السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين. مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس الثالث من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وقبل أن ندخل هذا المجلس أحب أن أذكر نفسي وإياكم بإخوانكم في غزة. وهؤلاء الناس قد يعني طال الكرب عليهم حتى بلغ ألف يوم، ولا تزال المأساة حاضرة؛ القصف، القتل، المجاعة، التنكيل، الأسر واقتطام الأرض أيضاً، وأنتم تعرفون أنه ليس لهم ظهير ولا نصير، يعني إن كنت تشاهد الحرب في إيران ولبنان فترى أنه حزب الله في لبنان له ظهير من إيران، فالناس في غزة ليس لهم لا ظهير ولا نصير، بل الذين يفترض أنهم ظهيرهم ونصيرهم هم أشد الناس عداوة لهم وأول الناس طعناً فيهم. فأذكر نفسي وإياكم بألا ننسى إخواننا هؤلاء بسائر ما يستطاع من الدعم ووجوه الإعانة، المال والتبرع والمقاطعة والدعاء وما شئت وما استطعت من أنواع الجهاد التي يمكن أن تساعدهم وتغيثهم.
ولعلكم سمعتم بالأمس نشر عن أنه جرى إعدام هذا الخائن الذي تسبب في اغتيال بعضاً من قيادات غزة، وكيف إنه هذا الخائن كان ضابطاً في الأمن الوقائي، يعني ضابطاً في السلطة الفلسطينية، وهذا يعطيكم حقيقة الواقع؛ حقيقة هذه السلطات التي تحكمنا، هذا هو دورها، هذا هو دورها وهذا هو لأجل ذلك وضعت على رقابنا.
وأحب أن أذكر نفسي وإياكم بأنه الخائن يا جماعة الخير؛ الخائن الذي يوالي عدو الله على أهله هذا لم يستيقظ يوماً في الصباح واختار أن يكون خائناً، ولكن هذا رجل ترك لنفسه الهوى، اتبع نفسه هواها، اتخذ إلهه هواه حتى صار لا يستطيع أن يملك زمام نفسه. يعني، هناك من يدخل له من حاجته إلى المال، شراهته إلى المال، شهوته إلى المال، وهناك من يدخل له بشهوته للنساء، وهناك من يدخل له بحبه للجاه والسلطان. الإنسان حين يترك نفسه بدون تزكية، بدون تربية، بدون مجاهدة ولا مقاومة، لا يبعد عليه أن يصل إلى هذا المكان. هذا أمر مهم لكي ننتبه له في أنفسنا، أي معصية أنت تترك نفسك لها، أي شهوة تترك نفسك لها، أي مدخل من مداخل الشيطان لا تذهب إلى مقاومته ومجاهدته، فهذا قد يصل بك إلى أن تكون خائناً عميلاً، وأن تكون يد العدو الكافر في قتل أخيك المسلم، بل قتل أخيك المسلم القائد المجاهد.
فمسألة النفس هذه يا إخواننا مسألة خطيرة، الإنسان لا يترك نفسه للهوى، الإنسان لا يتبع نفسه هواها، الإنسان لا يلبي لنفسه كل رغباتها، والنفس كالطفل إن تركه شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم. الشهوة لا تُطفأ بتلبيتها، أي شهوة لا تُطفأ بتلبيتها، يعني الإنسان إذا ترك لنفسه عنان شهوة النساء فلن تراه يشبع وإنما تراه يبحث عن المزيد، طيب، ترك لنفسه شهوة المال (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً)، إطفاء الشهوة، إطفاء الشهوة لا يكون بتلبيتها، تلبية الشهوة لا تؤدي إلى ارتوائها ولا إلى إشباعها وإنما تؤدي إلى استعرارها واشتعالها. فأسأل الله تبارك وتعالى أن يخرجنا من الدنيا وإياكم قبل أن نقترف مثل هذه الموبقات.
ونعود إلى حديث السيرة النبوية، نحن الآن في العام الخامس للهجرة وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند حادث الإفك، وذكرنا إنه حادث الإفك هذا المجلس الماضي تكلمنا عن الانقلاب الاجتماعي أو الاستقلال الاجتماعي داخل الأمة الإسلامية، وقبلها تكلمنا عن حادث الإفك. وقلنا إنه حادث الإفك هذا كان في رمضان من العام الخامس للهجرة، وذكرنا إنه في شوال من العام الخامس للهجرة ستقع أكبر وأهم وأخطر غزوة في تاريخ المسلمين، وهي غزوة الأحزاب؛ غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق. تمام، احنا الآن في السنة الخامسة للهجرة، الرقم اللي احنا قلناه أكثر من مرة لكي نحفظه وهو ترتيب غزوات النبي صلى الله عليه وسلم على السنين، حد حافظه؟
إيوه.
لا، افلت منك.
طيب، قلنا إنه نحفظ هذا الرقم: 8 4 2 4 2 4 3 1. هذه عدد الغزوات في كل سنة من السنوات على الترتيب، السنة الثانية التي بدأ فيها الجهاد كان فيها ثمان غزوات، السنة الثالثة فيها أربع غزوات، الرابعة فيها غزوتين، الخامسة فيها أربعة، السادسة فيها اثنين، السابعة فيها أربعة، الثامنة فيها ثلاثة، التاسعة فيها غزوة واحدة، 8 4 2 4 2 4 3 1. طب احنا الآن في العام الخامس للهجرة، نصيب هذا العام كم غزوة؟ أربع غزوات. ذكرنا منها غزوتين وهما، حد فاكر الغزوات التي كانت في العام الخامس؟
طيب، غزوة دومة الجندل وغزوة بني المصطلق. تمام، العلم إذا لم يكرر ينسى يا جماعة الخير، تمام، العلم إذا لم يكرر ينسى ولذلك قالوا العلم صيد، العلم إيه؟ صيد، والكتابة قيده، قيد صيودك بالحبال الواثقة، ما حدش يعتمد، يعني الجماعة الغربيين بيقول لك الحبر الضعيف أفضل من الذاكرة القوية تمام.
الان نحن سندخل إلى الغزوة الثالثة في العام الخامس، تمام، اللي هي غزوة إيه؟ غزوة الأحزاب. الآن أريد أن نتكلم عن المشهد العام الموجود الآن في الجزيرة العربية لكي نفهم كيف وقعت هذه الغزوة، اللي هي غزوة الأحزاب. الآن دعونا نذهب إلى قريش، يعني ندخل إلى قريش، نتصور أنفسنا في قريش ونرى المشهد من زاوية قريش والناس الذين في مكة. الوضع الآن كيف؟ الوضع الآن أن قريشاً قد أغلقت عليها طريق التجارة إلى الشام، طريق الشمال، طريق التجارة إلى الشام أغلق عليها، وُجدت الدولة الإسلامية في المدينة المنوره، طيب، وهو حين أغلق هذا ليس مجرد إغلاق طريق تجاري من طرق تجارية. احنا قلنا قريش لها طريقان كبيران؛ طريق الشام وطريق اليمن، تجارة الصيف وتجاره الشتاء. لا، ما ينفعش حد يقول، يعني لا يجوز أو لا يصح أن يقول أحد: قد أغلق طريق فبقي لهم طريق، لماذا لا يصح ذلك؟ لأن مكة بوقوعها على هذا الطريق التجاري كانت تتاجر في توصيل بضائع اليمن إلى الشام وفي توصيل بضائع الشام إلى اليمن، يعني المساله هنا ليست مجرد طريق من طريقين، لا، المساله تتعلق بأيه؟ بضرب العملية التجارية كلها. تمام، فإذا أغلق الطريق التجاري إلى الشام حاولوا فتحه ولم يستطيعوا، بل وصلنا الآن إلى مرحله، يعني لو أنت في قريش هتقول، هتقول الاتي: وصلنا الآن إلى مرحله إنه كل محاولاتنا لفتح هذا الطريق لم تفلح، حتى فيما بعد في السرية التي ذهبت إلى طريق العراق وذكرنا إنه تصدى لها سيدنا زيد بن حارثة في سريته. أشد من ذلك أن قريشاً الآن بلغت من الضعف حد أنها نقصت وتخاذلت عن مواجهه المسلمين في غزوة بدر الموعد. يبقى قريش الآن، هذا المشهد تعيش الآن حالة من الأزمة الاقتصادية، والأزمة الاقتصادية دي ترتب عليها كمان أزمة عسكرية أنها غير قادرة بنفسها على فتح هذا الطريق، بل وصلنا للأزمة المعنوية أنهم لما كانوا تواعدوا على غزوة لم يستطيعوا أن يوفوا بعهدهم. تمام، طيب، هذا جانب.
الجانب الآخر: الدولة الإسلامية الموجودة في المدينة المنورة دي هي دي بالنسبة لقريش إيه؟ بالنسبة لقريش هذا انشقاق عنها، يعني كل إضافة، كل قوة، كل زيادة في رصيد الدولة الإسلامية يساوي إيه؟ خصماً وإضعافاً وإنقاصاً وهزيمة لمين؟ لقريش، خصوصاً وأن قريش هذه زعيمة العرب، المكان الذي فيه البيت الحرام، رأس الذين يعبدون الأصنام، الدولة التي قامت على دحض عبادة الأصنام ويعني إزالة عبادة الأصنام ورفع راية التوحيد، هذه ليست فقط منافسة إقليمية، بمعنى منافسة في التجارة أو منافسة في المكانة، دي منافسة على إيه؟ على الدين، على الوجود، على الفلسفة، على الرؤية، على النموذج الحضاري. تمام، فكل تطور، كل قوة في جانب الدولة الإسلامية يساوي في نفس الوقت خصماً وإضعافاً وانقاصاً من إيه؟ من دولة قريش. تمام.
طيب، الآن لو أنك نظرت إلى المسلمين منذ أن هاجروا من مكة سترى أن المسلمين ما تزال قوتهم في استفحال وفي زيادة، يعني العام الاخير فقط، العام الأخير الذي نحن فيه من بعد ما نقصت وتخاذلت قريش عن غزوة بدر الموعد ستجد أن المسلمين عملوا خطوتين، نفذوا خطوتين كبيرتين على مستوى النفوذ والاستراتيجية. الخطوة الأولى هي غزوة دومة الجندل، ذكرنا أنها كانت بعيدة في قبائل الشمال على بعد حوالي 1000 كم، 800 كم أو 850 كم. يبقى الدولة الإسلامية هذه وصل نفوذها إلى إيه؟ إلى اقصى شمال الجزيرة العربية.
والأمر الثاني، الخطوة الكبيرة الثانية التي تضخم بها نفوذ المسلمين أنها أغلقت ما سميناه قبل ذلك في مجلس ماضي، أغلقت الثغرة في العمق الاستراتيجي، اللي هي بني المصطلق. قلنا إن بني المصطلق دول فرع من خزاعة، وخزاعة تسكن الطريق بين مكة والمدينة، وغالب قبيلة خزاعة كانت موالية أو مهادنة للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا بني المصطلق. طيب، الآن بني المصطلق بعد الغزوة التي غزاها النبي صلى الله عليه وسلم ليس فقط هزمت، يعني هي هزمت، ليست ليست هزمت فقط، بل هزمت وأسلمت. مش قلنا لما النبي صلى الله عليه وسلم تزوج، أعتق جويرية وتزوجها، قالوا، قال الصحابة: أصهار رسول الله، فأسلم بنو المصطلق. وقالت عائشة: ما رأيت امرأة أكثر بركة على قومها من جويرية. يبقى الآن هذا العمق الاستراتيجي، يعني هذه مساحة النفوذ الآمنة، مساحة وجود حليف، يسميها (يعني العسكريون والسياسيون المعاصرون) العمق الاستراتيجي. العمق الاستراتيجي يا جماعة في تعريفاته هو المسافة الآمنة لو بننظر داخل الدولة، يبقى المسافة من الحدود إلى العاصمة أو إلى مناط أو إلى منابع الثروة أو إلى المواقع العسكرية المهمة. لو نظرنا خارج الدولة، يبقى المسافة الآمنة التي يقطعها العدو حتى يصل إلى الدولة. تمام، يبقى الآن إذا أنت إذا نظرت من وجهة نظر قريش سترى الآتي: الدولة الإسلامية تستفحل، تتوسع، أغلقت ثغرة في العمق الاستراتيجي عند بني المصطلق، وصل نفوذها حتى دومة الجندل، وقريش تخاف أن تواجه هذه الدولة الإسلامية ولا تستطيع أن فتح عصب اقتصادها وهو الطريق إلى الشام. ده الوضع من من جهة إيه؟ من جهة قريش. ماشي.
طيب، تعال ندخل ننظر إلى الموضوع من جهة اليهود. طيب، هؤلاء اليهود احنا قلنا كان عندنا في المدينة المنورة ثلاث كتل يهودية كبيرة؛ بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة. في اللحظة التي نحن فيها الآن، بنو قينقاع جرى أجلاؤهم وبنو النضير أيضاً جرى أجلاؤهم، صحيح سمح لهم بالخروج بالاموال لكن بالنهاية تفككت، بنو النضير كانوا أقوى كتلة يهودية وأكثرها ثراءً فتفككت، كتلة كبيرة وزعماؤها وأثرياؤها ووجهاؤها خرجوا إلى خيبر، خرجوا فين؟ إلى خيبر. إيه خيبر دي؟ خيبر دي يا جماعة، يعني اعتبرها كده إسرائيل المصغرة بمصطلح اليومين دول. إسرائيل هذه مركز تجمع يهودي، هذا المركز في شمال الجزيرة العربية، غير إنه أرض زراعية خصبة، يعني موارد اقتصادية كتير، فهو محصن حصانة عسكرية كبيرة؛ مجموعة حصون، سبع حصون كل حصن فيهم محصن عسكرياً، فهو موقع عسكري وأرض خصبة، يعني ثروة اقتصادية ومكان آمن.
هؤلاء حين جُلوا، أُجلوا إلى وذهبوا إلى خيبر، بدأوا يفكرون في كيف يمكن الكيد لهذه الدولة الاسلامية، المفروض يحمد ربنا أنهم لم يقتلوا لأنهم أرادوا الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم واغتياله. لكن بدانا إيه؟ لأن احنا قلنا كان زعيمهم في ذلك الوقت حيي بن أخطب، وحيي بن أخطب ده عنده موقف قديم من النبي صلى الله عليه وسلم، أول ما جاء إلى المدينة ذهب إلى النبي، رآه، أخوه يقول له: أهو هو؟ قال: أهو هو، تعرفه وتثبته من أوصاف التوراة؟ قال: أعرفه وأثبته. طيب فما تعمل؟ قال: عداوته ما بقيت. فهو الراجل عنده إيه؟ عنده مشروع عداوة النبي صلى الله عليه وسلم. يبقى الآن هذه وجهة نظر قريش وهذه وجهة نظر مين؟ اليهود.
بقي طرف ثالث وهو طرف المشركون العرب. المشركون العرب بقا الموزعون في الأنباء، الان إذا يعني عملت جولة سياحية كده ونزلت بين قبائل العرب وحاولت تتصور كيف يتصورونهم الوضع الحالي سيرون المشهد كما نحكيه لكم الآن. الأمر الأول أنه ولدت إلى جوارهم دولة إسلامية، وهذه طبعا دولة إسلامية بمعنى أنها دولة تضاد؛ تضاد دينهم أولاً، وتضاد خريطتهم الاقتصادية والقبلية ثانياً. هذه القبائل كانت موجودة في بيئة تتاجر بالأصنام، رحلات قريش للشتاء والصيف، بينهم علاقات لتأمين القوافل أو للمشاركة، فحين يتعطل طريق قريش التجاري، القبائل المستفيدة من التجارة الوسيطة أو من تأمين الطرق ماذا يحصل؟ تتعطل أيضاً، فضلا عن يبقى في تهديد ديني دولة إسلامية، وفي تهديد اقتصادي، وذكرنا إنه بطبيعة الحال نشوء أي دولة، نشوء أي دولة يساوي تواتراً في مجالها. لما بنحب نوصل الفكرة دي على شكل أصغر نقول إنه إيه: نشوء أي شركة في المجال الاقتصادي بيعمل إيه؟ بيعمل توتراً في الشركات الموجودة لأنه في منافس جديد ظهر.
أشد من ذلك وأعظم طبعا أن تنشا دولة أو أنه تتغير سياسة دولة. تمام، وهؤلاء العرب فوق ذلك يرون إنه سائر المحاولات التي قام بها بعض قبائل العرب لمهاجمه الدولة الإسلامية كلها أخفقت، كلها أخفقت. أما يحصل مثلاً عملية خاصة واغتيال زي محاولة خالد بن سفيان الهذلي، أرسل له النبي عبد الله بن أنيس الجهني قبل أن
يكتمل له الجمع، قاتله واغتاله قبل أن ينفض الجمع، أو أن تأتيه سرية. زي ما حصل مثلا لبني أسد؛ جاءتهم سرية أبي سلمة بن عبد الأسد في مطلع العام الرابع، أو تأتيهم غزوة كما حصل في بني المصطلق. المهم أن كل المحاولات أو سرية أبي عبيدة بالنسبة لطيء، يعني كل محاولات الهجوم على الدولة الإسلامية فوجئت بالإجهاض في مهدها، سواء طلع واحد في مهمة خاصة، أو طلعت سرية، أو طلع جيش يقوده النبي صلى الله عليه وسلم، إلى الدرجة التي ناس في دومة الجندل بعيد عن المدينة بـ 850 كم فوجئوا بجيش يهاجمهم قبل أن يكتمل جمعهم. فلك أن تتصور مدى الآه، مدى الرهبة والردع التي تلقى في قلوب هذه القبائل العربية. كل محاولات الإعداد للهجوم على الدولة الإسلامية أه، أخفقت. طيب، اشد من ذلك، إنه بعض هذه المحاولات التي أخفقت أضيفت إلى كفة النبي صلى الله عليه وسلم، زي مين؟ بني المصطلق؛ كانوا بيعدوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وبعد الغزوة بقوا إيه؟ بقوا مسلمين. بل بدات بعض القبائل تنحاز إلى الدولة الإسلامية من تلقاء نفسها من غير حرب، زي ما قلنا كده؛ أول وفد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام كان وفد مزينة، ذكرناه في مجلس ماضي. يعني إذا الأمر، الأرض تتاكل بالنسبة إليهم، تتاكل من أطرافها؛ دولة تقوم وتتوسع وتستفحل، والناس تنحاز إليها. والمرة الوحيدة التي كان يمكن أن تجهض فيها هذه الدولة لم تكتمل، اللي هي غزوة أحد. بل المسلمين عبروا عن قدرة على الصمود لما خرجوا إلى حمراء الأسد. والمرة التي نستطيع أن نقول هزمت فيها هذه الدولة الإسلامية كانت غدرا وخديعة، زي ما حصل في بئر معونة وفي الرجيع، ومع ذلك لم تتأثر الدولة الإسلامية بهذه الحوادث الثلاثة.
فالآن لو أنت موجود في مضرب قبيلة عربية، أو داخل في رأس واحد من قبائل العرب، ود، وزعماء القبائل العرب، ستجد إيه؟ إنه هذه الدولة تمثل تهديدا ونفوذا متسعا ومتزايدا. طيب، الآن يا جماعة الخير، وربما على فكرة بالمناسبه، ربما حد يعني كان، لو في حد كان يعلق الامل على عبد الله بن أبي بن سلول في المدينة فسيجد أيضا أنه قد أخفق، لانه أبرز لحظة كان يمكن فيها للمنا المنافقين أن أ، يحققوا نتيجة هي اللحظات التي حصلت في العام الخامس للهجرة؛ محاولة عبد الله بن أبي بن سلول إشعال الفتنة بين المهاجرين والانصار، لما قال: سمّ كلبك يأكلك، لما قال: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. إيه اللي حصل في هاتين المحاولتين؟ إيه اللي حصل في المحاولة دي؟ الأول؛ كان الذي أبلغ عن عبد الله بن أبي فتى من قومه، وكان الذي تصدى له من ولده، وقف بباب المدينة وقال: والله لا تدخل حتى تقول: رسول الله الأعز وأنا الأذل. وحتى أزمة كبيرة زي حادثة الإفك لم تؤدي إلى اشتعال مشكلة بين المهاجرين والأنصار. يعني حتى القبائل العربية، حتى قريش، حتى اليهود، لو أن منهم من كان يعول على حركة المنافقين داخل المدينة، فهم في هذه اللحظة قد وصلوا إلى أن المنافقين داخل المدينة لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئا. تمام؟ فهذه هي قراءة الوضع السياسي والعسكري عند هذه اللحظة.
طيب، إيه اللي هيحصل في هذه؟ الآن، تعرفون الظروف يا جماعه مهما كانت مهيئه، فلا بد آ، لابد لها ممن يبادر. يعني الظروف مهما كانت مهيئه مش، لن تتفاعل من تلقاء نفسها، لابد من أحد يبادر، لابد لابد واحد ينتهز الفرصة، لابد واحد يقود المشهد. تمام؟ وإلا فكم كان في التاريخ، آ، لحظات تنادي على القائد ولا تجد القائد! تمام، الآن ما الذي حصل؟ من أين كانت البداية؟ من الذي سيقرا هذا المشهد ويكون سباقا إلى يعني انتهازه؟ بدأ هذا من اليهود، هؤلاء هم الذين نستطيع أن نقول قراوا المشهد أو بادروا لاستثمار هذا المشهد. طيب، الجماعة دول عملوا خطة محكمة، ما هي هذه الخطة المحكمة؟ هم ذهب وفد منهم من يهود خيبر، وفيهم زعماء يهود بني النضير على رأسهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وآخرون. وفد أحيانا تقول كتب السيرة إنه بلغ 20 رجلا. ما الخطة؟ الخطة أنهم ذهبوا إلى قريش يستثيرونها لحرب النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، قريش الآن كما قلنا ما عندهاش القدرة لا النفسية ولا العسكرية أنها إيه تواجه النبي صلى الله عليه وسلم. فاخبروهم أنهم سيحشدون ما استطاعوا، يعني قريش تحشد ما استطاعت، وهؤلاء اليهود سيذهبون إلى فروع قبيلة الكبيره بقى اللي هي موجودة في نجد، اللي هي قبيلة غطفان، ويحاولون أن يستثيرونها. كيف؟ الأول؛ قريش تجمع حلفاءها، كنانة، حلفاءها الأحابيش من إليها، وهؤلاء اليهود سيجمعون غطفان، سيحاولون أن يجمعوا فروع غطفان. طيب، طبعا قريش عندها عداوة أصيلة، تمام؟ طيب، غطفان ما الذي يمكن أن يحركها؟ يمكن أن يحركها المال، فوعدوهم بالآتي: وعدوهم بتمر خيبر لمدة سنة، تمام، أو لنصف سنة، رواية، خلاف في الروايات. يعني إيه تمر خيبر لمدة سنة؟ يعني يا جماعة الخير، ميزانية الدولة لمدة سنة، أو ميزانية الدولة لمدة ستة أشهر، لانه زمان في ذلك الوقت التمر هذا كان هو النقود، تمام؟ وخيبر مدينة غنية، إضافة إلى أن لهم غنائم المدينة. يبقى الآن في فلوس عاجلة، ثم لغطفان أن تاخذ ما تغنمه من غنائم من المدينة، تمام؟ وبالفعل ذهب الوفد إلى قريش ثم ذهب الوفد إلى غطفان.
العنصر الثالث في هذه الخطة أنهم سيحاولون إثارة بني قريظة الكتلة اليهودية الكبيرة المتبقية في المدينة. يبقى الآن لدينا هجوم من قريش وهجوم من غطفان ومن إليها من قبائل عرب، وهجوم داخلي في المدينة من الكتلة اليهودية الثالثة، وكل هؤلاء، كل واحد من هؤلاء له إيه؟ له غرضه في إزهاق وإخماد هذه الدولة الإسلامية. طيب، تبدو خطة محكمة، نقطة قوتها هي أيضا نقطة ضعفها؛ نقطة قوتها إنه تحالف من شخصيات متعدده وقبائل متعددة وأغراض متعددة، ونقطة ضعفها إنه لو وقع الخلف، أو لو وقع الخلاف بين هذا الحلف، هيحصل إيه؟ هيتفتت، ولا يستطيع كل واحد منهم منفردا أن يجتاح المدينة. فلذلك قريش فهمت هذا، فماذا فعلوا؟ هذا الوفد اليهودي تعلقوا معا القرشيين واليهود، تعلقوا معا بأستار الكعبة وتعهدوا على ألا، تعهدوا على ألا ينتهي هذا الأمر قبل أن يستأصلوا محمدا. فانت تجد اليهودي معلق بالكعبة اللي هو أصلا لا يؤمن بها، وتجد القرشي مطمئن إلى اليهودي اللي هو أصلا مش مؤمن بالكعبة.
وها هنا حصل بقى الآية، الحركة الإعلامية دي، اللي هو: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأول، وعندكم من العلم ما ليس عندنا، ما تقولون فيما نحن فيه؛ ديننا خير أم دين محمد؟ تمام. فقالت لهم اليهود: بل دينكم خير من دينه؛ فإنكم تقومون على عمارة البيت الحرام وعلى خدمة الحجيج، واما هو فليس بذلك. تمام، هذه عند العرب نوع من إيه، آ، يشبه إيه يا جماعة الخير؟ فرعون لما جاءه سيدنا موسى، تمام، ألقى عصاه فإذا إذا هي ثعبان مبين، نزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. كان إيه؟ كيف يمكن أن نفهم الراجل ده نبي ولا ساحر؟ قالوا: أَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ. هنعمل اختبار من الناس اللي عندهم خبرة، خلاص؟ لما جاء السحرة بمجرد ما ألقى موسى عصاه فإذا هي تلقاهم، يكون حصل إيه؟ سجدوا وآمنوا، فتمت الشهادة لموسى عليه السلام بأنه ليس بساحر وإنما هو نبي. طيب، اليهود بالنسبة للمشركين في ذلك الزمن اعتبرهم كانوا إيه؟ لجنة الخبراء دي أو الجماعة السحرة، الناس اللي بتفهم في الدين، الناس اللي بتفهم في الأنبياء، الناس اللي عندها كتب سابقة. فهؤلاء حين يقولون محمد نبي، يبقى محمد نبي. هؤلاء حين يقولون محمد ليس نبيا، فدول أهل الخبرة، لما بيصدروا هذا الحكم، هذا يثبت مجموع المشركين بأنه الجماعة الخبراء بالنبوات والأنبياء والمعجزات قالوا إيه؟ ليس نبيا. واضح يا جماعة؟
فلذلك أنزل ربنا تبارك وتعالى قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. الجبت هو كل ما عبد من دون الله، الطاغوت هو كل ما طغى عن حده فعبد، يعني الجبت والطاغوت هي رمز للكفر يعني أو معنى من معاني الكفر وعبادة غير الله. يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجَدَ لَهُ نَصِيرًا. لان هو يشهد على أمر وهو يعرف، وهو يعلم، ويعرف أن حقيقة الحال يكذب ما يقول.
طيب، يبقى الآن لكي يستوثق هذا المشهد، حصل هذا الاتفاق وهذا الحلف، وهم متعلقون بأستار الكعبة ماشي. الآن يا جماعة الخير، تحشد الأحزاب، تحشد الأحزاب، أي ذهب اليهود إلى غطفان، المهم قريش جمعت أقصى ما تملك، غطفان جمعت أقصى ما تملك من القبائل التي استجابت لها: فزارة، وأسلم، وأشجع، وهكذا. فكان المجموع 10000؛ قريش جمعت 4000، وغطفان جمعت كم؟ 6000. طيب، واتجه هذا الجيش الكبير العرمرم، الذي لم تشهد الجزيرة العربية مثله حتى ذلك الوقت، إلى المدينة المنورة.
الان المسلمون في مأزق كبير؛ لكي نفهم هذا المأزق، يعني إيه ركزوا معايا شوية، صلوا على النبي. المسلمين في المدينة، كل المسلمين في المدينة بالنساء بالصبيان حوالي 5000 في أقصى الأحوال 6000، يعني لما يأتي 10000 مقاتل لاجتياح 5000 أو 6000 فاحنا، فاحنا بنتكلم في إيه؟ في نتيجة منتهية. طيب، عدد المقاتلين في المدينة كم؟ عدد المقاتلين أقصى ما ورد في الروايات أنهم 3000، والصحيح أنهم 1.5، يعني أقصد تقديرات أنهم 3000 لكن عند التحقيق فهم 1.5. وسياتي معنا إن شاء الله في الوقائع ما يدل على أن المسلمين كان كل عدد المقاتلين اللي فيهم كام؟ 1.5، 1.5، فوجئوا بجيش من كام؟ من 10000. هذا أول، هذا أول الآية، ال، يعني الأزمة الكبيرة. طبعا هذا التحشد وهذا التحذب تقدر تسميه إيه دلوقتي يا جماعة؟ يعني اعتبروا التحالف الدولي لمقاومة الإرهاب ولا لمكافحة الإرهاب ولا للقضاء على الإرهاب، يعني زي كده لما يبقى في دولة زي أفغانستان كلها 25 مليون، تفاجأ بأن في تحالف دولي يضم 42 دولة من أقوى دول العالم؛ فمشهد هائل، مشهد هائل! تمام؟
طيب، يبقى السبب، الأزمة الأولى، يعني لكي تتصور المسلمين كيف كانوا يستقبلون هذا الخبر؛ إنه هذا عدد لا قبل، لا قبل لهم به ولا قدرة لهم عليه. هذا رقم واحد. رقم اثنين؛ إنه هذا الـ، هذا العدد لا يمكن الإقدام على مواجهته خارج المدينة. يعني لا ينفع تطلع إلى بدر، ولا ينفع، يعني بدر اللي هو السهل المنبسط، فاكرين لما قلنا بدر هو موضع سهل فيه آبار تحوطه جبال، له ثلاث فتحات، يعني هذا العدد لا يمكن أن تواجهه في سهل منبسط، ولا يمكن أن تواجهه في بيئة مثل بيئة أحد مثلا بين جبلين؛ جبل أحد وجبل الرماة؛ لأنه أولا طبعا السهل المنبسط أمرها واضح؛ 10000 يستطيعوا تطويق كل هذا العدد القصير. وكذاك، حتى لو في أحد هذا العدد الكبير، إذن، أما أن يستطيع تطويق هذا العدد الصغير، أو على الأقل سيقسم نفسه قسمين؛ قسم لتطويق الجيش الذي أمامه، وقسم سيهاجم المدينة التي فرغت من مقاتليها. يبقى التفكير في محاولة مواجهة هذا الجيش الضخم خارج المدينة متعذرة، لا يمكن التفكير فيها.
طيب، ماذا كانت تفعل العرب إذا فوجئت بجيوش أكبر منها؟ كان من طبيعة العرب أنهم يفرون إلى الجبال ويتركون البلد، يفرون بما استطاعوا إلى الجبال ويتركون البلد، وحيث إنه ما حدش هيضل يعيش في البلد دي شهرين، ثلاثة، أربعة، في هذا، في هذه الاجواء وفي هذه الديار، فما يلبث الغازي المعتدي أن هو ينسحب. مثلا، لما جاءت جيوش أبرهة ماذا فعل القرشيون؟ تفرقوا في الجبال، أبرهة ما لقيش حد، لو كان يتقدم إلى مكة طبعا لم يجد أحدا، فبالفعل هو عسكر لكي يسلم له. بعد كده جاءت المعجزة الربانية التي تثبت أن أحدا لم يدفع، لم يستطع أن يدفع جيش أبرهة، وإنما حمى الله بيته. كما حتى نذكر الآن في الغزوات التي غزاها النبي والسرايا؛ قلنا: إذا كان النبي يفاجئهم كانوا يتفرقون ويتركون غنائمهم الإبل والغنم.
الآن، هل يمكن أن ينسحب المسلمون من المدينة التي هي عاصمة الدولة؟ أيضا هذا لا يمكن، لماذا لا يمكن؟ لأن اجتياح المدينة في هذه اللحظة يساوي القضاء على كل ما جرى بناؤه عبر الـ 18 عاما منذ أول الإسلام، ومن أهمها الخمسة أعوام التي كانت منذ بداية الدولة الإسلامية. يعني الآن هؤلاء قوم يريدون اجتياح المدينة ويريدون أخذ غنائمها؛ محاولة أو التفكير في التفرق من المدينة ثم الرجوع إليها بعد ذلك متعذر، بل هو دليل، أو بل هو يؤدي إلى انهيار كل المكتسبات، انهيار كل ما بني حتى الآن. وهذا الجيش الكبير لا يمكن الوصول معه إلى سلام ولا تفاهم. تصور الأزمة؛ جيش كبير لا يمكن مواجهته في الخارج، ولا يمكن الإقدام على ال، الهروب منه والتفرق، ولا يمكن الوصول معه تفاهم، والأعداد كبيرة جدا. وبالتالي يا جماعة الخير، لا يمكن الإقدام أيضا على مهاجمتهم قبل أن يلتئموا، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات والسرايا السابقة، لان دول مش مركز واحد، يعني دول مش بني المصطلق تجمعوا، مش طيء تجمعت، مش الناس اللي في دومه الجندل دول، مش مركز واحد؛ دول عدد من المراكز والقبائل. ثم إن هذا العدد من المراكز والقبائل ليسوا قبائل صغيرة، أنت بتتكلم عن مكة.
بتتكلم عن مراكز غطفان، بتتكلم عن خiبر التي سيكون لها سيكون لقصتها لقصه فتحها أمر طويل طويل. فحقيقة المسلمون هنا، ولذلك استحضد دائما تعبير القرآن الكريم عن هذه اللحظة بأنه الزلزال الشديد: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا. تحس إنه قدوم هذا الجيش إلى المدينة لا حل معه، لا حل معه، لا أنت عارف توجّه وجهه في مكانه، ولا أنت عارف تواجهه خارج المدينة، ولا أنت عارف تفر من أمامه، ولا عارف توصل معاه لاتفاقية أو صلح. طيب، إذا لا بديل إلا الصمود والقتال إلى آخر رجل، لكن حتى الصمود ده يبقى صمود ازاي برضه؟ يعني هنا التفكير، كيف يمكن الصمود أمام هذا العدد الكبير المسلح بأموال خيبر؟
فها هنا يا جماعة الخير فتح الله على المسلمين بفكرة، فكرة الخندق. لكي نفهم فكرة الخندق لابد أن نستحضر كيف كانت المدينة المنورة، لو تذكرون لما كنا نتكلم عن الهجرة ووصف النبي صلى الله عليه وسلم: إني أريد دار هجرتكم، تمام، وهي أرض ذات نخل بين حرتين. يعني إيه بين حرتين؟ يعني بين جبلين. الحرة هي الصخور السوداء أو بالمصطلح المعاصر الصخور البركانية، تمام.
الحرتان المدينة يحيطها جبلان: حرة واقم وحرة الوبرة. جبلان هذان الجبلان يحيطان بها إحاطة القوسين. خلاص. طيب، وفي جنوب المدينة، في جنوب المدينة تتلاصق البيوت تلاصقاً، البيوت والآطام تلاصقاً يجعلها غير مهيأة لدخول الخيل وخروجها يعني، صحيح في مسلك في درب كده، لكن ليس هذا المكان الذي يمكن أن تخرج الخيل منه وتدخل، ولا يمكن أن يكون موضع قتال. طيب، في الجنوب الشرقي من المدينة موجودة كتلة بني قريظة، وأيضاً كتلة بني قريظة كانوا يسكنون في حصون في آطام، يعني بالمصطلح المعاصر في كومباوند مجمع، فبالتالي أيضاً ليس المكان ها هنا يصلح لحركة الخيل وحركة القتال. وبين بني قريظة وبين المسلمين حلف ومعاهدة لا يعين عليهم أحداً، كما ذكرناه قبل ذلك في وثيقة المدينة.
إذا المكان المكشوف أو المكان الذي المكان الوحيد الذي يمكن أن تأتي منه الجيوش أو أن يقع فيه القتال هو المكان القائم في شمال المدينة، اللي هو المكان الواصل بين طرفي الحرتين، طرفي الجبلين المحيطين بالمدينة. طيب، إذا هذه الفكرة كيف جاءت؟ جاءت من سيدنا سلمان الفارسي. سيدنا سلمان الفارسي هذا أحد الناس الذين إيه هم من عظماء الناس ومن عظماء البشر. هذا رجل شاب وهب نفسه للبحث عن الحق حتى وصل إليها منفرداً بنفسه.
سلمان الفارسي كان رجلاً موجوداً في بيت كاهن النار في الفرس، يعني الرجل الذي يشعل النار، وطبعاً المجوس الفرس كانوا يعبدون النار، يعني واحد في نقدر نقول كده إيه في بيت شيخ الأزهر، يعني من النخبة، يعني تمام. هذا الرجل لما كان يمر، سمع كنيسة ودخل إليها، أعجبتهم عبادتها، عرف أن دين النصرانية خير من دين المجوس. ولاخلاصه للحق ده، يعني طبعاً هذا صنف نادر من الناس، اللي هو الرجل الذي إذا عرف الحق وهبه وهب نفسه له بكل بكليته، بكل طاقته، بكل وسعه لم يتردد، فبمجرد أن عرف هذا تواصل مع هؤلاء النصارى.
نفذ خطة هروب من مكانه الذي هو فيه إلى لكي يصل إلى منبع هذا الدين. فين منبع هذا الدين يا جماعة؟ قالوا له منبع هذا الدين في الشام. قال لهم أنا عايز أروح الشام، تمام. ذهب إلى الشام، فسبحان الله، كان أول حظه من أن يعني هو طبعاً ذهب إلى الشام مركز الدين، وذهب عند أكبر أحبارهم، مش بقول لك أنا إيه رجل طلب الحق: إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم. في ناس كده إيه: إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، في ناس همتها لا تحملها إلا إلى المعالي، فهو عرف الدين ده أفضل من الدين الذي كان عليه، قصد إلى مركزه، وعند مركزه قصد إلى أعلم الناس به. ويشاء ربك يبقى أعلم الناس به شخصية فاسدة، يقول للناس زكوا وتصدقوا وهو يروح ياخد الأموال ويحوشها، تمام. المفروض بقى المفروض يعمل إيه؟ يا اخي كرهتونا في الدين ده، أنتوا تجار دين، ما حدش عارف اللي فيها، اللي بيقولوا عليكم في المسلسلات صح، تمام، ومع ذلك بقي معه إلى أن مات، ولما جاء قومه، المهم يعني إيه انتقل منه إلى غيره، فكان يقول فما وجدت رجلاً أفضل بقى من المسلمين الذين راهم فيما بعد، خير من هذا الرجل على المنهج القويم، على الدين الأول اتباع عيسى عليه السلام، فبقي معه يخدمه إلى أن مات. شوف أنت هو تحول بإرادته من العز إلى الخدمة، بقي معه يخدمه إلى أن مات، لما مات قال له إلى من توصي بي أنا ما أعرفش حد غيرك. قال له والله بص الدنيا دي كلها فاسدة، أنا ما أعرفش إلا واحد بس هو على ما أنا عليه في المكان الفلاني، بقى احنا حيا يحصل انتقال بقى من الشام إلى الموصل إلى عمورية، إلى طبعاً عمورية الآن موجودة في محافظة أفيون التركية.
المهم هيلف اللفة دي يفضل مع كل واحد إلى نهاية حاله، لغاية لما يجي عند الراجل اللي في عمورية ده، ويروح يقول له إيه: قد حضرك ما ترى يعني الموت، إلى من توصي بي؟ قال له بص لم يعد في هذه الأرض أحد على ما كنا عليه، الصالحين بتوع النصرانية خلصوا انتهوا، غير أنه قد أظل زمان نبي يخرج في أرض العرب، في أرض ذات نخل بين حرتين، فإذا استطعت أن تدركه فاللحق به. تمام.
فسيدنا سلمان كان بقى في ذلك الوقت عمل شوية فلوس وعنده شوية غنم، بدل ما يستقر راح بايع الفل بايع الغنم وواخد الفلوس علشان يروح لقبيلة من بني كلب رايحة أرض العرب، قال لهم أحملوني معكم مقابل هذه الفلوس، وطلعت برضه قبيلة نصابة، حملوهم معهم ورحوا باعوه عبداً. المفروض لو واحد لو واحد ما عن يعني عنده أدنى تردد في الطريق اللي هو ماشي فيه: يا عم أنا غلطان اللي طلعت من بيت أبويا أساساً، أنا كنت قاعد معزز مكرم، عم يعني ياما اتنصب عليه وياما اتضحك عليه، والآن آخرها أكون عبد! وباعوه عبداً عند إيه؟ عند يهودي من أهل يثرب.
خلاص، وقصته ليس الآن مجال التفصيل فيها، الخلاصه أنه لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم عرفه بالعلامات التي أخبره بها هذا القص النصراني فآمن به، لكنه كان عبداً بيد الرجل اليهودي، فاستعان بالنبي وبالمسلمين على أن يعتق من هذه العبودية. فكان أول مشهد، يعني أول معركة يحضرها مع المسلمين هي إيه؟ هي غزوة الخندق، يعني لم يشهد بدراً ولم يشهد أحداً ولم يشهد أي غزوة من الغزوات الفائفة، فالآن أول مشهد يشهده مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد حريته، وفي قصته تفاصيل ليس هذا موضع ذكرها.
سلمان الفارسي لما وجد هذا الوضع قال: يا رسول الله، أنا كنا بأرض الفرس إذا تخوفنا الخيل، يعني إذا خفنا من قدوم جيش، خندقنا علينا، أفلا تخندق يا رسول الله؟ دي بقى كانت فكرة إيه؟ فكرة جديدة لا تعرفها العرب. الخندق هو أن تحفر في الأرض حفرة عميقة طويلة تسد مداخل المدينة أو تحاصر المدينة بحيث لا تستطيع الخيل أن تتجاوزها، يعني اعتبرها تكتيك تيك من تكتيكات ما صار يسمى بعد ذلك حرب المستضعفين، تمام. حاجة بتعملها المدن التي لا تستطيع أن تواجه الجيوش الكبيرة وليس عندها العدة لمقاومتها.
فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفكرة وأعجبته وأعجبت الصحابه وتوكلنا على الله. طبعا يجب أن نتوقف هنا لنذكر، احنا لسه يا جماعة الخير المفترض آخر شورى عملناها كانت عملت لنا إيه؟ كانت عملت لنا مشاكل في أحد، فاكرين لما النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يدافع من داخل المدينة لكن الشباب الذين لم يحضروا بدراً أرادوا أن يخرجوا إلى المشركين، حصل إيه؟ هزمنا، مش كده؟ لكن قلنا في وقتها نزل قول الله تبارك وتعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. القصد يا جماعة إنه الهزيمة لم تعد على أصل الشورى بالإبطال، وطبعاً ها هنا يعني أمر كثر كلام العلماء في بيانه وهو جواز الاستفادة من تراث الأمم مهما كانت الأمم دي كافرة، يعني مش علشان الوسيلة أو الفكرة أو الخطوة جاءت من عند الفرس فالمسلمون يرفضونها، الأصل أنه إيه؟ الحكمة ضالة المؤمن، إن وجدها فهو أحق الناس بها، وطبعاً كان هذا في سيرة النبي وفي سيرة خلفائه الراشدين من بعده.
طيب، المهم يا جماعة الخير هنا على فكرة، يعني في فكرة، في فكرة عايز أقولها بس إيه برضه أتمنى أن تفهم عني على أحسن المحامل. ربنا تبارك وتعالى قال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. شوفوا الأفكار، الأفكار عند كل الناس، الأفكار بتعبر على على كل الناس، اللي قاعد في البيت واللي نايم واللي صاحي واللي في الحمام، يعني. وتاتي كذلك على الذين يخوضون المعركة. شوفوا يا جماعة، فرق دائماً بين فكرة القاعدين والمنعزلين وبين فكرة العاملين والمجاهدين. كثيراً ما رايت حتى بنفسي الجماعة المنعزلين أو الجماعة القاعدين، الناس اللي بعيدين عن الحركة وعن العمل، بيطلع أفكار وهو يرى أنها في غاية العبقرية، بينما هي لا تصلح قط للتنفيذ، أو حتى إذا عرضتها على الناس اللي بتشتغل يعني يسخر منها كثيراً، والله يعني.
فالفكرة المباركة هي الفكرة التي تأتي بعد أن تنزل إلى ميدان العمل، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. الهداية لا تأتي قبل الجهاد، قبل العمل، تمام فلذلك أنت ترى هذه الفكرة جاءت متى؟ جاءت حين أحتاج إليها المسلمون وهم في ميدان العمل. يعني مثلاً لن ترى فكرة جاءت قبل وقتها، أو فكرة جاءت ولا حاجة لها، يعني سيدنا سلمان متى خرجت عنده هذه الفكرة؟ أمتى؟ لما وقعت الحاجة، مع أن الفكرة كانت موجودة في دماغه صح ولا لا؟ لو كان سيدنا سلمان مش موجود في هذا الموقف هل كانت ستأتيه؟ لا تخطر له بالبال. لو راجل قاعد مفكر منظر كده، يعني إيه كان بيحلل محلل سياسي، عمرها ما كانت هتجي. الخلاصه يا جماعة الخير الأفكار المباركة هي الأفكار التي تأتي وأنت في العمل.
طيب، بدأ الصحابه في حفر الخندق. الخندق ده طوله اللي هو الطرف الواصل بين طرف الخط الواصل بين طرفي الحرتين، طوله ميل، وطوله ميل. فقسم النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسافة على المقاتلين المتاحين اللي احنا بنقول إن هم ما بين تسعمئة والألف والمئة، فصار كل عشرة من الرجال، كل عشرة من الصحابة مكلفين بحفر أربعين ذراعاً.
وكان الخندق على قسمين: قسم يقوم به المهاجرون وقسم يقوم به الأنصار. وكان هذا الوقت، طبعاً احنا الآن في شهر شوال من العام الخامس الهجري، هذا يوافق بالشهر الميلادي أواخر شهر فبراير وأوائل شهر مارس، فكانت هذه الأيام أيام برد شديد. ومن كان منكم زار المدينة المنورة في ذلك اليوم فهو يعرف برد المدينة إن كانت باردة في هذا الوقت، برد شديد فعلاً، يعني سبحان الله، اليوم المرة الوحيدة التي أتيح لي فيها زيارة المدينة المنورة كانت في ذلك الزمن، وكانت برداً، فهمت منه كيف كان الصحابه في غزوة الأحزاب.
طيب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشاركهم الحفر بل كان يحمل عنهم التراب. وذكر سيدنا البراء بن مالك، كما في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل التراب حتى في لفظ اغمر بطنه، اغمر بطنه يعني امتلا بالتراب وفي لفظ آخر حتى غاب بياض جلده، وفي رواية حتى أغبرت بطنه، وكان كثير الشعر صلى الله عليه وسلم فكان النبي معهم صلى الله عليه وسلم. لكنها كانت أيام برد، وكانت أيام مجاعة. أنجز الخندق في ستة أيام، وهذا معدل قياسي أن تحفر في وقت برد، في وقت مجاعة، مسافة ميل، في أرض صخرية وأنت مهدد من العدو. القياسات هذه يعني على خلاف بين الذين تكلموا فيها، لكن الخلاصة هنا إنه إنجاز هذا الحفر في هذا الوقت يعد إنجازاً قياسياً.
وفي أثناء هذا الحفر قال جابر رضي الله عنه: المجموعة بقى بتاعة سيدنا جابر اللي هي في الأربعين ذراعاً بتاعتها، قالت فعرضت لنا كدية، كدية لا يعني صخره لا تعمل فيها المعاول، يعني لا تؤثر فيها الفؤوس. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فجاء فضربها بمعوله فصارت كثيباً أهيلاً. كثيباً يعني كالرمل، الأهيل اللي هو إيه؟ المتفتت غير المتماسك، كثيباً أهياً.
هذه الكدية التي عرضت لسيدنا جابر رضي الله عنه وصخرة أخرى عرضت لمجموعة أخرى، مجموعة سيدنا البراء بن مالك، هذه الصخره التي جاؤوا فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحصلت فيها هذه المعجزه المشهورة، أنها كانت صخره أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بالمعول فضربها، ففي رواية لمعت منها برقة، وفي رواية ذهب ثلثها ولمعت برقة. هذه الصخرة ضربها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، وفي كل مرة كان يقول: الله أكبر، فتحت الشام، إني لأرى قصورها من مكاني هذا. الضربة الثانية: الله أكبر، فتحت العراق، إني لأرى قصرها من مكاني هذا. الله أكبر، فتحت اليمن، حتى إني لأرى أبواب صنعاء من مكاني هذا، صلى الله عليه وسلم. فكانت هذه بشريات إذا سمعها الصحابة رضوان الله عليهم كبروا وفرحوا واستبشروا.
تمام، طيب، وأما المنافقون فكانوا يقولون إيه؟ يعدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن على قضاء حاجته، أنا مش عارف أروح الحمام خايف! وسجل الله تبارك وتعالى ذلك في كتابه فقال:
قال: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. إِلَّا وهما، إِلَّا خيالا، إِلَّا أحاديث مكذوبة. لكن المؤمنون، ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا.
وهنا تأمل كيف أنه الحدث الواحد الحدث الواحد يزيد بعض الناس إيمانا ويزيد بعض الناس كفرا، نعم، الحدث الواحد ربنا تبارك وتعالى، هذه الآاية الآاية رهيبة، يقول: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا. الآاية هي القرآن هو، لكن ينزل على بعض الناس يزيدهم إيمانا، وينزل على بعض الناس يزيدهم خسارة. ولذلك الإنسان حين يقرأ القرآن يجب أن يكون منتبها؛ القرآن ده بيعمل معاك إيه يا ترى؟ أنت من الذين يزيدهم القرآن إيمانا، ولا لما بتقرا القرآن ما بتحسهوش كده جاب نتيجة؟
ااه، هذه آية من اختبارات القرآن، اللي هو: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ. طيب، إذا كنت تقرا القرآن ولم تشعر أبدا بالقشعريرة هذه، المفروض تخاف، تخاف وتنتبه، يعني القرآن وضع بعض العلامات التي تختبر بها نفسك.
تمام، القصد هنا يا جماعة إنه الحدث الواحد زاد بعض الناس إيمانا وزاد بعض الناس كفرا وتكذيبا. طيب ال... هنا طبعا وارد جدا، واحد، اتفضل يا مجد إيه؟ أبقى أشرحها لك بعدين.
صلوا على النبي، بعض الناس يسأل هنا: لماذا كانت يعني لماذا هذه المدن بالتحديد، اللي هي الشام والعراق واليمن؟ لأنه الشام والعراق واليمن يا جماعة الخير كانوا هم عواصم القوى الدولية الموجودة في ذلك الوقت، يعني في ذلك الزمن كان العالم منقسما في القوة بين الفرس وبين الروم. الفرس عاصمتهم الرئيسية موجودة في العراق، مدينة المدائن هذه عاصمة الإمبراطورية، الروم عاصمتهم الرئيسية موجودة في القسطنطينية اللي هي إسطنبول الآن، لكن عاصمتهم في الشام كانت دمشق اللي هي قلب الشام. فتبشير النبي صلى الله عليه وسلم، اه.
واليمن، طيب ليه اليمن؟ اليمن دي بقى كانت موضع نزاع بين الفرس وبين الروم، أحيانا يتغلب عليها الفرس وأحيانا يتغلب عليها الروم. لما ولد النبي صلى الله عليه وسلم، حادثة الفيل كانت من اللحظات التي كانت أن اليمن واقعة في النفوذ الرومي؛ لأن الحبشة النصرانية في الجنوب كانت تابعة للنصارى، وأبرهة الحبشي هذا كان يعني مستقلا أو مبعوثا أو واليا لملك الحبشه، تمام. طيب، لكن في زمن النبي هذا كانت اليمن تابعة للفرس، تمام. فحين حين قال النبي صلى الله عليه وسلم، حين ذكر هذه المدن الثلاثة، أو يعني ذكر هذه الأنحاء الثلاثة، إنما كان يعني بها الأنحاء التي فيها مراكز القوى الدولية في ذلك الوقت؛ يعني إيه بالنسبة للمعاصرين الآن؟ يعني لما تبقى بتخوض مثلا معركة مع النظام الحاكم، ويأتيك القائد ويقول لك إيه: إن شاء الله سنفتح البيت الأبيض وسنفتح الكرملين، تمام؟ هذا خيال واسع جدا بالنسبة للوضع الذي أنت فيه الآن، تمام.
يعني شبيه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لسراقة في الهجرة: ما بالك يا سراقة وقد لبِستَ سواري كسرى؟ حتى سراقة بيقولوا: كسرى مين؟ كسرى بن هرمز؟ اللي هو أنت بتقول إيه؟ تمام، أمر لا يصدق، أمر لا يصدق. ولذلك فهذا من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم، الأخبار عن هذه الغيوب؛ لأنه يا جماعة الخير الأخبار عن الغيب هذا أمر لا ياتي بالعبقرية ولا بالذكاء، يعني لا ياتي بالتحليل؛ يعني ما فيش حد موجود في معركة كهذه، الناس محاصرون داخل المدينة، عندهم مجاعة وعندهم برد، ويسابقون الزمن لحفر خندق، هنا لا يمكن أن يأتي تحليل يقول: هذه المجموعة بعد سنوات ستفتح كسرى، ستفتح العراق وتفتح الشام وتفتح اليمن. خلاص فهذه من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم ومنها السنة، وهي سنة التبشير حتى في أحلك الظروف.
صلوا على النبي، فمنها يؤخذ أن منهج النبي صلى الله عليه وسلم التبشير حتى في أحلك الظروف؛ فذلك زمن يعني كما وصفه بعض المنافقين: لا يأمن أحدنا فيه على قضاء حاجته، أن يذهب لقضاء الحاجة. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر هذا التبشير وفي أثناء حفر الخندق.
طيب، احنا قلنا اجتمع على المسلمين الثلاثة المفزعات: البرد والجوع والخوف. البرد ذكرناها كانت في وقت برد، الجوع كان ذلك الزمن زمن مجاعة، سبحان الله. ولذلك كما في البخاري واظنه في الصحيحين عن أنَس رضي الله عنه قال: كانوا يؤتون بملء كفي من الشعير، يعني العدد الكبير هذا كان يؤتى لهم بالكمية القليلة من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة؛ الإهالة هي الإهالة هي الإدام، لكن برضه عايز أيه يعني إيه الإدام؟ الإدام هو ما يؤكل، الإدام هو ما يؤكل يعني كالخل كالزيت يعني الشيء السائل الذي يؤكل تمام يسمى إدام.
يقول: فيصنع لهم بإهالة سنخة؛ سنخة يعني متغيرة الرائحة. ويذكر في رواية البخاري وهي بشعة في الحلق؛ يعني الأكل الذي كان متاح هذا إذا كان متاح هو شعير من أردأ أنواع الخبز، والإدام الذي يأخذونه به إهالة سنخة وهي بشعة في الحلق، ولكنهم كانوا ياكلونها. ثم روي أن هذه الرواية الثانية بقى دي رواية جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يحفرون الخندق ولم يذوقوا طعاما لثلاثة أيام، ما فيش بقى لا شعير ولا إهالة ولا سنخة، لا سنخة ولا غير سنخة، خلاص ما فيش، فكانوا يحفرون الخندق ثلاثة أيام ولم يذوقوا طعاما قط.
فكان الناس في مجاعة، وها هنا وقعت معجزات لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهي معجزات تكثير الطعام. معجزات تكثير الطعام، روى جابر رضي الله عنه والحديث في الصحيح في الصحيحين، أنه راى النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعا هم من قلة من كثرة الجوع كانوا يربطون الحجاره على بطونهم. ربط الحجارة على البطن هو نوع من إيه؟ من ضغط المعدة كده بحيث أنها تشعر بالإيه يعني فراغ المعدة هو الذي يشعرك بالجوع، فضغطها بالحجر يحاول أن يسكت ألم الجوع قليلا، تمام، من وسائل وحية للانسان يعني. فكان الصحابه يربطون الأحجار على بطونهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يربط حجرا على بطنه، وبعض الروايات ذكرت أنه كان يربط حجرين على بطنه. ومما رايناه في هذه الأيام ما وقع لإخواننا في غزة، أسأل الله أن يفرج عنهم، فقد كانت فيهم مجاعة وبعضهم كان يضطر إلى ربط الأحجار على بطنه، أسأل الله أن يفرج عنهم.
فالآن رأى جابر النبي صلى الله عليه وسلم، احنا قلنا سيدنا جابر له موقف مع النبي لأن المجموعة بتاعتها عرضت لها كدية فضربها النبي صلى الله عليه وسلم فصارت كثيبا مهيلا. فرأى في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو يربط على بطنه حجرا من الجوع، فذهب لامرأته وقال لها: لقد وجدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا، الجوع الشديد، فيعني هل عندك من شيء؟ أي حاجة، أي حاجة يأكلها النبي صلى الله عليه وسلم. قالت: ليس عندي إلا صاع من شعير وعناق؛ العناق اللي هي صغير المعز، المعزة الصغيرة.
فجابر رضي الله عنه ذهب فطحن الشعير وذبح هذه المعزة الصغيرة، وفي رواية أخرى قال: قالت ما عندي إلا بهيمة لنا، مش بهيمة، بهيمة لنا دليلا على صغرها، طيب. فخلاص، طحن الشعير وبدا يعجنه لكي يخبزه، وذبح هذه العناق وبدا يعني وضعها في البرمة، وهو الوعاء، لكي ينضجها للنبي صلى الله عليه وسلم وهي على الحجاره التي ينضج عليها الطعام. ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فساره، يعني كلمه في ودنه. هو طبعا رايح يجيب النبي صلى الله عليه وسلم، فهي مراته بتقول له إيه؟ بتقول له: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم، شوف احنا ما عندناش أكل، خد بالك الخبر ما يتسربش عشان لو جه واحد تاني، جه واحد تلاتة مش هنلاقي إيه؟ مش هنلاقي طعام لرسول الله، هتبقى فضيحة يعني. فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فذهب سيدنا جابر وأسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، احنا يعني عندنا طعام فانت أو رجل أو رجلا، وفي رواية فانت ونفر. احنا كان عندنا إيه المعزة الصغيرة دي وصاع من الشعير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما هو؟ فذكر له هذه هذا القدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كثير، طيب. ثم قال: يا أهل الخندق، إن أخاكم جابرا قد صنع لكم سورة، سورة يعني وليمة، فحيا بكم.
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار، طبعا سيدنا جابر جري على البيت رايح لمراته وهو يقول لها: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. فقالت له: بك وبك، يعني إيه بك وبك؟ يعني زي ما نقول كده احنا: الله يفضحك، الله يجزيك! بك وبك يعني فعل الله بك وبك، يعني هي كده، الله يفضحك، الله يجازيك، هو أنا مش... فقال لها: لقد قلت له ما قلتي، لكن هو خلاص يعني إن سكتت لما عرفت أن النبي قد عرف.
لكن النبي كان قد أوصى جابرا، قال: يعني لا تنزل لا تنزل البرمة ولا ولا تخش، لا تخرج الخبز، لا تخرج الخبز ولا تكشف البرمة. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فكان يفعل هكذا، كان يأخذ من العجين صلى الله عليه وسلم ينضج، فكان قال لأصحابه: ادخلوا ولا تضاغطوا، يعني لا تزدحموا. فكان يأخذ الخبز فيضع عليه من اللحم، ثم يخمر البرمة، يعني يغطيها، يخمر الخبز ويخمر البرمة، ويضع الخبز على اللحم ويعطي للمجموعة مجموعة اثنين ثلاثة حتى كملوا جميعا الألف. وبقي يقول سيدنا جابر: وما زالت وما زالت تغط تغط، يعني تغلي وتفور وتنضج والقوم قد انحرفوا عنه أكلوا وشبعوا وكانوا ألفا. وهذا الذي نحكيه قول جابر كان ألفا، كانوا ألفا وقول النبي أهل الخندق دليل على أن عدد المقاتلين كانوا إيه؟ كانوا، لو قلنا النساء بخمسمائة للحراسة أو خمسمائة في مهمات أخرى فلا يعدون بحال ألف وخمسمائة مقاتل. فكان ذلك من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي لجابر وأهله ما كان لهم من الطعام.
في يوم أخر أيضا جاءت أخت النعمان بن بشير رضي الله عنها وعنه، جاءت بتمر لأبيها وأخيها، فأخذه منه النبي صلى الله عليه وسلم ونثره، نثره على ثوب، نثره على ثوب وغطى هذا الثوب فكان الناس يدخلون أيديهم فيأكلون حتى أكل منه أهل الخندق جميعا. فكان ذلك أيضا من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم.
طبعا في معجزة أخرى هذه ينبغي الإشارة إليها، وإن كانت استطرادا في موضوعنا؛ النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه اجتهاد سيدنا عمار بن ياسر في حفر الخندق فقال له: ويح سمية، تقتله الفئة الباغية. تمام، وهذه معجزة لماذا؟ لأنها أخبار عن غيب لم يقع. طبعا هذه الرواية هذه رواية مسلم، هذه الرواية التي أذكرها الآن أن ذلك كان في الخندق هي رواية مسلم، ووردت في البخاري أنها كانت في بناء المسجد، ولكنه ليس بناء المسجد الأول ولكنه تجديد المسجد؛ لأنه المسجد زيد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا كان من معجزات النبي في إخباره عن الغيب أن عمارا تقتله الفئة الباغية. وبالفعل عمار سيدنا عمار قتل في معركة الصفين، كان هو في جانب علي رضي الله عنه وكان قتله على يد فئة معاويه رضي الله عنه. فلذلك كان هذا الحديث من دلائل النبوة أولا لأنه اخبار عن مغيب، وكان من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في النزاع الذي نشب بين الصحابه رضوان الله عليهم يعني هذا الحديث مما عرفنا به أن علي رضي الله عنه هو الذي كان على الحق، وأن فئة معاويه هي التي كانت مخطئة وباغية.
وطبعا هناك حديث آخر، وهو حديث أبي سعيد الخدري عن الخوارج في قوله: تقتلهم أدنى الفئتين إلى الحق، وقتلتهما قتلتهم فئة علي رضي الله عنه. طبعا هذه وهذه العيارة الآن تتعرض لكثير من التشويش والتشويه، ويحاول بعض الناس أن يطعن في صحتها وهذا الحديث يا جماعة الخير ثابت متواتر، هو حديث من الأحاديث المتواترة التي لا يمكن الطعن فيها، فيعني روي عن جمع عن جمع عن جمع من زمن الصحابة إلى زمن التابعين وتابعيهم ثم رواه أهل الحديث؛ فهو امر ثابت مستقر، وكل المحاولات لتضعيف هذه العبارة أو تضعيف هذا الحديث حقيقة يقوم بها جهال، وهم يقومون بها تحت الضغط المعاصر في مسألة الشيعة وهذه يعني هذه الأزمة التي تعرفونها جميعا.
صلوا على النبي، كانوا في أثناء الحفر يرتجزون، يرتجزون يعني يغنون الأناشيد؛ فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يرتجز ويردون عليه، وكانوا هم يرتجزون ويرد عليهم؛ فمما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله أبيات عبد الله بن رواحة: اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لقينا، إن الأولى قد بغوا علينا، وإن أرادوا فتنة أبينا. فيقول البراء وكان يمد بها صوته: أبينا أبينا صلى الله عليه وسلم، فكان كانوا يجيبونه فيقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا. وكانوا إذا ارتجزوا أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، وفي رواية: لا خير إلا خير الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة، فانصر الأنصار والمهاجرة، فاغفر للانصار والمهاجرة، كلها روايات ومنها سنة الارتجاز.
وما فيه من حث النفس وتعالى الهمة، طيب.
فقطعت أن أقول أنها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته. طيب، الآن أقبلت قريش، إحنا قلنا قريش كانت أربعة آلاف معها ثلاثمائة فرس ومعها ألف وخمسمائة بعير، وبعد قليل أقبلت غطفان ومن إليها ستة آلاف، فالآن صار موجوداً أمام أو بظاهر المدينة عشرة آلاف.
وكان يحمل لواء المشركين عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وعثمان هذا لو تتذكرون هو ابن حامل اللواء الذي قتل في غزوة أحد، فاكرين لما قلنا إحنا قلنا قلنا اللواء هذا كان مختصاً ببني عبد الدار، اللي هو النسبة إليهم العبدري يعني من بني عبد الدار، هؤلاء هم حملة اللواء. وأبو سفيان لما أراد أن يحمسهم وقال لهم أنتو المرة اللي فاتت في غزوة بدر ما طلعتوش رجالة فهتطلعوا رجالة المرة دي ولا ناخد اللواء؟ فقالوا له لا، ما ينفعش، ما تقولناش الكلام ده، فتقاتلوا حتى فني سبعة، قتل تحت اللواء سبعة في يوم أحد في الموجة الأولى التي انتصر فيها المسلمون.
فأول من كان يحمل اللواء هو طلحة بن أبي طلحة، هذا الذي يحمل اللواء اليوم هو من ابنه عثمان بن أبي طلحة بن أبي طلحة، وعثمان هذا مر معنا في حادث، وهو أن هذا الرجل هو الذي رأى السيدة أم سلمة في قصة هجرتها لما كانت تخرج إلى ظاهر مكة وتبكي لما حصل من الفراق بينها وبين ولدها وزوجها، نعم. فهذا هو عثمان الذي حملها وكان كريماً في حمله إياها حتى أوصلها إلى المدينة المنورة. المهم فكان هذا هو صاحب اللواء.
مما ينبغي أن نذكره هنا أيضاً عيينة بن حصن الفزاري. عيينة بن حصن الفزاري هذا رجل كان ينبغي أن نذكره في بداية هذا المجلس، وإحنا وإحنا بنتكلم عن نمو نفوذ المسلمين، فاكرين لما ذكرنا إنه في غزوة دومة الجندل أثناء رجوع النبي صلى الله عليه وسلم استأذنه عيينة بن حصن الفزاري أن يرعى بابله قريباً من المدينة يعني في مكان يبعد عن المدينة ستة وثلاثين ميل تقريبا. استأذنه لأن أراضي قومه أجدبت في ذلك الوقت، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه أيضاً من دلائل اتساع نفوذ المسلمين أن في زعيم قبلي صار لا يستطيع أن يرعى في مكان قريب من المدينة ستة وثلاثين ميل إلا لما يستأذن من النبي صلى الله عليه وسلم. المهم أن عيينة بن حصن الفزاري هذا جاء مع الأحزاب ليقاتل النبي صلى الله عليه وسلم زعيماً لقومه بني فزارة، وبعد كده هتبقى له مشكلة تانية، سيرتد مع المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعدين سيهزم برضه وبعدين سيرجع إلى الإسلام ويسلم يحسن إسلامه.
فالمهم فوجئ المشركون بالخندق، قال أبو سفيان: هذه حيلة لا تعرفها العرب. موضوع مفاجئ جديد وطبعا محير، وحتى الخيل العربية لأنها لا تعتاد عليه جفلت منه. هو الآن ما الذي حصل بعد حفر الخندق؟ يعني اعتبر أن الخندق ده صار بمثابة الخط الدفاعي، خط لا تستطيع الخيل أن تجوزه، وتجند المسلمون جميعاً خلف هذا الخندق لكي يمنعوا بالسهام وبالرماح أي قوات للمشركين أن تقترب منه، لأنه كيف ستدور المعركة الآن؟ المشركون سيحاولون دائماً أن يجوزوا الخندق. طيب، كيف يجوزون؟ سيحاولون أن يردموه أو يحاولون إنشاء جسر سريع للعبور عليه، فكان ذلك يحتاج دائماً إلى يقظة تامة وكاملة من المسلمين أنه أي حد لا يمكن أن يسمح له بالاقتراب ولا حتى يسمح للمجموعات لكي تغطي على مجموعات أخرى لكي تحاول أن تجوز الخندق.
طب المشركين عشرة آلاف، موضوع كبير، ففعلاً قسموا أنفسهم دوريات، لكن المسلمين عدد قليل، فكان لابد أن يعوضوا العدد بشدة اليقظة، ولذلك سنرى إنه فضلاً عن البرد وعن الجوع وعن الخوف، المسلمون كانوا في ذلك الوقت لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً آخر، حتى الصلاة لم يستطيعوا أن يصلوها في وقتها، فكانوا يجمعونها في آخر الليل، ما فيش ما فيش قدرة على ترك، طبعا في ذلك الزمن لم تكن نزلت صلاة الخوف تمام. صلاة الخوف نزلت فيما بعد سناتي إليها إن شاء الله في الحديبية، لكن الآن لم تكن نزلت صلاة الخوف، فلم يستطع المسلمون مغادرة أماكنهم للصلاة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ نَارًا. وفي مثل هذه العبارات يا أحباب ترون خطورة الصلاة وأهميتها، بل ترون تعلق المسلمين بها وراحتهم فيها، يعني الصلاة دي أصلها محطة، محطة للتجديد الإيماني. طبعا أغلبنا لا يشعر بهذا لأن إحنا إيه بندخل في الصلاة كما نخرج منها، لكن هذا الصدر الأول كان يرى في هذه الصلاة المحطة، لذلك كانوا يراقبون الصلاة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ. يترقبون وينتظرون الصلاة.
الفكرة الحربية الآن أنه هؤلاء المشركون يتدافعون لمحاولة إيجاد ثغرة، طيب لم يجدوا، يتدافعون لمحاولة جواز الخندق، وكان هذا يصد دائماً بقيظة تامة من المسلمين، فبالتالي حصل هنا نقدر نقول إيه؟ المزية انقلبت عيباً، أو كانت في المزية عيباً، يعني الآن صحيح الخندق حفظ المسلمين من الاجتياح تمام، لكنه في نفس الوقت صار إيه؟ صار حصاراً للمسلمين، لا يستطيع المسلمون أن يجوزوا هذا الخندق.
طيب المشركين لما فوجئوا بهذا لم يعد أمامهم من سبيل إلا أن يفعلوا الحصار، ولكن الأزمة عندهم أنهم لم يستعدوا لحصار، الآن هم عشرة آلاف، الطبيعي الحساب الطبيعي الذي يمكن أن يرد في أذهانهم أنه سيكون اجتياحاً سريعاً، حرباً سريعة خاطفة، فلما فوجئوا بالخندق ولم يستطيعوا اجتيازه تحولوا إلى الحصار، ولكن الحصار هذا ليس عندهم هم ال يعني المدد والمؤن الكافيه التي يمكن أن يقيموا بها حصاراً أو أن تعينهم على طول الحصار، فتستطيع أن تقول إنه دخلت الحالة الحربية فيما يسميه العسكريون حالة جمود حربي، ما فيش حد من الطرفين قادر يحقق إيه؟ يحقق نصراً جديداً، اه وبالتالي ها هنا بقى ستجمل العقول في محاولة تحريك هذا المشهد الواقف المتجمد، فها هنا يدخل على الخط دور اليهود من جديد.
إحنا كان عندنا بند في الخطة التي ذكرناها في البداية، الخطة كان فيها قريش وكان فيها غطفان وكان فيها مين؟ يهود بني قريظة، الناس الموجودين في جنوبي شرقي المدينة ويسدون هذا المدخل، والمفترض أنهم إذا ثاروا داخلياً فإن هذا سوف يربك ويزلزل وضع المسلمين داخل المدينة. طبعا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غافلاً عن هذا، ولذلك نراه بمجرد ما انتهى من حفر الخندق جعل النساء والصبيان في حصن تابع لبني حارثة، حصن بني حارثة هذا حين تنظر للخريطة تراه إلى الشمال الشرقي من المدينة، وكان أفضل حصن، يعني بالمصطلح المعاصر يعني حصلت عملية إخلاء، عملية إخلاء للنساء والصبيان ووضعهم في مكان آمن، وجعل لهم علامة أنه لو شعروا بأي خطر أن يعرضوا السيف للشمس فيلمع السيف، يلمع السيف يعني يعرضوه للشمس فيلمع السيف، فتبقى دي علامه يرى بها المسلمون أن النساء والصبيان يشعرن بشيء يعني يريبهم شيء، خلاص، هذا قبل أن تنقض بنو قريظة العهد، فهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحسب لشيء مثل هذا، لأنه الآن كل القوة المقاتلة في شمال المدينة تحرس الخندق، فما معنى قبل أن تنقض بنو قريظة العهد أن يحصل هذا الإخلاء؟ ليس له معنى إلا أن النبي كان يتحوط من أن تنقض بنو قريظة العهد، أو على الأقل إذا لم تنقض العهد فمساله الفراغ الأمني الذي يمكن أن يحصل هذا يمكن يعني بعض الزعار بعض المنفلتين أن يتعدوا على المسلمين.
الان جاء دور اليهود من جديد، ذهب حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد زعيم بني قريظة، وقف تحت حصنه، افتح الباب يا كعب. فكعب بن أسد قال له: بص، إنك رجل مشؤوم. طبعا حيي بن أخطب ده إحنا قلنا كان زعيماً، زعيم بني النضير تمام، الراجل اللي هو حاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم فترتب على هذا أن هم إيه؟ كلهم جلوا من المدينة، أجلووا من المدينة. طيب، قال: إنك رجل مشؤوم واني لست بفاتح لك تمام، مش هتدخل عندي النهاردة.
فاستفزه حيي بن أخطب بشيء إن كانت تكره العرب، قال: والله ما تمنعني من دخول حصنك إلا كراهة أن أشارك أن أشاركك في طعامك. بالمصطلح العامي: يا بخيل يا نتن، أنا عارف أساساً أن أنت إيه مشكلتك أن انا يعني مشكلتك أن انا ماشوفش أنت بتاكل إيه، أو يعني يعني بخيل عليا في موضوع الأكل ده.
إيه على فكرة هذا الباب، شوفوا يا جماعة، إحنا قلنا اليهود يعني عاقبهم الله بالبخل، وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا. لكن اليهود هؤلاء لما توغلوا في البلاد وَقَطَعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، فكل قوم سكنوا عند قوم اخذوا بعضاً من أخلاقهم، فسترى إنه اليهود الموجودين بين العرب اخذوا من أخلاق العرب، اخذوا منهم الشجاعة، اخذوا منهم الكرم، اخذوا منهم الفصاحة والبلاغة، اخذوا منهم حتى الوفاء.
ولذلك العرب كانت تضرب المثل في الوفاء بيهودي، اللي هو المشهور اللي هو مين؟ السموأل بن عاديا، كانوا يقولون: أوفى من السموأل. ده راجل ضحى بولده في سبيل أنه لا يعطي الأمانة التي تركها عنده أحدهم لغريمه. امرؤ القيس ترك عنده أمانة سلاح، جاء غريمة امرئ القيس عايز ياخد السلاح، قال له: ما فيش الكلام ده، وكان ولد السموأل بالخارج، فأمسك به هذا العدو، عدو امرئ القيس، وقال: أما أن تسلم سلاح امرئ القيس، أو أن أذبح ولدك. قال: أذبح ولدي فلست بخائن أمانتي. وبالفعل قد كان، لذلك ضربت به العرب المثل فقالت: أوفى من السموأل.
وهو صاحب القصيدة المشهورة بقا: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل، وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل، تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل، وما قل من كانت بقاياه مثلنا شباب تسامى للعلى وكهول، وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل.
فالراجل ده لم ير الراجل اللي هو كعب بن أسد بقى لم يرد أن ينسب إليه بخل فراح فتح له الباب تمام. كعب بن أسد حيي بن أخطب بيقول له: يا كعب، جئتك بعز الدهر، يعني جئتك بالفرصة التي لا تسمح، جئتك بقريش في سادتها وقادتها وبغطفان في سادتها وقادتها يعاهدونني على ألا يرجعوا حتى يستأصلوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم.
وكعب بن أسد خايف من إيه؟ من الإقدام على هذه الخطوة، يقول له: إني لم أرى من محمد إلا صدقاً ووفاءً، وإني لست بداخل معكم في هذا. والثاني يقول له: يا ابني، دي فرصة لا تعوض ودي يعني هذا أمر لم يحدث مثله قط، ولو فات مننا المرة دي لن يحدث مثله قط أيضاً، أنك تجمع التحالف الدولي ده مرة ثانية. قال له: وماذا أفعل لو أنتم ما عرفتوش؟ يعني إذا لم تستطيعوا القضاء على محمد وانشمرتم إلى بلادكم يعني كل واحد فيكم رجع لبلده، ما أنا اللي قاعد إيه؟ أنا اللي قاعد هنا. فقال له: علي عهد الله إن مضت الأحزاب ولم يستأصلوا محمداً أن أدخل معك في حصنك فيصيبني ما أصابك. إيه رأيك؟ مش أنا هو يهودي وأحرص الناس على حياة، أنا داخل معاك في الموضوع ده. يعني هو عنده طبعا ثقة تامة أنه لا يمكن أن يرجع هؤلاء إلا إذا استأصلوا كعب بن أسد.
بعد شوية من هذا النقاش العميق راح إيه؟ وافق على نقض العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا العشاء يا شيخ؟ اه. طيب، عند هذه اللحظة نتوقف ثم نستكمل إن شاء الله في المجلس القادم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي