السلام عليكم ورحمة الله، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم اجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد سواك فيه شيئاً يا رب العالمين.
مرحباً بكم أيها الأحباب، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، نسأل الله تبارك وتعالى كما جمعنا على طاعته أن يجمعنا في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته. وهذا هو المجلس الثامن بعد المهن والمائتين من مجالس السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
وقبل أن ندلف إلى مجلسنا هذا، أُعزي نفسي وأُعزي الأمة الإسلامية كلها بوفاة شيخين كريمين، أحسبهما من المجاهدين وأحسبهما من الشهداء؛ وهما فضيلة الشيخ الدكتور وليد الهويريني، وقد أُعلن عن وفاته قبل أسبوع، وكان قد خرج من اعتقاله بعد اعتقال دام سبع سنوات، فخرج وهو في حال صحية لم يزل يتدهور به الحال حتى قضى إلى الله شهيداً فيما نحسبه إن شاء الله.
والشيخ وليد تشرفت بلقياه مرتين على الأقل في مؤتمرات دولية، وهو من الذين تحبهم أول ما تلقاهم، فالرجل قلمه كسمته، ولغته كطبعه، يتميز بحسن الخلق وبخفض الجناح وبالتواضع، وهو على ذلك صاحب علم، وصحبت فهم، وصاحب عمق، واستفدت من كتبه، قرأت منها ثلاثة على الأقل، وأنصحكم طبعا بقراءتها وهي كتب: عصر الاسلاميين الجدد، وخارطة الدم، والحراك الفكري السعودي. فأسأل الله تبارك وتعالى أن يكون هذا من العلم النافع الخالص لوجهه الكريم، وأن يكون من امتداد عمله بعد موته، نسأل الله تبارك وتعالى أن يرحمه ويتقبله في الصالحين.
وكذلك فوجئت عصر هذا اليوم بنبأ استشهاد أخينا وشيخنا الحبيب الشيخ أبو محمود نائل غازي مصران من علماء غزة، واستهشد رحمه الله في قصف لخيمته مع أهله وأولاده، وكان قد نجا من قصف الصهاينه عليه مرتين. الشيخ أبو محمود من وجوه أهل غزة ومن نجومهم ومن الأقلام الشرعية الباسقة، وهذا رجل اجتمع له في حسن الموت ما أحسب أنه يتمناه كل مسلم، فالرجل قد قضى شهيداً في معركة بين الحق والباطل، معركة لا لبس فيها، والرجل قد قضى مع أهله جميعاً، وهذه في زمن الموت أمنية يتمناها كل الناس، فيعني لو كان الموت بالخيار لاختار المرء أن يموت مع أهله جميعاً في غمضة عين واحدة، فلا هو يخشى عليهم من بعده ولا هم يتحصرون عليه، فمات هو وأهله فانتقلوا معا من دار الشقاء إلى نحسبه ذلك إلى دار السعادة جميعا معا، والامر الثالث أنه مات ثابتاً، والمرء لا يدري إذا واجه ما يواجهه أهل غزة من الجوع ومن العنت ومن الحصار ومن المشقة، لا يدري المرء ما يكون من حاله وما يكون من دينه، ولا يدري هل يصبر أم يجزع، لا يدري هل يثبت أم يفر، لا يدري هل يرضى أم يسخط.
فحقيقة نماذج العلماء الذين تصدق أفعالهم أقوالهم هذه نماذج تظل دائماً ملهمة. فالشيخ أبو محمود رحمه الله كان إلى وقت قريب، إلى الأمس وإلى أول أمس، وهو يكتب في تثبيت الناس وفي تصبيرهم وفي معاني الرضا بما قدر الله وفي معاني النصر القريب، فذلك والله مما يرجوه المرء أن يموت شهيداً ثابتاً غير مبدل ولا مغير ولا جازع. ثم إنه مات في يوم جمعة ومات في الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة، فاجتمع له في موته شرف الزمان والمكان والححال، فأسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبله في الشهداء، وأن يلحقه بالصالحين، وأن يرفع درجته في عليين، وأساله تبارك وتعالى ألا يحرمنا أجرهما ولا يفتننا بعدهما، وأن يغفر لنا ولهما.
ونواصل ما كنا فيه من حديث السيرة النبوية، وهو حديث في الجهاد، ونحن في أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة، وهي غزوة بدر الكبرى، وكنا توقفنا في المجلس الماضي، ذكرنا من أحداث المعركة ما يعرفه المؤرخون وما يطالعه المشاهدون، وبقي أن نرى ما كشف الله فيها من حجب الغيب، وأن نتكلم عن يد الله في المعركة، وكيف أن عالم الغيب قد كان يوازي عالم الشهادة في كثير من هذه الأحداث.
وذكرنا أن أول ما فتض المشركين رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا رؤياها في المجلس الماضي، وذكرنا أن هذه الرؤيا كانت من الامور التي فتح، فرؤيا عاتكة بنت عبد المطلب ذكرنا أن فيها الإنذار لقريش بحلول مصيبة تشمل كل بيت في مكة في خلال ثلاثة أيام، وأن أبا جهل قال للعباس بن عبد المطلب: قد تنافسنا نحن وأنتم المجد حتى إذا تحازت منا الركب قلتم منا نبي، ويوشك أن تقولوا منا نبية، فوالله لإن مضت هذه الثلاث فكان صدقاً فسيكون، وإلا فلقد كتبنا سجلاً نعلقه في جوف الكعبة نشهد العرب أنكم أكذب اهل بيت فيهم رجلا والمرأة. ونال من بني هاشم ومن نسائهم، يقول العباس: فلما عدت، ما مضت الليلة يعني ما رددت عليه كثيرة ردت وأنكرت، فلما كان الليل ما بقيت امرأة في بني عبد المطلب إلا وجاءتني تقول: قد سمعت مقالة السوء من هذا الخبيث الفاسق في رجالكم ثم في نسائكم. وما رددت عليه، فكان كان العباس يتحين أن يلقى أبا جهل لكي يشاتمه وينتقم منه ولا يسمح له بمثل هذه الإهانة. يقول فلما كان اليوم الثالث وأنا اتحين له وهو يفر مني، حتى أقبلت عليه فرأيته يفر إلى باب المسجد فقلت: لعنه الله، أقول هذا فرقا من أن أشاتمه، مش طبيعي يعني أبو جهل في النهاية زعيم شخصية قوية، قال وإذا به سمع ما لم اسمعه، سمع تحذيراً أو كلام ضمضم الذي جاء يحذر قريشاً وهو يقول: اللطيمة اللطيمة أبو سفيان وقافلته قد عرض لهم محمد فادركوها وما اظنكم تدركوها. فكان عند رأس الثلاث أن حدثت هذه الحادثة، وذكرنا ما كان في ذلك من تحذير زوج أمية بن خلف له لما راته يتجهز خارجاً فذكرته بكلام سعد بن معاذ.
طيب، هذا كان من أول ما فتد قريش. الأمر الثاني، طبعا يجب أن يجب أن أقول هنا مسألة الرؤى من المسائل التي يجب أن نراعي فيها ثلاثة أشياء؛ فإن الأمة المهزومة يكثر فيها حديث الرؤى، وكثير من حديث الرؤى هذا يكون حديث نفس، لا يكون واقعاً، والرؤية بينك وبين فهمها على وجهها ثلاثة مراحل أو ثلاث عقبات؛ العقبة الأولى أن يصح تأويل المؤول، فإن تأويل الرؤيا عمل فيه الصواب وفيه الخطا، فأولاً أن تكون الرؤيا رؤيا أولاً، لا تكون حديث نفس، وثانياً أن يصح تأويل المؤول ولا يخطئ فيها، وثالثاً زمن تأويل الرؤيا، فإن تأويل الرؤيا الصحيح قد يقع بعد عشرات السنين، وأنتم تقرؤون قول الله تبارك وتعالى: يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ، هذه راها سيدنا موسى وسيدنا يوسف وهو فتى، فمتى متى تحققت؟ بعد أربعين سنة على الأقل على الأقل لما قال: يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا، ولكن قد يقع تأويل الرؤيا أيضا بعد ثلاث أو بعد أيام، فالمساله يعني يجب فيها الحذر، ويجب أن لا يرتكن الناس على الرؤى، الرؤى جعلها الله تبارك وتعالى أناساً للعاملين.
الأمر الثاني من تدخل الغيب ومن يد الله في المعركة، وهو ما حدث في ارض المعركة من نزول المطر؛ كان صحيح المسلمين والمشركين كانوا في أرض واحدة، لكن كانت الأرض التي تحت المسلمين أقرب إلى أن تكون رملية أرضاً، يعني أقرب إلى أن تكون رملية ليست رملاً، ولذلك كان يهيج فيها الغبار، وكانت لا تثبت فيها الأقدام، فلما نزل عليها المطر تبلدت، ونزل المطر على المسلمين خفيفاً بينما نزل على المشركين شديداً، وهو في نفس وهم في نفس الأرض، فاذا بأقدام المشركين توحل في أرض المعركة، فكان السلاح الواحد سلاح المطر مما ثبت الله به المؤمنين، ومما يعني زاد به المشركين حرجا وعنتاً، وكان المسلمون في ذلك قد عطشوا وقد احتاجوا إلى الطهارة، بعضهم كان جنباً وبعضهم قد احتلم، فلما أنزل الله تبارك وتعالى عليهم المطر شربوا منه وتطهروا. ولذلك يقول ربنا: إِذ يُغَشّيكُمُ النُعاسَ أَمَنَةً مِنهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيكُم مِنَ السَماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذهِبَ عَنكُم رِجزَ الشَيطَانِ وَلِيَربِطَ عَلى قُلوبِكُم وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقدامَ، فهذا أيضا كان من تثبيت الله تبارك وتعالى للمؤمنين ومن إعناته تبارك وتعالى للكافرين.
الأمر الثالث ما جعله الله تبارك وتعالى في عيون المؤمنين وفي عيون المشركين من تقليل العدد، فالله تبارك وتعالى قلل المؤمنين في عيون المشركين وقلل المشركين في عيون المؤمنين أيضا تمام. وهذا في قوله تعالى: إِذ يُريكَهُمُ اللَهُ في مَنامِكَ قَليلاً وَلَو أَرَاكَهُم كَثيراً لَفَشِلتُم وَلَتَنازَعتُم في الأَمرِ. الإنسان يا جماعة الخير يندر في البشر من يقبل على معركة إذا لم يكن له فيها أمل الفوز، يندر جداً، فلذلك كلما رأى الإنسان أن الفوز ممكن والنصر ممكن أقبل، وكلما رأى أن القوى المادية أكبر وأوسع منه بكثير كلما أحجم وتأخر، فلذلك لما أراد الله تبارك وتعالى أن تكون هذه المعركة معركة فاصلة بين أهل الحق والباطل، كان من حكمة الله تبارك وتعالى أن يقلل المشركين في أعين المؤمنين ويقلل المؤمنين في أعين المشركين.
ماذا سيحدث هنا؟ يتصور كل فريق من الفريقين أن نصره ممكن، فلذلك قال تعالى: إِذ يُريكَهُمُ اللَهُ في مَنامِكَ قَليلاً وَلَو أَرَاكَهُم كَثيراً لَفَشِلتُم وَلَتَنازَعتُم في الأَمرِ وَلَكِنَّ اللَهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذ يُريكُموهُم إِذ التَقَيتُم في أَعينِكُم قَليلاً وَيُقَلِّلُكُم في أَعينِهِم لِيَقضِيَ اللَهُ أَمراً كانَ مَفْعولاً وَإِلَى اللَهِ تُرجَعُ الأمورُ. ومن مصداق هذا ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى إني لأقول للرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ وهم كانوا كم؟ ألف، اقول للرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ فيقول: أراهم مئة. والمسلمين كام؟ ثلاثمئة مع أنهم ألف.
وحقيقة يا جماعة الخير أيضا مما نستفيده من هذا، لا سيما القادة العسكريون ولا سيما قادة الحركات الإسلامية، هو ضرورة أن يكون لديك خطاب يقنع الناس بإمكانية الانتصار في هذه المعركة، لأنه صحيح المسلمين فيهم عدد هائل من الأبطال والنوادر والأفذاذ الذين يمكن أن يقوموا بعمليات استشهادية، لكن يظلون قلة. الجموع لا تسا بالخطاب المثالي، الخطاب الذي ليس فيه شيء من أحوال الأرض ومن أمور الأرض، يعني يا جماعة الخير نحن تكلمنا أن أهل بدر كانوا هم أفضل الناس، أفضل الصحابه أهل بدر تمام. لو أن أهل بدر وهم أفضل الصحابه، لو اهل بدر وهم أفضل الصحابه لم يكونوا من البشر أو كان ينفع معهم فقط الخطاب المثالي الحالم، ما أنزل الله عليهم هذه الآيات ولا أعطاهم ربنا تبارك وتعالى هذا المدد.
يعني القاعدة المعروفة: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع تمام، طبيعي جداً لا تقود الناس إلى معركة يرونها معركة انتحارية وترجو أن يكثر وراءك الناس، لا، لو هذا يصلح في أحد، لو يصلح في جمع لكان أولى الجموع أن يصلح فيه هم أهل بدر. ولكن أهل بدر على جلالتهم انزل الله تبارك وتعالى عليهم من الآيات وصنع لهم من الصنائع ما يجعلهم يوقنون حتى بالمقياس المادي أنهم منتصرون، هذا أمر يجب أن نستوعبه جيدا، وسياتي معنا إكمال له ان شاء الله.
طيب، فالرابعاً: ما أورده ربنا تبارك وتعالى من إصابة المشركين بما رماهم به رسول الله. نحن ذكرنا قبل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما دعا ربه وابتهل إليه وألح عليه في الدعاء، قام من سجوده أو قام من إغفائته هذا ورد وهذا ورد وهو يقول: أبشر يا أبا بكر بالنصر هذا جبريل يقود الملائكة، آخذ بعنان فرسه على ثناياه النقع، يعني على ثناياه على أطرافه التراب.
طيب، قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول، بعده أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بحصباء فألقاها في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه. فما بقي مشرك في صف المشركين إلا وأصاب عينه شيء من هذه الحصبة التي ألقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قول الله تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى. تمام، فهذه من يد الله التي كانت في المعركة، أصاب أعينهم منها من هذه الحصب.
الأمر الآخر: ما قذفه الله تبارك وتعالى في قلوب المشركين من الرعب: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ. وأيضا مسألة الرعب هذه إذا نزلت، إذا نزلت بأحد تحيل أشد الأبطال إلى خوار، فمسألة قذف الرعب هذه أيضا من أمور الغيب التي لا يراها ولا يعرفها إلا الله تبارك وتعالى، وهذه، هذا الوارد في علم الغيب أيها الإخوة الأحباب من مزايا تاريخنا الإسلامي، وهذه مسألة نحتج بها على كثير من الأمور حتى في أبواب العقائد.
نحن حين نقول الصحابة مثلاً، الصحابة رضوان الله عليهم، الصحابة رضوان الله عليهم قاتلوا بعضهم بعضاً، اليس كذلك فيما بعد في زمن الفتنة؟ فمما نستدل به على أنه هؤلاء الصحابة لا ينبغي أن نحاسبهم ولا أن نقرا تاريخهم كما نقرا تاريخ بقية البشر، هذا الغيب الذي كشف لنا عنه (بقية الناس التي تتقاتل يصح أن نقول: فلان أراد الدنيا، ويصح أن نقول: فلان أراد الملك، وفلان كان عنده شهوة كذا، يصح أن نقول ذلك)، لكن الصحابة رضوان الله عليهم.
زكى الله أعمالهم وزكى قلوبهم، فلذلك كشف لنا من بواطن الصحابة شيء لم ينكشف لم ينكشف مثله عن غيرهم لنا. فمن هاهنا نكف عما شجر بين الصحابة، ونلتمس لأفعالهم أحسن المحامل؛ لأنه قد كشف لنا عنهم علم غيب، أظن هذا واضحاً. طيب، فالآن ما نراه من معية الله تبارك وتعالى للمؤمنين هو مما يكشف ومثله مما يعني يحدثنا به بعض أهل الساحات وأهل الثغور وأهل الجهاد، فإن الله تبارك وتعالى لم يزل ينزل كراماته على عباده الصالحين، ولكنه لا يثبت لنا ولا نستطيع تصديقه يعني أو اليقين به مئة بالمئة إلا حين يردنا على هذا النحو الصحيح.
طيب فقذف الرعب في قلوب المشركين أيضاً من يعني إغاثة الله وإعانة الله لعباده، ومن كذلك من إعانة الله لعباده إزاحة الشيطان، وذلك في قول الله تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ. يروي أهل السير أن الشيطان تمثل للمشركين في صورة سراقة بن مالك، أحد الأشياء التي خوفت المشركين وكادوا أن يعودوا لأجلها إلى مكة وأن يعني يرجعوا عن القتال، أنهم تذكروا عداوتهم مع بني بكر مع كنانة، فتمثل لهم سراقة بن مالك وهو من وجوه الكنانيين، فقال لهم: لكم عليَّ ألا يصيبكم من كنانة شر وأنا جار لكم يعني أنا حليف لكم. فهذا الذي شجعهم على القتال، وكان يمضي معهم بالفعل حتى اللحظة التي رأى فيها جبريل يقود الملائكة فنكص على عقبيه وهرب. امسك به أاحدهم قال: يا سراقة تتركنا والامر هكذا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون. والقى بنفسه في البحر، وتقول بعض الروايات إنه خاف لأنه ظن أن هذا هو أجله، أنه سيقتل على يد الملائكة، فكان يهرب ويقول: اللهم إني أسألك نظرتك نظيرتك يعني إمهالك وامدادك الذي قال: رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فهذه أيضاً من الأمور التي أزت المشركين إلى القتال وساقتهم إلى حتفهم.
طيب والامر الاخير والامر الأشهر وهو نزول الملائكة لتقاتل مع المسلمين. وجاء في سورة آل عمران: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.
طيب وجاء كذلك في سورة الأنفال: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. مردفين يعني العلماء الذين قالوا هم ألف أم ثلاثة آلاف أم خمسة آلاف كل هذا لا يعترض الألف تبعها ألفين تبعها ألفين فصاروا خمسة آلاف وما جعله الله طبعا الآية في سورة الأنفال: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
وطبعا التشابه في القرآن يا جماعة ليس تشابها عفو الخاطر أصلاً الكاتب المجيد والشاعر المجيد الناس تظل تتامل في أقواله وفي لماذا اختار هذا اللفظ ولماذا قدم هذا اللفظ ده الكاتب والشاعر يعني فما بالك بالكتاب المعجز! فالله تبارك وتعالى لأن سورة الأنفال كانت سورة عتاب ولوم للمؤمنين وكانت سورة تذكير بنعم نعمة الله على المؤمنين فلذلك كانت اللهجة يعني كان التركيز فيها على هذه النعمة وعلى هذا المدد، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، لأنه النفس متشوفة ومتشوقة إلى إيش؟ إلى الغيث، إلى الإمداد، إلى الملائكة فلذلك سبق هنا فقال: وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وفيه التأكيد على هذا المعنى، بينما في سورة آل عمران ذكر هذا على نحو الخبر لأن هذا الكلام ذكر عند غزوة أحد الله تبارك وتعالى يقول: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ تمام فلذلك هنا طمأنة القلوب فلذلك قال ربنا تبارك وتعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ لأن المعنى المقصود الآن قبل غزوة أحد إيه؟ اطمئنان القلوب وليس التشوف إلى المدد والغيث. مفهوم هذا ولا الكلام ده شوية؟
على كل حال هناك عدد من الكتب في متشابهات القرآن جميلة جداً، من أشهرها طبعا كتاب غرة التنزيل ودرة التأويل للإمام الكرماني، ومنه كتاب كشف المعاني عن المتشابه من المثاني للإمام ابن جماعة وغيرهم. ويفتح الله فيه تبارك وتعالى على كثير من الناس، ومن ممن فتح عليهم في هذا الباب في العصر الحديث الشيخ الشعراوي، من يطالع تفسيره يجد له تأملات جميلة جداً في توجيه آيات توجيه المتشابه اللفظي.
لكن الخلاصة الآن أن الملائكة نزلت لتقاتل مع المسلمين وهذا ثابت بالقرآن الكريم، وثابت بعدد كبير جداً جداً من أحاديث السنة. ولكن انظر هنا يعني توقف بعض العلماء عند قوله تعالى: بألف من الملائكة بـ 3000 من الملائكة بـ 5000 من الملائكة، وسالوا السؤال الطبيعي الذي يأتي في أذهان الناس: طيب ألم يكن ملك واحد يكفي؟ الملك الواحد ألم يكن يكفي؟ هم في الآخر ألف من المشركين اعتبرهم يا سيدي 100 ألف من المشركين، ألم يكن ملك واحد يكفي لهزيمتهم؟ فلماذا ذكر الله تبارك وتعالى هذه الاعداد؟ 1000 من الملائكة و3000 وخلافه. من يستطيع أن يفكر في إجابة؟ قول يا شيخ عبد. عشان القض... جميل هذا وجه جميل. أمم حد عايز يجتهد؟ ممكن من باب يعني تبيين أنه الله عز وجل استجاب لهم العدل بالرغم من أنه جيد لكن ما ما دلالة ال ما دلالة الاعداد يعني لو قال تعالى: فاستجاب لك استستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بجبريل مثلاً ألم يكن هذا ليلقي الطمانينة في القلوب؟ كأن أنا يعني أناقش الرأي فقط. ممكن العرب عددهم قليل...
عاش عدد لا يهزم. ما لم افهم تحديد أنه لا يهزم 10000. أيوه ماشي بس احنا ما وصلناش لـ 12000، وبعدين ده هم كلهم 1000 المشركين. العرب نعم يعدد نعم يعدد أن الملائكة يعني أن عدد الملائكة ليس بفضل بها بمفرد واحد ولا الملائكة وهم كما ذكر أنا ما أعتقد ليلة القدر مثلاً أنهم عددهم أكثر وكثير ولكن يحتاجهم مثلاً زي القمر. لا يا رجل إزاي كثير! طبعا على كل حال خير.
أنا وجدت كلمة لطيفة للإمام السبكي رحمه الله كان يقول: فتاملوا في هذا يا جماعه الخير! كان يقول: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة الجيوش رعاية لصورة الاسباب وسنتها التي اجراها الله تبارك وتعالى في عباده. تمام؟ يعني الأصل في الفعل الملائكة ولا ولا الصحابه؟ من هو الأصل؟ الصحابة النبي وصحابته والملائكة على هيئة المدد الذي يلحق بالجيوش، وأيضا فيها مراعاة اسباب الفعل السنن الجارية بين الناس. تمام وأرى والله أعلم أن هذه الاعداد أيضا داخله في الجزء الذي تكلمنا عنه قبل قليل وهو النفوس النفوس تطمئن إلى عدد الآلاف والآلاف أم إلى عدد الواحد والاثنين؟ فانظر أيضا إلى تربية الله تبارك وتعالى للنفوس وإلى مراعاته هذه البشرية الموجودة حتى في نفوس أهل بدر.
ولذلك يا جماعه أنا أعيد يعني أعيد وأكرر: يجب ألا نفترض في الناس أنهم مثاليين، يجب ألا نفترض في الناس أنهم يقدمون على معارك يعني بين قوسين انتحارية، معارك لا أمل فيها، أقل الناس من يقدم على مثل ذلك أقل الناس ولذلك نبينا صلى الله عليه وسلم عبر عن هذا الصنف فقال: سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. ده مش شهيد عادي، ده إيه؟ سيد الشهداء! الانسان اللي عنده قوة نفسية تمكنه أن يقف موقف الموت من أجل الحق ده نادر في الناس، وإلا لصار أسياد الشهداء كثير. عارفين ما في ما ينفعش يبقى السيد كثير أصلاً. كلمة المتنبي: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والاقدام قتال. الجود لو ما كانش يفقر كان كل الناس بقت كرمه، صح ولا لا؟ لكن بما تميز الجواد؟ بما تميز الكريم؟ إنه يخاطر بالفقر. طيب بما تميز المقدام؟ إنه يخاطر بالقتل. الجود يفقر والاقدام قتال ولولا المشقة ساد الناس كلهم.
فلذلك رعاية شأن الجموع وبالذات هذا أمر يتعلق بالقيادة، رعاية شأن الجموع لا بد فيه من مراعاة الأسباب المادية، لا بد فيه من مراعاة هذه النفوس المادية. فلذلك نرى هنا نرى ربنا تبارك وتعالى أنعم على أهل بدر -اللي هم صدر الناس، صدر الإسلام، صفوة الصحابة- بأنه لم يخرق لهم حتى هذه السنن البشرية، فكان يطمئنهم بقذف الرعب، وبالتقليل في الأعين، وبنزول المطر، وبالنعاس الذي يغشيهم أمانة منه، ويطمئنهم بكثرة أعداد الملائكة التي تساعدهم وتعينهم، فأمر يجب ألا ننساه.
لذلك المهم من الأخبار الكثيرة التي وردت في السيرة في شان القتال الملائكة قال عكرمه -وعكرمه هذا من تلاميذ ابن عباس وهو الراوية عنه-: قال كان يندر رأس الرجل -يندر يعني يسقط- يندر رأس الرجل لا يدرى من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدرى من قطعها. هذه الصورة التي رواها ابن عباس، وطبعا ابن عباس في ذلك الوقت كان صغيرا لم يحدث لم يحضر المعركة، لكن ابن عباس كان مهتما بجمع الحديث والسنة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. وابن عباس يقول: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة صوت، سمع ضربة صوت فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم -حيزوم يعني اسم الفرس- الفارس يقول لفرسه: أقدم حيزوم! فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر فإذا هو قد خفه خطم أنفه -يعني عليه على أنفه ضربة كضربة الصوت- وشق وجهه وأخضر ذلك جميعه. فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة.
ومما روي أيضا عن أبي أمامة بن سهل أنه قال قال لأبي: يا بني، لقد رايتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيسقط يقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. وكذلك عن أبي داوود المازني البدري قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قتله غيري.
ومن ذلك أيضا ما روي في أسر العباس رضي الله عنه. احنا ذكرنا أن العباس العلماء مختلفين فيه كان مسلما يكتم إسلامه ولا أسلم قبيل الفتح، لكنه خرج مع قومه مكرهأ وأسر وسناتي لقصه له أيضا بعد قليل في الأسر إن شاء الله. طيب العباس لما أسر طبعا العباس كان رجلا جسيما، تمام؟ فأصاره من المسلمين رجل قصير، سيدنا علي رضي الله عنه يروي هذا الحديث عند أحمد بسند صحيح يقول: إذ جاء العباس مأسوراً أسره رجل من الأنصار قصير، تمام، وهو يقول: أنا أسرته يا رسول الله. فقال العباس: والله يا رسول الله ما أسرني هذا، لا مش ده، إنما أسرني رجل أجلح -الأجلح هو الرجل الذي انحسر شعر جانبي رأسه يسمونها الآن ثعلبة- وإنما أسرني رجل أجلح على فرس أَبْلَقَ -الأبلق اللي هو الفرس الذي بياض قوائمه يصل إلى فخذه، الفرس اللي هو يعني قوائمه رجلاه ويداه أبيضاء- وإنما أسرني رجل أجلح على فرس أَبْلَقَ ما أراه في القوم. فقال الانصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أيدك الله بملك كريم.
دي رواية علي رضي الله عنه. هناك رواية أخرى عن ابن عباس، تمام، وأرجع أقول ابن عباس طبعا لم يحضر المعركة، ولكن أبوه العباس وابن عباس كان حريصا على أن يجمع السنة مشهور ابن عباس في مسألة حرصية على جمع السنة، وطبعا حريص على جمع السنة فأكيد يعني هيححرص يعرف قصة أسر أبيه أول حاجة المفروض يأخذ باله منها: كيف أسر أبوه؟ فرواية ابن عباس تكشف اسم الصحابي الذي أسر اسمه أبو اليسر بن عمرو، أبو اليسر بن عمرو الأنصاري. ففي رواية ابن عباس بقى جاء أبو اليسر بالعباس مأسوراً، طبعا أبو اليسر قصير والعباس رجل... فسأله: كيف أسرته يا أبا اليسر؟ فقال يا رسول الله: أعانني عليه رجل لا أراه في القوم. قال: صدقت، قد أيدك الله بملك كريم.
ماشي، والملائكة لم تقاتل إلا في يوم بدر. وطبعا مما يجب أن أذكر به هنا أنه الأصل أن الصحابة استبسلوا في القتال، وذكرنا في المجلس الماضي صوراً من صور استبسالهم في القتال، وإنما كانت الملائكة على وجه يعني على وجه المدد كما قال الامام السبكي. وذكرنا مسألة المعركة والتخطيط لها والوصول إلى بئر بدر وأن يجعل الشمس في وجه المشركين وفي ظهر المسلمين.
الخلاصة يا جماعة الخير أنه الملائكة تنزل على قوم أخذوا بالأسباب، الملائكة لا تنزل على قوم فرطوا في الأسباب. ولولا أن قص الله تبارك وتعالى علينا هذا لكان يمكن للتحليل المادي العسكري للمعركة أن يؤدي إلى انتصار المسلمين بهذه الأمور التي ذكرناها.
طيب، الآن كيف كان خبر المعركه في مكة؟ طبعا أهل مكة أول الواصلين إليهم رجل اسمه الحيسمان بن عبد الله الخزاعي. طبعا هذا الرجل وصل إلى مكة واستشرفه القوم: ما وراءك؟ قال: اسمعي بقى... يعني مش عايز أقول لك تخيل نفسك عايز أقول لك تخيل المشهد! لكن تخيل أهل مكة وقد القوا بأفلاط أكبادهم في معركة عليها كبار القوم ورايحين يقابلوا ناس عرضوا لقافلة! فالحسييمان هذا الحيثمان
هذا قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وأبو الحكم بن هشام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود.
عارف أنت شريط عاجل عاجل عاجل كده؟ عارف لو أنت بتتابع على قناة تليجرام، وحتى عاجل على شاشة يعني، لو عايز أقول إيه قربها بس دلوقتي بلاش اقول كلام يخوف، خلينا نقول إيه عاجل اغتيال نتنياهو مثلا، ثم اغتيال رئيس الأركان، اغتيال رئيس الشاباك، اغتيال ترامب، اغتيال، لو نزلوا ورا بعض دول هيحصل إيه؟ العالم يتزلزل فعلا. طيب، ده اللي كان حاصل بالنسبة لنفسية الرجل المكي في ذلك الوقت، اللي هو قتل فلان قتل فلان إيه ده؟
فكان صفوان بن أمية جالسا في الحجر -حجر الكعبة- عمال يسمع، راح قال: أن يعقل هذا؟ الراجل ده عاقل؟ طبعا أنت أول برده ما هتشوف العواجل دي هتقول إيه؟ هو حصل تهكير لموقع الجزيرة مثلاً يعني؟ أول ما هتشوفها كده يعني هو إيه اللي حصل يعني؟ فقال: أن يعقل هذا؟ طب سالوا عنه، فواحد قال له: وما فعل صفوان بن أمية؟ قال له: صفوان بن أمية هو في الحجر.
فأيقن القوم أن الراجل إيه لا يزال عاقلا، وأن ما ينقله يعني أخبار صحيحة. فتلقت مكة هذه الضربة القاسية القاصمة التي فتكت بقيادتها جميعا، ولأجل هذا لأجل هذا كانت معركة بدر معركة فاصلة ومعركة حاسمة؛ لأنها أفنت قيادات مكة، لم يبق بعدهم إلا أبو سفيان تمام الوحيد الذي نجا، لكن صف القيادات الأول ده كله ذهب.
وبالتاكيد لو أنت داخل في معركة مع أي قوم واستطعت تصفية الصف الأول، إيه اللي بيحصل؟ تنهار، تنهار هذه الجبهة، زي ما حصل مثلا في حزب الله في لبنان، ضربة اغتيال، ضربة اغتيال ثانية، انتهى الصف الأول والثاني. لذلك، لو حد فيكم متابع أخبار لبنان اليوم، في خبر أنه الجيش اللبناني يتمكن بمساعدة المخابرات الإسرائيلية من تفكيك 80% من سلاح حزب الله، والتراجع اللي متابع منكم هيرعفه، بس في النهاية معركة بدر معركة في غاية الخطورة، في غاية الحسم، في غاية القوة؛ لأنها أفنت القيادة في مكة، وسناتي بعد ذلك لشيء يشير إلى هذا.
طيب، مما يروي أيضا أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذه الرواية التي ساذكرها الآن هي ضعيفة عند المحدثين، ولكن يعني ضعف يتساهل معه في شان السيرة، وخصوصا وأن هو يدعمه أمور صحيحة، كان ممن لم يخرج في بدر من قيادات مكة أبو لهب، أبو لهب كانت له يد كان له دين فأخرج بدلا منه آخر هو هشام بن العاص.
طيب، فأبو لهب يقول أبو رافع: نحن كنا -يتكلم عن بيت العباس- عباس يقول إنه أهل بيت العباس كان بيتا من المسلمين، ولكن العباس كان رجلا يكتم إسلامه؛ لأنه يكره أن يهابه قومه، ويكره خلافه، وله مال كثير متفرق في قومه، لكن هو مسلم وزوجته أم الفضل مسلمة، فنحن أهل بيت المسلمين.
فلما وردنا الخبر -يعني جاء لنا بعزة وقوة- شعرنا بعزة وقوة، مرة من المرات هو بيقول له: أنا كنت أصنع الاقداح -الأقداح الأواني أو الأقداح هي الأقداح التي كانوا ينصبون بها الأزلام- تمام قال: كنت أصنع الأقداح في بيت عند زمزم فجلست فيه أنحت أقداحي، وجاء أبو لهب وجلس عند طنب الحجرة -يعني عند طرف الحجرة- هكذا.
وأقبل أحد الناس -أظنه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب إذا لم تخني الذاكرة- فقال: أقبل يا ابن أخي، أقبل لعمري أن عندك الخبر، تعالى قول لي إيه اللي حصل؟ فقال الرجل: والله ما إن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا يقتلوننا كما شاء، وله ما ألوم القوم، لقد رأينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض لا تليق شيئا ولا يقوم لها شيء.
أبو رافع لم يمسك نفسه، قال: الله أكبر، تلك والله الملائكة. قال: فأمسكني أبو لهب وكنت رجلا ضعيفا، فخبط بي الأرض ثم برك علي وصار يضربني. تمام، فلم تجد أم الفضل إلا أن تأخذ عمودا من طرف الحجرة فضربته به على راسه فشجته شجا منكرا، وقالت: استضعفته أن غاب سيده -لانه الآن هو مولى العباس كان غلاما للعباس بعد ذلك سيكون مولى للنبي صلى الله عليه وسلم- استضعفته أن غاب سيده.
قال: فولى أبو لهب ذليلا هاربا، فلم يلبث إلا سبع ليال حتى أرسل الله عليه العدسة فقتلته، العدسة كان مرض كان يظهر وكانت قريش تجتنبه كما تجتنب الطاعون، كأنه كان ينبت في الجلد أو في مواضع منه حبات كالعدسة، فكانت قاتلة لا يعرفون لها دواء، فظل في بيته حتى مات وما اجترأ أحد أن يقترب منه حتى أنتن في بيته.
حتى جاء رجل من قريش وقال لولديه: ألا تدفنان أباكما؟ قالا: نخاف من تلك العدسة، قال: أعينكما أنا عليه؟ قال: فواللاه ما غسلاه إلا قذفا بالماء من بعيد، ثم أولياه إلى جدار -يعني كأنهم بالعصي أو ما شابه أسندوه إلى جدار- ثم احتمل فدفنوه بإلقاء الحجارة عليه لكي لا يقتربوا منه.
طبعا أبو لهب ما قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم؟ عمه، ولكنه اختار الكفر، وفيه نزل قول الله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ.
طيب، فالقرشيون طبعا أول ما جاءهم الخبر، يروي موسى بن عقبة في المغازي أنه عُقرت خيول كثيرة وراحل كثيرة، زمان وهذا يحدث الآن حتى يعني بعض الناس لما واحد يتعصب كده يروح مكسر التليفون مكسر التلفزيون، قديما كانوا يعقرون الخيل -يعقرون الخيل يعني يقتلون الخيل يقتلون الرواحل- كنوع من التعبير عن الحزن وعن الغضب، وحبسوا مال القافلة -الأموال التي كسبوها في القافلة حبسوها لكي يجهزوا بها حربا جديدة ضد النبي صلى الله عليه وسلم- وأمروا ألا ينوح أحد على قتلى بدر لكي لا يشمت بهم المسلمون -يعني يتجلدوا لكي لا يشمت بهم المسلمون- أمروا ألا يسارع أحد في افتداء الأسرى لئلا يغلو عليهم المسلمون في الفدية.
تمام، الإمام ابن كثير له هنا يعني ملمح لطيف يقول: وهذا من عذاب الله لهم؛ فإن النوح والبكاء يرطب قلب المحزون، فهم كمان لما إيه لما منعوا النياحة كان الإنسان حزين ولا يستطيع أن يعبر عما في نفسه، ولذلك مما يروى في هذا أنه الأسود بن المطلب -الأسود بن المطلب اللي هو أبو زمعة بن الأسود- هذا قتل له ثلاثة أبناء، وكان رجلا كبيرا ضريرا -طبعا لا يستطيع أن يبكي- إلى أن سمع ذات ليلة واحدة من النساء تبكي وتنوح، فأرسل غلامه، قال: اخرج فانظر لماذا، فانظر هل أحلت قريش الندب على قتل بدر؟
فذهب وعاد يقول له: إنما تنوح على بعير لها أضلته -في جمل ضاع منها فهي إيه زعلانة عليه- فأنشا يقول: اتبكي أن يضل لها بعير ويمنعها عن النوم السهود؟ فلا تبكي على بكر، ولكن على بدر تقاصرت الجدود.
الجدود يعني الحظوظ، تقاصرت الجدود يعني الحظوظ كانت سيئة بالتعبير المعاصر يعني، فلا تبكي على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود.
وذكر أبناءه ثم قال: ألا قد ساد بعدهم رجال، ولولا يوم بدر لم يسودوا. وهذا ما كنت أذكر لكم في مسألة الآية الطبقة القيادية التي انتهت، ألا قد ساد بعدهم رجال، ولولا يوم بدر لم يسودوا.
طبعا احنا المسلمين نعرف خصوصا في زماننا هذا يعني الألم والحسرة التي يسببها فقد القائد، فقد الناس التي لا يسد مسدها أحد. أنتم عارفين زمان قال شاعرهم: أنبئت أن النار بعدك أووقدت، واستب بعدك يا كليب المجلس، وتحدثوا في أمر كل عظيمة لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا.
فعلا لما نتذكر الآن مثلا أسر الشيخ حازم أبو اسماعيل رحمه الله، من يسد مسد الشيخ حازم الآن؟ ما من أحد. بل كثير من إخواننا حتى أخونا حسام أبو البخاري، من يسد مسد حسام أبو البخاري؟ من يسد مسد أخونا أيمن عبد الرحيم؟ وكثيرون وكثيرون يعني. ألا قد ساد بعدهم رجال، ولولا يوم بدر لم يسودوا.
طيب، أما في المدينة المنورة فكيف كان الخبر في المدينة؟ أرسل النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة لإبلاغ المسلمين بالخبر.
قال أسامه بن زيد -واسامه بن زيد في هذه اللحظة كان صغيرا أولا، لكنه كان في مهمة أخرى، حد فاكر يا جماعه الخير ذكرنا أن سيدنا عثمان بن عفان تخلف عن غزوة بدر؟ حد فاكر ليه؟ عشان يحش ليك جائزة إن شاء الله المره اللي جاية- لأن زوجته رقية بنت رسول الله كانت مريضة، وكان باقي عثمان معها يمرضها.
رقية رضي الله عنها ماتت والنبي في بدر -يعني عاد النبي فوجد ابنته قد ماتت- من الأمور الملحوظة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم تكتمل له فرحة، ما إن يحدث شيء من النصر حتى، وهي الدنيا كده، الدنيا هكذا كما قال شاعرهم: طبعت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذاء والأكدار، ومكلف الأشياء ضد طباعه متطلب في الماء جذوة نار.
سيدنا أسامة بن زيد يقول: ما فرغنا من إهالة التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء أبي زيد بن حارثة وهو يقول: نصر الله المسلمين، وقتل فلان وفلان وفلان. أسامة بن زيد بيسمع الخبر من مين؟ من أبوه صح. فكان يقول: أو حقا يا أبي؟ معقول الكلام ده؟ ثم قال: فوالله ما صدقت حتى جاءت الأخبار، حتى جاءت الأسرى.
ما هو زي ما في مفاجأة مروعة في مكة، في كمان أخبار غير متوقعة في المدينة، يعني أن يقتل سبعون وأن يؤسر سبعون، أسامة بن زيد لم يستوعب الخبر الذي جاء به أبوه زيد بن حارثة إلا لما جاء الأسرى، فهذا كان الخبر في المدينة؛ لان طبيعي يعني المدينة قوم ناس خرجت لمقابله العير ثم تغيرت كل الأمور، فوجدوا أنفسهم في جيش، وجدوا أنفسهم في مواجهة جيش فيه كبار أهل مكة، الطبيعي يعني ماذا ترجو؟ ماذا يرجو أي أحد في مثل هذا الموقف؟ مجرد النجاة، مجرد التعادل، انتهاء المعركه بالسلم، الدخول في مفاوضات، يعني هذا ما يرجوه أي أحد يعرف المعركة.
لكن تنتهي المعركة بقتل هؤلاء وأسر هؤلاء، والمسلمين لم يمتهم إلا رجلان، كان أيضا مشهد هائل في المدينة. طيب، فبالتالي ارتفع شان المسلمين في المدينه، قويت هيبتهم، وهنا حدث أمران.
المدينة كما ذكرنا كان فيها مسلمين، وكان فيها مشركين، وكان فيها يهود. طيب، أما المشركين فكانوا يقولون، المشركين واليهود كانوا يقولون: غر هؤلاء دينهم، ناس راحة تقاتل قريش، قريش دي القوة الإقليمية في ذلك الوقت، غر هؤلاء دينهم.
الآن حين جاء الخبر، أما معسكر المشركين فقد انهار؛ معسكر المشركين في المدينة بعد بدر لم يعد في المدينة عرب مشرقون يعبدون الأوثان، أسلموا فمنهم من أسلم وحسن إسلامه، ومنهم من أسلم نفاقا كحال عبد الله بن أبي بن سلول وآخرين معه.
يبقى غزوة بدر من آثارها في المدينة أنها صفت معسكر المشركين، ومن آثارها في المدينة أنها أظهرت الحقد الذي يكنه اليهود؛ اليهود كانوا قاعدين ماسكين نفسهم طوال سنة ونص منذ الهجرة إلى هذه اللحظة، المشاكسات المشاغبات كلها مشاغبات كلامية، أما ظهور حقدهم فقد كان بعد بدر، ولذلك سيبدأ منذ الآن حرب النبي صلى الله عليه وسلم مع طائفة جديدة هي طائفة اليهود.
لذلك سيكون لنا بعد كل غزوة كبيرة للنبي صلى الله عليه وسلم غزوة مع اليهود؛ يعني غزوة بدر سيتلوها بعدها غزوة بني قينقاع، احنا قلنا اليهود في المدينة لما تكلمنا عن المدينة كانوا عدد من الناس، لكن في كتل كبيرة: بنو قينقاع، بنو النضير، بنو قريظة. بني قينقاع كانت الحرب معهم بعد بدر، بني النضير كانت الحرب معهم بعد أحد، بني قريظة كانت الحرب معهم بعد الخندق.
وبعد صلح الحديبية بقي المركز الخارجي لليهود وهو خيبر، فبعد صلح الحديبية بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في فتح خيبر. فهذا أثر بدر في المدينة، ولذلك يا جماعة الخير من الدروس المهمة التي يجب أن نستوعبها، أنه النصر في المعركة هو أقصر الطرق لانتشار الأفكار، والهزيمة في المعركة برضه هي أقصر الطرق لهزيمة الأفكار.
يعني فاكرين أنتم أيام الربيع العربي؟ أيام الربيع العربي حصل ازدهار، ازدهار في التعلق بفكره الثورة الشعبية السلمية، صح ولا لا؟ عظيم. لما فازت النهضة في تونس، وفاز الإخوان في مصر، حصل إيقاع على الفكرة الإسلامية بين قوسين السلمية، صح ولا لا؟
طيب، حصل الانقلاب في مصر، كفر الجميع بالفكرة السلمية، وظهرت الآية الفكرة الجهادية، وكانت يعني الانقلاب في مصر ده أدى إلى ربيع داعش في 2014 وما بعدها، اللي هو خلاص بقى إيه سلميتنا أقوى من الباذنجان ومن البطيخ والكلام ده، وإيه والسيف أصدق إنبان من الكتب.
موجه الإلحاد التي حصلت في العالم العربي حصلت إمتى؟ بعد هزيمة الإسلاميين أيضا. قاعدة الأفكار تنتشر حين تنتصر، وتنكسر تنحسر حين تنكسر. ولذلك حقيقة مهما بذلت مهما بذلت من مجهود في الدعوة إلى فكرة، فلا يمكن أن تحقق هذه الفكرة انتشارا إلا إذا انتصرت في معركة.
وأظنني ذكرت وكررت ولربما مللت وامللت، أن خلاصة السيرة النبوية قد نجمعها في هذه العبارة: النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة يدعوهم إلى الإسلام ماذا قالوا؟
كاهن، ساحر، شاعر، مجنون، طيب دعاهم إلى الإسلام هو الإسلام، برضه ما تغيرش لكن كان معاه 10000 سيف. في في فتح مكة، ماذا قالوا؟ أخ كريم وابن أخ كريم، هذا بص هؤلاء هذه هي الدنيا وهؤلاء هم الناس، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِینِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى. وقال أبو تمام: أجبتهم بحسام السيف منصلتاً ولو أجبت بغير السيف لم تجبي. وهارون الرشيد لما جاءه جاءته رسالة، كان في إمبراطور الروم واحد كده شايف نفسه اسمه نقفور قال له: والله الملكة اللي كانت قبل دي كانت نساء كده وضعيفة، وعشان كده إيه يعني شفت أنت نفسك عليها وبدأت تاخد منها الجزية، إذا وصلتك إذا وصلك كتابي هذا فاردد إلي ما أخذت من الجزية. هارون الرشيد قال له إيه؟ قلب الرسالة كده وكتب على ظهرها: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما ترى لا ما تسمع. كلمتين وإيه كلمتين؟ الجواب ما ترى لا ما تسمع.
فمعركة بدر أثرها الهائل في مكة، حصل في مكة أن المسلمين دول لم يعودوا مجرد الدولة المزعومة الجماعة الإرهابية المتطرفين الهاربين المعارضة في الخارج، لا، دول صاروا إيه؟ قوة إقليمية تستطيع أن تحارب وأن تنتصر. نفس الكلام له مردوده على المدينة، ونفس الكلام له مردوده على سائر القوى في الجزيرة العربية، الآن أنت ترى مشهداً هزمت فيه قريش المستعدة للقتال وقتل فيها قادتها، وانتصار هذه الفئة الضعيفة المطاردة الدولة المزعومة غير المعترف بها، فبذلك ولدت قوة المسلمين في الجزيرة العربية. طيب، هل للمعركة آثار عالمية؟ الحقيقه لا، لم يكن للمعركة آثار عالمية، لأن أنت لو كنت في ذلك الوقت وتصورنا كده أنه كان عندنا وكالة أنباء ولا حاجة، ما كانتش هتجيب معركة بدر دي، كانت ممكن تقول الملك الفارسي عمل كذا واستقبل كذا ولا ما استقبلش، أو ملك الروم عمل كذا ولا ما عملش، ما حدش هينتبه لمعركة قبلية تجري في الجانب الغربي الجنوبي من الجزيرة العربية. حد فيكم بيسمع في أي أخبار دلوقت عن أي معركة بين قبيلتين إفريقيتين مثلاً أو حاجة تحصل في الفلبين، حاجة تحصل في كمبوديا، حد فيكم بيسمع خبر لمعركة؟ معركة بدر حقيقية لم يكن لها أثر عالمي، ولكن هذه هي المعركة التي ستغير وجه العالم.
أنا جئت لكم ببعض الآيه إيه بعض الكلمات التي قالها مستشرقون غير مسلمين في مسألة بدر، طبعا هذا الكلام قاله مسلمون أيضا بس أنا علشان كلام غير المسلمين يكون أشد وقعاً. واحد مستشرق فرنسي اسمه إيميل درمنجم يقول: كانت غزوة بدر فاتحة انتصارات لم تلبث أن غيرت وجه الدنيا. وواحد اسمه ناصر الدين دينيه، هذا كان مستشرق فرنسي وأسلم وتسمى ناصر الدين، يقول في كتابه محمد رسول الله: هذه الغزوة الخالدة التي لم يكن بها من المحاربين إلا عدد قليل، كانت نتائجها من الأهمية بحيث غيرت وجه العالم. واحد دبلوماسي وشاعر ومؤرخ فرنسي اسمه ألفونس دي لامارتين وله كتاب سبع مجلدات اسمه تاريخ الترك، المجلد الأول منه عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، صدرت نسخه عربية بعنوان مختارات من كتاب حياة محمد لألفونس دي لامارتين يقول فيها: ذلك هو الجيش الذي سيبدل وجه العالم بأعمق مما بدلته الجيوش التي تعد مليون رجل وذكر كجيش فلان الفلاني الفارسي أو نابليون، فليس بعدد المقاتلين تقاس الأحداث وإنما تقاس بما وراء الأحداث من أسباب، فإذا كان مليون جندي يقاتلون إرضاء لطموح غاز أو تعظيماً لمجده هلكوا دون أن يخلفوا أثراً سوى عظامهم على الأرض، أما إذا كان 304 و1 يقاتلون في سبيل نُصرة فكرة لا يبتغون منها نفعاً عاجلاً هي فكرة توحيد الله وإظهارها على أهل الشرك فإنهم يفتحون ثلث العالم ليثبتوا فيه على مدى الزمن العقيدة التي كانت تدفعهم، فالنصر مهما كان قول بعض الملوك الماديين في عصرنا هذا ليس للجيوش الجرارة النصر لله ولمن يقاتل في سبيل الله ضد روح الفساد في البشر.
لكن حقيقة يجب أن أخبركم أيضا بأنه وكالة الأنباء العالمية في ذلك الوقت كانت تنقل خبراً آخر أهم، وهو خبر انتصار الروم على الفرس. زمان في المرحلة المكية نزل قول الله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ. طبعا كل الذين قرأوا هذه الآية في وقت نزولها ظنوا أن نصر الله هو نصر الله لمن؟ للروم على الفرس. الآن ما تفسير الآية؟ نصرهم هم على أهل الشرك، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ، ما حدش كان يعرف أن من المسلمين أنهم كجماعة مضطهدة مستضعفة منبوذة تعاني العذاب هم الموعودون بهذا النصر في ذلك الوقت. هذه المعركة يا جماعة اللي هي معركة انتصار الروم على الفرس واحدة من أشهر معارك التاريخ، لأن الفرس كانوا قد بلغوا في تقدمهم أن حاصروا القسطنطينية إسطنبول الآن، وخلاص كادت دولة بيزنطا أن تنتهي تحت الضربات الفارسية. هرقل الذي كان قيصر الروم في ذلك الوقت لم يستطع أن يفك الحصار، بل نفذ معركة ما تزال تدرس باعتبارها أحد التكتيكات العسكرية أنه استطاع أن ينفلت ببعض جنوده من الحصار ويضرب في مؤخرة الجيش الفارسي ويفتح المدن من ورائهم ويهدد ظهرهم، فبذلك أجبرهم على إيه؟ على فك الحصار، ومنها هنا بدأت تنقلب موازين المعركة، ومنها هنا بدأت إيه انتصارات الروم التي انتهت إلى أن استعادوا كلما كان الفرس قد احتلوه.
واضح؟ طيب، فبالتالي لو كان عندنا ما لو كان عندنا وكالة أنباء عالمية كانت ستنقل أي خبرين؟ الحرب العالمية، صح، الحرب العالمية بين الفرس والروم، ما كان أحد ينتبه إلى هذه الحرب الدائرة. ولذلك يا جماعة الخير لا تستهينوا بأي معركة صغيرة تخوضونها في حياتكم، وارد جداً المعركة الصغيرة التي تخوضها في حياتك تكون هي البدر تكون هي بدر الخاصة بك أو بدر الخاصة بهذا الزمن، ما كان أحد في ذلك الوقت في كل هذه الدنيا يتصور أن المعركة الصغيرة التعبانة اللي بين قبيلتين دي التي لم يمت فيها إلا 84 واحد هي التي ستغير وجه الدنيا، لا تدري، لذلك الإنسان لا يستهين بالثغر الذي هو عليه، لا يستهين بالمعركة التي وضع فيها، لا يستهين بالمهمه التي يجب أن يؤديها، الله أعلم أي معاركنا ستكون بدر هذا الزمان.
طيب، ثم ينفتح معنا بعد ذلك موضوعان: حصل خلاف بين الصحابه في أمرين؛ في الغنائم كيف يمكن أن توزع، وفي الأسرى ماذا نفعل به؟ ولان الوقت لن يسعنا الان آه ولان الوقت لن يسعنا الان فان شاء الله باذن باذن الله نستكمل هذا الحديث في الخلاف في الأسرى والخلاف في الغنائم في المجلس القادم في الجمعة إن شاء الله بعد القادمة، عشان الجمعة القادمة ستكون العيد. أسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحياء جيل على خطى السابقين.
محمد إلهامي