعني ايه الفرق؟ القتل حدا يعني حتى لو تاب منه يقتل، يعني دلوقتي واحد متزوج زنى وتاب، تاب لكن اكتشف أو اعترف أو شهد عليه أربعة شهود توبته هذه تنفعه عند ربه، لكن ايه يوقع عليه الحد ولو تاب، طيب لكن يقتل كفرا يبقى كده ايه سب النبي أدى به إلى الوقوع في الردة، والردة هنا ندخل في مسألة يستتاب ولا لا على تفصيل عند العلماء توبته تنفعه ولا لا تنفعه، تمام، فالان يعني حيث أن احنا بنتكلم عن غزوة أحد فأحب أنبه نفسي وإخواني إلى الحرص في الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم في باب الهزيمة هذا، تمام فهو أمر خطر على المسلم.
صلوا على النبي.
طيب، بالنسبة لليهود في المدينة احنا دلوقتي قلنا في مكة انتعشوا، استعدوا لمعركة بدر الموعد، بدأوا معركة إعلامية، بالنسبة للمدينة المدينة طبعا فيها مسلمين وفيها يهود، اليهود أيضا انتعشوا مره أخرى، وأثاروا شبهة مثل التي أثارها أهل مكة، لكن الفرق بين أهل مكة وبين اليهود أن الجماعة دول عندهم علم من أهل الكتاب يعني بتاع
مكة يقول إيه؟ يقول لك: لو كان نبيا ما هزم. عندك دليل يا أستاذ؟ يقول لك: لا أنا كده يعني من نفسي ما مش هيقول لك الصنم أو حالي بحاجة يعني إنما اليهودي يقول لك إيه: لم يصب نبي بمثل الذي أصيب به محمد لا في نفسه ولا في أصحابه. فعنده إيه؟ عنده دليل. وطبعا هذه من كذباتهم ومن بغيهم لأن الأنبياء وهم طبعا أكثر أنبياء هم يعرفون أن من أنبيائهم من قتل قتل وهم قتلوهم ومن أنبيائهم من لم يعينوهم فلم يجاهد بهم سيدنا موسى قال إيه في الآخر: رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَلَم يجاهدوا ولم يدخلوا الأرض المقدسة مع أنه كان عندهم وعد من الله.
طيب، ونعرف من قصة طالوت أنهم طردوا وهزموا وقد كان فيهم نبيهم لكن لم يطيعوه، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مهزومين ومطرودين ومعاهم فين ومعاهم إيه نبي. لكن الكذب كقولهم أن الله فقير ونحن أغنياء وكقولهم يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا. فبالتالي هذا وضع اليهود فاشتدت شبهاتهم على المسلمين.
بعد غزوة أحد بعد غزوة أيضا ظهر النفاق، احنا قلنا بعد غزوة بدر أذب معسكر المشركين وتحول من لم يؤمن إلى منافقين، لكن بعد غزوة أحد بدأ المنافقون يظهرون تبدو عليهم الآية يعني تبدو منهم المواقف الواضحة، لكن أيضا في الوقت نفسه كشف هؤلاء المنافقون.
من المواقف الشهيرة كان عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق بعدما أعلن دخوله في الإسلام، كان إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر لخطبة الجمعة يقوم عبد الله بن أبي ويقول: هذا جدكم وهذا حظكم وهذا رسولكم قد أرسله الله إليكم فاتبعوه أكرمكم الله به. نوع برضه من إيه؟ لا يترك الفخر ولا يترك مقام مقام الرئاسة والزعامة الذي هو فيه.
فلما جاء ليكرر هذا بعد غزوة أحد جذبه المسمون من ثوبه وأجلسوه وقالوا: أي عدو الله لست بذلك خلاص! بعدما انسحبت بثلث الجيش. فخرج من المسجد. لقيه أحد الأنصار، قال: مالك؟ قال: كأنما والله قلت بجرة، يعني إيه عارفين أنتوا التدليس يا جماعة؟ لا، أنا كنت قايم أقول كلمتين خير فما فهمونيش أو على الأقل متعصبين ضدي أو كارهيني أن أنا أتكلم. كأنما قلت والله بجرة وما أردت إلا أن أشدد أمره ده أنا كنت رايح أقول كلمتين كويسين يحمسوا الناس ويعني يظبطوا الموضوع وكده قال يعني هو ده السبب يعني واخد بالك.
فقال الأنصاري له: ويلك اذهب فاستغفر رسول الله فاستغفر لرسول الله، فقال: لا والله ما أحب أن يستغفر. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّوْنَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
فبنقول ظهر المنافقون، طيب ما أثر غزوة أحد على الجزيرة العربية؟ بدأت القبائل تعد للهجوم على المدينة لكن كما ذكرت لكم غزوة حمراء الأسد أوقفتهم فلم يهجموا على المدينة هجوما مباشرا، سنرى إن شاء الله في المجالس التالية كيف أعد بنو أسد وهذيل وغيرهم للهجوم على النبي. هذا العشاء آه.
طيب باقي دقيقتين، صلوا على النبي. طيب احنا كده احنا قسمنا احنا الآن بنختم سنة ثلاثة للهجرة لو تذكروا قسمناها إلى قسمين: ما قبل أحد، ما بعد أحد. وذكرنا أنه ما قبل أحد قلنا قلنا اتكلمنا على ثلاث ملفات، قلنا ملف الغزوات والسرايا، ملف العمليات الخاصة، وملف الأمور الاجتماعية.
في الغزوات الغزوات والسرايا كان لدينا قبل أحد غزوتان وسرية، طبعا أغلبكم نسي هذا الكلام. وعندنا في العمليات الخاصة عدد من الناس الذين استهدفهم النبي صلى الله عليه وسلم، منهم كعب بن الأشرف، أسماء بنت مروان ما هذا بعد بدر، وابن سنين وأبو عفك اليهودي.
وذكرنا في الأمور الاجتماعية ثلاث زيجات ومولد: زواج عثمان بأم كلثوم بنت النبي، وزواج النبي بحفصة، وزواج النبي بزينب بنت خزيمة، ومولد الحسن بن علي رضي الله عنه في 15 رمضان سنة 40.
طيب هذه خريطة العام الثالث للهجرة، أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي