تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 94. الزلزال الشديد.. هجوم الأحزاب وخيانة الأقلية وتعويق المنافقين

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، واجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.

مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً. نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس التاسع من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. نسأل الله تعالى كما آمنا به ولم نره ألا يفرق بيننا وبينه حتى يدخلنا مدخله.

وكنا توقفنا في المجلس الماضي عند بني قريظة، وكان لابد من وقفة قبل أن نستأنف درسنا اليوم؛ فقد كان الأسبوع الماضي حافلاً باخبار كأس العالم، وأنا أظن الآن أن كل المنتخبات العربية خرجت، صح مش كده؟ نعم آخرها كان المغرب بالأمس. طيب، فان شاء الله تبقى الأسماع والصدور أهدى الآن لتقبل بعض الكلام في هذا الموضوع.

صلوا على النبي يا جماعة الخير. يعني لعبة الكرة الآن لم تعد رياضة، الكرة كما نراها الآن لم تعد رياضة، يعني ما حدش يقول لك الرياضة والرياضة مباحه بل الرياضة مندوب إليها. لعبة الكرة لم تعد رياضة، وهي حتى لو كانت رياضة في نفسها يعني فهي مشاهدتها ليس رياضة، هو اللي بيشاهد الكرة ده يستفيد حاجة؟ ما يستفيدش حاجة، فقصدي أقول لو صح أنها رياضة فهي رياضة للي بيلعبوها يعني، ولو أن اللي بيلعبوها مش بيلعبوها علشان رياضة، هم بيلعبوها. فمشاهده الكرة هي من اللهو، ولا يمكن أن يعدو سوى ذلك يعني، مشاهدة الكرة هذه هي من اللهو. طيب.

الان هذه الكرة لم تعد رياضة بل صارت صناعة، يعني موضوع كبير، موضوع له أبعاد وله تأثيرات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وحتى دينية. فبالتالي التهوين من الأمر أو معاملة الأمر على أنه رياضة، هذا نوع من الغفلة، نوع من السذاجة لما صارت إليه، والآن ما يعني الذي يحصل في الرياضة بشكلها الحالي في الواقع يشتمل على محرمات كثيرة، من أولها الانشغال عن الواجبات والفروض، يعني وأولها طبعا الصلاة، لا بارك الله في عمل يلهي عن الصلاة، ده من أولها الانشغال عن الواجبات والفروض. ومنها تضييع من يعول، كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، يعني لما يبقى الواحد غير قادر على إعالة أهله ولا على متابعة أمور بيته زوجته وأبنائه أبيه وأمه، ثم ينشغل عن ذلك بمتابعة الكرة فهذا حرام، كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول. ثم ما يختلط بهذه الكرة من التبرج ومن الاختلاط ومن الرقص ومن الغناء، ده محرم ده ولا مش محرم؟ دي محرمات في غاية الصراحة يعني، هذا الأمر لو كان في أصله حلالاً فهو بما يحتف به من كل هذه الأمور قد ينتقل إلى الحرمة. طيب.

وأشد من ذلك يا جماعة الخير ما يخالطه من معاني الولاء والبراء، أنه الإنسان يتعلق بالكفار ويعظمهم ويكون محباً لهم ومنتمياً إليهم، والأصل أن المسلم ليس له ولاء ولا براء إلا لله تبارك وتعالى. الولاء والبراء معنى ديني، معنى ديني. لكن الآن صرت ترى أن هذه الكرة يعني تغذي أحياناً منطلقات قومية ومنطلقات وطنية وأحياناً يعني يأتي هذا الأمر بالسلب على الدين يعني يخدش الأخوة الإسلامية بين المسلمين، ترى مسلمين يتباغضان ويتقاتلان من أجل الكرة. بل ترى مثلاً اللي يقول لك إيه: ما تدخلش الدين في الرياضة، يقصد مثلاً ما تقولوش إن اللاعب الفلاني ده بيايد إسرائيل ولا اللاعب الفلاني. لا يا جماعة لا، يعني من أشد ما خالط هذه الكرة الآن مسألة الولاء والبراء، وأن الإنسان يقوم في نفسه الحب والتعظيم لبعض أعداء الدين أو للكفار حتى لو لم يكونوا من أعداء الدين، وأن ينطوي قلبه على بغض وكره لغيره من المسلمين لأنهم مختلفين كروياً، سواء مختلفين في البلد ولا مختلفين في النادي، دي اللي بيشجعوا أحياناً النوادي الاثنين يبقوا النوادي كافرين، فلا هذا يعني هذا أمر يجب الانتباه إلى أنه من الخطورة بمكان على دين المرء نفسه، على دينه فضلاً عن مساوئه على دنياه. فالمسألة الآن لا يمكن أن تندرج تحت اسم الرياضة أو تحت اسم اللهو المباح ومشاخدة اللهو المباح، لأنه اختلطت بها كثير من هذه الأمور. طيب.

فإذاً فالذي يحصل الآن يا جماعة الخير هو في حقيقته هي مداعبة لغرائز الناس، هي ضغط على غرائزهم، نوع من يعني ايجاد انتماءات لهم، نوع من تفريغ طاقتهم، نوع حتى من استلاب أموالهم، لأنه في الآخر هو مين اللي بيكسب من هذه الصناعة؟ يعني من الذي ينفق أمواله ومن الذي يكسب هذه الأموال؟ ستجد الشعوب المستضعفة والفقيرة والمغفلة والمغيبة هي التي كفعلا اشبه شيء بالمخدرات، أشبه شيء بالمخدرات، اللي بيعمل المخدرات ده ما لا يستينم لها ولا يعني لا يكون أسيراً لها، بينما هو يستلب بها أموال الناس الذين يعني يأتي بهم ويسوقهم من غرائزهم.

وعلى كل حال وعلى كل حال ومع كل ما نقول هذا، فلا يخلو الأمر من فوائد، لا يخلو من فوائد، يعني من فوائد ما حصل أن وجدت أنه ما تزال الحمد لله الأمة حية والناس يحبون الخير بعضهم لبعض، يعني ما تزال مسألة التمزيق القومي والقطري لم تبلغ في الناس مبلغها. أنا شخصياً -وأنا اللي ما بحبش الكرة يعني يعني لا أتابعها- فوجئت في اليومين الماضيين ببعض إخواننا الأتراك، سائق التاكسي أول ما يعرف أن أنا من مصر يقول: يا اخي ما صبرتوش ١٠ دقائق على؟ أقول: والله أنا ما تتفرجش على الماتش نفسه! وواحد منهم بص لي كده يعني إيه عايز يقول: إيه الخيانة اللي أنت فيها دي؟ ازاي تبقى بلدك وما تتفرجش على الماتش يعني؟ الخلاصة، قصدي أقول أنا كنت طبعا يعني أرى على وسائل التواصل الاجتماعي متابعة العرب، لكن ما كنتش أتخيل أن الأتراك أيضاً متابعين ولا عندهم لهم هذا التعاطف يعني.

ولكن يجب أن اقول أيضاً بالنسبة للدعاة والعلماء وأصحاب الهم والرسالة، صلوا على النبي يا جماعة الخير، في كل الأحوال ينبغي على أهل العلم والدعوة أن يثبتوا الحق حقاً والباطل باطلاً، وأن تظل التفاهة تفاهة وأن تظل السفاهة سفاهة، وأن يظل الأمر القليل أمراً قليلاً. يعني لا يجوز لا يجوز ولا يليق ولا ينبغي لأهل العلم والدعوة أن هم يخوضوا مع الخائضين وينجرفوا مع موجة الناس، ويصير الأمر التافه في حقيقته أمراً كبيراً عنده لأنه كان صار أمراً كبيراً عند الناس. هذا لا يليق، هذا لا يليق. فلا بد أن يكون في الخطاب الدعوي من يؤسس أنه يا جماعة هذا كله في نهاية الأمر هو لهو وهو لعب، ويكون لهواً باطلاً، وإذا اختلط بمحرم يكون محرماً. وهذا تثبيت الحق، تثبيت الواقع، تثبيت الحقيقة لا يتنافى مع الحكمة. الحكمة هي كيف تقول الكلام في الوقت المناسب، مش الحكمة أن تداري الحق، لا، الحكمة كيف تقول الكلام في الوقت المناسب. وقد يكون من الحكمة أن تصدم الناس، مش دائماً الحكمة أن تتساوق مع الناس. في لحظة من اللحظات قد يكون من الحكمة أن تصدم الناس، يعني نبينا صلى الله عليه وسلم -طبعاً لا أشبه يعني أقرب الصورة، لا أشبه الأمر، لا يستويان- النبي صلى الله عليه وسلم في المجتمع الوثني صدم الناس وصدعهم بالتوحيد وكان أشق شيء عليهم. فالحكمة ليس معناها مداراة الحق، معناها كيف تقول الحق. وأحياناً أحياناً قد يكون الحكمة في صدم الناس، قد يكون أن تقف وسط التيار وضد التيار. وأحياناً أخرى قد تسكت، قد تفوت، قد تلين في الكلام، أحياناً تشتد في الكلام. الحكمة هو وضع الشيء في موضعه، ليس لها صورة مطردة. تمام.

ويجب على الداعية وأهل العلم وأهل الرسالة وأهل البلاغ أن يفهموا من خلال الكرة كيف يتلاعب بالشعوب، لأن هذا يخدمهم يعني هذا ضروري في دعوتهم. أنتم عارفين يا جماعة الخير، أقول لكم على تجربة بسيطة مثلاً: الآن كرة القدم هي اللذة الطاغية حول العالم. تمام؟ طيب جرب كده تفتح لعبة تتفرج على لعبة ما تفهمهاش، زي السكواش مثلاً ولا أي لعبة ما تفهمهاش، هل ستجد في نفسك من الحرقة والمتابعة والتشوق مثل ما تجده في الكرة؟ لا، أبداَ. طيب جرب حتى الكرة دي نفسها اسمعها من غير تعليق ومن غير أصوات جمهور. طيب لما تفتح بقى أصوات الجمهور والتعليق وتلاقي المعلق اللي هو دايماً يحول الحدث إلى حدث تاريخي وفلان فخر العرب وبطل العالم ونجم النجوم وما حصلش في التاريخ، والكرة الكرة اللي يعني دائماً يسبغ أوصافاً هائلة هائلة، يعني فتعرف أن الشيء التافه حين يوضع عليه مؤثرات صوتية ومؤثرات بصرية يصير في النفس شيئاً عظيماً، وهكذا يساق الناس إلى حتفهم. الجماعة بتوع الفلسفة بيسميه إنتاج المعنى، ازاي الحاجة التافهة أو يعني ازاي الشيء الواحد تكسبه معنى، تضيف عليه معنى، قيمة. سماه ربنا زخرف القول، ازاي القول يبقى باطل لكن لما تزخرفه يبقى إيه؟ يبقى شكله مقنع، زخرف القول. فانت ترى كيف يمكن أن تستلب أموال الناس، وأن تستلب مواردهم، طاقاتهم، اوقاتهم، أرواحهم، أعصابهم، وأن يتخلوا عن الأمور المهمة من أجل هذه اللعبة التافهة اللي هم أصلاً لن يستفيدوا منها، يعني سواء اللعيبة دول سواء خسروا أم كسبوا تزيد أرصدتهم، إنما مين اللي عمره ما هتزيد أرصدته؟ هو لا ينتفع بشيء، هو اللي بيتفرج ده يعني هو إن لم يخسر فلن يكسب، إن لم يخسر أعصابه وامواله وطاقته وإن لم تضع عليه الواجبات فلن يكسب. فحقيقةً يعني على الدعاة أن يفهموا كيف تساق الشعوب، لأن هذا جزء من معركة الدعاة، جزء من معركة الدعاة أن يستبينوا سبيل المجرمين، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ.

وليس معنى هذا أيضاً أن الدعاة يبدأوا يعملوا حملة لإدانة الناس وشتمهم ولا لا، بل هذا أحرى بهم أن يجعلهم يعذرون الناس ويلينوا لهم، يعني لما تعرف أنه من طبع الإنسان أنه يستثار بالمؤثرات الصوتية والبصرية دي، ساعتها تكون أكثر قدرة على أعذاره، وعلى تفهمه، وعلى الرفق به، لا تندفع إلى مصادمته. ومما يجب أن يقال أيضاً أنك لما تلاقي واحد داعية ولا واحد من أهل العلم صار في مسألة الكرة أو في غيرها من المسائل كالعامي، يستفز ويستخف ودخل في الهيصة دي وبقى يشجع وبقى يعمل، يعني الإنسان الذي تغلبه العاطفة هذا لا يستفتى في الأمور المهمة، لا في الدين ولا في الدنيا. الأمور المهمة والنوازل تحتاج إنساناً لا تستخفه التفاهات، ولا ينساق مع الضغط، ولا يستجيب لرغبة الجماهير. هذه أمانة العلم وأمانة الفتوى والأمور المهمة والنوازل المهمة لا يصلح لها الشخص الذي يستفز ويستخف ويتساوق مع الجماهير وتلعب به المؤثرات الصوتية والبصرية. تمام.

فأسأل الله تبارك وتعالى أن يعني أكون قد ألقيت ضوءاً على هذا، وعلى فكرة من الأمور اللطيفة في هذا الموضوع أن المسلمين في تاريخهم لم يعرفوا ما عرفته الأمم الأخرى من الملاعب والساحات والمسارح، يعني المدن الإسلامية ما كانش فيها هياكل واستادات، ورغم أن هذا كان موجوداً، المسارح كانت موجودة عند الحضارات الأخرى المعاصرة، طيب يعني المسلمين ما كانش عندهم لهو ولعب؟ لا، كان عندهم لهو ولعب، بس لهو ولعب وسط الحياة الجادة، يعني واحد مهرج، واحد حاوي، واحد قصاص، أو حتى اللي عايز يخرج إلى البرية يقنص، يصيد، يسابق. يعني أمور إن لم تكن مفيدة في ذاتها فهي في النهاية يسهل إيه؟ يسهل نصبها ويسهل طيها وإنهاؤها. لكن أن تكون صناعة للهو وصناعة للعب وأمور تجند لها أدوات الدولة وينفق عليها من الميزانيات، فهذا لم يكن موجوداً عند المسلمين، هي أمة جادة، فهذا مما ينبغي أن ينتبه له الجميع. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن يتعلقون بمعالي الأمور ويتجنبون سفسافها، فهذا هو سمت المسلم لا سيما في زمن الاستضعاف العام الذي نحن فيه الآن.

الشيخ: إنه الآن ممن ينتصرون إلى العلم وممن تنظر إليهم الناس أنهم...

مع الأسف نعم.

وأنهم كتاب الله ياتون بكلام ملم ومزي.

هذا هو.

حتى العامي يشوف يستفيد أو لا يستفيد أو ينتهي أو...

ما هو هذا الذي نعنيه يا مولانا.

عندهم ثقافة في الكلام وعندهم يعني الناس...

هذا الذي نعنيه بأنه ينبغي على الناس قال إنهم هذول دعاة إلى الله عز وجل، نعم الله...

يعني دون أن ندخل في هذه التفصيل، لأن هذا الأمر كبير، هذا الذي قصدته بأن الناس ينبغي أن يفرقوا بين من تستفزه هذه الامور وينساق خلفها، فهذا في واقع الأمر لا ليس جديراً أن يستفتى في الأمور المهمة وفي النوازل.

بارك الله فيكم. نعود إلى حديث السيرة النبوية، كنا تكلمنا عن غزوة الأحزاب وغزوة الخندق وذكرنا أن المسألة المعركة بين المسلمين وبين الأحزاب وصلت إلى ما يمكن أن يسمى موقف جمود حربي. موقف جمود حربي بمعنى أن المشركين حين فوجئوا بالخندق وقد كان هذا أمراً لا يعرفونه من قبل، هؤلاء حولوا خطتهم من اجتياح المدينة إلى حصار المدينة. والمسلمون قاموا وراء هذا الخندق والوسيلة الوحيدة لنجاتهم من هذا الاجتياح الكبير ومن هذا الجيش العَرَمْرَم هو أن يظلوا على يقظة دائمة من أن لا يجتاز الخندق. تمام؟ فالأشين قادرين على اجتياز الخندق، كيف يجتازونه؟ أما يحاولون ردمه أو ردم جزء منه لكي تعبر عليه الخيل أو أن...

يحاولوا إقامة جسر لكي تعبر عليه الخيل. مهمة المسلمين هي أنهم يدافعون عن أي محاولة بالسهام وبالرماح. طيب، المشركين قسموا أنفسهم دوريات كما ذكرنا.

والمسلمين استعاضوا عن ذلك ببذل مزيد من الجهد واليقظة في ألا يجتاح الخندق. فها هنا برز الطرف الثالث الذي هو اليهود.

الآن وصلنا إلى حالة الجمود الحربي، فذهب حيي بن أخطب، اللي هو زعيم بني النضير أحد الزعماء الذين أثاروا هذه الغزوة كلها، ذهب إلى زعيم بني قريظة، واحنا ذكرنا أنه بني قريظة كانوا قوماً موجودين في جنوبي شرقي المدينة وكانت آطامهم تغلق على تغلق هذا الجانب.

وكان بينهم وبين المسلمين عقد، فذهب حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد يحاول معه أن ينقض كعب بن أسد زعيم بني قريظة العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ويبدأ في مهاجمتهم من الخلف.

ذكرنا في المجلس الماضي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد ما انتهى حفر الخندق عمل عملية إخلاء للنساء والصبيان إلى أماكن محصنة، وأهمها حصن بني حارثة وكان في شمالي شرقي المدينة.

وذكرنا أن هذا الأمر فعل النبي له بمجرد انتهاء الخندق يدل على أنه كان يحتاط من أن يحدث غدر من بني قريظة وإن لم يكن هذا في ذلك الوقت قد ظهر.

طيب، كيف جرى الحوار بين حيي بن أخطب وبين كعب بن أسد؟ ذكرنا في المجلس الماضي بدايته أنه كعب بن أسد كان متخوفاً من أن ينقض العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم.

متخوف ليه؟ لأنه قبله تجربتين، تجربة يهود بني قينقاع وتجربة يهود بني النضير، كلاهما لما خالفوا النبي صلى الله عليه وسلم أجلو من المدينة.

ولأن الذي يحمل إليه هذا العرض هو واحد من الذين تسببوا في نفي قومه حيي بن أخطب، فقال له: إنك رجل مشؤوم. فعلك وخطتك في اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم أدت إلى جلاء بني النضير وهم كانوا أقوى اليهود وأثراهم الموجودين في المدينة.

فما زال به حيي بن أخطب يفتل له في الذروة والغارب، هذه وسيلة كانت العرب تستعملها في سوق البعير، البعير اللي هو أيه يعني متمنع أو جامح. ذروة سنامه مع الغارب يعرّفه إخواننا الذين يعالجون شأن الإبل، معناه أنه يتحايل على البعير حتى أيه يسوقه إلى حيث يريد. فيستخدمونه العرب في هذا التعبير في معنى الإقناع.

فما زال يفتل له في الذروة والغارب ويقول له: جئتك بعز الدهر، دي فرصة لن تتكرر مرة أخرى. جئتك بقريش في سادتها وقادتها، بغطفان في سادتها وقادتها، وقد عاهدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمداً صلى الله عليه وسلم.

طيب، كعب بن أسد عنده تخوف آخر: إذا هذه العملية لم تنجح، ما الذي سيحصل؟ قريش ترجع إلى بلادها وغطفان ترجع إلى بلادها، من الذي سيقع في الفخ وتعرض للعقوبة؟ بنو قريظة.

فأخبره حيي بن أخطب بأنه لو رجعت الأحزاب دون أن يصيبوا محمداً فإني أدخل معك في حصنك يصيبني ما أصابك. هذه عند كعب بن أسد وعند حيي بن أخطب تساوي الاستحالة.

يعني حيي بن أخطب وهو بيقول كده بيقول له مستحيل، أو بالمعنى المصريين يعني على رقبتي، بس على رقبتي دي حرفياً يعني اللي هو أيه: إذا حصل وعاد الأحزاب سادخل أنا معك. هذا دليل على أن حيي بن أخطب لا يقع بباله أن الأحزاب يمكن أن يرجعوا دون أن يصيبوا محمداً صلى الله عليه وسلم.

طيب، كعب بن أسد سمع هذا الكلام وتاثر به ونقض العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم. تسرب الخبر، فمنذ أن وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوادر خبر أرسل سيدنا الزبير بن العوام. حديث في الصحيحين عن الزبير رضي الله عنه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: من ياتينا بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا. كررها النبي ثلاثاً. قال الزبير: أنا. وهذا هو الموقف الذي حصل فيه سيدنا الزبير على لقب حواري النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الزبير لما أصر على هذه المهمة قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي حوارياً، وإن حواري الزبير بن العوام.

خرج الزبير في محاولة استطلاع من بعيد وعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله، رايت القوم يصلحون حصونهم ويدربون طريقهم. ويدربون يعني يمهدون، يجعلونها دروباً، ويجمعون ماءهم. المعنى في استعدادات حربية.

تمام، طبعا استعدادات حربقية هذه قد تكون وجه من وجوه الغدر وقد تكون وجه من وجوه أيه الحفاظ على المدينة. يعني هذه النتيجة في جملتها العامة مريبة لكنها غير مؤكدة.

فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم وفداً من المهاجرين والأنصار فيهم زعيم الأوس سعد بن معاذ وفيهم زعيم الخزرج سعد بن عبادة وفيهم خوات بن جبير وفيهم آخرون، ذهبوا إلى بني قريظة يسألونهم ويستطلعون منهم، فوجدوهم على أخبث شيء يكون.

وقالوا لهم: يا معشر بني قريظة، ما شيء بلغنا عنكم أنكم نقضتم العهد مع رسول الله؟ فبنو قريظة قالوا أيه؟ ومن رسول الله؟ لا نعرف أحداً ولا عقد بيننا وبين محمد.

النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوصي هذا الوفد قال لهم: فان وجدتم القوم على ما هم عليه فأبلغوني بين الناس، وإن كانت الأخرى فالحنوا لي لحناً أعرفه. يعني لو وجدتموهم قد نقضوا العهد فلمحوا لي تلميحاً لا يفهمه عموم الناس لكي لا تنحط وتحطم معنويات المسلمين.

فلما عادوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، عضل والقارة. مين دول؟ هؤلاء هم الذين غدروا بالمسلمين في بئر معونة.

تمام، طيب، تقنع النبي صلى الله عليه وسلم -تقول الرواية- فتقنع النبي صلى الله عليه وسلم يعني غطى وجهه واضطجع ولبث طويلاً. فبعض أهل العلم يقول بأن هذا من النبي صلى الله عليه وسلم كان طمأنة للمسلمين.

المفروض أن الإنسان لما بيجيله خبر سيء يظهر فيه الفزع أو يعني يقوم من مكانه بتبقى حركته حركة غير هادئة، حركة مضطربة متوترة متسارعة، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يخمر وجهه، يخمر رأسه ويتقنع ويضطجع طويلاً، فهذا فيه معنى الاطمئنان، فهذا تفسير بعض أهل العلم لحركة النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا التلميح.

ثم قام فقال: أبشروا يا معشر المسلمين. هذه وإن كانت الصدمة الأولى، اللحظات الأولى، إلا أنه بعدها سواء بعدها بأيام أو بعدها بساعات نم الخبر وانتشر في المدينة أن بني قريظة نقضت العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، هذه يا جماعة الخير هي أشد لحظة نزلت بالمسلمين منذ هاجروا إلى المدينة. هذه لحظة كان فيها يعني احنا بنقول إنه عدد المقاتلين في المدينة كلهم ألف وخمسمائة مقاتل وكلهم محصورون عند الخندق يحاولون صد غارات ومحاولات الأحزاب لمجاوزه الخندق.

الآن حين يبزغ خلف ظهرك عدو آخر لم يكن متوقعاً، فهذا بالضرورة يتطلب أن تخلي بعض هذه القوات لكي تواجه هذا العدو غير المتوقع الذي نقض العهد في أشد وقت مر على المسلمين.

وبالفعل نبينا صلى الله عليه وسلم جرد من الألف وخمسمائة، جرد فرقتين؛ فرقة من مائتين وفرقة من ثلاثمائة. هاتان الفرقتان جعلهما يطوفان في المدينة على هيئة الكتائب. هاتان الفرقتان يطوفان في المدينة على هيئة الكتائب ويكبرون ويكبرون.

طيب، وها هنا يرى بعض أهل العلم أنه هذا التكبير والطوافان في المدينة يشبه أيه يا جماعة الخير؟ يشبه الرسائل التحذيرية أو يشبه الدوريات المستمره المتنقلة التي تمنع المقصود منها أن تمنع يهود بني قريظة من أن ينزلوا من حصونهم وآطامهم لكي يهاجموا ظهور المسلمين أو لكي يهاجموا الأماكن التي فيها النساء والصبيان.

يبقى هذه بمثابة قوات رادعة يعني مش قوات مقاتلة، لا، قوات رادعة. وأن تصدح بالتكبير الهدف منه هو تخويف بني قريظة لئلا ينزلوا.

بعض أهل العلم منهم الدكتور محمد حميد الله في كتابه نبي الإسلام يقول إن هذا التكبير دليل على أنه هذه القوات كانت قوات أغارة. يعني الصدع بالتكبير ليس فقط للردع وإنما للإغارة لكي لا يظن بنو قريظة أن المسلمين بهم نقص في الاعداد.

يعني حصل قسمة للقوات، فصارت قوات تحافظ على تأمين المدينة من بني قريظة، وبقية الألف اللي هو ثلثي الجيش صاروا يتولون مكانهم أمام الأحزاب.

ولذلك هذه لحظة شديدة جداً أن تستطيع تجريد ثلث القوة المقاتلة لكي تتولى تأمين المدينة، فمعنى هذا أنه سيتضاعف المجهود المطلوب من الألف الذين يصدون حركة الأحزاب.

فتلك كانت يا جماعة أشد لحظة مرت بالمسلمين، وهذه اللحظة هي التي سماها القرآن الكريم الزلزال الشديد. وفيها قوله تعالى: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ. وفوقكم يعني الشمال اللي هم الأحزاب، ومن أسفل منكم يعني بني قريظة. وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا.

هذه كانت أشد لحظة مرت على المسلمين. طيب ما الذي حصل ها هنا؟ هذه فرصة مثالية لكي يبزغ شان المنافقين.

تمام، احنا دلوقتي بنقول: إذا المؤمنين نفسهم وصف الله تبارك وتعالى أنهم وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ، يعني المؤمنين اللي هم مؤمنين دخل بعضهم من الخوف ومن الظن ومن يعني دخلته أفكار تجعله مضطرباً.

الحاصل شوفوا يا جماعة، حال الخوف هذا أشد حال يمر على الإنسان. حين يخاف تمتحن أفكاره وتصوراته، وكلنا يعرفها في نفسه، كل واحد فينا لو تذكر مرات الخوف الشديد التي مرت عليه وكيف إنه لحظات الخوف الشديد دي تمتحن فيها الأفكار، تمتحن فيها المبادئ، تمتحن فيها القناعات.

فأقصى ما أصاب المؤمنين هو وصف الله تبارك وتعالى اللي هو أيه: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ.

المنافقين الآن، المنافقين حالهم حال رهيب. حال رهيب. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً. احنا كان لسه قبل كم يوم محمد صلى الله عليه وسلم كان يطرق الصخرة ويقول: الله أكبر، فتحت فارس، فتحت العراق، فتحت الشام، فتحت اليمن. فكانوا يقولون يعدون محمد قصور كسرى وقيصر، واحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. الدنيا كل القوة المقاتلة الآن موجودة على ثغور لا تستطيع أن تغادرها.

وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً. خيالات، أوهام، أكاذيب، أحلام.

وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مَقامَ لَكُمْ. خلاص، الموضوع انتهى وخلص وانقضى. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مَقامَ لَكُمْ. وبدأت بقى محاولات التفلت والخروج من الجيش.

وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ. يعني بيوتنا مكشوفة، بيوتنا مهددة، بيوتنا ليس فيها من يحميها. يقول ربنا: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِراراً.

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلا يَسِيراً. يعني إيه الكلام ده؟ هذه هي الامور بقى دواخل النفوس، الأمور التي لا يراها المؤرخون ولا الباحثون، الأمور التي يكشفها القرآن من داخل النفوس اللي هي أيه: هؤلاء القوم لما رعبوا أراد كل منهم أن ينسحب من المعركة لكي لا يكون له سهم فيها ولكي لا تصيبه خسائرها ولكي يعتذر بعد ذلك للمشركين أنه لم يكن مشاركاً. فيتحجج بأن بيته يحتاج إلى حراسة.

لكن يقول ربنا تبارك وتعالى: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِراراً. ثم يقول ربنا هذا مشهد غيبي: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها. يعني لو هذه البيوت أو المدينة دخلها المشركون ثم سئلوا الفتنة، يعني طلب منهم أن يكفروا بمحمد وأن يشركوا وأن يرتدوا، لأتوها. هم مش قضية إيمان، أي في لحظة دخول المشركين وأن يطلب منهم الكفر سيكفروا. وفي قراءة أخرى لأتوها يعني لو طلب منهم سئلوا الفتنة طلب منهم الكفر لألتجؤوا إليه سارعوا فيه. وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلا يَسِيراً.

وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً. دي الناس اللي هي في لحظات الأمان كان وضعها مختلف، بتتكلم عن الجهاد والتضحية والفداء وأنا الرجل وهكذا.

قال تبارك وتعالى: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ لا يفرون وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً.

قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلاً. يعني حتى لو فررتم لا تمتعون إلا قليلاً.

وتأمل أن هذه الآيات نزلت بعد الآيات التي نزلت في سورة آل عمران في غزوة أحد اللي هي أيه: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ.

لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إن فررتم من الموت أو القتل وإذا حتى لو ده حصل لا تمتعون إلا قليلاً. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً؟ لا أحد يعصم من الله تبارك وتعالى.

ثم يصف ربنا تبارك وتعالى جبنهم فيقول، أولاً يصف الله تبارك وتعالى إفسادهم، إفسادهم يقول: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ. يعني إيه المعوقين؟ في ناس انسحبت، بس اللي انسحب ده ما اكتفاش أنه انسحب، لا ده صار يطالب غيره بالانسحاب. المعوق: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ -اللي لسه في الصفوف- هَلُمَّ إِلَيْنا ولا يَأْتُونَ الْبَاسَ إِلا قَلِيلاً، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ. فاذا ذهب الخوف، لحظة الخوف إيه بالمنظر اللي أنت شايفه ده واحد يوشك يموت، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة انحداد فين.

الخطأ فين الحراسة ليه ما عملناش حسابنا لهذا الاحتمال لماذا لم يكن هناك واحد يقوم بهذه المهمة ازاي نسمح بالالتفاف اللي يحصل فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا.

هذا موقف غيبي آخر يقوله ربنا تبارك وتعالى وإن يأت الأحزاب يعني شوف التجربة خلصت أهيه لكن وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب بعيد عن المدينة في البدو في الأعراب.

وهذه لفتة قرآنية خطيرة جدا يسألون عن أنبائكم يعني هو يود إنه بعيد ومش بيفكر يجي حتى يستطلع لا ده هو هيستنى الخبر لما يجي لهودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا.

فلحظات الخوف لحظات الاضطراب لحظات المحنة لحظات الشدة هي اللحظات الذهبية التي تتحرك فيها نفوس المنافقين لحظات يتمحص فيها الناس بين وقال تبارك وتعالى وليعلمن الله الذين ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين.

تمام.

فالمهم أهل النفاق كان لهم إيه هذا الدور في ذلك الوقت اللي هو الوقت الشديد الوقت يعني الذي فيه يحتاج الناس فيه إلى التثبيت فيفاجؤون بأن منهم من إيه يثبطهم ويعوقهم وينادي على من لم ينسحب منهم أن ينسحب طيب صلوا على النبي.

أما المؤمنون فقال ربنا تبارك وتعالى وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ.

إلى فتح باب التوبة للمنافقين إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا.

الحدث الواحد يتمحص به الناس ويتميز به الناس طيب يا جماعه المهم ومسألة الاستئذان أيضا ذكرها ربنا تبارك وتعالى في سورة أخرى.

احنا دلوقتي في لحظة في لحظة الشدة المنافقين كانوا إيه يستأذنوا فريق منهم النبي لأنه في فريق ما بيستأذنش بيمشي لوحده لكن في فريق بيستأذن بدعوة كاذبة يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة المؤمنون لا يذهبوا حتى يستاذنوا النبي صلى الله عليه.

ورد ذلك في سورة النور إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فهذا موطن المؤمنين وهذا موطن المنافقين ولذلك هذه الحياة الدنيا يا جماعة كلها اختبار كلها اختبار يشهد الله بها الناس على أنفسهم.

والإ فالله تبارك وتعالى يعلم يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

لكن كيف يمكن أن كيف تتحقق العدالة حين يبدر العمل من الانسان نفسه فحين تقع المحنة يختبر الانسان إيمانه حقيقة فلذلك هذا الموقف الواحد الله تبارك وتعالى يستطيع أن ينصر النبي بغير جهد يستطيع أن ينصر النبي بغير قتال ولكن هذه الحياة هي اختبار الناس أسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتنا وإياكم وأن يجعلنا من الفائزين.

طيب الآن حصل مع حصل تطور في الموقف الحربي إذ بنو قريظة غدرت ونقضت العهد شجع هذا الأحزاب على أن يحاولوا من جديد اقتحام الخندق خصوصا أن قوة من الخندق ثلث القوة التي كانت تحرس الخندق قد صارت إيه مسحوبة إلى داخل المدينة ففي غارة مفاجئة استطاع بعض المشركين أن يقتحموا الخندق يجوزوه.

ردموا جزءا أو نصبوا جسرا أن يجوزوه ويجولوا بخيولهم في الساحة التي بين جبل سلع اللي فيها معسكر المسلمين وبين الخندق وسرعان ما بعثت لهم طائفة من المسلمين فأحاطت بهم حالت بينهم وبين الخندق تمام لأنه طبعا أبقاء الثغرة مفتوحة يساوي إيه يساوي تدفق القوات هذه المجموعة التي أحاطت بهم هذه المجموعة الأول التي اقتحمت كان على رأسها بطل قريش الكبير الشجاع الفتاك من أبطالهم عمرو بن عبد ود العامري بني عامر بن لؤي.

وهذا رجل تقول بعض الروايات أنه كان في التسعين من عمره.

مقاتل عريق عتيد كبير وكان بطلا فاتكا مشهور.

وكان معه عكرمة بن أبي جهل وكان معه نوفل بن الحارث وأظن كان معه ضرار بن الخطاب إن لم تخني الذاكرة في الأسماء الآن يعني لكن عكرمة وعمرو بن عبد ود هؤلاء مؤك يعني هذه أسماء مؤكدة عمرو بن عبد ود.

ما صار في هذه الثغرة إلا واندفع يسأل من يبارز.

من يبارز.

هذه ربما كانت منه فخرا على عادة العرب وربما كانت منه حيلة ذكية لكي يحول الأمر إلى مبارزة لأنه الآن صار مطوقا فبدلا من أن تهجم عليه جموع.

فأراد أن يعلنها مبارزة لكي يكون إيه فيه قدر من النجاة والله أعلم لكن هذا ما يتبدى لنا من سير المعركة.

فقام إليه علي بن أبي طالب وتقول بعض الروايات أن عليا استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليه فكان النبي يقول إنه عمرو بن عبد ود يعني وطبعا سيدنا علي في ذلك الوقت كان شابا.

يعني بنتكلم طبعا سيدنا علي لو أنه أسلم وهو في السادسة تمام فاحنا عندك 13 سنة في مكة تمام يعني عندك الآن خمس سنوات في المدينه فانت بتتكلم في مطلع العشرين من عمره تمام.

وهو يقول من يبارز علي يستاذن النبي النبي يسكته من يبارز علي يستاذن النبي النبي يسكته.

فخرج لنا بقى إيه على عادة العرب في أشعارهم اللي هو بيقول إيه ولقد بحت من النداء يعني أنا صوتي اتنبح.

ولقد بحت من النداء على لجمعكم هل من مبارز ده أنا صوتي اتنبح وأنا عمال أقول من يبارز يعني ما فيكمش راجل وفي رواية يقول أين هذه الجنة التي تزعمون أنه من قتل منكم بسيوفنا دخلها ما فيش حد عايز يدخل الجنة ولا إيه تمام فوعلى هذا على هذا النحو من شعر الفخر عند العرب أ فالمهم.

يخرج يقول ولقد بحتم من النداء بجمعكم هل من مبارز ووقفت في ووقفت إذ جبنا إذ جبنا الشجاع موقف الرجل المناجز وذاك إني أ متسرع قبل الهزاهز يعني أنا واحد أول ما تيجي الحرب أتصارع الهزاهز يعني الحروب.

وذاك إني متسارع قبل الهزاهز أول ما تيجي حرب إيه أسارع إليها.

ولقد بحت من النداء بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع موقف الرجل المناجز وذاك إني متسارع قبل الهزاهز أول ما يبقى في حرب أنا بحب أدخل إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائس.

فيروون أن علي رضي الله عنه أجابه بشعر على طبعا هذه الشعر يا جماعة يشبه في كمان هذا الاناشيد الحماسية الأناشيد الحربية الحماسية يعني تمام الشعر كان يفعل في العربي هذا ال هذا الأثر المعنوي الذي تفعله الآن الإذاعات والقنوات والأناشيد الحماسية.

فكان خرج علي رضي الله عنه يقول لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز ذو نبهة ذو فطنة وبصير، ذو نبهة وبصير.

أ نسيت.

ثم يقول له إني لارجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز.

من طعنة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز يعني يبقى ذكرها في الحروب طبعا سيدنا علي كان عليه المغفر يسأله عمرو بن عبد ود من أنت قال علي بن أبي طالب قال اقعد يا ابن أخي فما أحب أن أقتل لك عايز يقول له أنت إيه أنت لسه صغير يعني وأن في أعمامك من هو أولى منك بهذا المقام قال ولكني أحب أن أقتلك.

وطبعا هذا الموقف في مناقب سيدنا علي رضي الله عنه وكان سيدنا علي فارسا من فوارس الإسلام الكبار رضي الله عنه.

ثم قال له يا عمرو بن عبد ود إنك كنت قد عاهدت الله ألا يسألك أحد من قريش إحدى خلتين إلا أجابته إليها.

كان عمرو بن عبد ود كان عنده شعار وقاعدة كده أنه أنا لين لأهلي من قريش ما فيش واحد من قريش هيعرض علي عرض حاجة من اثنين إلا وساكون لينا معه فأجيبه إلى أحدهما.

قال نعم قال فاني أدعوك إلى الله وإلى الإسلام وإلى رسول الله قال فلا حاجة لي بذلك قال فاني أدعوك إلى القتال.

فتصاولا حتى ثار بينهما الغبار ثم أمكن الله تبارك وتعالى عليا من قتل عمرو بن عبد ود فقتله وكبر فكبر المسلمون وانخذل المشركون لانه شاب من شباب المسلمين استطاع أن يقضي على هذا الإيه على هذا الفارس الكبير.

عمرو بن عبد ود ولذلك بقية المجموعة سرعان ما حاولت أن تهرب من جديد أن تجتاز الخندق فعكرمة بن أبي جهل قفز بفرسه على الخندق فوقع فرسه فقتل فنجا هو وأما نوفل فانه قد سقط في الخندق فقتل واختلف الرواة في قاتله والاشهر أنه قد قتله الزبير بن العوام المهم أنه هذه المحاولة الوحيدة التي استطاعت أن تنجح نجاحا جزئيا على هذا النحو في اجتياز الخندق تصدى لها المسلمون فكان هذا مما فت في عضد المشركين طيب هذه محاولة من قريش هناك محاولة أخرى وإن كانت هذه المحاولة الأخرى يا جماعة يختلف أهل العلم في ثبوتها.

تمام هذه محاولة بني قريظة بني قريظة أخرجوا منهم عشرة طليعة وأرادوا أن يقصدوا المكان الذي فيه نساء النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرواية رواها الحاكم في مستدركه وقال وردت بسند صحيح وأقرها الذهبي والغالب في مثل هذه الرواية أنها مقبولة تاريخيا.

تمام يعني حين يقول الحاكم صحيحة ويقرها الذهبي الغالب أن هذه الرواية تقبل تاريخيا.

لكن ساحكي لكم الآن ما الذي تناوش هذه الرواية المهم هؤلاء اليهود أرسلوا عشرة صاروا يطيفون بالحسن.

وكان الحصن هذا فيه نساء النبي صلى الله عليه وسلم.

ومعهم حسان بن ثابت رضي الله عنه الجميع.

فتقول الرواية أن صفية رأت طبعا أريج أن أذكر قبل هذه محاولة معلش يعني سامحوني نوقف هذه الحكاية نحن ذكرنا في المجلس الماضي يا جماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل علامة للنساء أنهم إذا رابهم شيئا أن يلمعوا السيف يعني يعرضوا السيف للشمس فيراه المسلمون وقد وقعت مثل هذه الحادثة أن يلمعوا السيف فان أن يعني جردت فرقة من المسلمين فدفعت بعضا من اليهود كانوا قد حاولوا أن يقتربوا من حصون النساء فقتلوهم فهذه محاولة جرت في النهار أما هذه التي نحكيها فجرت في الليل هذا الطواف والتجسس كان بالليل.

لمحت صفية بنت عبد المطلب هذه ما قرابتها من النبي صفية بن عمته طيب وهي أم من أم الزبير بن العوام تمام جميل فهذه رات هذا الرجل يطيف بالحصن فقالت لحسان بن ثابت أن هذا الرجل يطيف يطيف بالحسن فانزل إليه.

فقال حسان ما لي بذلك حاجة ولو كان ليكنت الآن مع رسول لله.

سأتي إلى شرحها الآن لكن المهم حسان يقول أنا لا أستطيع أن أفعل هذا ولو كنت أستطيع القتال لكنت كنت الآن مع رسول الله ما كنتش موجود الآن في هذه الحصن.

قالت.

ففاربط في يدي هذا السيف أو في رواية فأخذت عمودا ثم وقفت تحين منه غرة حتى رأت هذا الرجل اليهودي فضربته أما بالسيف أما بالعمود فقتل.

فلما وجد أصحابه من اليهود وجدوه مقتولا قالوا قد علمنا أن محمدا ما كان ليترك نساءه خلوفا يعني ما كان ليتركهم إيه خلفه بلا حراسة ولا حماية.

فألقي الرعب في قلوبهم فخرجوا ففي هذه الروايات التي نحكيها أيضا أن صفية قالت لحسان قد قتلته فخذ سلبه فما يمنعني من سلبه إلا أنه رجل فقال لها ما لي بذلك من حاجة يا عمة رسول الله عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب.

هذه الرواية وقف عندها العلماء لأمرين.

طبعا الذي يورد هذه الرواية عادة يكون قاصده منها أمران أمرين يكون قصده منها أمرين الأمر الأول إثبات شجاعة صفية رضي الله عنها وجواز أن تدافع عن نفسها وأن تحمل المرأة السلاح وما في ذلك من الفوائد فكل هذا متفق عليه وصفية في اخبار شجاعتها وجرأتها أخبار أخرى إنما الاشكال فين بقى في أن الذي يسوق هذه الرواية يسوقها للطعن في حسان بن ثابت هنا الإيه هنا الإشكال هل كان حسان بن ثابت جبانا.

هذا هو الأمر الذي توقف عنده أهل العلم.

طيب.

الآن في مشكلة متعلقة بالمتن احنا الأول قلنا أن هذا السند سند يقبل في الأمور التاريخية لكن سند لا يقبله المحدثون بإطلاقه لأنه الآن هذه القصة صار فيها أمر فوق الإثبات التاريخي وهو أمر يتعلق بالآية بالطعن في الصحابة تمام.

فحينئذ الأمور اللي فيها يعني مسائل عقدية لا يقبل يقبل فيها إلا الإيه إلا الصحيح لا يقبل فيها الهين اللين طيب وهناك مشكلة أخرى في المتن.

قواعد المحدثين في قبول الخبر خمسة ثلاثة منها في السند واثنين منها فين في المتن ثلاثة في السند إنه يبقى حد الصحيح مثبت بوصله متصل بنقل عدل ضابط عن مثله يبقى سند ومتصل وكل أفراده إيه عدل ضابط.

طيب.

ولم يكن شاذا ولا معللا ما يبقاش شاذ بمعنى أنه يخالف ما هو أوثق منه وما يبقاش معلل بمعنى أنه فيه علة خفية تخرجه عن الصحة فين العلة الموجودة في المتن هنا أن حسان بن ثابت رجل شاعر ورجل شاعر يعني راجل قناة فضائية كل ما تحصل حادثة مع المسلمين يهدر بشعره يهجو به الكافرين ومع ذلك لا ترى في شعر

من يهاجيهم من الشعراء، من يرميه بالجبن؟ واخد بالك. طيب، حيث إنه لو كان حسان بن ثابت شاعرا، وكان جبانا الخصلة دي لا يمكن تفوت من مين؟

من الشعراء اللي بيهاجموه، ده واحد شغال يعني استغفر الله، بس مصطلحنا المعاصر: واحد قاعد على الفيسبوك، تمام، أي واحد عامل مشاكل مع المسلمين جايب له تاريخه عمال يطعن فيه. لما تلاقي ولا واحد من اللي بيردوا عليه ذكر مسألة الجبن، تشك، تشك تماما؛ لأنه لو كان جبانا لسارع الشعراء إلى إلى ذكرها والطعن عليه فيها.

طيب، فبعض العلماء يرفض ذلك، يرفض الرواية لهذا المعنى. وبعض العلماء يجمع بين الروايتين، يقول: إذا لم يعرف عن حسان أنه جبان، طيب، إيه تفسير وجوده في هذه الـ في هذا الحصن؟ يا لعلة كان في ذلك اليوم مريضا مرضا يقعده عن القتال، هذا هو تفسير أنه ما كانش مع النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضا يجب أن نعرف يا جماعة الخير أنه قد يكون طاعنا في السن؛ سيدنا حسان بن ثابت هذا ولد قبل الهجرة بستين سنة. سيدنا حسان ده رجل مخضرم، مخضرم أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام. وأيام ما كان في الجاهلية وقبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كان حسان بن ثابت أحد الشعراء، وقصته مشهورة في دخوله على النعمان بن منذر ملك العراق، ودخل عنده ولقى عنده إيه؟ النابغة الذبياني وعلقمه الفحل، اتنين شعراء إيه كبار. فالنعمان كده إيه يعني ما عجبوش يعني، واحد شاعر يعني. عايز أقول له إيه: النعمان ده راجل عنده اتنين قنوات فضائية على أعلى مستوى، النابغة الذبياني وعلقمه الفحل، وواحد جاي يقول له إيه: أنا يعني عندي شعر وبتاع. قال له: بص، أنا هقول لك على حاجة، قبل ما تتكلم كده، كل واحد من دول هيقول قصيدة، وبعدين أنت تبقى تشوف مستواك.

شعراء فاهمين بعض. فانشد النابغة يقول: حسان فانشد فذهب نصفي، طلع قصيدة إيه ما خلصانة خالص. ثم أنشد علقمة فذهب نصفه الثاني، فقال له إيه بقى؟ أنت بعد المستوى اللي أنت شايفه ده يعني عندك أمل؟ قال حسان: فتشددت، وقلت: بل أنشد.

وأنشد قصيدته بقى المشهورة المشهورة، اللي هي حقيقة خلدت أكثر من قصيدتي النابغة وعلقمه، اللي هي قوله: لِلَّهِ دَرُّ عِصَابَةٍ نَادَمْتُهُمْ يَوْمًا بِجِلَّقَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ، أَبْنَاءُ جَفْنَةَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِمُ، قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْجَوَادِ الْمُفَضَّلِ، يَسْقُونَ مِنْ وَرْدِ الْبَرِيصِ عَلَيْهِمُ بَرْدًا يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلسَلِ، يَغْشَوْنَ حَتَّى مَا تُهِرُّ كِلَابُهُمْ، لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ.

ثم قال آخرها بقى البيت المشهور: شُمُّ الأُنُوفِ كَرِيمَةً، أحسابهم، لا، ذهب مني.

فالمهم، القصد أن قصيدته هذه خلدت أكثر من قصيدة من النابغة. القصد الذي أريد أن يعني لماذا أقول ذلك؟ أقول: لأن حسان هنا رجل في الخمسين من عمره على الأقل، فالكبر مع المرض قد يكون عذرا مفهوما لأن يكون في هذه اللحظة أين موجودا مع النساء لا يستطيع أن يقاتل، تمام؟ فبهذا يرتفع التعارض بين الروايتين، تمام؟

بيُضُ الوُجُوهِ كَرِيمَةً أَحْسَابُهُمْ، شُمُّ الْأُنُوفِ مِنَ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ. بيض. وطبعا القصيدة دي هو بيمدح ناس قاعدين في الصحراء كرماء، تمام، دول أي واحد جاي عندهم أهلا وسهلا بالكرم، أهلا وسهلا. فدرجة هذا التشهد البديع بقى اللي هو يعني ابتكره حسان بن ثابت، أن الكلاب بتاعتهم اللي قاعد في البادية بطلت تنبح، ما احنا رايحين جايين ضيوف، رايحين جايين؛ الكلاب صارت مستانسة، مستانسة بعد ما كانت وحشية، صارت إيه؟ فقال: يغشون حتى ما تهر كلابهم، لا يسأل، هذا دليل على إيه؟ على شدة الكرم وعلى كثرة الضيفان.

طيب، يبقى يا جماعه الخير، الان بعد نقض بني قريظة للعهد، لدينا الآن محاوله قام بها قامت بها قريش والاحزاب، اللي هي محاوله إيه: اقتحام عمرو بن عبد ود ولدينا محاوله إن صحت قام بها بنو قريظة هي محاولة الآية: اغتيال أو أسر أو يعني الإغارة على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟

الآن دخلنا مرة أخرى إلى مرحلة الآية: الجمود الحربي. الأمر أيضا لا المشركون استطاعوا اقتحام الخندق، ولا بنو قريظة استطاعوا إيه وسنرى بالمناسبة أن قريشا وبني قريظة كان عندهما بعد هذا، بعد هذين الحدثين نوع من التردد؛ بنو قريظة تقول لقريش: اهجموا، واحنا ساعتها نهجم، وهؤلاء يقولون: أنتوا اللي تهجموا الأول لكي يفرغ أمر الخندق. فهذا التردد أيضا كان بداية في أن التشقق الذي وقع بين الطرفين خلاص. وهنا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم سياسة أخرى من جهته، ما هي السياسة؟

الآن لدينا أكثر من رواية يا جماعة الخير كالاتي؛ فكر النبي صلى الله عليه وسلم في أن يعمل على تفكيك تحالف الأحزاب من خلال مراسلة غطفان. احنا قلنا دلوقتي الأحزاب عندنا ثلاث كتل كبيرة: قريش كتلة كبيرة، غطفان كتلة كبيرة، واليهود كتلة كبيرة. قريش عداؤها مفهوم مع النبي صلى الله عليه وسلم، واليهود عداؤهم مفهوم مع النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، إيه اللي جاب غطفان؟ جابهم الفلوس؛ لأنهم وعدوا بتمر خيبر لمدة سنة وبغنائم المدينة. فارسل النبي إلى غطفان يعرض عليهم ثلث ثمار المدينة، خلاص.

طيب، غطفان في ذلك الوقت كانوا بقيادة رجلين: واحد اسمه عيينة بن حصن الفزاري، والثاني اسمه الحارث بن عوف المري. فهؤلاء لما فكروا: والله، احنا دلوقتي جينا لقينا خندق وما حدش عارف يتصرف معاه، واحنا أساسا اللي عندنا يعني ما عندناش المشكلة الآية: المشكلة العميقة مع محمد صلى الله عليه وسلم، احنا بدل ما هناخد تمر المدينة، يعني إذا أخذناها بقى دلوقتي، وبعد ما هناخد تمر خيبر ثلث ثمار المدينة ونرجع، يكون إيه صفقة كويسة، أفضل ما احنا خلاص مش هنلحق إيه ناخد، لا هنلحق ناخد تمر خيبر ولا ناخد تمر المدينة.

فقبلوا من النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا تختلف الروايات على هذا النحو الذي ساحكيه لكم؛ رواية تقول أن النبي صلى الله عليه وسلم راسلهم يعرض عليهم ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا فوافقوا، فقال: هذه مفاوضة، ولكن لا أمضي العقد حتى استأمر السعور، يعني حتى استشير الصحابه قادة المدينه في ذلك الوقت كان اسمهم سعد سعد سعد سعد فهؤلاء هم السعود: سعد بن عباده سعد سعد بن أ معاذ سعد بن خيثمة سعد بن الربيع، ويقال سعد بن مسعود. فاحنا عندنا كم سعد؟ خمس سعود، لكن الرجلان البارزان هما سعد بن معاذ وسعد بن عباده، زعيم الأوس وزعيم الخزرج. فيبقى النبي فتح طريق مفاوضات لكن لن ينعقد العقد الآية إلا بعد الاستشارة. فلما وجد هذه الموافقة المبدئية ذهب يستشير الصحابة رضوان الله عليهم، دي رواية.

الرواية الثانية بتقول إن عيينة بن حصن والحارث بن عوف هما اللذان أرسلا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم من جهة المبدأ، لكن لا ينعقد الاتفاق إلا إيه بعد استشارة هؤلاء الصحابة، استشارة هؤلاء الصحابة، دي رواية ثانية.

الرواية الثالثة بتقول إن النبي عرض ثلث ثمار المدينة، غطفان قالت: لا، عايزين النص. قال لهم: لا، ما فيش أكثر من الثلث. قالوا: طب خلاص الثلث ماشي، فلا تنعقد إلا لما يرجع إلى الصحابة رضوان الله عليهم، هذه الآية، هذه الروايات، وهتلاقي كل رواية من الروايات استنبط منها العلماء أمورا، بس عاده يعني هذه هي إيه خلاصة الروايات.

ذهب النبي صلى الله عليه وسلم جمع أصحاب الشورى هؤلاء السعود وقال لهم أرض، أمامهم الوضع على هذا النحو الذي هو عليه. طيب، فقالوا يا رسول الله: أمر من الله تبارك وتعالى فنسمع ونطيع؟ أم هو أمر تحبه فإنما فإنما هوانا لما تحب، نحن نحب ما تحبه يا رسول الله، أم أمر تفعله لنا، ولا أنت بس يعني اشفقت علينا وخايف علينا؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أمر أفعله، إني أرى العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، كالبوكم، تكالبوا عليكم من كل جانب، فامر أفعله لكم.

فقالوا يا رسول الله، لقد كنا في الجاهلية وما يطمع أحدهم أن يأخذ من المدينة تمرة إلا قرى أو بيعا. قرى يعني ضيافة أو إيه يشتريها. أبعد أن أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم عن يد ونحن صاغرون؟ ليس لهم منا إلا السيف.

الانصار دول يعني إمكانيات، نفوس صلبة، نفوس أنت بتتكلم عن ناس في وضع شديد شديد شديد سماه ربنا الزلزال الشديد، ومن أصدق من الله قيلا. ومع ذلك تجد هذه الصلابة النفسية والثبات، ويقول له: ولا تمرة حتى، ليس لهم منا إلا السيف.

فماشي خلاص، طالما أنتم أردتم ذلك، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لنا ليس بيننا إلا السيف.

هنا بعض أهل العلم يقول: طبعا صلوا على النبي، دلوقتي نحن على الأقل نستطيع أن نجمع من هذا عدد من الدروس؛ الدرس الأول: شفقة النبي صلى الله عليه وسلم وحرصه في أنه فكر كيف يمكن أن يعني رفقا بهؤلاء الناس الموجودين في الحصار، الذين تكالبت عليهم العرب، أن يفكك هذا التحالف.

والأمر الثاني: سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في محاوله تفكيك الأحلاف عليه وفي أن النبي سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يواجه عدوين في وقت واحد ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فهذه سياسة من النبي صلى الله عليه وسلم ومما يستفاد أيضا: جواز أن يبذل المال لصيانه النفس، لكن طبعا شوفوا يا جماعة، هذه الامور السياسة الشرعية بشكل عام ليس فيها قواعد جامدة، لأنه من النفوس نفوس ضعيفة تههرع إلى التنازل قبل أن يكون هذا يعني حتما، في نفوس ضعيفة فلذلك ويستدلون بمثل هذا بالمناسبة، يستدلون بمثل هذا.

فالأمر من حيث الجواز يجوز، يجوز أن تبذل المال لكي تنجو من الاستئصال، أو لكي تحقن النفوس من حيث الجواز يجوز، لكن القائد الذي يقدم على هذا ليس أي قائد، ده القائد الذي يعرف متى يتنازل، متى متى بلغ الأمر حد الضرورة، وإلا النفوس الضعيفة، النفوس الهشة عند أول اللي هو من قبل ما تطلب، عارف أنت أحلام سعادتك بكره إحنا بنعملها لك امبارح، هذا مستوى آخر.

ثم ترى كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه وينزل على شوراه، وتستفيد منه أيضا: كيف أن الصحابة رضوان الله عليهم كان عندهم هذا الفقه الدقيق في التفريق بين تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم: هذا أمر من الله سمعا وطاعة، أم هو أمر تحبه فهوانا تبع لما أحببت، أم هو أمر تفعله لنا؟ هذا تفريق دقيق، وبني عليه طبعا باب كبير في علم السياسة الشرعية اللي هو في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم، وللعز بن عبد السلام كتاب كبير في التمييز بين تصرفات الإمام، فها طبعا وترى فيه هذه النفوس العالية، نفوس الصحابة رضوان الله عليهم.

طيب، المهم فانهى هذا الأمر وفشلت هذه المفاوضات، هذه اللي هي معاقدة ثلث ثمار المدينة. طيب، بقي الآن أنه آه، ذكرت لكم أيضا أ ذكرت لكم أن بعض الروايات تقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم ارسل، وبعض الروايات تقول إن النبي استقبل عرضا من عيينة بن حصن ومن الحارث بن عوف. يذهب بعض ذهب بعض أهل العلم إلى الرأي بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يفعل ذلك سياسة، ولم يكن ذلك منه عزما، يعني حاول النبي أن يستطلع إلى أي حد يمكن تفتيت حلف المشركين بمثل هذا العرض.

يقولون في هذا بأنه يعني أمر أن النبي يعرض التفاوض لكن يعلق الموافقة على استشارة الصحابة، فهموا منه أن هذا لم يكن عزما حقيقيا وإنما كان إيه اختبارا لنفوس التحالف، إلى أي حد يمكن أن إذا أغروا بالمال أن ينخلعوا، فإذا حصل هذا منهم دل ذلك على انشقاق فيهم، وكذلك محاولة من النبي صلى الله عليه وسلم لاستطلاع نفوس أصحابه، يعني واخد بالك، الخيارات مفتوحة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، عرض أمرا سيرى آثاره لكنه لا ينعقد ولا تترتب عليه التزامات إلا بوقوع هذه الشورى، فكان النبي أراد أن يستطلع نفوس الناس أعدائه، وأن يستطلع نفوس الناس اللي هم إيه أصحابه. فوجد أعداءه قد فتهم الوهن ووجد أصحابه على الآية على هذا النحو السديد الصلب الثابت من الفداء والتضحية. فتوقف الأمر، لكن المكسب الذي حصل هنا هو مكسب إيه سياسي معنوي، صحيح ما تغيرش الأمر حربيا، لكن التماسك الذي كانت عليه جبهة المسلمين ليس كالتماسك الذي عليه إيه جبهة الأحزاب.

وها هنا يقع ما هو مشهور عند أهل المغازي والسير من محاولة نعيم بن مسعود. قصة نعيم بن مسعود قصة لا يقبلها المحدثون لأنها جاءت بأسانيد ضعيفة، ولكنها مشهورة عند أهل السير فهي مقبولة تاريخيا. ما هذه القصة؟

شرح الله صدر رجل، نعيم بن مسعود من غطفان، وكان تاجرا. يعني إيه تاجر؟ تاجر يعني راجل عنده علاقات، تمام؟ فعنده علاقات باليهود، وعنده علاقات بقريش، وعنده علاقات بغطفان، كان موجودا. فاسلم نعيم بن مسعود في هذه الأيام، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره أنه أسلم ولم يعرف قومه باسلامه. وكما ذكرنا قبل ذلك حين تكلمنا عن غزوة حمراء الأسد وعن غيرها في أن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في توظيف المواهب والطاقات، وأنه كما استعمل معبد بن أبي معبد الخزاعي في حمراء الأسد، فالآن قال لنعيم بن مسعود: إنما أنت رجل واحد، لو جيت اضفت إلينا هنبقى ألف وخمسمائة وواحد، ولكن خذل عنا، خصوصا مع مجهولية معلومة أنه إيه أنه قد أسلم.

فنعيم بن مسعود بادر بوضع هذه

الخطة السياسية، ذهب إلى اليهود بني قريظة، وأعاد عليهم المخاوف التي كانت أصلاً عندهم: يا بني قريظة، لستم كقريش وغطفان، انتم حاجة وهم حاجة، أنتم إلى جوار هذا الرجل، أنتوا قاعدين هنا، وأما هؤلاء فقوم إن أصابوا غرة أصابوها وإلا انشمروا إلى بلادهم وتركوكم. فإن أردتم النصح فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناً يكونون بأيديكم عليهم، اضمنوا أن الجماعة دول قاعدين، هاتوا ايه رهائن. رواية بتقول عشرة ورواية بتقول سبعين، أياً ما كان، المهم عايزين عشرة أو سبعين من رجالهم يبقوا موجودين إيه رهائن إلى حين تنفيذ الاتفاق.

تمام كده، قالوا والله أشرت بالرأي ده، كلام فعلا كلام ممتاز. طيب، ثم ذهب إلى قريش وذهب إلى غطفان وهذه الرسالة: أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا مع محمد من نقض العهد، فأرسلوا إليه: هل ترضى أن نأتي لك برهن من قريش وغطفان من أشرافهم، فنعطيك فنعم فنعمطيهم إليك فتقتلهم، ثم نعود إلى ما كنا ونكون نحن وإياك يداً عليهم؟ فأجابهم: أن نعم، فإذا طلبوا منكم رهناً فلا تعطوهم، وتلي الكلام ده بينا وبين بعض. برضه كلام إيه كلام يعني عاقل ومقبول، كويس.

طيب، لكن قريش الآن أربست إلى قريش وغطفان أرسلت إلى اليهود: يا ما أشار يهود، أنا لسنا بدار مقام، ده مش يعني احنا ما كناش جايين أساساً عشان إيه نقعد أو نحاصر أو نطيل المدة هنا، أنا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر. الخف يعني الإبل، والحافر اللي هو الخيل يعني الأحصنة، كعادة العرب في المجاز الإيه المجاز اللي هو جزء يقصد منه الكل ده. فهلموا فقاتلوا غداً. قالوا: والله احنا بكره إيه إن غداً يوم سبت، وهذا يوم لا نعمل فيه شيئاً، ثم ومع ذلك فلسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً يكونون بأيدينا، فما ما ما الذي نأمن أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا مع محمد؟

فهنا صح عند قريش، خبروا مين؟ نعيم بن مسعود، فقالوا: قد نقضت أو غدرت بنو قريظة، فوالله لا نعطيهم رهناً أبداً. لما تفكر في هذا في هذه المسألة تقول يعني الفكرة دي لو كانت جت عند كعب بن أسد، هو دلوقتي كعب بن أسد ده إيه اللي دخله في المعركة؟ حيي بن أخطب قال له: لو انشمر الأحزاب فاني داخل معك في حصنك يصيبني ما أصابك. لو كان خطرت بدماغه هذه الفكرة، قال له: لا والله أنا هعمل بيك إيه، أنا لن أقاتل إلا لما يكون عندي رهن. لو كانت خطرت بباله لربما كان بقي دون أن يعني ينحدر ويهوى في هذا المهوى.

ثم أرسل الله تبارك، يبقى الآن حصل إيه؟ يبقى حصل تفكك على هذا المستوى، المستوى الأول بين غطفان وبين قريش اللي هو مسألة المال، والتفكك الثاني بين غطفان وبين قريش وبين بني قريظة. ثم أرسل الله تبارك وتعالى عليهم ريحاً شديدة، وهذه الريح توصف على هذا النحو: كفّت قدورهم الأواني، كفّت قدورهم وقلعت خيامهم، فلا يستقر منهم أحد على حال، فصار الأمر برداً وصار خوفاً، وصار لا يستطيع الجيش أن يتماسك في مكانه، ولا يزال الموقف موقف إيه جمود حربي.

الأحزاب غير قادرين على اجتياز الخندق، غير قادرين على تحريض بني قريظة، وغير قادرين الآن على مداومة الحصار والاستقرار في مكانهم. ويذكر بعض أهل العلم أيضاً، وهذا قرأته أيضاً الدكتور محمد حميد الله كان يقول نحن كان يقول إنه هذه الغزوة الآن، احنا قلنا الغزوة بدأت في شوال والحصار استمر أربعة وعشرين يوم، يعني دخلنا فين؟ في ذي القعدة. فيقول: مما لم نرى أن أحداً انتبه إليه من الباحثين قبلنا هو دخول ذي القعدة، وهو الشهر الحرام الذي لا تقاتل فيه العرب.

طيب، حتى لو كانت هتقتل ويخرج خرقوا، أحياناً العرب كانوا يخرقون هذا الأمر، كان عندهم حاجة اسمها النسيء، اللي هو احنا عايزين نقاتل الشهر ده، طيب خلاص ذو القعدة حلال المرة دي وهنديكم شهر صفر يبقى محرم، يعني كانو يعملوا هذا الكلام في الجاهلية، وذلك الذي نزل قول الله فيه: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ.

طيب فيقول، حتى فيقول يعني ذي القعدة دخل ذي القعدة وهي من الشهر الحرام، وقد اقترب موسم الحج، والحج هو الموسم المهم الذي لا يمكن لقريش أن تكون إيه خارج مكة فيه، لأنه الموسم الديني الكبير، الموسم السياسي الكبير، الموسم التجاري والاقتصادي الكبير، فلا يجوز لا يمكن لا يقبل أن تكون قريش خارج مكة في ذلك الموسم. فضغط الوقت مع ضغط الريح مع هذا الجمود الحربي أدى إلى أن يأخذ الكفار قرارهم بايه بالانسحاب من المدينة.

طيب كيف كان هذا؟ أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا حذيفة بن اليمان، يروي حذيفة رضي الله عنه قال، في واحد من التابعين قال لحذيفة: ما كنتم تفعلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: والله لقد كنا نجهد، احنا تعبنا والله مع رسول الله يعني كانت أيام تعب. فقال هذا التابعي: والله لو أدركنا رسول الله ما تركناه يمشي على الأرض ولاحملناه فوق إيه؟ فوق عواتقنا. دي عاملة زي مين يا جماعه الخير؟ كل واحد فينا هنا فاكر إنه لو بعث في زمن النبي كان هيبقى إيه؟ وهذه طبعاً من توهمات توهمات الناس يعني أن في حد يتخيل إنه كان هيعمل مع النبي أكثر مما فعله الصحابة، ده نوع من توهمات الناس.

فاكرين ذكرنا قبل ذلك كلمة عبادة بن الصامت رضي الله عنه لما واحد قال له: طوبى لهاتين العينين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب، فعجبنا، لم يغضب؟ ما قال إلا خيراً! فعبادة يقول: ما يحمل أحدكم على أن يتمنى أن يشهد مشهداً قد غيبه الله عنه؟ ده كان ابتلاء يا جماعة، لقد بعث رسول الله في قوم يرون أحسن الدين عبادة الأصنام، والواحد كان يفرق الإسلام بينه وبين أخيه وحبيبه، ويرى حبيبه وقد آثر الكفر وهيدخل النار. يعني فالمهم سيدنا حذيفة لما الراجل التابعي قال له الكلمتين دول، قال له: طب تعال أنا هحكي لك حكاية من يوم الخندق، فذكر لنا هذه الحكاية.

قال: لقد كنا في ليلة شديدة القر البرد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج إلى القوم يتسلل فياتيني بخبرهم؟ قال حذيفة: فوالله ما قام منا أحد. شوف مستوى الصحابة اللي احنا بنتكلم عليه ده كله، ده هذه لحظة من اللحظات الشديدة اللي هو مين يا جماعة يروح؟ ما حدش قام. فقال صلى الله عليه وسلم: من رجل يقوم فياتيني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة؟ فلم يقم أحد.

طبعا لازم تفهم أن الموقف ده يعني استغفر الله، أسأل الله أن يثبتنا وإياكم، بس أنا متخيل أن أي حد يظن أنه قد كان يمكن أن يفعل على شيئاً، ده يخاف على نفسه، يبق مع المنافقين اللي هم انسحبوا وقالوا بيوتنا عورة دول، وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا. أنت بتكلم عن الناس في الجوع والخوف والبرد وفي الخندق، فلم يرد عليه أحد ثلاث مرات، ما حدش رد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا حذيفة.

قال حذيفة: فما وجدت بداً بعد أن دعاني من أن أقوم، خلاص الأمر إيه، وهنا هذه عظمه فوق يعني عظمه فوق العظمه، واحد مش قادر يقوم ولم يستفزه هذا الإغراء من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الترغيب، لكن أول ما قال له أنت قوم قام، لم أجد بداً إلا أن أقوم. قام، ذهب، قال له: فاذهب فاتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي. لا تذعرهم علي يعني ما تعملش مشاكل، ما تعملش حركة، يعني هكذا قال حذيفة.

فماشيت إليهم فكأني مشيت في حمام، كأني أمشي في حمام، الدنيا بقت دافئة، هذه من كرامات الله. فكأني أمشي في حمام الدنيا مش حاسس بالبرد. قال: فدخلت إلى خيامهم فوجدت أبا سفيان قد كشف ظهره يصطلي بنار، أوقد ناراً وعرض ظهره لها، الدنيا برد، فرصة بقى أبو سفيان. وقال: فنزعت سهمي وكدت أن أضربه، ولو ضربته لأصبته، ولكني ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تذعرهم علي. فقعدت إلى جوارهم، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، ليسأل كل واحد منكم صاحبه من هو؟ علشان ما حدش، علشان يعني أبو سفيان خايف يبقى في اختراق، قيادات برده ناس بتفهم، خايف أن يكون في اختراق بينهم.

قال: فسارعت فسألت من بجواري: من أنت؟ قال: فلان فلان، ومن أنت؟ قال: فلان بن فلان. قال: فعرفت خبر القوم ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك. طبعا المشهد الذي رآه سيدنا حذيفة هو المشهد الذي وصفته الروايات أنه الريح شديدة، القوم تفعل فيهم جنود الله ما تفعل، تقذف الملائكة في قلوبهم الرعب، لا يستقر لهم قدر، لا، يعني تقوم لهم، لا يقوم لهم خباء.

فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر، ويقول سيدنا حذيفة: فلما جلست شعرت بالقر البرد، انتهت الإيه؟ انتهت الكرامة التي كانت وهو في حاج النبي صلى الله عليه وسلم. فألقى إلي النبي بكسااء كان يصلي فيه فنام، ولم يوقظه النبي صلى الله عليه وسلم إلا حين جاءت صلاة الصبح، قال له: قم يا نومان، نمت كتير. رضي الله عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم.

عند هذه اللحظة قال أبو سفيان: يا معشر قريش، لستم قد هلك الخف والحافر، هلك الخف والكراع الخيل، ولستم بدار مقام، ألا ترون أننا لا لا يبقى لنا لا يستقر لنا قدر، لا تبقى لنا خيمة، إني مرتحل فارتحلوا. فكانت هذه هي نهاية غزوة الأحزاب. إن شاء الله في المجلس القادم لنا وقفة مع كثير من الدروس المستفادة التي مرت بنا في هذه الحكايات، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.