السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الأحباب، طابت مطام ممشاكم وتبوَّأتم من الجنة منزلاً. ونسأل الله تتبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا المجلس السابع من مجالس سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم.
كنا توقفنا في المجلس الماضي عند بدء هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ومما يعني يجب أن نذكر به الآن، أو نحن ذكرناه أكثر من مرة ويجب أن نذكر به، أن هذه الهجرة إلى المدينة إنما كانت هجرة إقامة الدولة، ولم تكن هجرة فرار بالدين تماماً، بخلاف هجرة الحبشه تماماً. ولذلك هاجر إلى المدينة المعذبون وغير المعذبين، يعني كل من أسلم كان مفروضاً عليه أن يهاجر، سواء كان يجد في مكة عنتاً وأذى ومشقة أو كان لا يجد جميل.
وذلك نقرأه في قول الله تعالى فيما بعد لما غزا المسلمون بني النضير وأفاء الله على المسلمين غنائم هذه الغزوة، يعني أفاء عليها بمعنى أن القوم استسلموا وتنازلوا، فصارت الغنائم غنائم فيء، يعني لم تؤخذ بقتال، أخذت باستسلام. فالله تبارك وتعالى جعل تقسيم الفيء بخلاف تقسيم الغنائم، فذكر الله تبارك وتعالى أن هذا الفيء ينفق في فقراء المهاجرين. لكن انظر إلى قول الله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ما قالش فراراً من الأذى، ما قالش فراراً بدينهم، إنما قال إيه؟ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فهذا هو معنى الهجرة إلى المدينة؛ لم تكن هجرة فرار من الأذى أو فرار بالدين، وإنما كانت هجرة نصرة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم جميل.
وكذلك نرى في هذه الآية أن المهاجرين انخلعوا من ديار وأموال، للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يعني لم تكن الأزمة أزمة إيه؟ أزمة اقتصادية أو أزمة ضيق معيشة. حقيقة، أحد الأشياء التي تصعب وتعصر علينا الآن أن نشرحها للناس هي مسألة الهجرة؛ لأنه غالب بلادنا العربية في هذه اللحظة الناس يهاجرون منها، إما يهاجرون منها فراراً من الظلم والقتل، أو يهاجرون منها طلباً للغنى والمال لأنهم هم في بلادهم في فقر، فلذلك كلمة الهجرة في أذهان المعاصرين لا يعني كلمة حسنة المعنى، ليست كلمة سيئة المعنى أو على الأقل كلمة مقبولة في بعض البيئات الهجرة أمنية وحلم، فيصعب وصف الهجرة معنى الهجرة للمعاصرين لأنها انخلاع، وانخلاع يشعرون بالغربة، يشعرون بالعنة، يشعرون بالمشقة، كل هذا صحيح. لكن حين يقارنون بما كانوا فيه، يعني إذا قيل لأغلب الناس اللي في تركيا الآن ترجع إلى بلدك، هيقول إيه؟ لا، لا أرجع، أغلب الناس هكذا.
فهنا ترى أن المهاجرين انخلعوا من ديارهم وأموالهم، يعني كانوا في بلادهم أصحاب دور وأصحاب مال جميل. طيب، هم انخلعوا من ديارهم وأموالهم، شوف حتى هذه الآية، يعني أنا كنت قد أشرت في المجالس الماضية يا جماعة الخير الفتره بين بيعة العقبة الثانية وبين هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كم كم شهر؟ شهرين فقط. لأن بيعة العقبة الثانية تمت في موسم الحج سنة ١٣ للبعثة، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان آخر من هجر من المسلمين هاجر في شهر ربيع الأول. يعني هذا الانخلاع من الديار والاموال الذي نفذه المهاجرون كان في مرحلة المحرم وصفر فقط، يعني كل من هاجر من أهل مكة في هذين الشهرين، طبعا هذا يدلك على سرعة استجابه الناس لنداء الهجرة وعلى سرعة خلاهم من ديارهم وأموالهم. أنت الآن كثيراً ما يمكن أن تأتي الفرصة أو ياتي الواجب ويكون الانسان غير مستعد ويؤثر أن يبقى وأن يصبر.
تعرفون هناك دائماً مرض يسمى مرض الوقت المناسب، دائماً إيه؟ لم ياتي الوقت المناسب، لم يحل الوقت المناسب تمام. وحتى سبحان الله ذكر الله تبارك وتعالى مرض الوقت المناسب ده حتى في الأمر الذي أنزله هو وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ. يعني من الناس من حتى إذا جاءه الأمر من الله الحكيم الخبير العليم يتمنى أن لو إيه؟ أن لو تأخر قليلاً. لكن هنا أنت ترى سرعة وشدة خلاع المهاجرين من ديارهم وأموالهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ذكرنا إزاي سيدنا أبو سلمة انخلع من زوجة وانخلع من ولده، سيدنا صهيب الرومي انخلع من ماله كله، وهكذا حال المهاجرين. فهذا مما يجب أن نتذكره دائماً في مسألة الهجرة إلى المدينة.
طيب، لكي نستشعر -يعني أنا الآن ساحاول تقريب الصورة- مسألة صورة الهجرة والهجرة إلى المدينة يا جماعة الخير تشبه الان بالواقع المعاصر لو اردت أن أقربها تشبه أن الإنسان يمزق أوراقه الرسمية، يقطع البطاقة والباسبور وشهادة الميلاد وهكذا يصير إنساناً. حقيقة دلوقتي لو الإنسان يمشي بدون أي أوراق، ما مدى الخطر الذي هو فيه؟ هذا هو هذا هو الإنسان في عالمنا المعاصر بدون أوراق إنسان مستباح، يعني لو قتل لا يحاسب أحد، ما هو مش موجود طالما أنت مش موجود أنا لا أععرف من أنت، هذا مستباح. أنت لا يمكن تدخل إلى مستشفى وتعالج بدون أوراق، لا يمكن حتى أن تدفن بدون تصريح دفن، لا يمكن أن تتعلم بدون، لا يمكن أن تسافر بدون أوراق.
العربي في بيئته، وجوده في قبيلته، وجوده في عشيرته، وجوده في عائلته هي هويته، هو الشيء الذي يجعله معصوم الدم يجعله غير مستباح. الإنسان الذي تنبذه قبيلته، ما معنى تنبذه قبيلته؟ يعني تتركه مستباحاً لا تدفع عنه، يشبه مثلاً في واقعنا الآن الدولة إذا أسقطت الجنسية عن مواطنها يصير إيه؟ فلذلك حقيقة الهجرة كانت فتنة، وكانت اختباراً، وكانت أمراً قوياً. وبعض الناس كما ذكرنا فتنوا، ذكرنا ذلك في المجلس الماضي بعد بعض الناس فتنوا لم يقووا على الهجرة وكان سيدنا عمر وكانوا هم يقولون في أنفسهم إن الله ليقبل منهم صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم عرفوا الله ورسوله ثم عادوا إلى الكفار.
فالمسألة ليست سهلة، الإنسان الذي يسلم لا يدري ماذا سيكون الحال، يقبل على مغامرة، فلذلك يعني يجب أن نستشعر ونستوعب هذه الأمور لكي ندرك التضحية التي ضحاها المهاجرون في سبيل الله، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، صدقوا في إيمانهم تمام.
طيب، المهم ذكرنا أنه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه كانوا آخر من هاجر وذكرنا أنه رواية الهجرة رواها لنا أربعة. من يتذكر منكم في المجلس الماضي أشهر أربعة رووا لنا حديث الهجرة؟ منهم سراقة، تمام. السيدة عائشة رضي الله عنها جميل. وأبو بكر ولكن لا أسماء لم تروَ (يعني لم ترد عنها الرواية)، أبو بكر تمام. لا قلنا وأنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم وهو روى ذلك من جهة المدينة وكان خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم وذكرنا أن رواية أبي بكر نقلت لنا عن سيدنا البراء بن عازب كان فتى. الآن سنقرا معاً إن شاء الله.
طيب، الآن لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم آخر من هاجر من مكة إلى المدينة؟ حقيقة يا جماعة الخير هنا يعني يجب أن نعرف أن لم يعد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أحد في مكة لم يهاجر إلا من حبس أو فتل، خلاص إلا أبَا بكر وعلي رضي الله عنهما. طيب، سيدنا يعني من من الامور التي استفدتها من سيدنا الشيخ حازم أبو إسماعيل فك الله أسره، الشيخ حازم رجل له تدبرات عجيبة ويعني أسال الله أن يفرج عنه وأن يمتعنا ببقائه.
طيب، لماذا؟ طبعا احنا قلنا السيدة عائشة قالت إن أبا بكر رضي الله عنه كان سيهاجر لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: على رسلك، فلعل الله أن يجعل لك صاحبا. فبقي أبو بكر. الشيخ حازم بيقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أخر أبا بكر لأن أبا بكر هو ألزق الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، صاحبه الأثير، صاحبه الأول. فهجرة أبي بكر تؤذن المشركين بقرب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك أمسكه. تمام.
طيب، سيدنا علي لماذا أخره النبي صلى الله عليه وسلم؟ مشهورة هذه: ليؤدي الأمانات. جميل. طيب، لماذا لم يؤدها النبي بنفسه؟ هذا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أنه أدى الأمانات كان هذا يشير إلى قرب هجرته. لكن بقاءه النبي سراً كان يستدعي معها أن يبقى علي ليؤدي الأمانات بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يبقى أبو بكر ليصحب النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته؛ لأن هجرة أبي بكر تؤشر لقرب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، تعالوا الآن نقرأ الأحاديث الصحيحة التي وردت في شأن الهجرة ونبدأ بحديث عائشة رضي الله عنها. حديث عائشة رواه البخاري، حديث طويل نختصر منه على ما يخص هذه الهجرة الثانية، لأنها هي بدأت حتى منذ إيه هجرة الحبشة. قالت عائشة: لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان الدين. يدينان الدين يعني مسلمان، ولم يمر علينا يوم إلا ياتينا فيه رسول الله طرفي النهار، بكرة وعشية.
يبقى السيدة عائشة منذ أن نشأت كانت ترى النبي صلى الله عليه وسلم مرتين إيه؟ مرتين في اليوم، بكرة وعشياً. طبعا ظاهر الحديث هنا يشير إلى أن هذه كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن عقلت عائشة، وقد يقال يعني يحتمل أن عائشة كانت تتحدث عن الشهور قبل الهجرة. فكلا الأمرين يدلان على شدة الصحبة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، ولكن أيضا من استنبطه الشيخ حازم في هذا الموضع سمعتها منه فرج الله عنه، يقول إن هذا جزء من تدبير النبي صلى الله عليه وسلم للهجرة. الهجرة هذه عمل سري، أليس كذلك؟
طيب، لما النبي صلى الله عليه وسلم يصير برنامجه اليومي أن يذهب إلى بيت أبي بكر بكرة وعشية، بكرة يعني في الصباح، عشية يعني قبيل الغروب، نعم سنرى أنه سياتي في يوم الهجرة متى؟ في الظهيرة حين يعني انتصف النهار وخفت الرجل (لم يعد أحد يمشي في الطرقات)، طبعا أي أي واحد فيكم قرأ ولو مبادئ في الأمنيات فأول أول يعني خطوات المراقبه أن تراقب الهدف فتعرف برنامجه، فواحد دلوقتي عود الذين يراقبونه على برنامج يومي فيه زيارته لبيت أبي بكر صبحاً وعشياً، فكان هذا كان نوعاً من الاعداد لهذه اللحظة التي يتعمد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرصد.
طيب، ناتي إلى فذكرت السيدة عائشة هذا الكلام ثم قالت: وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك فاني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم صلى الله عليه وسلم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر. ورق السمر نبات نبات نبات ينبت نبات مشهور يعني ينبت في الجزيرة العربية له فوائد أنا كنت حتى يعني بحثت عنه فوجدت أن له فوائد وبروتينات ويعني تنتفع به الدواب وعلفها.
لكن حقيقة هذه الإشارة إلى ورق السمر تدل أيضاً (ذكر السيدة عائشة لهذا النوع من الأكل) كان هذا الطعام هو نوع إعداد نحتاج إلى من يفهم في أغذية الحيوان لكي يقول لنا ما الذي يفيده ورق السمر هذا للراحلتين. أنتم تعرفون يعني أهل يعني أهل تربية الماشية والحيوانات يعرفون أنه إذا أراد أن إذا أراد من الدابة أن تدر اللبن فهو يعني يطعمها شيئاً معيناً، طيب إذا أراد لها أن تكثر اللحم اه تسمن يعطيها شيئاً معيناً. طيب، هل ترى ورق السمر هذا يدل على شيء؟ حقيقة لا أعرف يعني فيما وقعت عليه من شروح الحديث لم لم يتبين هذا لي تمام، لكن ذكر السيدة عائشة له موح بأن فيه شيئاً مقصوداً، فهذا مما يعني نسال فيه أهل الذكر بهذا الشأن.
لكن هنا المعلومة المهمة هي قول عائشة رضي الله عنها: وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر. أربعة أشهر! احنا مش كنا بنقول إنه الفرق بين بيعة العقبة الثانية وبين هجرة النبي صلى الله عليه وسلم شهرين؟ شهرين وشوية، فما معنى أربعة أشهر هنا؟ أو فيه استعداد وشوف هذا هو الفارق بين الذين يعني ينجحون في الدنيا وينجحون في الآخرة طبعا إذا من أراد الآخرة وبين غيرهم، وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ. وخط النبي صلى الله عليه وسلم خطاً ثم خط خطاً يقطعه فقال: هذا الأجل وهذا الأمل. دائماً الإنسان أمله أكثر من أجله، لا يمكن نسال واحداً عند لحظة الموت: هل استوفيت غرضك؟ فيقول: استوفيت. يموت يموت يموت الإنسان وفي النفس حاجات غير مقضية.
فهنا أنت ترى إعداداً مبكراً من أبي بكر رضي الله عنه وكانه استشف بطبيعة
الحال أن زمن الهجرة قد قرب. طبعا من يقرأ القرآن الكريم يا جماعة يرى بعض إشارات بعيدة إلى مسألة الهجرة، يعني سورة العنكبوت من آخر السور التي نزلت بمكة، وفيها الإشارة إلى هذه الهجرة: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ، تمام.
والقرآن طبعا أنتم تعرفون سيدنا أبو بكر، هذا كان أفقه الناس في القرآن، هو الوحيد الذي لما سمع قول الله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، بكى. طيب والصورة صورة نصر وفتح، كان أفقه الناس، علم أنه قد نعيت إلى رسول الله نفسه، تمت الرسالة، جاء نصر الله والفتح.
فالآيات التي نزلت في أواخر المرحلة المكية من مثل ما كان في سورة النحل وفي سورة العنكبوت مشيرة إلى نوع من الهجرة، يعني سورة الكهف كذلك من أواخر ما نزل وفيها مسألة الهجرة التي يعني قام بها أهل الكهف، تمام.
وهكذا، المهم فهنا هذه العبارة أنه علف راحلته أربعة أشهر، تقول عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، نحر الظهيرة أشد اوقات الحر، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله متقنِعاً ملثماً في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك. وهؤلاء أهل أبي بكر الذين يأتيهم النبي في كل يوم صبحاً وعشياً، وهذا يدلك إلى أي حد كانت مسألة الهجرة تراعى فيها السرية، تمام.
طيب فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله، يعني المسألة آمنة. قال: فإني قد أُذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، يعني الصحبة أصحبك؟ قال رسول الله: نعم. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالثمن.
يعني كون أبي بكر جهز راحلتين وليس راحلة واحدة دليل على استشفاف، وكونه جهزه منذ شهور فهذا أيضاً دليل زائد. قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، يعني أسرع، أسرع بأسرع طريقة ممكنة، ووضعنا لهما سفرة في جراب، السفْرَة هي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام، تمام، هي بعدين تحرفت دلالتها وصارت معبرة عن السفْرَة التي يفرش أو يوضع عليها الطعام.
فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمن فيه ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما، ناتي لها إن شاء الله الآن.
يبقى الآن يا جماعة الخير، صلوا على النبي، فريق الهجرة عرف بموعد الهجرة قبل الهجرة بساعات؟ فريق الهجرة أبو بكر وأهل أبي بكر عرفوا بموعد الهجرة قبل الهجرة بساعات فقط، وهذا من دلائل التخطيط عند نبينا صلى الله عليه وسلم.
طيب، ما سياتي معنا فيما بعد دليل على إحكام هذا التخطيط والتدبير، وعلى أن فيه هذا النوع من الاستعداد الاستعداد لدى هذا الفريق. قالت عائشة: كمنا فيه ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثَقِفٌ لَقِنٌ، ثَقِفٌ يعني ذكي حاذق، تمام، ولعله يكون منها كلمة مثقف التي نستخدمها الآن، ولو أنه أغلب من يوصفون بالثقافة الآن ليسوا كذلك، يعني ده موضوع آخر، لَقِنٌ، لَقِنٌ يعني سريع الفهم، وهو غلام شاب ثقف لقن.
فيدلج من عندهما بسحر، هو يبيت عندهما لكنه يستيقظ في وقت السحر ويرجع إلى مكة، فيدلج يعني يمشي ليلاً، يدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائر، لا يكتشف الذي استيقظ في مكة أن هذا الرجل كان يبيت خارجها، فلا يسمع أمراً يكتاب به إلا وعاه حتى ياتيه ما بخبر ذلك حين يختلط الظلام.
يبقى صحيح في عملية سرية للهجرة، لكن كذلك حبل المعلومات أو خط المعلومات أو ما نسميه الآن منظومة الاتصالات ما تزال جارية، ويعرف النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خبر ما كان بعدهما في مكة جميل، ويرعى عليهما.
يبقى كده مهمة الأخبار، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر من منحة من غنم، يعني قطعة من الغنم، فيريحك خط الاتصالات والمعلومات الآن.
فاحنا في خط التموين والإسناد، اللوجستيات يعني، أيوه نعم، إيه هو الأكل بقى؟ ذكرت عائشة قالت: وهو لبن منحتها ورضِيفهما، الرضِيف يا جماعة الخير يعني زمان طبعا زمان ما كانش فيه ثلاجات، وما كانش فيه غلايات، وما كانش فيه طاقة، تمام، فزمان كانوا إذا أرادوا أن ينعقد اللبن يعني تذهب طراوته تذهب رخاوته، يحمون حجارة في الشمس يحمونها ثم يضعونها في اللبن، فالحجارة المحماة بالشمس إذا وضعت في اللبن انعقد اللبن، هذا هو الرضِيف، ده اللي هو التكنولوجيا السابقة، وعسى إذا انهارت طبعا هذه التكنولوجيا التي نحن فيها أن نرجع ونفهم هذا الكلام، كما يحصل الآن مع إخواننا في غزة، طبعا كما رايتم أنتم في الأيام الماضية من التفجيرات التي حصلت في لبنان، طبعا هذه التفجيرات ستوقظ العالم كله على خطورة هذه الأجهزة التي نحملها جميعاً، لا يدري أحدنا ماذا يحمل ولا متى تستخدم ضده، يعني.
المهم قال قالت: فيبيت يتغذى ليلاً في رسل، وهو لبن منحتها ورضِيفهما، حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، إلى أن يأتي بالليل عامر بن فهيرة وياخذ الغنم، يفعله ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، احنا كده خلصنا الاتصالات وخلصنا اللوجستيات، معانا مرحلة مهمة جداً من مراحل الهجرة وهي الخبير بالطريق، المهرب بمعنى في اصطلاح الآن، يعني الخبير بالطريق.
قالت عائشة: واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي، هادياً خريتاً، الخريت الماهر، يعني رجل خبير بالطريق، قد غمس حلفاً في العاص بن وائل السهمي، يعني كان رجلاً حليفاً للعاص بن وائل السهمي.
احنا ذكرنا الاسم هذا، من يتذكره؟ العاصي بن وائل. إيه تمام، والد سيدنا عمرو، ووالد هشام، أخوه هشام، ذكرنا أنه سبق سيدنا عمراً بالإيمان وبالشهادة.
طيب هذا الرجل رجل من حلفاء واحد من أعدى أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، العاصي بن وائل. العاصي بن وائل السهمي هذا، شوفوا يا جماعة الخير، صلوا على النبي، هذا هذا الموقف سيظل هو وغيره من المواقف المجهولة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
احنا الآن شايفين الثمرة النهائية، شايفين أن أبا بكر ونبينا صلى الله عليه وسلم استأجرا رجلاً خريتاً يهديهم الطريق. بالتاكيد حين أرادوا أراد أبو بكر أو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستأجر أحدا، بالتاكيد كان مجال البحث أَمَامَهُما واسع، وبالتاكيد وقع الاختيار على هذا الرجل ليس بين عشية وضحاها وليس صدفة، احنا رحنا ناحية المهربين وأول مهرب قابلناه فرحنا خدناه، لا، هذا رجل قد عرف بخبرته، ثم عرف بأمانته، هذا الرجل سيكون معروضا عليه مئتا ناقة بتعبنا المعاصر مئتا سيارة مقابل أن يدل على النبي وصاحبه، وهو رجل مشرك من حلفاء واحد من أهم أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يفعل.
الان أنت تتكلم عن رجل ذو كفاءة وذو أمانة وغير مسلم، فمن المؤكد من المؤكد أن العثور على مثل هذا الرجل لم يكن وليد الصدفة أو وليد التجربة والخطا، لكن كيف هذا الأمر المجهول؟ معرفة معرفة التفصيل هذا أمر مجهول، لأنه أجزاء من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي أجزاء سرية حقيقة يعني، عملية سرية، كما يقال الآن مثلاً.
الجماعة المؤرخين أصعب الأشياء بالنسبة لهم هو التاريخ للحركات السرية، ده شيء صعب، لأنه الحركات السرية لا توجد لها وثائق، لا توجد لها أرشيفات، وأغلب الناس أغلب الناس لا يكتبون تاريخهم، لأنه طبعا لو كتب تاريخه وتمسك هيبقى إيه؟ آخر يوم في حياته عادة يعني.
أتذكر حتى من يقرأ منكم مذكرات الإامم حسن البنا، له كتاب مذكرات الدعوة والداعية، في المقدمة قال: أنصح من يعمل في العمل الإسلامي ألا يكتب مذكراتي، عشان لما تمسكت هذه الأوراق عنده ظل ظل التحقيق فيها والضغط على الكلمات وأمر شديد جداً.
أحد الذين كان يعني يفكر في التاريخ في الإخوان المصريين قديماً يعني، أجهزة الأمن غير قادفة على الحصول على معلومات، أول ما مسكت أخونا ده لقت عنده إيه؟ لقت عنده تاريخ، ما شاء الله، بس فزعم هو أنه إنما كان يكتبها للتاريخ، فسمي الجبرتي، كان ينادى عليه في السجن جبرتي الحركة الإسلامية، طبعا داهم في داهية جميعاً لأن كل اللي جه اسمه في الموضوع ده إيه؟
على كل حال القصد القصد أنه أصعب شيء في عالم المؤرخين هو التاريخ للحركات السرية، ولذلك أن أنت ترى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم رغم أنها أدق سيرة نقلت لرجل عبر التاريخ قاطبةً، أنت ترى فيها بعض هذه المناطق التي لا تستطيع أن تدري كيف تمت، لكن المؤكد أنها لم تكن وليدة الصدفة أو وليدة التجربة والخطا.
جميل، وأيضاً تذكروا وهذا أمر ينبغي أن نشير إليه يا جماعة، احنا الآن نعيش في عصر يعني غلبت فيه الرأسمالية، غلبت فيه المادية كما يقولون، كل شيء دلوقت بالفلوس، كل شيء له ثمن.
ومما لا أنساه هنا، يمكن عبر 25 سنة فاتوا مثلاً، كان زمان عندنا في مصر برنامج يأتي يوم الأربعاء كنا نراه على القناة الثانية اسمه اخترنا لك، فاكره؟ هذا البرنامج كان يعني يأتي بثقافة أجنبية، أحد البرامج التغريبية، لكن أحد البرامج التي لا أنساها قط، برنامج اسمه كل شيء من أجل المال، هذا البرنامج قائم على أن يتحدى النفسية الإنسانية بالمال، إيه يعني؟ يطلب منها شيء لا يمكن أن تقبل به، وينظر بكم من المال سينهار.
فيما رايت لم ينجو أحد، يعني أحياناً مثلاً يمشي في الشارع مثلاً وهو إيه؟ لا يرتدي بنطالاً، أنا أقول لكم مثال، المثال اللي ينفع يتقال مع أنه مثال بايخ يعني، فيمسك في واحد ماشي في الشارع ويقول له: معلش أنا عندي اجتماع مهم والبنطال بتاعي اتقطع أو حصل له حاجة، لو سمحت سلفني بنطلونك مقابل 10 دولار.
اللي أسلفك البنطلون ده يقول له: لا طبعا مش ممكن. يقول له: 20 دولار، 30 دولار، ويفضل يلح عليه ويرفع في المبلغ إلى 1000 دولار، 2000 دولار، 3000، إلى أن تاتي لحظة ويرى أنه آه عادي، الفضيحة مش مشكلة، يعني إيه؟ مقابل أن يأخذ هذا المال يمشي من غير بنطلون في الشارع.
هذا الكلام يا جماعة ما كان يحصل في الأزمنة القديمة حين كانوا يقولون: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. في عالمنا المعاصر هذا لا، لا أبداً، في عالمنا المعاصر هذا كل شيء له ثمن.
وترى أنا يعني أقول لكم إيه، أنت ألا ترى الآن معي أنه بعض الأسر وبعض الأسر المحافظة التي ترى الأم فيها ترتدي الحجاب، بعض الأسر هذه ترسل ببنتها إلى برامج مسابقات الأغاني لكي تغني وتتعرى وتتمايل، ويكونون في غاية الشوق أنه لجنة التحكيم تقبلها وأن الجمهور يصوت لها؟ ألم يتسرب هذا إلى داخل الأسر المحافظة؟
ترى الآن أسر محافظة تتساهل جداً في أن البنت تسافر بلداً آخر وحدها لكي تدخل كلية وتتعلم، هذا الكلام كان قبل 50 سنة و60 سنة و70 سنة إيه؟ مستحيلاً، إيه يعني رايحة تدرس زراعة ولا رايحة تدرس هندسة ولا رايحة ولا رايحة تدرس أي حاجة وأن تبيت وبينها وبين أهلها آلاف الكيلومترات وهي وحدها؟ هذا كلام لم يكن الناس يقبلونه أصلا، الآن صار مقبولاً.
تساهل الناس في الخروج للعمل بغير داعٍ، ارتداء الثياب غير اللائقة، كل هذا مع ضغط المال ومع تضخم مسألة المال في عالمنا المادي المعاصر، صار كل شيء له ثمن.
حتى لما حد يشتم الثاني مثلاً يقول له: يا اخي مش مشكلة الشتيمة ما بتلزقش، هذه الشتيمة دي كانت تقيم حروباً قبل ذلك. فانا الآن أحكي لكم عن رجل عرض عليه أو كان بإمكانه أن يضحي برجلين مقابل 200 سيارة. طيب أنا أقول لك في واقعنا المعاصر هذا لو أن المئتي سيارة دول عرضوا على أغلب العاملين في طريق الدعوة -مش أغلب الناس، أغلب العاملين في طريق الدعوة- لكي يقدموا تنازلاً ولا يطلعوا معلومات ولا يعني، لبذلها كثير منهم، لبذلها كثير منهم.
أنا مش 200 سيارة أهو، عندك أهو إسماعيل مستني سيارة واحدة مش مستني.
صلوا على النبي، فيجب أن ننتبه إلى ما كان لدى العرب من الوفاء، ما كان لدى العرب من الوفاء. أنا ذكرت لكم قبل ذلك أنه ضربت ضربت العرب المثل بيهودي في الوفاء وهو السموأل، السموأل بن عادياء. هذا الرجل جاءه امرؤ القيس ترك عنده يعني بعض أمواله وديعة، لأنه امرؤ القيس مسافر، طبعا امرؤ القيس مات في أنقرة هنا.
فجاء عدو لامرئ القيس يطلب من السموأل أدرع امرؤ القيس. رفض السموأل، رفض، الموضوع مش محتاج كلام يعني، فإذا بابن السموأل قد جاء خارجا، قد جاء من خارج الحصن فوقع في يد هذا العدو.
فصاه على أمانة امرئ القيس أو على أن يقتل ولده، فقال: افعل ما بدا لك فإني لست بخائن أمانتي، فذبحه أمامه، فضربت العرب المثل به في الوفاء. طبعا هو صاحب القصيدة المعروفة التي يعني يحفظها كثير من الناس، والتي يقول فيها: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه، فكل رداء يرتديه جميل. تماما، وفيها: وتعيرنا أنا قليل عديدنا، فقلت لها إن الكرام قليل. وما قل من كانت بقاياه مثلنا، شباب تسامى للعلى وكهول. وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز، وجار الأكثرين ذليل. يقرب حب الموت آجالنا لنا، وتكرهه آجالهم فتطول. إذا مات منا سيد قام سيد، قؤول لما قال الكرام فعول. وما مات منا سيد حتف أنفه، ولا طل منا حيث كان قتيل.
فيعني أنا أحكي لكم أنه حقيقة من الفساد الذي عم العالم الآن هو تضخم شأن المال وأمر المال في النفوس حتى كثير من الناس لا يملك مقاومته. ونبينا صلى الله عليه وسلم يحذرنا من فتنة المال وقال: تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة. تمام، لا أطيل بكم الخلاصة، فأنت ترى هنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه كانت لهما خبرة بالرجال، وكان لهما إعداد سابق حتى أنهما استطاعا أن يقتنصا من بين معسكر المشركين رجلا حليفا لأحد أهم أعدائهم، وكان هذا الرجل خريتا وامينا، وقد هداما الطريق، درس للمسلمين في كل عصر في مسألة أن يعرفوا خريطة أهل الباطل وخريطة رجاله.
جميل، طيب تقول عائشة: فأمنا، فدفع إليه راحلتهما، راحلتين، دفعوها لهذا الرجل، ووعدا غار ثور بعد ثلاث ليال تمام، يقابلهم عند غار ثور بعد ثلاث ليال. طبعا غار ثور هنا أيضا من أدلة تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم، الناظر في الخريطة يرى أن مكة في الجنوب والمدينة في الشمال، الخارج من مكة إلى المدينة سيخرج من الجنوب إلى الشمال، غار ثور جنوب جنوب مكة، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم سار في عكس الطريق الذي يتوقع أن يسير فيه تماما.
بعد ثلاث ليال فأتياه براحلتيهما صبحة ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل. يبقى بعد ثلاث ليالي اللي هي يعني بعدما يعني خف الطلب، كمن الطلب، بعدما تم بالمصطلح المعاصر تمشيط المنطقة بين مكة وشمالها، بعدما انتهى انتهت هذه المهمة خرج النبي صلى الله عليه وسلم.
طبعا في رواية أخرى أيضا عند البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت عامر بن فهيرة فقالت: فلما خرج خرج معهما يعقبان حتى قدم المدينة، فذكرت أنه قتل يوم بئر معونة، هذا يوم مؤلم في تاريخ الإسلام والمسلمين، إن قدر الله لنا البقاء واللقاء نتكلم عنه إن شاء الله. طيب، إذا هذا هو المشهد من جهة عائشة رضي الله عنها، جميل.
نروح للمشهد من جهة أبي بكر رضي الله عنه، روى انس عن أبي بكر رضي الله عنه المشهد الذي نعرفه جميعا. شوف، مع هذا التخطيط الذي ذكرناه، إلا أن قريشا حين جُنت وبحثت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم تلقه، وصل بعض رجالهم إلى غار ثور، وهنا هذه يا جماعة الخير يعني حادثة ومشهد متكرر: العامل للإسلام يعمل ما وسعه الجهد، ثم يفتح الله عليه من طريق لم يكن يتوقعه ولا يخطر له على بال.
نادر، نادر، أنا عن نفسي لا أقول نادر، أنا أقول لا أعلا أعرف عملا جرى التخطيط له إلا وراى العاملون يد الله تبارك وتعالى قد عملت فيه على غير ما خططوا. آخرها طبعا ما حصل في 7 أكتوبر، الذين دخلوا يعني يجزمون بأن هذا الذي حصل كانوا هم يتوقعون له 12 ساعة، وجدوا أن مهمتهم حصلت في 4 ساعات فبقوا في 8 ساعات، يعني المهمة انتهت. لذلك الله تبارك كان الله تبارك وتعالى يشهد خلقه على أن الأمر كله له في النهاية، وانه يعني كما يقولون في المثل العبد في العبد في والله في إيه اه العبد في التفكير والرب في التدبير، نعم هذه كلمة حق.
طيب، وصلوا إلى غار ثور، يقول أبو بكر: فقلت يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدمه لرانا. طبعا هذا دليل على أنه يعني فتحة الغار أو يعني أن الغار كان نازلا لم يكن أفقيا إنما كان نازلا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسكت يا أبا بكر، ما بالك باثنين الله ثالثهما؟ ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى لنا نحن، لنا نحن المسلمين، قال إيه؟ قال: إِلَّا تَنصُروهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ.
حد كان مع يا جماعة في الغار في ذلك اليوم؟ الغار الذي يحوي الدين الآن، يحوي نبي الله وصاحبه ووزيره الأول. فالله تبارك وتعالى كان يخاطب معاتبا ولائنا المسلمين الذين يتكاسلون عن الجهاد، يتكاسلون عن واجبات نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، قال: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.
فحقيقة يا جماعة الخير نحن في زماننا هذا حين ننصر النبي صلى الله عليه وسلم وننصر دينه، احنا ننصر من؟ حقيقة ننصر أنفسنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير محتاج لنصرة، ولأن ربنا تبارك وتعالى غير محتاج لنصرة، وإنما الإنسان موجود في هذه الحياة في موقع اختبار: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ اللَّهُ، فأنزل سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها.
والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. وقال ربنا تبارك وتعالى محذرا لنا ومنبها: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ. يعني أبسط أبسط التدخل الإلهي والعناية الإلهية أن يصرف الله قلبك عن شيء، أو أن يعلقك قلبك بشيء. فهذا مما ينصر الله تبارك وتعالى به رسوله ونبيه وعباده الصالحين، ومما أيضا يخذل الله به من أراد أن يخذله.
الآن يا جماعة الخير، بعض العلماء هنا لهم وقفة لطيفة في يعني في المقارنة أو في الموازنة بين سيدنا موسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. هنا قال: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، يقولون فقدم الله على المعية. بينما قال موسى قال أصحاب موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. لطيفة من اللطائف أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم ذكر الله تبارك وتعالى على المعية تمام، جميل.
طيب، ثم مضى القوم وأنجى الله نبيه. الآن آتي إلى أبي بكر، ذكرنا أن أبا بكر روى الحادثة عنه البراء بن عازب عن عازب أباه، طبعا وهذا في الصحيحين. قال البراء بن عازب: جاء أبو بكر إلى أبي في منزله فاشترى منه رحلا، الرحل يوضع على ظهر الناقة. فقال لعازب: ابعث ابنك يحمله معي، قال فحملته معه، وخرج أبي ينتقد ثمنه يعني يأخذ ثمنه نقدا، فقال له أبي: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيره وخلى الطريق لا يمر فيه أحد.
فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس، فنزلنا عنده. يبقى أنتبهوا يا جماعة إلى أن مسير النبي أو إلى أن راحة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه كانت متى؟ في الظهيرة حيث ينقطع وجود البشر في الصحراء، لأنه مطلوب مطارد، فاللحظة التي يمكن أن يرتاح فيها هي اللحظة التي يعني يبعد تماما أن يوجد فيها من يمشي في الصحراء في ذلك الوقت.
قال أبو بكر: فنزلنا عنده، يعني عند هذا الظل، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانا بيدي ينام عليه، وبسطت فيه فروة، وقلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك. أنفض لك ما حولك، بعض الذين شرحوا الحديث ذكروا النفض، نفض يعني النفض يمكن أن يكون للتراب، تعرفون أنتم في يعني في القرى حيث لا تكون الأرض مسفلتة، في القرى يعني أن تنفض ما حول المكان هذا مما يعيق يعني تحرك الغبار إليها. وكذلك فسرها بعض العلماء: وأنا أنفض لك ما حولك، أي استطلع لك ما حولك، يعني هو نوع من الحراسة، كلاهما تستخدم العرب فيه كلمة ينفض ما حول المكان.
قال: فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فاذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخر يريد منها مثل الذي أردنا. فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من أهل المدينة أو مكة. قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحل لي؟ قال: نعم. فأخذ شاتا، يعني أبو بكر حلب منها في قعب كسبه من لبن، في حلب منها في قعب كسبه من لبن. قال: ومعي أداوت حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها، يبقى القعب هذا فيه اللبن والأداة فيها الماء. ومعي أداوت حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضأ.
فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصبت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، مفهوم تمام. فقلت: اشرب يا رسول الله، قال أبو بكر: فشرب حتى رضيت، رضي الله عن أبي بكر. فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إيه رضيته، تعرفون قول الشاعر: أمرض الحبيب فزرته، فمرضت من خوفي عليه. وأتي الحبيب يزورني، فشفيت من نظري إليه.
فهذه العبارة حقيقة يتكثف فيها معنى الحب، أن يشعر أن يشعر أبو بكر رضي الله عنه بشعور الرضا والري لأن النبي صلى الله عليه وسلم ارتوى حقيقة الحب. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم يأن لي الرحيل؟ قلت: بلى. قال: فارتحل بعدما مالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك. فقلت أبو بكر فقلت: أتينا يا رسول الله؟ فقال: لا تحزن ان الله معنا. فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها في جلد الأرض، تمام.
في رواية أخرى سناتي لها بعد قليل، يعني ساخت قوائم الفرس في في الأرض. فقال سراقة: إني أراكما قد دعوتم علي فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فنجا، فجعل سراقة لا يلقى أحدا إلا قال: كفيت ما هنا، فلا يلقى أحدا إلا رده.
دي رواية مين؟ أبو بكر، تعالوا نسمع رواية سراقة، سراقة له رواية لهذا المشهد لطيفة جدا من زاوية أخرى، وأيضا هي عند البخاري. يقول سراقة: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، يعني 200 ناقة لمن قتله أو أسره، يعني مطلوب حيا أو ميتا تمام.
جاء رسل كفار قريش، أنا هنا أجمع أن أوقفكم عند هذا المعنى، صلوا على النبي: الأمر الذي تريد أن يسعى فيه الناس اجعل فيه منافسة، واجعل فيه جائزة. كنا نتكلم قبل قليل عن مسألة البرامج التي فيها مسابقات الغناء والتمثيل وهكذا، شوف مهما أقاموا من مؤسسات للبحث عن المواهب، ما كان يمكن أن يحصلوا على نتيجة تقارب ولا تداني النتيجة التي حصلوا عليها لما أقاموا إيه مسابقة ومنافسة، لأن هذا يهرع إليه الناس.
يعني الآن كفار قريش مهما كانت إمكانياتهم في التتبع والتعقب والمطاردة، هل تساوي إمكانية أن يعلنوا عن 200 ناقة جائزة لكل القبائل التي على الطريق؟ هنا قريش استفادت من إيه؟ من كل الطاقة الموجودة في تلك الناحية، وهذا يكون في الحق ويكون في الباطل.
مما يروى في ذلك قديما يعني أظن في القرن الرابع الهجري جاء رجل إلى مكة فنظر فلم يرى فيها من قريش من يحفظ القرآن، ماذا فعل؟ أقام مسابقة أن كل هذه يعني كل هذه البضاعة، هو رجل من الخرسان، كل هذه البضاعة كل هذه السلع جعلتها لمن يحفظ من قريش القرآن الكريم، فجاء العامل قابل فوجد عددا غفيرا قد حفظ القرآن الكريم.
يعني أن تقيم مسابقة أو أن تقيم جائزة كبرى لحفظ القرآن الكريم يعني لو أنت معك مبلغ من المال أن تقيم مسابقة أفضل من أن تقيم كتابا، لأنه إقامة إقامة المسابقة ستفعل الطاقة الذاتية الموجودة عند الناس، لكن أن تقيم أنت كتابا هذا غاية ما ستحصل عليه الجماعة اللي هيقدروا يجوا إيه الكتاب عندك، تمام.
فمسألة أن تحول الأمر إلى مسابقه إلى منافسة أجدى وأنفع من أن تنفق أنت في. طبعا أذكر لكم مثلا في نتنياهو في مذكراته الأخيرة هذه فيما يخص موضوعنا الذي نتكلم فيه، نتنياهو جاءه أحد مساعديه وقال له اقرا الرواية دي، قال له أنا مش بتاعة روايات أنا. طيب مع الأسف نستكمل إن شاء الله في المجلس القادم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي