تسجيل الدخول

السيرة النبوية | 57. أيهما كان خيرا: الانتصار على الجيش أم الظفر بالعير؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، واجعل عملنا كله خالصا لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئا يا رب العالمين.

مرحبا بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا. ونسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته.

وهذا هو المجلس السابع من مجالس سيرة النبي عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. وأبدأ بتذكير نفسي وتذكيركم بمصاب إخواننا في غزة، وأن لا نفتر عن الدعاء لهم، وعن العمل لهم، وعن التذكير بهم. وهذا أمر قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم للمسلم كالجسد الواحد، مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

وكنا وصلنا في المجالس الماضية عند غزوة بدر، وذكرنا أنه انتهت هذه الغزوة وقد قتل من المشركين سبعون، منهم من قياداتهم عدد من صناديدهم الكبار، على رأسهم أبو جهل، وأبو جهل اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي. ومنهم أمية بن خلف، ومنهم عتبه بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وابن الحجاج نبيه ومنبه وكان من رؤوس الكفر، وأبو البختري بن هشام. وأسر منهم أيضا سبعون، كان في طليعتهم العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم. وذكرنا العباس وذكرنا يزيد وذكرنا سهيل بن عمرو.

ونواصل الآن في الحديث عن الأسرى، ثم نتكلم عن بعض مشاهد المعركة إن شاء الله. طيب، فذكرنا أنه من أهم من أسر أيضا الوليد بن الوليد بن المغيرة، الوليد بن الوليد بن المغيرة، وهذا هو أخو خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكان خالد في ذلك الزمن مشركا، وأبوهما الوليد بن المغيرة هو سيد بني مخزوم، وهو الرجل الذي كان أغنى أهل قريش مالا، وكانت العرب، كانت قريش تجدد الكعبة أو تجدد كسوة الكعبة سنة وينفرد هو بتجديدها السنة التالية، فكان أعظم قريش مالا.

والوليد بن الوليد بن المغيرة أسر، فافتداه أبواه خالد بن الوليد وهشام بن الوليد. وطلب النبي صلى الله عليه وسلم فيه فدية كبيرة، وهي فدية نحن سناتي إن شاء الله في مسألة الأسرى وكيف كان الفداء. ولكن الملفت للنظر في قصة الوليد بن الوليد بن المغيرة أنه بعد أن فدي وخرج من أسر المسلمين أعلن اسلامه، فكان بهذا يعني سلبة في قومه وعيبا في قومه، لأنهم بذلوا فيه مالا، وبذلوا فيه أيضا، كما في بعض الروايات، تركة أبيه المغيرة، يعني نستطيع أن نقول بالمصطلح المعاصر تحفة من التحف الأثرية، أو يعني شيء تميز به آل الوليد بن المغيرة.

فكان يقول: لا والله، حتى لا تقول قريش إنني أسلمت خوفا من الأسر أو جزعا من الأسر. فأراد أن يثبت أنه إنما أسلم إيمانا بهذا الإسلام، حتى وإن كان قد خسر، خسرت عائلته هذا المال أو هذه المآثرة. ولذلك حبس الوليد بن الوليد بن المغيرة، حبس مع الرجلين الذين حبسهما قبل ذلك أبو جهل وذكرناهما في أيام الهجرة، وهما سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، وكلاهما من بني مخزوم، تمام؟

وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت لأجلهم، فلما حبس معه الوليد كان أيضا يضمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء، وكان يدعو: اللهم أنج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد بن المغيرة.

وممن أسر أيضا عقيل بن أبي طالب. وعقيل بن أبي طالب هو أخو من؟ أخو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وممن أسر أيضا نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهذا كان أسن بني هاشم، يعني كان أكبر رجل عمرا في بني هاشم، يعني كان أكبر من عمه حتى العباس بن عبد المطلب، فأيضا هو ممن أسر.

وممن أسر أيضا عمرو بن سفيان بن حرب، عمرو بن أبي سفيان بن حرب، قتل في بدر أيضا لابن لأبي سفيان ولد آخر وهو حنظله، قتل أيضا في بدر. فطبعا أبو سفيان، حتى مما يروى عنه هنا أنه كانوا يقولون له: افد أسيرك. فقال: أصاب بولدي وبمالي، فليبق عندهم، فليمسكوه ما أمسكوه، يعني لم يرد أن يخسر الأموال بعد أن خسر. ثم تحين أن يأسر من المسلمين أحدا، فيذكر رواة السير والمغازي أن أحد الشيوخ الكبار وكان قد أسلم اسمه سعد بن النعمان ذهب إلى مكة معتمرا. وحقيقة لست أدري ما السياق الذي يعني دفع واحدا من المسلمين أن يذهب إلى مكة معتمرا في هذا الوقت وهو وقت حرب، فلست أدري ما الذي يعني دفعه لهذا وهل كان في المدينة أم في غيرها، هذا أمر يعني أحتاج أن أبحث فيه أو أن اتحقق منه.

الخلاصه أنه حينما ذهب إلى مكة معتمرا قبض عليه أبو سفيان، وأعلن أنه يبادله بولده. فلما ذهب قوم سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أطلق له ولده، تمام.

فاذا ممن أسر هنا عمرو بن أبي سفيان بن حرب، وممن أسر أيضا وهب بن عمير بن وهب الجمحي، وهذا اسم ذكرناه حين كنا نتكلم في مطلع غزوة بدر، وذكرنا أن الرجل المسمى عمير بن وهب هذا كان يلقب بشيطان قريش، وانه كان في مهمة استطلاعيه لكي يحرز عدد المسلمين، يعرف عدد المسلمين. وبالفعل استطاع أن يعرف عددهم ورجع إلى قومه بهذه النصيحة، اللي هو: القوم 300 يزيدون أو ينقصون، تمام؟ لكن يا معشر قريش، رايت المنايا تحمل البلايا، نواضح يثرب تحمل الموتى الناقع، قوم لا ملجأ لهم ولا منعة إلا سيوفهم، والله ما يموت الرجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فما طيب الحياة بعدهم؟

فانبعث له من مين؟ مين فاكر؟ آه، أبو جهل، تمام؟ وقال: تخوف الناس. المهم يعني، فلم يستمع للنصيحة، فممن أسر ولده وهب، وهب بن عمير بن وهب الجمحي، وهذا لما أسر كانت له قصة طريفة يحسن أن نوردها هنا باختصار.

عمير بن وهب لما هزم المشركون في بدر، جعل نفسه في القتلى فلم ينتبه له، حتى إذا فرغت المعركة عاد إلى مكة ماشيا وبه جراح، وهذا أيضا يدلك على شخصيته وكيف أنه لقب شيطان قريش، هذا لم يكن من فراغ يعني، تمام؟ فلما عاد، الآن هو عاد بجراح وولده أسير، ففكر في عملية انتحارية، فكر في أن يذهب لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، هو جمحي من بني جمح، ونحن ذكرنا أن سادة جمح هو من أمية بن خلف، وأمية بن خلف ولده صفوان بن أميه كان صاحبا مقربا من عمير بن وهب. طبعا صفوان بن أميه هذا فيما بعد سيسلم ويحسن إسلامه، لكن في هذه اللحظة صفوان بن أميه، ما مشاعره في بعد بدر؟ قتل له في بدر من؟ أبوه، أبوه أمية بن خلف، وأخوه علي بن أميه، تمام؟

فبينما هما يتحادثان في حجر الكعبة، إذ قال عمير بن وهب: والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه، ولولا عيال بعدي أخشى عليهم الضيعة لحملت سيفي فجئت إلى محمد فقتلته. فصفوان بن أميه، وكان ذا مال -فصفوان بن أميه ده من كبار رجال أعمال قريش وسيظل غنيا حتى ستكون له حوادث أيام الفتح، أيام فتح مكه يعني النبي سيأخذ منه دروعا، يعني ستكون له حوادث أخرى- فصفوان قال له: أما دينك فعلي قضاؤه، أنت يعني موضوع الفلوس ده أنا، مما أتذكره قول أحد أساتذتنا بيقول لك: الفلوس دي يا شباب أسهل مشكلة وأعظم مشكلة في الوقت نفسه. الإنسان لما يبقى خالي من المال فعلا حياته كلها تشل، يفكر حتى في المواصلة، يفكر حتى في الأكلة، في الكشف الطبي، في الدواء. لكن هي في النهاية، أو هي بالمجمل، هي المشكلة البسيطة، أنه أي حد يستطيع أن يستطيع بدفع المال أن ينهي مشكلة الفقير، يعني.

فالمهم صفوان بن أميه رجل صاحب مال، يعني ما أيسر أن تجد -بين قوسين بقى- انتحاريا أو استشهاديا لكي ينتهي هذا الأمر، فقال: أما الدين فعلي قضاؤه، وأما عيالك فمع عيالي، أواسيهم لا ينقص عليهم شيء، تمام؟

وهذا يذكرنا هنا حقيقة سامحوني في هذا الاستطراد، ولكنه استطراد مهم. قبل حوالي ثلاثة أُسابيع، كان وزير الحرب الإسرائيلي نشر وثيقة يقول إنه وجدها في أحد الأنفاق التابعة لحماس، من منكم راى هذا الخبر؟ المهم الوثيقة تقول بأنه قيادة حماس طلبت من إيران 500 مليون دولار لكي يعني تعد إعدادا لمعركه التحرير. وعلى حد علمي حتى هذه اللحظة لم يصدر نفي لا من إيران ولا من حماس، فإذا تقدير الحركة لو كانت الوثيقة صحيحة أنه معركة التحرير تستلزم كام؟ 500 مليون دولار، أو لو ما كانتش الوثيقة صحيحة فالإسرائيليين لما حاولوا يزوروا الوثيقة يعني ربما مثلا محاولة لتوريط إيران أو ما شابه، فتقمصوا عقل الحركة فطلعوا برضه بكام؟ 500 مليون دولار.

أنا أريد أن أقف عند الـ 500 مليون دولار دي، الـ 500 مليون دولار دي التي يعني وجد لديك، يعني أنت لو أن لو أنك سياسي في العالم العربي وجد لديك حركة مليئة بالاستشهاديين ومليئة بمن يريدون أن يضحوا بأنفسهم، إنما يعوزهم مبلغ 500 مليون دولار، أنا أتذكر أنه صفقة انتقال نيمار إلى النادي الأخير كانت 100 مليون دولار، صح؟ يعني خمس لاعبين مثل نيمار يحرروا فلسطين كده ولا لا؟ زاد الموضوع، زاد المبلغ 200 مليون، لا حول ولا قوة إلا بالله.

طيب أنا يعني ما عنديش الأبديت الأخير مثلا. أنت دلوقتي لو الـ 500 مليون دولار دي في عالمنا العربي فعلا ليست شيئا، ليست شيئا! إحنا عندنا الاستاذ عبد الفتاح بيعمل عاصمة إدارية جديدة، القطار الذي سيوصل إلى العاصمة الإدارية فقط 4.5 مليار، القطار مش العاصمة، المونوريل. طبعا إحنا قبل يومين كان عندنا سيد الروم، وكان يستصفي الجزية من ملوك العرب، فخرج بحوالي 3 ترليون أو 4 ترليون، يعني كم ضعف الـ 500 مليون يا جماعة؟ كم ألف مرة؟ 8000 مرة تقريبا صح؟ يعني 8000 ضعف.

يعني سيبك من الدين وسيبك من العروبة وسيبك من الكرامة، حتى لو بالمصلحة التجارية البحتة، تدفع 500 مليون وتبقى عزيز كده والناس كلها تحترمك، ولا تدفع الترليون والترليون والنص ونص ترليون وبرضه ما تبقاش محترم في هذا العالم؟ فيعني يا ضيعة من وجد لديه الاستشهاديون والأقوياء ومن يحبون أن يجاهدوا، ثم ضن عليهم بالمال، لأنه سيذل المال أصلا بعد ذلك ولن يحقق كرامته. عارفين المتنبي كان له بيت شعر يقول: فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله، صح؟ ولا مال في الدنيا لمن قل مجده، وبرضه الإنسان اللي عنده أموال وما عندهوش قوة لا يبقى له ماله. بالعلم والمال يبني الناس مجدهم، لم يبن مجد على جهل وإقلال.

طبعا إحنا اللي فكرنا بهذا الهم صفوان بن أميه، صفوان لقي واحد انتحاري هيروح يعمل العملية دي، راح قال له: بس كده؟ جيت في الفلوس ده، الفلوس دي أهون حاجة، دينك علي قضاؤه وعيالك مع عيالي. وبالفعل، انطلق عمير بن وهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ سيفه وقد سم سيفه بحيث أنه أي خدش، يعني حتى لو الإصابة ليست قاتلة كإصابة كجرح، فإنه يسري فيها السم.

ودخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. أول ما ذهب، وجده عمر؟ آه، عمير بن وهب، شيطان قريش، ما أتي بك؟ قال: جئت في فداء ولدي هذا الذي هو عندكم. قال: فما بال هذا السيف على عاتقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا يوم بدر؟ بيتوه في الموضوع، صح؟

لكن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له وقال: تعالى يا عمير، ما جاء بك؟ قال: ولدي. قال: أفرأيت حين جلست إلى صفوان في حجر الكعبة فقلت له كذا وقال لك كذا؟

عمير بن وهب قال ايه؟ قال: أشهد أنك رسول الله، والله ما علم بهذا أحد ولا كان معنا في حجر الكعبة أحد، فأسلم.

واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم -هو دلوقتي أسلم- وقال له النبي صلى الله عليه وسلم، قال لصحابه: ردوا عليه أسيره. لكن لكي ترى قوة شخصيته أيضا، هو استأذن أن يرجع إلى مكة فيدعو فيها إلى الإسلام، ووعد فيها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا يترك موطنا قد أذي فيه النبي وأصحابه قبل إسلامه إلا عاد إليه ونصر فيه الإسلام. فهذا أيضا، هذا مما يخبركم بقوة شخصية سيدنا عمير بن وهب رضي الله عنه.

وعاد فعلا، عاد إلى مكة، طبعا يروي بعض أهل السير أن صفوان بن أميه كان يستبشر بخبر ياتيه باغتيال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضا استبشار صفوان يخبركم بكفاءة مين؟ سيدنا عمير بن وهب، ما هو أنت عارف أحيانا تكلف حد بالمهمه وتكون منها على وجل، لكن إن كنت في أمر ما مرسلا فأرسل حكيما ولا توصيه، في واحد لما يستلم الموضوع تطمئن إلى أنه إيه؟ قد تم. فكان يستطلع قول الركبان، قول الركبان الذين يقدمون إلى مكة.

فجاءه فتعرض لقافلة فقالوا له: لقد أسلم عمير بن وهب. فحلف ألا يكلمه وألا ينفعه بشيء، تمام؟ ثم عاد عمير ففعل ما كان قد وعد به النبي صلى الله عليه وسلم، تمام.

فلذلك اذكر هذا الاستطراد في سياق أن ممن أسير عمير وهب بن عمير بن وهب الجمحي، طيب جميل. الآن إذا ذهبنا قبل يعني معركة بدر، كان فيها الكثير من المشاهد، ولكن أحب أن أرتب المشاهد على هذا الترتيب: أن نتأمل أولاً في بسالة الصحابة وقتالهم واستشهادهم، ثم نقدم إلى الأمر الذي ركز عليه القرآن الكريم وهو يد الله في المعركة.

فمن الأخبار التي وردت عن استبسال الصحابة في قتالهم ما رواه البخاري عن عروة عن هشام بن عروة بن الزبير، تمام؛ هذا سند معروف عند أهل الحديث. سيدنا الزبير من أبنائه عبد الله، طبعا سيدنا الزبير له أبناء كثيرون بس من أشهر أبنائه عبد الله الصحابي المعروف والذي صار خليفة فيما بعد، لكن الصحابي الذي نقل العلم عنه وعن غيره هو مين؟ عروة، وعروة هذا نقل كثيراً من العلم عن عائشة لأن عائشة ما شاء الله، تمام كده.

طيب، والذي أخذ علم عروة هو ابنه هشام بن عروة، فهذا سند معروف. فروى هشام عن عروة عن الزبير أن الزبير ضرب ثلاث ضربات على عاتقه يوم بدر، يقول عروة: فكنت أدخل أصابعي في هذا الجرح، كنت أدخل أصابعي في هذا الجرح، يعني ظل طبعا عروة هذا ولد صغيراً ولد بعد بدر، فيعني ظل الأثر في الزبير إلى ذلك الوقت.

تمام، ومما روي أيضاً من بطولة الزبير رضي الله عنه الزبير بن العوام، وطبعا كان سيدنا الزبير بن العوام أحد فرسان الإسلام المشهورين، ومما يروى عنه أنه يعني مسألة أو عبارة أنه كان فارساً لا يشق له غبار، هذه كانت مشهورة عن الزبير، وكان في الفتوحات مما يروى عنه أنه كان يذرع الجيش يعني يقتحم الجيش فينفرق عنه الناس حتى يصل إلى آخره ثم يعود فلا يجترئ على قتل الزبير رضي الله عنه.

فمما ورد عنه أيضاً في غزوة بدر، قال الزبير: إنه لقي رجلاً يسمى أبا عبيدة، هذا أبو عبيدة كان يلقب بأبي ذات الكرش، اسمه عبيدة بن سعيد بن العاص، الكرش كلمة تعني الكرش المعروفة وتعني الجماعة من الناس، فكان يقول عبيدة أبو ذات الكرش هذا كان يفتخر بنفسه وكان في مأمن لأنه كان مدرعاً لا تظهر منه إلا عيناه فكان مدرعاً وكان يقول: أنا أبو ذات الكرش، تفاخماً وتعاظماً وتفاخراً، قال الزبير: فرميته بالعنْزة، العنْزة هي الرمح العريض النصل، تمام؛ أنتم عارفين أن الأصل في الرمح أنه يكون حاد النصل رفيع النصل، لكن هناك من الرماح رمح عريض النصل، قال الزبير: فرميته بالعنْزة في عينيه فمات منها، ثم كان جهدي أن أنزعها منه فوضعت رجلي عليه وتمططت حتى نزعتها وقد انحنى طرفاها.

طبعا أنت دلوقت إيه شايف يعني ضربة يمكن أن تعد إيه ضربة قياسية وتحطم الأرقام القياسية، واحد لا يظهر منه إلا عيناه ثم يلقى بنصل عريض ليس حتى بالنصل الحاد الرفيع فتدخل إليه فتقتله ثم تستقر فيه لدرجه أنه نزعها منه يكون مجهداً ولم تخرج منه إلا وقد انثنى طرفاها، فهذا مما رواه الزبير رضي الله عنه.

فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم من الزبير هذا، طلب منه أن يعطيه هذه العنزة هذه الحربة، فبقيت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، ثم طلبها أبو بكر فبقيت معه حتى مات، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، حتى استردها بعد ذلك عبد الله بن الزبير، فكان هذا الرجل يعني كان رأساً من رؤوس الكفر وكان بطلاً من أبطالهم فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتفظ بهذه المأثرة.

طيب، ومما روي أيضاً قول سيدنا عبد الله بن مسعود عن سيدنا سعد بن أبي وقاص هذا رواه أحمد في فضائل الصحابة، قال: قاتل سعد في ذلك اليوم قتال الفارس والراجل، تمام؛ هذا في سيدنا سعد.

ومما روي أيضاً عن سيدنا عبد الرحمن بن عوف لما أسر أمية بن خلف، احنا تذكرون لما أسر أمية بن خلف، أمية كان أصلاً مستسلماً وكان يتمنى أن يؤثر يعني هو أصلاً لم يكن يريد الخروج كما ذكرنا، وبعد ذلك لما راى سيدنا عبد الرحمن بن عوف معه أدرع يعني سلب غنائم معه أدرع دروع غنمها، قال له: أبا عمرو -ما ردش عليه أبا عبد الإله الك في خير من هذه الأدرع- قالوا: أنت تعال بس يعني سرني أنا تفدى بمال كثير.

في رواية: أما لكم طلب في اللبن؟ اللبن يعني أفدى بإبل كثيرة ذات لبن كثير، فسيدنا الرحمن ترك أدرعه وأسر أمية وولده وبعدين حصلت القصة اللي حكيناها المرة اللي فاتت سيدنا بلال ضيع له إيه، ضيع له فكان يقول: رحم الله بلالاً خسرت أدرع وقتل أسيرينا.

عبد الرحمن يروي سيدنا عبد الرحمن بن عوف يروي أن أمية لما أسر، قال: من هذا الذي يحمل علامة ريش النعامة؟ قال: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: هذا الذي فعل بنا الأفاعيل.

الذي اريد أن استشهد به هنا أن أمية بن خلف رجل قرشي جمحي، وحمزة بن عبد المطلب رجل قرشي جمحي، فيصعب جداً أن يكون أمية لا يعرف شكل حمزة، لكن يبدو من هذا السؤال احتمال أنه من شدة المعركة وقسوتها وسرعتها وهولها ذهل الرجل أن يعرف حمزة بن عبد المطلب فلم يميز فيه إلا ريشة النعامة التي كان يضعها حمزة، وقد يكون حمزة ملثماً في ذلك الوقت الله أعلم، أو قد يكون عليه درع الله أعلم أيضاً، لكن يبدو من الحالة النفسية التي تأتي في الروايات عن أسر أمية بن خلف أنه كان في حال من الذهول وحال من الاندهاش والصدمة التي منعته أن يميز حمزة بن عبد المطلب وإلا فقد عرفه سيدنا عبد الرحمن بن عوف بسهولة، طيب فلذلك أنا يعني أذكرها الآن فيما فعله سيدنا حمزة.

كذلك مما روي في السيرة أن معاذ بن عمرو بن الجموح -معاذ بن الجموح- قال: جعلت في يوم بدر، جعلت أبا جهل من همي ورايته في حرجة، حرجة يعني كلمة حرج بمعنى الشجر الملتف، فأبو جهل كان في حماية من قومه كأنه في حرجة وهم يقولون: لا يخلص إلى أبي الحكم، طبيعي القيادات لا يفرط فيها دائماً عليها حراسات، هذا هو الأصل يعني لا يمكن التفريض في القيادات، قال: فجعلته من همي، فلما انكشف ضربته ضربة بالسيف طارت قدمه مع نصف ساقه، فضربني ولده -ولده من أشهر أولاد أبي جهل عكرمة بن أبي- فضربني ولده ضربة على عاتقي ألقت يدي قطعت فيها يده، تمام؛ فصار لا يمسك ذراعي إلا لحمة في جنبي، الذراع قطعت لكن ما تزال متعلقة بايه بلحمة في جنبه، يقول: فلما أجهدتني في القتال وضعت رجلي عليها وتمططت عنها فقطعتها.

طبعا حالة من الأساطير، حالة من الأساطير، والحمد لله رب العالمين أن أبقى فينا حتى الآن بعض أشباه صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولعلكم رايتم المقاتلين في كتائب عز الدين الذي يلقي القذائف والصواريخ وهو بيد واحدة، أو من كان يحضر مشهد تسليم الأسرى وهو على كرسي متحرك، فالقصد هنا هذا الرجل معاذ بن الجموح كيف كان يعني يضرب في المعركة حتى أذي ذراعه فقطع ذراعه.

ومن ذلك أيضاً ما رواه موسى بن عقبة في المغازي، وموسى بن عقبة معروفة مغازيه بانها أصح المغازي، وكان الإمام مالك يحب موسى بن عقبة ويوصي بمغازيه، وذكرت في مجلس ماض أن مغازي موسى بن عقبة طبعت بتحقيق جميل في هذا العام الأخير حققها الدكتور محمد الطبراني اسمه معروف يعني في هذا الباب، فمغازي موسى بن عقبة مما رواه فيها أن سعد بن خيثمة استهم هو وأبوه في يوم بدر، الآن في خروج للمعركة والبيت محتاج واحد فيهم، فماذا فعلوا؟ استهموا يعني اقترعوا بينهما قرعة من الذي يخرج إلى بدر؟ وهذه يا جماعة الخير منقبة عظيمة من مناقب الصحابة، أن يستبق الولد وأبوه، أنتم عارفين الآن حقيقة كيف يستبق الولد وأبوه على ما يستبقان، على ما يستبقان، على الخروج أم على السلامة، غريزة الناس، فاستهم فخرج سهم سعد فقال له أبوه خيثمة: يا ولدي يا بني آثرني على نفسك اليوم، فقال له سعد: يا أبتي إنها الجنة ولو كان غيرها لفعلت، فخرج فكان من شهداء غزوة بدر، واستشهد أبوه خيثمة في غزوة أحد الغزوة التالية لها، وكنت ذكرت أننا الآن حينما ندخل في باب الجهاد نرى مستوى آخر من مستويات حب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مستويات الإيمان، مستوى الذين شهدوا للإيمان وشهدوا للنبي صلى الله عليه وسلم بارواحهم ودِمائهم وكانوا يتسابقون فيها.

طيب ومما روي أيضاً سيدنا عمير بن أبي وقاص، سيدنا عمير بن أبي وقاص تعرفون من الاسم أنه أخو من؟ أخو سعد بن أبي وقاص، سيدنا عمير اختلفت المصادر في عمره، ولكنه لما سمع بالنفير في بدر بالخروج إلى بدر انبعث معه، فذكرنا أن النبي لما خرج بدأ في استعراض الجيش، سيدنا عمير من أول ما خرج حتى استعراض الجيش كان يتوارى من النبي صلى الله عليه وسلم، يقول سعد: فقلت له: مالك يا أخي؟ قال: أتوارى من النبي صلى الله عليه فإنه إذا راني خشيت أن يردني، لكن لما خرج النبي واستعرض الجيش ما عرفش يفلت، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فرده، فبكى عمير حتى أجازه النبي صلى الله عليه وسلم، ظل يبكي حتى أجازه النبي، يقول سعد: فكنت أُعقد له حمائل سيفه فيه، يعني إيه؟ يعني هو لصغره ويبدو لضالة جسده مش قادر، أو يعني بالمصطلح المعاصر كده سيدنا سعد ربط له سيفه في يده تمام علشان ما يقعش منه ما يعني علشان يسهل عليه حمله، وبالفعل قاتل عمير حتى استشهد وكان من شهداء غزوة بدر.

طيب ومما روي أيضاً وهذه رواية ابن إسحاق في السيرة أن سيدنا عوف بن الحارث -عوف بن الحارث- وكان في غزوة بدر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ يعني إيه؟ يعني ما الذي يرضي الله من عبده؟ يضحك بمعنى يرضي، أنتم عارفين الأصل أن الإنسان إذا رضي أو سعد ضحك، فاضحك هنا كناية عن الرضا، فقال: يا رسول الله، ما يرضي الرب من عبده؟ قال: أن يغمس يده في العدو حاسراً، يعني معناها العملية الاستشهادية، يعني أن يدخل في العدو حاسراً بغير درع فيقاتل حتى يقتل، فيقول الراوي: فكان عليه أدرع فنزعها ثم مضى إلى العدو فلم يزل يقاتل حتى قتل، رحم الله سيدنا عوفاً.

وذكرنا قبل ذلك في المجلس الماضي حكاية سيدنا عمير بن الحمام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم -النبي يقول: ما من رجل يخرج إليهم محتسباً مقبلاً غير مدبر فيقتل إلا دخل الجنة- فقال: يا رسول الله بخٍ بخٍ، قال: ما حملك على أن تقول بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل فيها، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، فالقى ما بيده من التمر ثم دخل في جيش العدو.

حقيقة هنا وجدت كلمة جميلة جميلة جميلة للشيخ منير الغضبان، والشيخ منير الغضبان من علماء أهل الشام من علماء سوريا، والشيخ منير هذا رجل يعني قضى حياته في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومؤلفاته جلها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وطبعا اشتهر كتابه المنهج الحركي في السيرة، وله كتاب آخر فقه السيرة، ومن كتبه التي يغفل الناس عنها مع أن فيها خلاصه عمره موسوعته المنهج التربوي للسيرة النبوية هذه موسوعة في أحد عشر مجلداً مغفول عنها لا يكاد يعرفها كثير من الناس، وهي موجودة للتحميل على الإنترنت، تكلم عن التربية السياسية وعن التربية القيادية.

المهم، فكان من بديع ما قال هذه الععبارة التي أقولها لكم، قال وهو يعلق على مثل هذه البطولات: لقد تغيرت مفاهيم المجتمع الجديد وتعلّق أفراده بالآخرة، وأصبحوا حريصين على مرضاة الله (بعد أن كان جل همهم أن تتحدث عنه النساء تتحدث عن بطولاتهم، أو يرضى عنهم سيد القبيلة، أو تنشد الأشعار في شجاعتهم)، الآن العرب قبل أن يأتي الإسلام، أنا متصور يعني حتى الشيخ وهو يكتب هذا كان في ذهنه أشعار عن مثلا أنتم عارفين معلقة عنترة وهو مثلاً يذكر إيه يذكر شجاعته وبطولته يذكرها لمين؟ يذكرها لعبلة: هلا سالت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم، أو كقوله: دلي عليّ بما علمت فإنني سمح مخالقتي إذا لم أظلم، فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل مر مذاقته كطعم العلقم.

وطبعا هو صاحب الأبيات الشهيرة التي يحبها كل متغزل اللي هو إيه: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني، الرماح نواهل مني تشرب من عنترة وبيض الهند تقطر من دمي، فوددت تقبيل السيوف لأنها لاحت كبارق ثغرك المتبسم، ولقد شفى نفسي وأبرا سقمها قيل الفوارس ويك عنترة أقدمِ.

عنترة دلوقتي إيه؟ أنتم عارفين قصة عنترة، كان عبداً ولذلك أول ما تيجي الحرب فينك يا عنتر؟ طب الدنيا رجعت سلام يقولوا له ايه؟ اجلس أيها العبد، فلذلك كان يقول: يدعونني في السلم يا ابن زبيبة وعند التقاء الحرب يا ابن الأطايب، فلذلك هنا لما نادى عليه

أبوه ويك عنتر أقدمي أقدم وأنت حر هو دلوقتي خلاص امتنع إن هو يدخل المعركة إلا لو إيه؟ لو كان في ذلك عتقه. قالوا له عن أقبل، قال العبد يحسن الحلب والصر لا يحسن الكر والفر. أبوه قال له إيه؟ كر وأنت حر، فاندفع إلى المعركة بقى، اندفع وهو يقول: ولقد شفى نفسي وأبرا سقمها، قيل الفوارس: ويك عنتر أقدمي يدعون عنتر والرماح كأنها، أشطان بئر في لبان الأدهم

لا أطيل معكم قصده عنترة، دي قصيدة أصلاً إيه كلها كلها فخر وشجاعة، لكن هنا صح أنت حين تقارن ماذا فعل الإسلام في هذا المجتمع، كيف نقلهم من أنه آه صحيح العرب كان فيهم من يموت لحسن الذكرى، لكي يذكر الذكرى الحسن، وهم وهم يرون هذا ويرون هذا من من معالي الأمور ومن شريف الأمور، وهو حق أيضاً يعني هو حق أن الإنسان يضحي بنفسه في سبيل المعنى والقيمة والقدر الذي يعلى له، ليس في يعني سبيل الحياة المادية، وأظن ذكرت قبل ذلك قول قائلهم: تأخرت استبقي الحياة فلم أجد، لنفسي حياة مثل أن أتقدم أول ما تتقدم وتقتل يحسن ويخلد ذكرك.

هنا الإسلام وجه هذه الطاقة وغير هذه النفوس، لا لكي ترجو شيئاً من أمور الدنيا، لا لكي تتحدث عنهم النساء، ولا لكي تقال فيهم الأشعار، ولا لكي يرضى عنهم قومهم ولا أسياد القبيلة فيهم، ولكن لماذا؟ لله ورسوله فقط، ولذلك كنت ترى في عهد الصحابة والتابعين والفاتحين من يحرص على كتمان عمله، عارفين طبعا كلكم قصة صاحب النقب، أنه الإنسان يجتهد ويضحي بنفسه ويحب ويؤثر أن يعرف عمله، فهذا تغيير هائل بدله الإسلام في هؤلاء الناس.

طيب، قتل من المسلمين أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. الآن يا جماعة الخير تعالوا ننظر في حكمة الله تبارك وتعالى، السؤال: أيهما كان خيراً للمسلمين، يظفروا بالعير أم يخوضوا معركة بدر؟ الآن بعد أن راينا هذه النتيجة أيهما كان أفضل؟ حد عنده شك في هذا؟ يعني صحيح المسلمين لما راوا أنه في جيش وهم خرجوا غير مستعدين له وصفهم ربنا تبارك وتعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ.

فأيهما كان خيراً؟ تدبير الله لعباده أم تدبير العباد لأنفسهم؟ هذا يعني، لذلك يا جماعة الخير الانتصار العسكري الانتصار العسكري لا يقارن في فوائده ونتائجه وآثاره بأي انتصار اقتصادي، وسياتي معنا كلام آخر في هذا المعنى حين نأتي إلى قصة الخلاف في الأسرى، أن تكون ذا هيبة وأن تكون ذا قوة وأن تكون ذا نفوذ خير من أن تكون ذا مال، وهو أمر واضح أمر واضح لا يجادل فيه، تمام، ولسه شايفين إحنا إيه الناس اللي معاهم مال ومعاهمش قوة، يحصل إيه؟ يأتيهم العلج الرومي يستصفيهم، نعم، فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله، ولا مال في الدنيا لمن قل مجده، صحيح.

فالله الله تبارك وتعالى أراد للمسلمين انتصاراً عسكرياً لم يكونوا هم يحسبونه، بل لما فوجئوا به كرهه بعضهم وأزورت منه نفوسهم، فالانتصار العسكري لا يقارن في آثاره بأي انتصار اقتصادي، تخيل كده لو أن المسلمين كانوا قد قبضوا على العير وأخذوها وتقووا بها مالياً، هل كانوا يبلغون من التأثير والنفوذ والقوة والهيبة والمكانه ما بلغوه بعد أن خاضوا معركة بدر؟ مش ممكن، لا يمكن.

ولذلك يا جماعة هذا هذا أمر لا نقوله للماضي فقط، أحياناً في واقعنا المعاصر من العبارات الجميلة التي حقيقة تثبت الناس قول قائلهم: الله عودك الجميل فقس على ما تعودت. الإنسان لما يلاقي الدنيا يعني فاجأته بمشكلة فاجأته بمصيبة يعرف أن الله تبارك وتعالى أراد له فيه الخير، وأقرب هذه المشاهد بالنسبة لنا كأمة مشهد طوفان الأقصى، يعني من المؤكد لا أقول من المؤكد تحليلاً بل هذا كلام كتبوه يعني أنه ما كانوا يتخيلون أن ينجحوا هذا النجاح، هؤلاء الذين قاموا بعملية 7 أكتوبر كانوا حاطين لها 24 ساعة، الأهداف خلصت في 6 ساعات وقعدوا 18 ساعة متفاجئين بهذا النجاح.

ومن الكتب التي أحب أن تقرأوها كتاب يعني نشر على الإنترنت اسمه طوفان الأقصى الألم ومآلات لأحد المجاهدين الغزيين، ذكر هو أنهم كانوا يتوقعون أن تنجح هذه العملية بثلث القدر الذي نجحت به، يعني هم ما كانوا متخيلين أن كل هذا سيحصل، لا، كانوا متخيلين أن ثلث هذه الأهداف ستتحقق والثلثين الثانيين سيخفقون في تحقيق أهدافهم، تفاجؤوا بأنه بهذا الذي حصل.

فهذه المعركة على رغم ما فيها من لأواء ومن مشقة ومن مذابح ومن مآسي إلا أنك حين تنظر كيف أن الله ساقها مساقاً لم يكن يدبر له ولا يخطط له أهل المعركة أنفسهم، توقن يقيناً جازماً بأن الله أراد بها الخير، أراد بها الخير على ما فيها، على ما فيها من مآسي ومن مذابح ومن تجويع ومن حصار، ما كيف هو الخير؟ الله أعلم، استطيع أن أقول بعض الأمور ولكن الله أعلم، وذكرنا قبل ذلك لن تعرف حكمته إلا إن كان عندك علمه، ولن تعرف رحمته إلا لو كان عندك قدرته، لا يمكن تصور حكمة الله، حكمة الله في خلقه إلا لو كان عندك علم الله، ولن تعرف رحمته إلا لو كان عندك قدرته جل ربنا وتعالى.

في هذه في هذه المعركة ربنا هنا تبارك وتعالى أرادها ثم أعطى لها اسماً عظيماً هائلاً كبيراً، ما هو هذا الاسم؟ يوم الفرقان، يوم الفرقان، وهو اسم حين تقراه تشعر به الهيبة يوم الفرقان، وقد قيل لأن الله فرق به فرق فيه بين الحق والباطل، وفيه قال ربنا تبارك وتعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وهذه إن شاء الله ساتي لها الآن.

ولكن من أعظم معالم الفرقان يا جماعة الخير في هذا اليوم ما جرى بين الأقارب، وهو أنه بعض المسلمين في هذا الجانب تواجهوا مع المشركين في هذا الجانب، وقد كانوا من قراباتهم، وهنا هذا اختبار عظيم جداً جداً جداً، وأنتم تحفظون وتقراون قول الله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ، وفي آية سورة التوبة: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.

فمن أجل ما ظهر في هذه المعركة ما يروي بعض أهل السير وإن اختلف بعض الناس في تصحيح هذا أو تضعيفه ولكن ذكر الحافظ أن سنده جيد في الإصابة أن سيدنا أبا عبيدة عامر بن الجراح كان في غزوة بدر وكان أبوه يتعرض له فينثني عنه، فيظل أبوه يتعرض له، وفي رواية أنه كان يرفع له الأصنام يعني كأنه كان يستفزه أو يعلن الابن عن ولائه للأصنام، فما زال أبو عبيدة ينثني عنه حتى لم يستطع فقاتله وقتله. فأبو عبيدة أمين هذه الأمة قتل في هذه المعركة أباه.

وذكرنا في المجلس الماضي أن سيدنا عمر رضي الله عنه قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة، وذكرنا أنه سيدنا عمر أصلاً أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، وبعض الناس قال حنتمة بنت هاشم بنت هشام، فهو إما أن يكون خاله مباشرة وإما أن يكون من أخواله يعني من بني مخزوم وهم أخواله.

طيب، ومما يذكر أيضاً أن سيدنا أبا بكر كان يبحث عن ولده عبد الرحمن في المعركة، ويروى أن عبد الرحمن قال: لقد لقيتك يوم بدر فزوررت عنك، فقال: ولكني لو لقيتك ما زوررت عنك. ومن ذلك أيضاً أن سيدنا مصعب بن عمير أسر في هذه المعركة أخاه عزيز بن عمير، فقال للانصاري الذي أسره: اشدد وثاقه فإن له أما تفديه بمال كثير، فقال عزيز: هذه وصاتك بأخيك؟ قال: اسكت، فإنه أخي دونك. وسياتي لنا موقف آخر مع سيدنا مصعب بعد قليل إن شاء الله.

لذلك يا جماعة الخير يعني وعلى فكرة أيضاً مما ورد في مما ورد عن سيدنا مصعب أنه قتل أخاه في بدر عبيد بن عمير، وإن كنت أنا أتشكك في هذه الرواية لكن أورده بعض المفسرين عند قوله تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وهذه الآية نزلت في عدد من أهل بدر، ولذلك تحت هذه الآية تجدون عدداً من هذه القصص التي تواجه فيها المسلمون من أهل بدر مع أقاربهم من المشركين، وفيهم نزل قول الله هذا.

لاجل هذه المواقف يا جماعة لا يطمع أحد أن يلحق بمرتبه أهل بدر ومنزلاتهم، لأنه هذه نفوس تجردت لله ولرسوله تجرداً يعني هي بالنسبة لنا خيال، ما أدري كيف يفرغ صدر المرء من بعض الغريزة بصراحه لا أدري، ولكنهم قوم بلغوا بالأيمان هذا المبلغ، فلذلك منزلة أهل بدر يعني الإيمان الإيمان الذي وقر في صدور أهل بدر لم يعد ينافسه شيء، الإيمان أولاً والإيمان قبل كل شيء. رضي رضي الله عن صحابه النبي صلى الله عليه وسلم.

ولذلك هنا الإمام الشيخ الصالح الشامي صاحب الموسوعة الكبيرة في السيرة النبوية، الموسوعة التي اسمها سبيل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، موسوعة في 11 مجلداً، يقول فيها هذه العباره الجميلة جداً، اسمع معي، طبعا هو العباره هذه قالها الصالح الشامي ليس في هذا الموقف، ليس في موقف أهل بدر، ولكن في مواقف شبيهة أخرى، تعرفون فيما بعد فيما بعد سياتي سيدنا عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول يعني في موقف إن شاء الله نأتي إليه، لكن في موقف عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين يسيء فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي ولده عبد الله بن عبد الله فيقول: يا رسول الله إن كنت آمراً أحداً بقتل أحد فمرني بقتل أبي، فقد علمت العرب أني أكثر الناس برّاً بابيه، واني أخشى إن قتله أحد غيري أن تبقى في صدري شيء أن يبقى في صدري شيء منه فربما قتلته بأبي فأكون قتلت مسلما بكافر، فقال النبي: لا بل نحسن صحبته.

لكن الآن أنت شايف إيه؟ مثال عالي جداً في تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ما سواه، ففي مثل هذه المواقف يقول الصالح الشامي هذه العبارة الجميلة يقول: وفي هذا العلم العظيم والبرهان النير من أعلام النبوة، يعني بيقول هذه المشاهد هي جزء من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم ومن أدلة نبوته، فإن العرب كانت أشد خلق الله حمية وتعصباً، فبلغ الإيمان منهم ونور اليقين من قلوبهم إلى أن يرغب الرجل منهم في قتل أبيه وولده تقرباً إلى الله تعالى وتزلفاً إلى رسوله، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس نسباً فيهم، الأنصار هؤلاء فاكرين في أول مجلس خالص لما ذكرنا أن قبيلة النبي ينتهي نسبها إلى عدنان، لكن الأنصار ينتهي نسبها إلى قحطان فرع خالص، فرع بعيد جداً من العرب، فبيقول رغم أن النبي أبعد الناس نسباً منهم إلا أنهم بلغ هذا العلم وهذا النور في قلوبهم ما جب كل علاقة يعني يفكر الرجل في قتل أبيه وقتل ولده تزلفاً إلى الله ورسوله وتقرباً، والعرب كانت أشد الناس حمية وتعصباً فيقول يعني يقول: أن هذه من دلائل النبوة ومن حكمة الله تبارك وتعالى في أن الأنصار كانوا أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: وما تاخر اسلام قومه وبني عمه وسبق الإيمان الأباعد إلا لحكمة عظيمة، إذ لو بادر أهله وأقربوه إلى الإيمان به لقيل قوم أرادوا الفخر برجل منهم وتعصبوا له.

طيب، بعد المعركة أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بدر ثلاثة أيام، وهذه كانت عادة عند العرب أن يقيم المنتصر في مكان المعركة ثلاثة أيام، وأقام فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ولما استعد للرجوع الحديث في الصحيحين في البخاري ومسلم أنه سحبت جثث القتلى وألقيت في بئر موجود في منطقة بدر القليب اسمه البئر، وقف النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول ينادي: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان. وفي غير الصحيحين سماهم بأسمائهم: يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة، يا أيها الوليد بن عتبة، يا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.

فقال سيدنا عمر: يا رسول الله تكلم أجساداً لا روح فيها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأسمع مما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن ينطقوا.

وطبعا صلوا على النبي يا جماعه، اصل لحظه نزول القبر دي يعني لحظة مفاجأة لا ككل المفاجآت، ولحظة يقظة لا ككل اليقظة، ولحظة اكتشاف لا ككل الاكتشافات، هذه لحظة لحظة هائلة، يعني الإنسان حين ينزل إلى قبره ويسمع منصرف الناس عنه ولا يجد إلا ما قدم، دي لحظة هائلة. ولذلك الواحد يعجز عن تخيل أو أن يتلبس يعني الواحد لو وضع نفسه مكان عتبة بن ربيعة، أعوذ بالله يعني أعوذ بالله من ذلك، بس الواحد لما يحاول يتصور هذا الذي قتل وألقي وسمع هذه الكلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عاين الحقيقية ذهبت عنه الدنيا: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ. هذه لحظة هائله، وبالمناسبة كان بعض السلف يصلح نفسه بهذا.

بعض السلف كان يحفر في بيته قبرا وينزل فيه حتى يعيش هذا الجو، جو أنه انقطع عن الدنيا وانقطع عن العمل، ولم يبق له إلا عمله، حتى يصل إلى مرحلة رب ارجعون، دي المرحلة اللي هو كل الناس عايزة توصل لها في اللحظة دي، فيقول لنفسه: الآن رجعت فاعمل كما كنت تتمنى. يعني هذه كانت وسيلة من وسائلهم لتأديب نفسهم.

واسمع والله لن تعرف ميزان عملك إلا في لحظة الخطر، يعني من منكم جرب ذلك منكم فقد جربه، ومن لم يجربه فاعلم أنه كل الدروس وكل المحاضرات وكل الخطباء، أنت لن تعرف حقيقة ميزان عملك إلا في اللحظة التي ستشعر فيها باقتراب الموت. اللحظة دي تظهر لك فيها خريطة عملك، ولا يوجد إنسان إلا ويتمنى في هذه اللحظة أن ينجو من الموت، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ.

فيعني لما أقف أمام هذا المشهد وأحاول أن أتصور كيف كان يقول عتبة بن ربيعة لنفسه، وعتبة بن ربيعة هذا الرجل الذي كان كما وصفه ولده: كان ذا رأي وحلم ونبل، والنبي صلى الله عليه وسلم وصفه في معركة بدر قال: إن يكن في هؤلاء القوم خير فهو صاحب هذا الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا. طيب هذا رجل دخل النار يا جماعة! دخل النار! لا إله إلا الله، أنت عارف يعني إيه؟ يعني إيه تدخل النار ولن تعود؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.

والله مشهد هائل ومشهد رهيب أن الإنسان -يعني أسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار وأن يكتب لنا توبة قبل الممات- لكن ده مصير هائل. أنا يعني ماذا أقول؟ أنت عارفين لما الإنسان مثلا يحكم عليه بالمؤبد؟ يبقى المؤبد ده اللي هو ممكن ينزل في الاستئناف، ولا يا سيدي ممكن يخرج بعفو، ولا يخرج في تبادل أسرى، ولا يتغير الوضع السياسي، ولا تحصل ثورة، ولا يحصل انقلاب، ولا... إنما اللي دخل النار ده، اللي دخل النار ده ليس له منها مخرج، ليس له منها مهرب!

فوالله موقف شديد شديد شديد شديد، فلذلك أُوصي نفسي وإياكم مرة أخرى بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا يَكُونَنَّ أَحَدُكُمْ إن أحسن الناس أحسن، وإن أساء أساء، وإن أساءوا أساء، ولكن وَطِّنُوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تححسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم.

فالمهم، طيب هنا انتهت المعركة في وجهها الظاهري، ولكن بقيت يعني هذه المعركة التي انتهت في وجهها الظاهري، ده الوجه الذي يمكن أن يعني تلتقطه نشرات الأخبار، الوجه الذي يمكن أن يكتبه المؤرخون، تمام؟ ولكن بقي جانب المعركة الأهم، وهو الوجه الذي لا تلتقطه الأخبار ولا يعرفه المؤرخون، الأمر الذي دار في عالم النفس ودار في عالم الغيب.

يد الله في المعركة: أول ما نراه من يد الله في المعركة: رؤيا رأتْها عاتكة. عاتكة زوج العباس، تمام؟ عاتكة بنت عبد المطلب، أخت العباس. رؤيا عاتكة: ماذا رأت عاتكة؟ جاءت بأخيها العباس وقالت له: لقد رايت رؤيا، ولقد خفت على قومك منها الشر، لكن لا أُخبرك بها حتى تعاهدني ألا تقولها، فإن القوم إذا علموها شاتمونا وراينا منهم الشر. طيب وعدها، ما الرؤيا التي رأتْها؟

رأت كأن راكبا جاء على مكة وصار ينادي: يا لفجر يا لغدر! (يعني جمع فاجر وجمع غادر). انتظروا ثلاثة أيام، انتظروا إيه؟ ثلاثة أيام! ثم قام إلى الكعبة، ثم قام على رأس الجبل وهو ينادي، ثم أمسك بصخرة من الجبل، فلما وصلت إلى أصل الجبل ارفضت، ارفضت يعني انتثرت انقسمت تشضت، فدخل كل بيت منها حجر. الرؤيا يعني إيه؟ منذرة بشر، طيب!

العباس بن عبد المطلب كان خليلا وصفيًّا للوليد بن عتبة بن ربيعة، فلعله من تفجعه وتفاجئه أسر بها إلى الوليد بن عتبة. الوليد بن عتبة أول ما سمعها أسر بها إلى أبيه عتبة بن ربيعة. أبوه عتبة بن ربيعة سمعها أسر بها إلى مين؟ شيبة بن ربيعة. وأنتم عارفين طبعا السر لما يطلع إيه من برة ثلاثة أربعة، عارف أنت لما تستأمن حد على سر يقول لك: إن شاء الله مش هيطلع برة إسطنبول! إذا ضاق صدر المرء عن سر، فصدر الذي يستودع السر أضيقه.

فشاعت في قريش حتى وصلت إلى أبي جهل، طبعا طبيعي توصل لأبي جهل، ده أبو جهل ده الراجل اللي ماسك الملف! فجاء إلى العباس وكان في مجلس من القوم: يا عباس، ما رؤيا عاتكة؟ عباس إيه اتفاجئ، قال: ما رأت شيئا. قال: بل لتُقصن! والله يا بني عبد المطلب، اا اللهم صل على محمد صلى الله عليه وسلم، والله يا بني عبد المطلب لقد تنافسنا أنتم ونحن الشرف حتى إذا تحاذت منا الركب قلتم: منا نبي، ويوشك أن تقولوا: منا نبيه! صح ولاّ لا؟

يعني خلاص احنا خلصنا من محمد هاجر إلى المدينة، دلوقتي طالعين بإيه؟ طالعين بنبيه كمان! والله لو مضت هذه الثلاث ثم لم يحصل شيء لكتبنا سجلا وعلقناه في الكعبة: أنكم أكذب بيت في العرب رجلا وامرأة. تمام! طبعا لما وصل هذا الكلام إلى عاتكة أسْمَعَت العباس إيه؟ شرا، أنا قلت لك من الأول ما تجيبش صيغة، طيب!

عند اليوم الثالث جاء ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يقول: اللطيمة! اللطيمة! محمد قد عرض لأبي سفيان، أدركوا قافلتكم وما أحسب أن تدركوها. طيب، طبيعي الآن هذا يعني أول ما يدخل في هذه النفوس من القلق والتوتر والفجيعة. فاكرين أنتم قبل ذلك ونحن نقول إنه حالة الحرب كانت معلنة بين قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أحد وسائل إعلان حربها لما سيدنا سعد بن معاذ كان جاء إلى مكة ونزل في ضيافة صديقه في الجاهلية أمية بن خلف، وبعدين أبو جهل راه قال: أويتم الصباة؟ واراك تطوف بالبيت آمنا والله لولا انك في جوار أبي عُيَيْن لما عدت إلى اهلك سالما، فقال له: ولو منعتني هذا البيت لمنعتك تجارتك إلى الشام. فاكرين الحكاية دي؟

في هذه الزيارة سعد بن معاذ، طبعا أمية بن خلف منحاز لأبي جهل ويقول له: لا ترفع صوتك على أبي الحكم سيد أهل الوادي. فقال: اسكت عني، فوالله لقد علمت أنت أنهم قاتلوك! فانزعج وقال: أقال محمد ذلك؟ قال: نعم. قال: أقال قاتلي بمكة؟ قال: لا أدري.

فمنذ ذلك الوقت أمية بن خلف ناوي ما يطلعش من مكة، احنا تمام! وأنتم خدوا بالكم، احنا أيضا تذكرون لما تكلمنا وقلنا: الصدق رأس مال الداعية، الصدق رأس مال الداعية! الداعية الصادق الذي لا يعرف عنه كذب، الكلمة منه لها حسابها، ولاجل ذلك عتبة بن ربيعة لما سمع منه النبي، سمع من النبي صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، قال له إيه؟ اكفف! خلاص هو عارف.

وفيما بعد سياتي معنا أيضا أبي بن خلف. أبي بن خلف سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم، كان يؤذي النبي يقول له: أنا عندي فرس أعرفه لك سأقتله عليك! فقال له النبي في مكة: بل أنا قاتلك إن شاء الله! تواجه بعد ذلك في أحد، رماه النبي بحربة فأصابت منه خدشا، فعاد وأهله يقولون له: ما بك شر خدش! قال: لا والله إنه لقاتلي، لقد قال لي بمكة: أنا قاتلك. فالكلمة التي تطلع من الصادق لها إيه؟ حسابها.

الآن أمية بن خلف مش ناوي إيه؟ يطلع برة مكة بعد ما سمع هذه الكلمة. لما راته زوجته يتجهز، استفزه أبو جهل وقال له: يتجمّر بقى كالنساء! وأداة مكحلة وقال له: اكتحل كالنساء! أحياء جيل على خطى السابقين.